منتدى ابناء ميت مسعود

:: أهلاً و سهلاً بكـ فيـ المنتدى
نورتنا بتواجدكـ
و عسى تكتملـ الصورة و ينالـ أعجابكـ أكثر
فتسجيلكـ لدينا يعنيـ أنـ المنتدى نالـ أستحسانكـ
نتمنى أنـ تجد لدينا ما يروقـ لكـ
و أنـ تفيد و تستفيد معنا ::
أهلاً و سهلاً بكـ ..


 
الرئيسيةبحـثالمجموعاتمكتبة الصورالتسجيلقائمة الاعضاءس .و .جدخول
شاطر | 
 

 فقة السنة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 2:20 am

" وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس " . وهذا عام في كل الحالات ، إلا إذا خصص ، وقد خصصته السنة بحديث البيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يقاد مملوك من مالكه . ولا ولد من والده " . ولو صح هذا لكان قويا ، إلا أن الحديث من رواية عمر بن عيسى ، وقد ذكر البخاري أنه منكر الحديث . وقال النخعي : يقتل الحر بالعبد مطلقا ، أخذا بعموم قوله تعالى : " أن النفس بالنفس " . 7 - ألا يشارك القاتل غيره في القتل ، ممن لا يجب عليه القصاص ، فإن شاركه غيره ممن لا يجب عليه القصاص كأن اشترك في القتل ، عامد ومخطئ ، أو مكلف وسبع ، أو مكلف وغير مكلف : مثل الصبي والمجنون ، فإنه لاقصاص على واحد منهما ، وعليهما الدية ، لوجود الشبهة التي تندرئ بها الحدود ، فإن القتل لا يتجزأ ، ويمكن أن يكون حدوثه من فعل الذي لا قصاص عليه - كما يمكن أن يكون ممن يجب عليه القصاص - وهذه الشبهة تسقط القود . وإذا سقط وجب بدله ، وهو الدية . وخالف في ذلك مالك والشافعي رضي الله عنهما . فقالا : على المكلف القصاص ، وعلى غير المكلف نصف الدية . ومالك يجعلها على العاقلة ، والشافعية يجعلونها في ماله . قتل الغيلة : وقتل الغيلة عند مالك أن يخدع الانسان غيره ، فيدخل بيته ونحوه ، فيقتل أو يأخذ المال . قال مالك : " الامر عندنا أن يقتل به ، وليس لولي الدم أن يعفو عنه ، وذلك إلى السلطان " . وقال غيره من الفقهاء : لافرق بين قتل الغيلة وغيره ، فهما سواء في القصاص والعفو ، وأمرهما راجع إلى ولي الدم . وإذا قتلته جماعة كان لولي الدم أن يقتل منهم من شاء ، ويطالب بالدية من شاء وهو مروي عن ابن عباس ، وبه يقول سعيد بن المسيب ، والشعبي ، وابن سيرين ، وعطاء ، وقتادة . وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق . " فقد قتلت امرأة هي وخليلها ابن زوجها فكتب يعلى بن أمية إلى عمر ابن الخطاب - وكان يعلى عاملا له - يسأله رأيه في هذه القضية ؟ فتوقف رضي الله عنه في القضية ، وكان أن قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : " يا أمير المؤمنين : أرأيت لو أن نفرا اشتركوا في سرقة جزور ، فأخذ هذا عضوا ، وهذا عضوا ، أكنت قاطعهم ؟ قال : نعم . قال : وذلك " . وكان أن كتب أمير المؤمنين إلى يعلى بن أمية عامله : " أن اقتلهما ، فلو اشترك فيه أهل ضنعاء كلهم لقتلتهم " . وذهب الشافعي إلى أن لولي المقتول أن يقتل الجميع به ، وأن يقتل أيهم أراد ، ويأخذ من الآخرين حصتهم من الدية . فإن كانوا اثنين وأقاد من واحد ، فله أخذ نصف الدية من الثاني . وإن كانوا ثلاثة ، فأقاد من اثنين ، فله من الآخر ثلث الدية " . الجماعة تقتل بالواحد : إذا اجتمع جماعة على قتل واحد فإنهم يقتلون به جميعا ، سواء أكانت الجماعة كثيرة أم قليلة ، ولو لم يباشر القتل كل واحد منهم ، لما رواه مالك في الموطأ : أن عمر بن الخطاب ، قتل نفر ( 1 ) برجل واحد ، قتلوه قتل غيلة ( 2 ) . وقال : " لو تمالا ( 3 ) عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا " . واشترطت الشافعية والحنابلة أن يكون فعل كل واحد من المشتركين في القتل بحيث لو انفرد كان قاتلا ، فإن لم يصلح فعل كل واحد للقتل فلا قصاص .

( هامش ) ( 1 ) نفرا : قيل عددهم خمسة ، وقيل سبعة . ( 2 ) قتل الغيلة : هو أن يخدعه حتى يخرجه إلى موضع يخفى فيه ثم يقتله . ( 3 ) تمالؤوا : اجتمعوا وتعاونوا ، وتطلق الجماعة على اثنين فأكثر .

وقال مالك : " الامر عندنا : أنه يقتل في العمد الرجال الاحرار بالرجل الحر الواحد ، والنساء بالمرأة كذلك ، والعبيد بالعبد كذلك أيضا . " وفي المسوى قال : والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم . قالوا : إذا اجتمع جماعة على قتل واحد ، يقتلون به قصاصا . وقد رأى هؤلاء الفقهاء أن ذلك هو المصلحة ، لان القصاص شرع لحياة الانفس ، فلو لم تقتل الجماعة بالواحد ، لكان كل من أراد أن يقتل غيره استعان بشركاء له حتى لا يقاد منه . وبذلك تبطل الحكمة من شرعية القصاص . وذهب ابن الزبير ، والزهري ، وداود ، وأهل الظاهر إلى أن الجماعة لا تقتل بالواحد ، لان الله تعالى يقول : " أن النفس بالنفس " . إذا أمسك رجل رجلا وقتله آخر : وإذا أمسك رجل رجلا فقتله رجل آخر ، وكان القاتل لا يمكنه قتله إلا بالامساك ، وكان المقتول لا يقدر على الهرب بعد الامساك : فإنهما يقتلان ، لانهما شريكان . وهذا مذهب الليث ، ومالك ، والنخعي . وخالف في ذلك الشافعية والاحناف . فقالوا : يقتل القاتل ، ويحبس الممسك حتى يموت جزاء إمساكه للمقتول . لما رواه الدارقطني عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر ، يقتل الذي قتل ، ويحبس الذي أمسك "

وصححه ابن القطان . وقال الحافظ بن حجر : ورجاله ثقات . وأخرج الشافعي عن علي أنه قضى في رجل قتل رجلا متعمدا وأمسكه آخر . قال : " يقتل القاتل ، ويحبس الآخر في السجن حتى يموت " .

ثبوت القصاص : يثبت القصاص بما يأتي : ( أولا ) بالاقرار ، لان الاقرار كما يقولون : " سيد الادلة " . وعن وائل بن حجر . قال : " إني لقاعد مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة ، فقال يا رسول الله : هذا قتل أخي . فقال : إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة ؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : أقتلته ؟ فقال : نعم قتلته . إلى آخر الحديث . رواه مسلم والنسائي . ( ثانيا ) يثبت بشهادة رجلين عدلين . فعن رافع بن خديج قال : " أصبح رجل من الانصار بخيبر مقتولا . فانطلق أولياؤه النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكروا ذلك له . فقال : لكم شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم ؟ إلى آخر الحديث . رواه أبو داود . قال ابن قدامة في المغني : " ولا يقبل فيه شهادة رجل وامرأتين ، ولا شاهد ويمين الطالب ، لا نعلم في هذا - بين أهل العلم - خلافا . وذلك ، لان القصاص إراقة دم عقوبة على جناية ، فيحتاط له باشتراط الشاهدين العدلين ، كالحدود ، وسواء كان القصاص يجب على مسلم ، أو كافر ، أوحر ، أو عبد لان العقوبة يحتاط لدرئها .

استيفاء القصاص ( 1 ) : يشترط لاستيفاء القصاص ثلاثة شروط : 1 - أن يكون المستحق له عاقلا ، بالغا . فإن كان مستحقه صبيا أو مجنونا لم ينب عنهما أحد في استيفائه : لا أب ، ولا وصي ، ولا حاكم ، وإنما يحبس الجاني حتى يبلغ الصغير ويفيق المجنون ، فقد حبس معاوية هدبة بن خشرم في قصاص حتى بلغ ابن القتيل ، وكان ذلك في عصر الصحابة ، ولم ينكر عليه أحد . 2 - أن يتفق أولياء الدم جميعا على استيفائه ، وليس لبعضهم أن ينفرد به ، فإن كان بعضهم غائبا ، أو صغيرا ، أو مجنونا ، وجب انتظار الغائب حتى

( هامش ) ( 1 ) أي توقيع العقوبة على الجاني .

يرجع ، والصغير حتى يبلغ ، والمجنون حتى يفيق ، قبل أن يختار ، لان من كان له الخيار في أمر لم يجز الافتيات عليه لان في ذلك إبطال خياره . وقال أبو حنيفة : للكبار استيفاء حقوقهم في القود ، ولا ينتظر لهم بلوغ الصغار . فإن عفا أحد الاولياء سقط القصاص لانه لا يتجزأ . 3 - أن لا يتعدى الجاني إلى غيره ، فإذا كان القصاص قد وجب على امرأة حامل ، لا تقتل حتى تضع حملها وتسقيه اللبأ . لان قتلها يتعدى إلى الجنين ، وقتلها قبل سقيه اللبأ يضربه ، ثم بعد سقيه اللبأ إن وجد من يرضعه أعطي له الولد ، واقتص منها ، لان غيرها يقوم على حضانته ، وإن لم يوجد من يرضعه ويقوم على حضانته ، تركت حتى تفطمه مدة حولين . روى ابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " إذا قتلت المرأة عمدا لم تقتل حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملا ، وحتى تكفل ولدها . وإذا زنت لم ترجم حتى تضع ما في بطنها إن كانت حاملا ، وحتى تكفل ولدها . " وكذلك لايقتص من الحامل في الجناية على الاعضاء حتى تضع ، وإن لم تسقه اللبأ ( 1 ) . متى يكون القصاص ؟ يكون القصاص متى حضر أولياء الدم ، وكانوا بالغين ، وطالبوا به ، فإنه ينفذ فورا متى ثبت بأي وجه من وجوه الاثبات ، إلا أن يكون القاتل امرأة حاملا ، فإنها تؤخر حتى تضع حملها ، كما سبق .

بم يكون القصاص : الاصل في القصاص أن يقتل القاتل بالطريقة التي قتل بها ، لان ذلك مقتضى المماثلة والمساواة ، إلا أن يطول تعذيبه بذلك ، فيكون السيف له أروح ، ولان الله تعالى يقول :

( هامش ) ( 1 ) والحد مثل القصاص ، إذا كان حدها الرجم .

" فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " ( 1 ) . ويقول : " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " ( 2 ) . وأخرج البيهقي من حديث البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من غرض غرضنا له ( 3 ) ، ومن حرق حرقناه ، ومن غرق غرقناه " . وقد رضخ الرسول صلى الله عليه وسلم اليهودي بحجر كما رضخ هو رأس المرأة بحجر . وقد قيد العلماء هذا بما إذا كان السبب الذي قتل به يجوز فعله ، فإذا كان لا يجوز فعله - كمن قتل بالسحر - فإنه لا يقتل به ، لانه محرم . قال بعض الشافعية : إذا قتل بإبجار الخمر ، فإنه يؤجر بالخل . وقيل يسقط اعتبار المماثلة . ورأى الاحناف والهادوية : أن القصاص لا يكون إلا بالسيف . لما أخرجه البزار وابن عدي عن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لاقود إلا بالسيف " . ولان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المثلة وقال : " إذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة " . وأجيب على حديث أبي بكرة بأن طرقه كلها ضعيفة . وأما النهي عن المثلة فهو مخصص بقوله تعالى : " وإن عاقبتم ، فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " . وقوله : " فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " .

هل يقتل القاتل في الحرام ؟ : اتفق العلماء على أن من قتل في الحرم فإنه قتله فيه . فإذا كان قد

( 1 ) سورة البقرة : الآية 194 . ( 2 ) سورة النحل : الآية 126 . ( 3 ) أي اتخذ المقتول عرضا للسهام .

قتل خارجه ثم لجأ إليه ، أو وجب عليه القتل بسبب من الاسباب ، كالردة ، ثم لجأ إلى الحرم . . فقال مالك : " يقتل فيه " . وقال أحمد وأبو حنيفة : لا يقتل في الحرم ، ولكن يضيق عليه ، فلا يباع له ولا يشترى منه ، حتى يخرج منه ، فيقتل خارجه .

سقوط القصاص : ويسقط القصاص بعد وجوبه بأحد الاسباب الآتية : 1 - عفو جميع الاولياء أو أحدهم ، بشرط أن يكون العافي عاقلا مميزا ، لانه من التصرفات المحضة التي لا يملكها الصبي ولا المجنون ( 1 ) . 2 - موت الجاني أو فوات الطرف الذي جنى به ، فإذا مات من عليه القصاص ، أو فقد العضو الذي جنى به سقط القصاص ، لتعذر استيفائه . وإذا سقط القصاص وجبت الدية في تركته للاولياء عند الحنابلة وفي قول للشافعي . وقال مالك والاحناف : لا تجب الدية ، لان حقوقهم كانت في الرقبة ، وقد فاتت ، فلاسبيل لهم على ورثته فيما صار من ملكه إليهم . وحجة الاولين : أن حقوقهم معلقة في الرقبة ، أو في الذمة ، وهم مخيرون بينهما ، فمتى فات أحدهما وجب الآخر . 3 - إذا تم الصلح بين الجاني والمجني عليه أو أوليائه .

القصاص من حق الحاكم : إن المطالبة بالقصاص حق لولي الدم كما تقدم ، وتمكين ولي الدم من الاستيفاء حق للحاكم . قال القرطبي : لا خلاف أن القصاص في القتل لا يقيمه إلا أولو الامر ، فرض عليهم النهوض بالقصاص ، وإقامة الحدود ، وغير ذلك ، لان الله سبحانه طالب جميع المؤمنين بالقصاص ، ثم لا يتهيأ للمؤمنين جميعا أن يجتمعوا على

( 1 ) إذا عفا الاولياء فليس للحاكم أن يتدخل بالمنع عن العفو . كما أنه ليس له أن يستقل به إذا طلبوا القصاص . القصاص ، فأقاموا السلطان مقام أنفسهم في إقامة القصاص وغيره من الحدود . وعلة ذلك ما ذكره الصاوي - في حاشيته على الجلالين - قال : " فحيث ثبت القتل عمدا عدوانا ، وجب على الحاكم الشرعي أن يمكن ولي المقتول من القاتل ، فيفعل فيه الحاكم ما يختاره الولي من : القتل ، أو العفو ، أو الدية ، ولا يجوز للولي التسلط على القاتل من غير إذن الحاكم ( 1 ) ، لان فيه فسادا وتخريبا " . فإذا قتله قبل إذن الحاكم عزر . وعلى الحاكم أن يتفقد آلة القتل التي يقتص بها مخافة الزيادة في التعذيب وأن يوكل التنفيذ إلى من يحسنه . وأجرة التنفيذ على بيت المال .

الافتيات على ولي الدم : قال ابن قدامة : " وإذا قتل القاتل غير ولي الدم فعلى قاتله القصاص ، ولورثته الاول الدية " . وبهذا قال الشافعي رضي الله عنه . وقال الحسن ، ومالك : يقتل قاتله ، ويبطل دم الاول ، لانه فات محله . وروى عن قتادة ، وأبي هاشم أنه لاقود على الثاني ، لانه مباح الدم ، فلا يجب قصاص بقتله . وحجة الجمهور في وجوب القصاص على القاتل ، أنه محل لم يتحتم قتله ، ولم يبح قتله لغير ولي الدم ، فوجب بقتله القصاص . القصاص بين الابقاء والالغاء : لقد ثار الجدل فعلا حول عقوبة الاعدام ، وتعرضت لها أقلام الكتاب ، من الفلاسفة ، ورجال القانون . أمثال : " روسو ، وبنتام ، وبكاريا " وغيرهم .

( هامش ) ( 1 ) فإذالم يكن للقتيل وارث فالامر فيه إلى الحاكم يفعل ما فيه مصلحة المسلمين ، فإن شاء اقتص ، وإن شاء عفا على مال ، وليس له أن يعفو على غير مال ، لان ذلك ليس له ، وإنما هو ملك للمسلمين .

ومنهم من أيدها ، ومنهم من عارضها ونادى بإلغائها . واستند القائلون بإلغائها إلى الحجج الآتية : ( أولا ) أن العقاب حق تملكه الدولة باسم المجتمع الذي تذود عنه ، وتقتضيه ضرورة المحافظة عليه وحمايته . والمجتمع لم يهب الفرد الحياة حتى يمكنه أن يحكم بمصادرتها . ( ثانيا ) ولان الظروف وسوء الحظ قد يحيطان ببرئ ، فيقضى خطأ بإعدامه ، وعند ذلك لا يمكن إصلاح هذا الخطأ ، إذ لاسبيل إلى ارجاع حياة المحكوم عليه إليه . ( ثالثا ) ولان هذه العقوبة قاسية وغير عادلة . ( رابعا ) ولانها أخيرا غير لازمة ، فلم يقم دليل على أن بقاءها يقلل من الجرائم التي تستوجب الحكم بها ، ورد القائلون ببقاء عقوبة الاعدام على هذه الحجج : فقالوا عن الحجة الاولى : " وهي أن المجتمع لم يهب الفرد الحياة حتى يصادر حياته " بأن المجتمع أيضا لم يهب الناس الحرية ، ومع ذلك فإنه يحكم بمصادرتها في العقوبات الاخرى المقيدة للحرية . والاخذ بالحجة على إطلاقها يستتبع حتما القول بعدم مشروعية كل عقوبة مقيدة للحرية . على أن الامر ليس وقفا على التكفير عن خطأ الجاني ، ولكنه أيضا للدفاع عن حق المجتمع في البقاء ، ببتر كل عضو يهدد كيانه ونظمه ، الامر الذي يتحتم معه القول بأن عقوبة الاعدام ضرورة تقتضيها عصمة النفس ، والمحافظة على كيان المجتمع . وقالوا عن الحجة الثانية ، وهي : " أن العقوبة تحدث ضررا جسيما لا سبيل لاصلاحه ولا إيقافه - إذا حكم القضاء بها ظلما - " بأن احتمال الخطأ موجود في العقوبات الاخرى ، ولا سبيل إلى تدارك ما تم تنفيذه خطأ . على أن حالات الاعدام خطأ تكاد تكون منعدمة ، إذ أن القضاة يتحرجون عادة من الحكم بتلك العقوبة ، ما لم تكن أدلة الاتهام صارخة . وردوا على القول ب‍ " أنها غير عادلة " بأن الجزاء من جنس العمل . وأما القول بأنها غير لازمة ، فمردود عليه بأن وظيفة العقوبة - في الرأي الراجح في علم العقاب - وظيفة نفعية : أي من مقتضاها حماية المجتمع من شرور الجريمة . وهذا يقتضي أن تكون العقوبة متناسبة مع درجة جسامة الجريمة ، ذلك أن الجريمة تحقق هوى في نفس المجرم ، يقابله خوفه من العقاب ، وكلما كان العقاب متناسبا مع الجريمة أحجم الجاني عن الاقدام عليها ، لانه سيوازن بين الامرين " بين الجريمة التي سيقدم على ارتكابها ، وبين العقوبة المقررة لها ، فيدفعه الخوف من العقاب إلى الاحجام عن الجريمة متى كانت العقوبة رادعة . وفي ظل هذين الرأيين أقرت غالبية القوانين عقوبة الاعدام ، ومنها قانون العقوبات المصري ، في حالات معينة ، واستجابت بعض الدول لآراء من ثاروا عليها فألغتها من قوانينها .

القصاص فيما دون النفس وكما يثبت القصاص في النفس ، فإنه يثبت كذلك فيما دونها . وهو نوعان : 1 - الاطراف . 2 - الجروح . وقد أخبر القرآن الكريم عن نظام التوراة في القصاص في ذلك كله . فقال : " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ، والعين بالعين والانف بالانف والاذن بالاذن ، والسن بالسن ، والجروح قصاص ، فمن تصدق فهو كفارة له ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون " ( 1 ) أي أن الله كتب على اليهود في التوراة أن النفس تقتل بالنفس إذا قتلتها ، " والعين تفقأ بالعين من غير فرق بين عين صغيرة وعين كبيرة " ولا بين عين شيخ وعين طفل . والانف يجدع بالانف . والاذن تقطع بالاذن . والسن تقلع بالسن . ولو كانت سن من يقتص منه أكبر من سن الآخر . والجروح يقتص فيها متى أمكن ذلك . فمن تصدق بالقصاص ، بأن مكن من نفسه ، فهو كفارة لما ارتكبه . وهذا الحكم ، وإن كان كتب على من قبلنا ، فهو شرع لنا ، لتقرير النبي صلى الله عليه وسلم له ، فقد روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن الربيع بنت النضر بن أنس كسرت ثنية جارية ، ففرضوا عليهم الارش ، فأبوا إلا القصاص ، فجاء أخوها أنس بن النضر ، فقال : يارسول الله تكسر ثنية الربيع ، والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم : يا أنس " كتاب الله القصاص " . قال : فعفا القوم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من عباد الله من لو أقسم على الله لابره " . وهذا كله العمد . أما الخطأ ففيه الدية .

شروط القصاص فيما دون النفس : ويشترط في القصاص فيما دون النفس الشروط الآتية : 1 - العقل . 2 - البلوغ ( 1 ) . 3 - تعمد الجناية . 4 - وأن يكون دم المجني عليه مكافئا لدم الجاني . وإنما يؤثر في التكافؤ : العبودية ، والكفر ، فلا يقتص من حر جرح عبدا أو قطع طرفه . ولا يقتص من مسلم جرح ذميا أو قطع طرفه كذلك ، لعدم تكافؤ دمهما ، لنقصان دم العبد عن دم الحر ، ودم الذمي عن دم المسلم . وإذا لم يجب القصاص فإنه يجب بدله وهو الدية . وإذا كان الجرح من العبد أو الذمي وقع على حر أو مسلم اقتص منهما . ويرى الاحناف أنه يجب القصاص في الاطراف بين المسلم والكافر . وقالوا أيضا : لاقصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس .

( هامش ) ( 1 ) البلوغ يكون بالاحتلام أو السن ، وأقصى السن 18 سنة وأقله 15 سنة ، لحديث ابن عمر ، واختلف في الاثبات .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 2:20 am

القصاص في الاطراف وضابط ما فيه القصاص من الاطراف ، وما لاقصاص فيه : أن كل طرف له مفصل معلوم ، كالمرفق ، والكوع ، ففيه القصاص ، وما لا مفصل له فلا قصاص فيه ، لانه يمكن المماثلة في الاول دون الثاني ، فيقتص ممن قطع الاصبع من أصلها ، أو قطع اليد من الكوع أو المرفق ، أو قطع الرجل من المفصل ، أو فقأ العين ، أو جذع الانف ، أو قطع الاذن ، أو قلع السن ، أو جب الذكر ، أو قطع الانثيين . شروط القصاص في الاطراف : ويشترط في القصاص في الاطراف ثلاثة شروط : 1 - الامن من الحيف بأن يكون القطع من مفصل ، أو يكون له حد ينتهي إليه ، كما تقدمت أمثلة ذلك ، فلا قصاص في كسر عظم غير السن ، ولا جائفة ، ولا بعض الساعد ، لانه لا يؤمن الحيف في القصاص في هذه الاشياء . 2 - المماثلة في الاسم والموضع ، فلا تقطع يمين بيسار ، ولا يسار بيمين ، ولا خنصر ببنصر ، ولاعكس ، لعدم المساواة في الاسم ، ولا يؤخذ أصلي بزائد - ولو تراضيا - لعدم المساواة في الموضع والمنفعة . ويؤخذ الزائد بمثله موضعا وخلقة . 3 - استواء طرفي الجاني والمجني عليه في الصحة والكمال ، فلا يؤخذ عضو صحيح بعضو أشل ، ولايد صحيحة بيد ناقصة الاصابع ، ويجوز العكس ، فتؤخذ اليد الشلاء باليد الصحيحة .

القصاص من جراح العمد وأما جراح العمد ، فلا يجب فيها القصاص إلا إذا كان ذلك ممكنا ، بحيث يكون مساويا لجراح المجني عليه من غير زيادة ولا نقص . فإذا كانت المماثلة والمساواة لا يتحققان إلا بمجاوزة القدر ، أو بمخاطرة ، أو إضرار ، فإنه لا يجب القصاص ، وتجب الدية ، لان الرسول صلى الله عليه وسلم رفع القود في المأمومة ، والمنقلة ، والجائفة ، وهذا حكم ما كان في معنى هذه من الجراح التي هي متالف : مثل كسر عظم الرقبة ، والصلب ، والفخذ ، وما أشبه ذلك .

والشجاج : وهي الجراحات التي تقع بالرأس والوجه لاقصاص فيها ، إلا الموضحة إذا كانت عمدا . وسيأتي الكلام على بقية الشجاج في باب الديات . ولا قصاص في اللسان ، ولا في كسر عظم ، إلا في السن ، لانه لا يمكن الاستيفاء من غير ظلم . ومن جرح رجلا " جائفة " فبرئ منها ، أو قطع يده من نصف الساعد ، فلا قصاص عليه ، وليس له أن يقطع يده من ذلك الموضع ، وله أن يقتص من الكوع ، ويأخذ حكومة لنصف الساعد ، ولو كسر عظم رجل سوى السن ، كضلع ، أو قطع يدا شلاء أو قدما لا أصابع فيها ، أو لسانا أخرس ، أو قلع عينا عمياء ، أو قطع إصبعا زائدة ، ففي ذلك كله حكومة عدل .

اشتراك الجماعة في القطع أو الجرح : ذهبت الحنابلة إلى أنه إذا اشترك جماعة في قطع عضو ، أو جرح يوجب القصاص ، فإن لم نتميز أفعالهم ، فعليهم جميعا القصاص ، لما روى عن علي كرم الله وجهه : انه شهد عنده شاهدان على رجل بسرقة ، فقطع يده . ثم جاء آخر ، فقالا : هذا هو السارق ، وأخطأنا في الاول ، فرد شهادتهما على الثاني ، وغر مهما دية الاول ، وقال : " لو علمت أنكما تعمدتما لقطعتكما " وإن تفرقت أفعالهم ، أو قطع كل واحد من جانب ، فلا قود عليهم . وقال مالك والشافعي : يقتص منهم متى أمكن ذلك ، فتقطع أعضاؤهم ، ويقتص منهم بالجراحة . كما إذا اشترك جماعة في قتل نفس ، فإنهم يقتلون بها . وذهب الاحناف والظاهرية : إلى أنه لا تقطع يدان في يد ، فإذا قطع رجلان يد رجل ، فلا قصاص على واحد منهما ، وعليهما نصف الدية . القصاص في اللطمة والضربة والسب : يجوز للانسان أن يقتص ممن لطمه ، أو لكزه ، أو ضربه ، أو سبه ، لقول الله سبحانه : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ، واتقوا الله " . ( 1 ) وقوله تعالى : " وجزاء سيئة سيئة مثلها " . ( 2 ) وعلى هذا مضت السنة بالقصاص في ذلك . ويشترط أن يكون ، اللطم ، أو اللكز ، أو الضرب ، أو السب ، الصادر من المجني عليه مساويا للطم ، أو اللكز ، أو الضرب ، أو السلب الصادر من الجاني ، لان ذلك هو مقتضى العدل الذي من أجله شرع القصاص . كما يشترط في القصاص في اللطمة ألا تقع في العين أو في موضع يخشى منه التلف . ويشترط في القصاص في السب خاصة ، ألا يكون محرم الجنس ، فليس له أن يكفر من كفره ، أو يكذب على من كذب عليه ، أو يلعن أب من لعن أباه ، أو يسب أم من سب أمه ، لان تكفير المسلم أو الكذب عليه مما هو محرم في الاسلام ابتداء ، ولان أباه لم يلعنه حتى يلعنه . وكذلك أمه لم تشتمه فيسبها ، له أن يلعن من لعنه ، ويقبح من قبحه ، ويقول الكلمة النابية ، ويردها على وقائلها قصاصا . قال القرطبي : " فمن ظلمك فخذ حقك منه بقدر مظلمتك ، ومن شتمك فرد عليه مثل قوله ، ومن أخذ عرضك فخذ عرضه ، لا تتعدى إلى أبويه ، ولا ابنه أو قريبه ، وليس لك أن تكذب عليه ، وإن كذب عليك ، فإن المعصية لا تقابل بالمعصية . فلو قال لك مثلا : يا كافر . جاز لك أن تقول له : أنت الكافر . وإن قال لك : يا زان ، فقصاصك أن تقول له : يا كذاب ، يا شاهد زور . ولو قلت له : يا زان كنت كاذبا ، وأثمت في الكذب . وإن مطلك وهو غني - دون عذر - فقل : يا ظالم . يا آكل أموال الناس . قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " ( 3 ) .

( هامش ) ( 1 ) سورة البقرة : الآية 194 . ( 2 ) سورة الشورى : الآية 40 . ( 3 ) اللي : المطل . والواجد : القادر على قضاء الدين .

" أما عرضه فيما فسرناه ، وأما عقوبته فالسجن يحبس فيه " ( 1 ) . انتهى . والقصاص في اللطمة ، والضرب ، والسب ، ثابت عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين . ذكر البخاري عن أبي بكر ، وعلي ، وابن الزبير ، وسويد بن مفرن أنهم أقادوا من اللطمة وشبهها . قال ابن المنذر : " وما أصيب به من سوط ، أو عصا ، أو حجر ، فكان دون النفس ، فهو عمد ، وفيه القود " . وهذا قول جماعة من أصحاب الحديث . وفي البخاري : " وأقاد عمر رضي الله عنه من ضربة بالدرة . وأقاد علي بن أبي طالب ، كرم الله وجهه ، من ثلاثة أسواط ، واقتص شريح من سوط وخموش " . وخالف في ذلك كثير من فقهاء الامصار ، فقالوا : بعدم مشروعية القصاص في شئ من هذا ، لان المساواة متعذرة في ذلك غالبا . وإذا كان لا يجب فيها القصاص فالواجب فيها التعزير . وقد رجح شيخ الاسلام ابن تيمية الرأي الاول ، فقال : " وأما قول القائل : إن المماثلة في ذلك متعذرة ، فيقال له : لابد لهذه الجناية من عقوبة : إما قصاص ، وإما تعزير . فإذا جوز أن يكون تعزيرا غير مضبوط الجنس والقدر ، فلان يعاقب بما هو أقرب إلى الضبط من ذلك أولى وأحرى . والعدل في القصاص معتبر بحسب الامكان . ومن المعلوم أن الضارب إذا ضرب مثل ضربته أو قريبا منها ، كان هذا أقرب إلى العدل من أن يعزر بالضرب بالسوط . فالذي يمنع القصاص في ذلك - خوفا من الظلم - يبيح ما هو أعظم ظلما مما فر منه ، فيعلم أن ما جاءت به السنة أعدل وأمثل " انتهى . القصاص في إتلاف المال : إذا أتلف إنسان مال غيره ، كن يقطع شجره ، أو يفسد زرعه ، أو يهدم داره ، أو يحرق ثوبه ، فهل له أن يقتص منه فيفعل به مثل ما فعل ؟ للعلماء في ذلك رأيان : 1 - رأي يرى أن القصاص في ذلك غير مشروع ، لانه إفساد من جهة ، ولان العقار والثياب غير متماثلة من جهة أخرى . 2 - ورأي يرى شرعية ذلك ، لان القصاص في الانفس والاطراف جائز ، ولاشك أن الانفس والاطراف أعظم قدرا من الاموال . وإذا كان القصاص جائزا فيها ، فالاموال - وهي دونها - من باب أولى . ولهذا جاز لنا أن نفسد أموال أهل الحرب إذا أفسدوا أموالنا ، كقطع الشجر المثمر . وإن قيل بالمنع من ذلك لغير حاجة . ورجح ابن القم هذا الرأي ، فقال : " إتلاف المال ، فإن كان مما له حرمة ، كالحيوان والعبيد ، فليس له أن يتلف ماله كما أتلف ماله ، وإن لم تكن له حرمة ، كالثوب يشقه ، والاناء يكسره ، فالمشهور أنه ليس له أن يتلف عليه نظير ما أتلفه بل له القيمة أو المثل . والقياس يقتضي أن له أن يفعل بنظير ما أتلفه عليه ، كما فعله الجاني به ، فيشق ثوبه كما شق ثوبه ، ويكسر عصاه كما كسر عصاه ، إذا كانا متساويين ، وهذا من العدل ، وليس مع من منعه نص ، ولاقياس ، ولا إجماع ، فإن هذا ليس بحرام لحق الله ، وليست حرمة المال أعظم من حرمة النفوس والاطراف ، فإذا مكنه الشارع أن يتلف طرفه بطرفه فتمكينه من إتلاف ماله في مقابلة ماله هو أولى وأحرى . وإن حكمة القصاص من التشفي ، ودرك الغيظ ، لا تحصل إلا بذلك . ولانه قد يكون له غرض في أذاه وإتلاف ثيابه ، ويعطيه قيمتها ، ولا يشق ذلك عليه ، لكثرة ماله ، فيشفي نفسه منه بذلك ، ويبقى المجني عليه بغبنه وغيظه ، فكيف يقع إعطاؤه القيمة من شفاء غيظه ، ودرك ثأره ، وبرد قلبه ، وإذاقة الجاني من الاذى ما ذاقه هو . فحكمة هذه الشريعة الكاملة الباهرة ، وقياسها معا يأبى ذلك . وقوله تعالى : " فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " . وقوله تعالى : " وجزاء سيئة سيئة مثلها " . وقوله تعالى : " وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به " . يقتضي جوازا ذلك . وقد صرح الفقهاء بجواز إحراق زرع الكفار ، وقطع أشجارهم ، إذا كانوا يفعلون ذلك بنا . وهذا عين المسألة . وقد أقر الله سبحانه الصحابة على قطع نخل اليهود ، لما فيه من خزيهم ، وهذا يدل على أنه سبحانه يحب خزي الجاني الظالم ، ويشرعه . وإذا جاز تحريق متاع الغال ، لكونه تعدى على المسلمين في خيانتهم في شئ من الغنيمة ، فلان يحرق ماله إذا حرق مال المسلم المعصوم ، أولى وأحرى . وإذا شرعت العقوبة المالية في حق الله ، الذي مسامحته به أكثر من استيفائه ، فلان تشرع في حق العبد الشحيح أولى وأحرى . ولان الله سبحانه ، شرع القصاص زجرا للنفوس عن العدوان ، وكان من الممكن أن يوجب الدية استدراكا لظلامة المجني عليه بالمال ، ولكن ما شرعه أكمل وأصلح للعباد ، وأشفى لغيظ المجني عليه ، وأحفظ للنفوس وللاطراف وإلا فمن كان في نفسه من الآخر - من قتله أو قطع طرفه - قتله أو قطع طرفه وأعطى ديته والحكمة والرحمة والمصلحة تأبى ذلك . وهذا بعينه موجود في العدوان على المال . فإن قيل : هذا ينجبر بأن يعطيه نظير ما أتلفه عليه . قيل : إذا رضي المجني عليه بذلك فهو كما لو رضي بدية طرفه ، فهذا هو محض القياس ، وبه قال الاحمدان : أحمد بن حنبل ، وأحمد بن تيمية . قال في رواية موسى بن سعيد : " وصاحب الشئ يخير : إن شاء شق الثوب ، وإن شاء أخذ مثله " انتهى . ضمان المثل : اتفق العلماء على أن من استهلك ، أو أفسد شيئا من المطعوم ، أو المشروب أو الموزون ، فإنه يضمن مثله . قالت عائشة رضي الله عنها : " ما رأيت صانع طعام مثل صفية ، صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما ، فبعثت به ، فأخذني أفكل ( 1 ) ، فكسرت الاناء ، فقلت : يا رسول الله . ما كفارة ما صنعت ؟ فقال : إناء مثل إناء ، وطعام مثل طعام " . رواه أبو داود . واختلفوا فيما إذا كان ما استهلك ، أو أفسد ، مما لا يكال ولا يوزن . فذهبت الاحناف والشافعية : إلى أن على من استهلكه أو أفسده ، ضمان المثل ، ولا يعدل عنه إلى القيمة إلا عند عدم المثل لقول الله تعالى : " فمن اعتدى عليكم ، فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " . وهذا عام في الاشياء جميعها ، ويؤيده حديث عائشة المتقدم . وذهبت المالكية إلى أنه يضمن القيمة ، لا المثل

( 2 ) الاعتداء بالجرح أو أخذ المال إذا تعدى إنسان على آخر بالجرح ، أو بأخذ المال ، فهل للمعتدى عليه ، أن يأخذ حقه بنفسه إذا ظفر به ؟ للعلماء في هذه المسألة أكثر من رأي ، وقد رجح القرطبي الجواز فقال : " والصحيح جواز ذلك ، كيفما توصل إلى أخذ حقه ، ما لم يعد سارقا ، وهو مذهب الشافعي ، وحكاه الداودي عن مالك ، وقال به ابن المنذر ، واختاره ابن العربي ، وأن ذلك ليس خيانة ، وإنما هو وصول إلى حق ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنصر أخاك ظالما أو مظلوما " . وأخذ الحق من الظالم نصر له . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان لما قالت له : إن أبا سفيان رجل شحيح ، لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني ،

( هامش ) ( 1 ) أفكل ، على وزن أفعل : وهو الرعدة ، أي أنها ارتعدت من شدة الغيرة .

إلا ما أخذت من ماله بغير علمه ، فهل علي جناح ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خذي ما يكفيك ويكفي ولدك بالمعروف " . فأباح لها الاخذ ، وألا تأخذ إلا القدر الذي يجب لها . وهذا كله ثابت في الصحيح ، وقوله تعالى : " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم " قاطع في موضع الخلاف . قال : واختلفوا إذا ظفر بمال له من غير جنس ماله . فقيل : لا يأخذ إلا بحكم الحاكم . وللشافعي قولان : أصحهما الاخذ قياسا على ما لو ظفر له من جنس ماله . والقول الثاني : لا يأخذ ، لانه خلاف الجنس . ومنهم من قال : يتحرى قيمة ماله عليه ، ويأخذ مقدار ذلك ، وهذا هو الصحيح لما بيناه بالدليل " انتهى .

الاقتصاص من الحاكم إن الحاكم فرد من أفراد الامة ، لا يتميز عن غيره إلا كما يتميزا الوصي أو الوكيل ، ويحري عليه ما يجري على سائر الافراد . فإذا تعدى على فرد من أفراد الامة اقتص منه ، لانه لا فرق بينه وبين غيره في أحكام الله ، فأحكام الله عامة ، تتناول المسلمين جميعا ، فعن أبي نضرة عن أبي فراس ، قال : خطبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال : أيها الناس : " إني والله ما أرسل عمالا ليضربوا أبشاركم ، ولاليأخذوا أموالكم ، ولكن أرسلهم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم ، فمن فعل به شئ سوى ذلك فليرفعه إلي ، فوالذي نفس عمر بيده لاقصنه منه . قال عمرو بن العاص رضي الله عنه : " لو أن رجلا أدب بعض رعيته ، أتقصه منه ؟ " قال : إي والذي نفسي بيده . إذن لاقصنه منه ، وكيف لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله يقص من نفسه " رواه أبو داود ، والنساتي . وروى النسائي وأبو داود من حديث أبي سعيد بن جبير فقال : " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم شيئا بيننا ، إذ أكب عليه رجل ، فطعنه رسول الله بعرجون كان معه . فصاح الرجل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تعالى فاستقد ، فقال الرجل : بل عفوت يا رسول الله " وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لرجل شكا إليه : أن عاملا قطع يده : " لئن كنت صادقا لاقيدنك منه " . وقال الشافعي في رواية الربيع : وروى من حديث عمر رضي الله عنه أنه قال : " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي القود من نفسه ، وأبا بكر يعطي القود من نفسه ، وأنا أعطي القود من نفسي " هل يقاد الزوج إذا أصاب امرأته بشئ : قال ابن شهاب : مضت السنة أن الرجل إذا أصاب امرأته بجرح ، أن عليه عقل ذلك الجرح ، ولا يقاد منه . وفسر ذلك مالك ، فقال : إذا عمد الرجل إلى امرأته ففقأ عينها ، أو كسر يدها ، أو قطع أصبعها ، أو أشباه ذلك ، متعمدا لذلك ، فإنها تقاد منه . وأما الرجل : يضرب امرأته بالحبل أو السوط ، فيصيبها من ضربه ما لم يرده ولم يتعمده ، فإنه يعقل ما أصاب منها على هذا الوجه ، ولا تقاد منه . قال في المسوى : أهل العلم على هذا التأويل . لاقصاص من الجراحات حتى يتم البرء : لايقتص من الجاني في الجراحات ، ولا تطلب منه دية حتى يتم برء المجني عليه من الجراحة التي أصيب بها ، وتؤمن السراية ، فإذا سرت الجناية إلى أجزاء أخرى من البدن ضمنها الجاني . ولا يقاد في البرد الشديد ، ولا الحر الشديد ، ويؤخر ذلك مخافة أن يموت المقاد منه . فإن اقتص منه في حر أو برد ، أو بآلة كالة ، أو مسمومة ، لزمت بقية الدية إن حدث التلف . فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : " أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته ، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أقدني . فقال : حتى تبرأ ، ثم جاء إليه فقال أقدني ، فأقاده . ثم جاء إليه فقال : يا رسول الله : عرجت . فقال صلى الله عليه وسلم : قد نهيتك فعصيتني ، فأبعدك الله ، وبطل عرجك . " ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه . رواه أحمد ، والدارقطني . وفهم الشافعي من هذا أن الانتظار مندوب إليه ، لان الرسول صلى الله عليه وسلم كان متمكنا من الاقتصاص قبل الاندمال . وذهب غيره من الائمة : إلى أن الانتظار واجب ، وإذنه بالاقتصاص كان قبل علمه بما يئول إليه من المفسدة . وإذا قطع الجاني إصبعا عمدا ، فعفا المجروح عنه ، ثم سرت الجناية إلى الكف أو النفس ، فالسراية هدر إن كان العفو على غير شئ ، وإن كان العفو على مال ، فللمجروح دية ما سرت إليه ، بأن يسقط من دية ما سرت إليه الجناية أرش ما عفا عنه ، ويجب الباقي .

موت المقتص منه : إذا مات المقتص منه بسبب الجرح الذي أصابه من أجل القصاص فقد اختلفت فيه أنظار العلماء . فذهب الجمهور منهم إلى أنه لا شئ على المقتص ، لعدم التعدي ، ولان السارق إذا مات من قطع يده ، فإنه لاشئ على الذي قطع يده بالاجماع . وهذا مثل ذلك . وقال أبو حنيفة ، والثوري ، وابن أبي ليلى : " إذا مات وجب على عائلة المقتص الدية ، لانه قتل خطأ

" الدية تعريفها : الدية هي المال الذي يجب بسبب الجناية ، وتؤدى إلى المجني عليه ، أو وليه . يقال : وديت القتيل : أي أعطيت ديته . وهي تنتظم ما فيه القصاص ، وما لا قصاص فيه . وتسمى الدية ، ب‍ " العقل " وأصل ذلك : أن القاتل كان إذا قتل قتيلا ، جمع الدية من الابل . فعقلها بفناء أولياء المقتول : أي شدها بعقالها ليسلمها إليهم . يقال : عقلت عن فلان إذا غرمت عنه دية جنايته . وقد كان النظام الدية معمولا به عند العرب ، فأبقاه الاسلام . وأصل ذلك قول الله سبحانه : " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ، إلا خطأ . ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ، إلا أن يصدقوا . فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ، فتحرير رقبة مؤمنة ، وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ، فدية مسلمة إلى أهله ، وتحرير رقبة مؤمنة ، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ، توبة من الله ، وكان الله عليما حكيما " ( 1 ) . وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، قال : " كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانماية دينار ، أو ثمانية آلاف درهم . ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين .

قال : فكان ذلك كذلك . حتى استخلف عمر رحمه الله ، فقام خطيبا فقال : ألا إن الابل قد غلت . قال : ففرضها عمر على أهل الذهب ( 1 ) ألف دينار ، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألفا . وعلى أهل البقر مائتي بقرة . وعلى أهل الشاء ألفي شاة ، وعلى أهل الحلل مائتي حلة ( 2 ) . قال : وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفعه من الدية . قال الشافعي بمصر : لا يؤخذ من أهل الذهب ولامن أهل الورق إلا قيمة الابل بالغة ما بلغت . والمرجح أنه لم يثبت بطريق لا شك فيه تقدير الرسول الدية بغير الابل ، فيكون عمر قد زاد في أجناسها ، وذلك لعلة جدت واستوجبت ذلك . حكمتها : والمقصود منها : الزجر ، والردع ، وحماية الانفس . ولهذا يجب أن تكون بحيث يقاسي من أدائها المكلفون بها ، ويجدون منها حرجا وألما ومشقة ، ولا يجدون هذا الالم ويشعرون به ، إلا إذا كان مالا كثيرا ينقص من أموالهم ، ويضيقون بأدائه ودفعه إلى المجني عليه أو ورثته ، فهي جزاء يجمع بين العقوبة والتعويض
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 2:22 am

( 3 ) قدرها : الدية فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقدرها فجعل دية الرجل الحر المسلم : مائة من الابل على أهل الابل ( 4 ) ، ومائتي بقرة على أهل

( هامش ) ( 1 ) أهل الذهب هم : أهل الشام ، وأهل مصر . وأهل الورق هم : أهل العراق ، كما في الموطأ ج 2 . ( 2 ) الحلل : إزار ورداء ، أو قميص وسروال . ولا تكون حلة حتى تكون ثوبين . ( 3 ) تاريخ الفقه ، صفحة 82 . ( 4 ) قال أبو حنيفة ، وأحمد رضي الله عنهما في إحدى الرو ايتين عنه : " دية العمد أرباع " : " خمس وعشرون بنت مخاض ، وخمس وعشرون بنت لبون ، وخمس وعشرون حقاق وخمس وعشرون جذاع " .

البقر ، وألفي شاة على أهل الشاء ، وألف دينار على أهل الذهب ، واثني عشر ألف درهم على أهل الفضة ، ومائتي حلة على أهل الحلل . فأيها أحضر من تلزمه الدية لزم الولي قبولها ، سواء أكان ولي الجناية من أهل ذلك النوع أو لم يكن ، لانه أتى بالاصل في الواجب عليه . القتل الذي تجب فيه : ومن المتفق عليه بين العلماء أنها تجب في القتل الخطأ وفي شبه العمد ، وفي العمد الذي وقع ممن فقد شرطا من شروط التكليف ، مثل الصغير ( 1 ) والمجنون . وفي العمد الذي تكون فيه حرمة المقتول ناقصة عن حرمة القاتل ، مثل الحر إذا قتل العبد . كما تجب على النائم الذي انقلب في نومه على آخر فقتله . وعلى من سقط على غيره فقتله ، كما تجب على من حفر حفرة فتردى فيها شخص فمات ، وعلى من قتل بسبب الزحام . وجاء في ذلك عن حنش بن المعتمر ، عن علي رضي الله عنه قال : " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن ، فانتهينا إلى قوم قد بنو زبية للاسد ، فبينما هم كذلك يتدافعون إذ سقط رجل فتعلق بآخر ، ثم تعلق الرجل بآخر ، حتى صاروا فيها أربعة ، فجرحهم الاسد ، فانتدب له رجل بحربة فقتله ، وماتوا من جراحهم كلهم ، فقام أولياء الاول إلى أولياء الآخر ، فأخرجوا السلاح ليقتتلوا ، فأتاهم علي رضي الله عنه على تفئة ذلك ، فقال : تريدون أن تقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي . إني أقضي بينكم قضاء ، إن رضيتم به فهو القضاء ، وإلا حجر بعضكم ( هامش ) وهي كذلك عندهما في شبه العمد . وقال الشافعي ، وأحمد في الرواية الاخرى عنه : هي ثلاثون حقة ، وثلاثون جذعة ، وأربعون خلفة ، في بطونها أولادها . " وأما دية الخطأ " فقد اتفقوا على أنها أخماس : عشرون جذعة ، وعشرون حقة ، وعشرون بنات لبون ، وعشرون ابن مخاض وعشرون بنت مخاض . وجعل مالك ، والشافعي ، رضي الله عنهما ، مكان ابن مخاض ابن لبون .

( 1 ) " الجناية إذا كانت من صغير أو مجنون تجب ديتها على العاقلة عند أبي حنيفة ومالك " . " وقال الشافعي رضي الله عنه : عمد الصغير في ماله " . على بعض حتى تأتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فيكون هو الذي يقضي بينكم فمن عدا ذلك فلا حق له . أجمعوا من قبائل الذين حفروا البئر : ربع الدية . وثلث الدية ، ونصف الدية ، والدية كاملة . فللاول : ربع الدية ، لانه هلك من فوق ثلاثة . وللثاني : ثلث الدية . وللثالث : نصف الدية . وللرابع : الدية كاملة . فأبوا إلا أن يمضوا ، وأتو النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند مقام إبراهيم ، فقصوا عليه القصة ، فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم " . رواه أحمد ، ورواه بلفظ آخر نحو هذا ، وجعل الدية على قبائل الذين ازدحموا . وعن علي بن رباح اللخمي أن أعمى كان ينشد في الموسم في خلافة عمر ابن الخطاب ، وهو يقول : يأيها الناس لقيت منكرا - هل يعقل الاعمى الصحيح المبصرا جرا معا كلاهما تكسرا وذلك أن أعمى كان يقوده بصير ، فوقعا في بئر . فوقع الاعمى على البصير فمات البصير ، فقضى عمر بعقل البصير على الاعمى . رواه الدارقطني . وفي الحديث " أن رجلا أتى أهل أبيات فاستسقاهم فلم يسقوه حتى مات ، فأغرمهم عمر رضي الله عنه الدية " . حكاه أحمد في رواية ابن منصور ، وقال : أقول به . ومن صاح على آخر فجأة ، فمات من صيحته تجب ديته . ولو غير صورته‌وخوف صبيا فجن الصبي فإنه يضمن . الدية مغلظة ومخففة : والدية تكون مغلظة ومخففة ، فالمخففة تجب في قتل الخطأ ، والمغلظة تجب في قتل شبه العمد . وأمادية قتل العمد إذا عفا ولي الدم فإن الشافعي والحنابلة يرون أنه يجب في هذه الحال دية مغلظة . وأما أبو حنيفة فإنه يرى أنه لادية في العمد ، وإنما الواجب فيه ما اصطلح الطرفان عليه . وما اصطلحوا عليه حال ، غير مؤجل . والدية المغلظة مائة من الابل في بطون أربعين منها أولادها . لما رواه أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه عن قبة بن أوس ، عن رجل من الصحابة أنه صلى الله عليه وسلم ، قال : " ألا إن قتل خطأ العمد بالسوط ، والعصا ، والحجر فيه دية مغلظة : مائة من الابل ، منها أربعون من ثنية ( 1 ) إلى بازل عامها ، كلهن خلفة " . والتغليظ لا يعتبر إلا في الابل خاصة دون غيرها ، لان الشارع ورد بذلك ، وهذا سبيله التوقيف والسماع الذي لا مدخل للرأي فيه ، لانه من بات المقدرات . تغليظ الدية في الشهر الحرام والبلد الحرام وفي الجناية على القريب : ويرى الشافعي وغيره : أن الدية تغلظ في النفس والجراح بالجناية في البلد الحرام ، وفي الشهر الحرام ، وفي الجناية على ذي الرحم المحرم ، لان الشرع عظم هذه الحرمات ، فتعظم الدية بعظم الجناية . وروي عن عمر ، والقاسم بن محمد ، وابن شهاب : أن يزاد في الدية مثل ثلثها . وذهب أبو حنيفة ومالك : إلى أن الدية لا تغلظ لهذه الاسباب ، لانه لا دليل على التغليظ ، إذ أن الديات يتوقف فيها على الشارع ، والتغليظ فيما وقع خطأ بعيد عن أصول الشرع . على من تجب : الدية الواجبة على القاتل نوعان : 1 - نوع يجب على الجاني في ماله ( 2 ) ، وهو القتل العمد ، إذا سقط القصاص .

( هامش ) ( 1 ) الثنية من الابل : مادخل في السنة السادسة من عمره ، والبازل : الذي دخل في التاسعة واكتمل قوته ، ويقال له بعد ذلك : بازل عام ، وبازل عامين . والخلفة : الحامل من النوق . ( 2 ) سواء كان رجلا أم امرأة . يقول ابن عباس : " لاتحمل العاقلة عمدا ، ولا اعترافا ، ولا صلحا في عمد " . ولا مخالف له من الصحابة . وروى مالك عن ابن شهاب . قال : " مضت السنة في العمد حين يعفوا أولياء المقتول أن الدية تكون على القاتل في ماله خاصة ، إلا أن تعينه العاقلة عن طيب نفس منها . وإنما لا تعقل العاقلة واحدا من هذه الثلاثة : أي لا يعقل العمد ، ولا الاقرار ، ولا الصلح ، لان العمد يوجب العقوبة ، فلا يستحق التخفيف عنه بتحمل العاقلة عنه شيئا من الدية ، ولا تعقل الاقرار لان الدية وجبت بالاقرار بالقتل لا بالقتل نفسه ، والاقرار حجة قاصرة : أي أنه حجة في حق المقر ، فلا يتعدى إلى العاقلة . ولا تعقل العاقلة الاقرار بالصلح ، لان بدل الصلح لم يجب بالقتل ، بل وجب بعقد الصلح ، ولان الجاني يتحمل مسئولية جنايته ، وبدل المتلف يجب على متلفه . 2 - ونوع يجب على القاتل ، وتتحمله عنه العاقلة ، إذا كانت له عاقلة بطريق التعاون ، وهو قتل شبه العمد وقتل الخطأ ( 1 ) . والقاتل كأحد أفراد العاقلة ، لانه هو القاتل ، فلا معنى لاخراجه . وقال الشافعي : لا يحب على القاتل شئ من الدية لانه معذور . والعاقلة : مأخوذ من العقل ، لانها تعقل الدماء : أي تمسكها من أن تسفك : يقال عقل البعير عقلا : أي شده بالعقال . ومنه العقل ، لانه يمنع من التورط في القبائح . والعاقلة هي الجماعة الذين يعقلون العقل ، وهي الدية ، يقال عقلت القتيل : أي أعطيت ديته ، وعقلت عن القاتل . أديت ما لزمه من الدية . والعاقلة هم عصبة الرجل : أي قرابته الذكور البالغون - من قبل الاب - ( 2 ) ( 1 ) وكذلك عمد الصغير والمجنون على عاقلتهما ، وقال قتادة ، وأبو ثور ، وابن ابي دليلى ، وابن شبرمة : دية شبه العمد في مال الجاني . وهذا القول ضعيف . ( 2 ) ويدخل فيهم الاب والابن عند مالك وأبي حنيفة وأظهر الروايتين عند أحمد . الموسرون العقلاء ، ويدخل فيهم : الاعمى ، والزمن ، والهرم ، إن كانوا أغنياء لا يدخل في العاقلة : أنثى ، ولا فقير ، ولا صغير ، ولا مجنون ، ولا مخالف لدين الجاني ، لان مبنى هذا الامر على النصرة ، وهؤلاء ليسوا من أهلها . وأصل وجوب الدية على العاقلة : ما ثبت من أن امرأتين من هزيل إقتتلتا ، فرمت إحداهما الاخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها ، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدية المرأة على عاقلتها . رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة . وكانت العاقلة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قبيلة الجاني ، وبقيت كذلك حتى جاء عهد عمر رضي الله عنه ، فلما نظم الجيوش ، ودون الدواوين جعل العاقلة هم أهل الديوان ، خلافا لما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم . وقد أجاب السرخسي عن هذا الذي وضعه عمر . فقال : " إن قيل : كيف يظن بالصحابة الاجماع على خلاف ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلنا : هذا اجتماع على وفاق ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإنهم علموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به على العشيرة باعتبار النصرة ، وكانت قوة المرء ونصرته يومئذ بعشيرته . ثم لما دون عمر رضي الله عنه الدواوين صارت القوة والنصرة للديوان ، فقد كان المرء يقاتل قبيلته عن ديوانه " اه‍ . وإذا كان الاحناف قد ارتضوا هذا ، فإن المالكية والشافعية قد رفضوه ، لانه لانسخ بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس من حق أحد أن يغير ما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . والدية التي تجب على العاقلة مؤجلة في ثلاث سنين ( 1 ) باتفاق العلماء

( هامش ) ( 1 ) كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطيها دفعة واحدة ، تأليفا للقلوب وإصلاحا لذات البين ، فلما تمهد الاسلام قدرتها الصحابة على هذا النظام . فإذا رأى الامام المصلحة في التعجيل كان له ذلك .

وأما التي تجب على القاتل في ماله ، فإنها تكون حالة عند الشافعي رضي الله عنه ، لان التأجيل للتخفيف عن العاقلة ، فلا يلتحق به العمد المحض . ويرى الاحناف أنها مؤجلة في ثلاث سنين ، مثل دية قتل الخطأ . وإيجاب دية قتل شبه العمد ، والخطأ على العاقلة استثناء من القاعدة العامة في الاسلام . وهي : أن الانسان مسؤول عن نفسه ومحاسب على تصرفاته ، لقول الله عزوجل : " لاتزر وازرة وزر أخرى " . ولقول الرسول الكريم : " لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ، ولا بجريرة أخيه " . رواه النسائي عن ابن مسعود رضي الله عنه . وإنما جعل الاسلام اشتراك العاقلة في تحمل الدية في هذه الحالة ، من أجل مواساة الجاني ، ومعاونته في جناية صدرت عنه من غير قصد منه . وكان ذلك إقرارا لنظام عربي ، اقتضاه ما كان بين القبائل من التعاون والتآزر والتناصر . وفي ذلك حكمة بينة ، وهي أن القبيلة إذا علمت أنها ستشارك في تحمل الدية ، فإنها تعمل من جانبها على كف المنتسبين إليها عن ارتكاب الجرائم ، وتوجههم إلى السلوك القويم الذي يجنبهم الوقوع في الخطأ . ويرى جمهور الفقهاء أن العاقلة لاتحمل من دية الخطأ إلا ما جاوز الثلث ، وما دون الثلث في مال الجاني ( 1 ) . ويرى مالك وأحمد رضي الله عنهما ، أنه لا يجب على واحد من العصبة قدر معين من الدية ، ويجتهد الحاكم في تحميل كل واحد منهم ما يسهل عليه ، ويبدأ بالاقرب فالاقرب . أما الشافعي رضي الله عنه ، فيرى أنه يجب على الغني دينار ، وعلى الفقير نصف دينار . والدية عنده مرتبة على القرابة بحسب قربهم ، فالاقرب من بني أبيه ثم بني جده ، ثم من بني بني أبيه ، قال : فإن لم يكن للقاتل عصبة نسبا

( هامش ) ( 1 ) وقال الشافعي رضي الله عنه : عقل الخطأ على العاقلة ، قلت الجناية أو كثرت ، لان من غرم الاكثر غرم الاقل ، كما أن عقل العمد في مال الجاني : قل أو كثر .

ولا ولاء ، فالدية في بيت المال . لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا ولي من لا ولي له " . وكذلك إذا كان فقيرا وعاقلته فقيرة ، لا تستطيع تحمل الدية ، فإن بيت المال هو الذي يتحملها . وإذا قتل المسلمون رجلا في المعركة - ظنا أنه كافر - ثم تبين أنه مسلم فإن ديته في بيت المال . فقد روى الشافعي رضي الله عنه ، وغيره : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بدية اليمان - والد حذيفة - وكان قد قتله المسلمون يوم أحد ، ولا يعرفونه ، وكذلك من مات من الزحام تجب ديته في بيت المال ، لانه مسلم مات بفعل قوم مسلمين ، فتجب ديته في بيت المال . روى مسدد : أن رجلا زحم يوم الجمعة فمات ، فوداه علي كرم الله وجهه ، من بيت مال المسلمين . والمفهوم من كلام الاحناف أن الدية في هذه الازمان في مال الجاني ، ففي كتاب " الدرر المختار " : " إن التناصر أصل هذا الباب ، فمتى وجد وجدت العاقلة ، وإلا فلا " . وحيث لاقبيلة ، ولا تناصر ، فالدية في بيت المال فإن عدم بيت المال أو لم يكن منتظما فالدية في مال الجاني . وقال ابن تيمية : " وتؤخذ الدية من الجاني خطأ عند تعذر العاقلة في أصح قولي العلماء " . دية الاعضاء يوجد في الانسان من الاعضاء ما منه عضو واحد : كالانف ، واللسان ، والذكر . ويوجد فيه ما منه عضوان : كالعينين ، والاذنين ، والشفتين ، واللحيين واليدين ، والرجلين ، والخصيتين ، وثديي المرأة ، وثندوتي الرجل ( 1 ) ، والاليتين ، وشفري المرأة .

( هامش ) ( 1 ) مثنى ثندوة ، وهما للرجل كالثديين للمرأة .

ويوجد ما هو أكثر من ذلك . فإذا أتلف إنسان من إنسان آخر هذا العضو الواحد أو هذين العضوين ، وجبت الدية كاملة ، وإذا أتلف أحد العضوين وجب نصف الدية . فتجب الدية كاملة في الانف ، لان منفعته في تجميع الروائح في قصبته ، وارتفاعها إلى الدماغ ، وذلك يفوت بقطع المارن . وكذلك تجب الدية في قطع اللسان ، لفوات النطق ، الذي يتميز به الآدمي عن الحيوان الاعجم . والنطق منفعة مقصودة يقوت بفواتها مصالح الانسان ، من إفهام غيره أغراضه ، والابانة عن مقاصده . وكذلك تجب الدية بقطع بعضه ، إذا عجز عن الكلام جملة لفوات المنفعة نفسها التي تفوت بقطعه كله . فإذا عجز عن النطق ببعض الحروف ، وقدر على بعض منها ، فإن الدية تقسم على عدد الحروف . وقد روي عن علي ، كرم الله وجهه : أنه قسم الدية على الحروف ، فما قدر عليه من الحروف أسقط بحسابه من الدية . وما لم يقدر عليه ألزمه بحسابه منها . وتجب الدية في قطع الذكر ، ولو كان المقطوع منه الحشفة فقط ، لان فيه منفعة الوطء ، واستمساك البول . وكذلك تجب الدية إذا ضرب الصلب فعجز عن المشي ، وتجب الدية كاملة في العينين ، وفي العين الواحدة نصفها ، وفي الجفنين كما لها ، وفي جفني إحدى العينين نصفها وفي واحدة منها ربعها ، وفي الاذنين كمال الدية ، وفي الواحدة نصفها ، وفي الشفتين كمال الدية ، وفي الواحدة نصفها ، يستوي فيهما العليا والسفلى . وفي اليدين كمال الدية ، وفي اليد الواحدة نصفها ، وفي الرجلين كمال الدية ، وفي الرجل الواحدة نصفها ، وفي أصابع اليدين والرجلين الدية كاملة ، وفي كل أصبع عشر من الابل ، والاصابع سواء ، لا فرق بين خنصر وإبهام ، وفي كل أنملة من أصابع اليدين أو الرجلين ثلث عشر الدية ، في كل أصبع ثلاث مفاصل ، والابهام فيه مفصلان ، وفي كل مفصل منهما نصف عشر الدية ، وفي الخصيتين كمال الدية ، وفي إحداهما نصفها ، ومثل ذلك في الاليتين ، وشفري المرأة وثدييها وثندوني الرجل ففيهما الدية كاملة ، وفي إحداهما نصفها . وفي الاسنان كمال الدية ، وفي كل سن خمس من الابل ، والاسنان سواء من غير ضرس وثنية . وإذا أصيبت السن ففيها ديتها ، وكذلك إن طرحت بعد أن تسود . دية منافع الاعضاء وتجب الدية كاملة إذا ضرب إنسان إنسانا فذهب عقله ، لان العقل هو الذي يميز الانسان عن الحيوان ، وكذلك إذا ذهبت حاسة من حواسه : ك‍ " سمعه ، أو بصره ، أوشمه ، أو ذوقه ، أو كلامه بجميع حروفه " لان في كل حاسة من هذه الحواس منفعة مقصودة ، بها جماله وكمال حياته ، وقد قضى عمر رضي الله عنه في رجل ضرب رجلا ، فذهب سمعه ، وبصره ، ونكاحه ، وعقله ، بأربع ديات والرجل حي . وإذا ذهب بصر إحدى العينين ، أو سمع إحدى الاذنين ، ففيه نصف الدية ، سواء كانت الاخرى صحيحة أم غير صحيحة . وفي حلمتي ثديي المرأة ديتها ، وفي إحداهما نصفها . وفي شفريها ديتها ، وفي أحدهما نصفها . وإذا فقئت عين الاعور الصحيحة ، يجب فيها كمال الدية ، قضى بذلك عمر ، وعثمان ، وعلي ، وابن عمر . ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة ، لان ذهاب عين الاعور ذهاب البصر كله ، إذ أنه يحصل بها ما يحصل بالعينين . وفي كل واحد من الشعور الاربعة كمال الدية . وهي : 1 - شعر الرأس . 2 - شعر اللحية . 3 - شعر الحاجبين . 4 - أهداب العينين وفي الحاجب نصف الدية . وفي الهدب ربعها . وفي الشارب يترك فيه الامر لتقدير القاضي . دية الشجاج الشجاج : هو الاصابات التي تقع بالرأس والوجه . وأنواعه عشرة . وهي كلها لا قصاص فيها ، إلا الموضحة إذا كانت عمدا ، لانه لا يمكن مراعاة المماثلة فيها . والشجاج بيانه كما يأتي : 1 - الخارصة : وهي التي تشق الجلد قليلا . 2 - الباضعة : وهي التي تشق اللحم بعد الجلد . 3 - الدامية أو الدامغة : وهي التي تنزل الدم . 4 - المتلاحمة : وهي التي تغوص في اللحم . 5 - السمحاق : وهي التي يبقى بينها وبين العظم جلدة رقيقة . 6 - الموضحة : وهي التي تكشف عن العظم . 7 - الهاشمة : وهي التي تكسر العظم وتهشمه . 8 - المنقلة : وهي التي توضح وتهشم العظم حتى ينتقل منها العظام . 9 - المأمومة ، أو الآمة : وهي التي تصل إلى جلدة الرأس . 10 - الجائفة : وهي التي تصل الجوف . ويجب فيما دون الموضحة حكومة عدل ، وقيل أجرة الطبيب ، وأما الموضحة ، ففيها القصاص إذا كانت عمدا كما قلنا ، ونصف عشر الدية إذا كانت خطأ ، سواء كانت كبيرة أم صغيرة ، وهي خمس من الابل ، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابه لعمرو بن حزم . ولو كانت مواضح متفرقة ، يجب في كل واحدة منها خمس من الابل . والموضحة في غير الوجه والرأس توجب حكومة . وفي الهاشمة عشر الدية ، وهي عشر من الابل ، وهو مروي عن زيد ابن ثابت ، ولا مخالف له من الصحابة . وفي المنقلة عشر الدية ، ونصف العشر : أي خمسة عشر من الابل . وفي الآمة : ثلث الدية بالاجماع . وفي الجائفة : ثلث الدية بالاجماع ، فإن نفذت فهما جائفتان ، ففيهما ثلثا الدية . دية المرأة ودية المرأة إذا قتلت خطأ : نصف دية الرجل ، وكذلك دية أطرافها ، وجراحاتها على النصف من دية الرجل وجراحاته ، وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم . فقد روي عن عمر رضي الله عنه ، وعلي كرم الله وجهه ، وابن مسعود رضي الله عنه ، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم أجمعين : أنهم قالوا في دية المرأة : إنها على النصف من دية الرجل ، ولم ينقل أنه أنكر عليهم أحد ، فيكون إجماعا ، ولان المرأة في ميراثها وشهادتها على النصف من الرجل . وقيل : يستوي الرجل والمرأة في العقل إلى الثلث ، ثم النصف فيما بقي . فقد أخرج النسائي ، والدارقطني ، وصححه ابن خزيمة عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديته " . وأخرج مالك في الموطأ ، والبيهقي عن ربيعة بن عبد الرحمن أنه قال : " سألت سعيد بن المسيب : كم في إصبع المرأة ؟ قال : عشر من الابل ، قلت : فكم في الاصبعين ؟ قال : عشرون من الابل . قلت : فكم في ثلاث ؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 2:26 am

( 3 ) القتل دفاعا عن النفس أو المال أو العرض : ومن قتل شخصا ، أو حيوانا ، دفاعا عن نفسه ، أو عن نفس غيره ، أو عن ماله ، أو مال غيره ، أو عن العرض ، فإنه لاشئ عليه ، لان دفع الضرر عن النفس ، والمال واجب ، فإن لم يندفع إلا بالقتل فله قتله ، ولاشئ على القاتل . روى مسلم ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، أرأيت إن جاء رجل يريد أن يأخذ مالي ؟ قال : " فلا تعطه مالك " . قال : أرأيت إن قاتلني ؟ قال : " قاتله " . قال : أرأيت إن قتلني ؟ قال : " فأنت شهيد " . قال : أرأيت إن قتلته ؟ قال : " هو في النار " . قال ابن حزم : " فمن أراد أخذ مال إنسان ظلما من لص أو غيره ، فإن تيسر له طرده منه ومنعه ، فلا يحل له قتله ، فإن قتله حينئذ فعليه القود ، وإن توقع أقل توقع أن بعاجله اللص فليقتله ، ولاشئ عليه ، لانه مدافع عن نفسه " .

ادعاء القتل دفاعا إذا ادعى القاتل أنه قتل المجني عليه ، دفاعا عن نفسه ، أو عرضه ، أو ماله ، فإن أقام بينة على دعواه قبل قوله وسقط عنه القصاص والدية ، وإن لم يقم البينة على دعواه ، لم يقبل قوله ، وأمره إلى ولي الدم : إن شاء عفا عنه وإن شاء اقتص منه ، لان الاصل البراءة حتى تثبت الادانة . وقد سئل الامام علي ، رضي الله عنه ، عمن وجد مع امرأته رجلا فقتلهما ؟ فقال : " إن لم يأت بأربعة شهداء ( 1 ) فليعط برمته " .

( هامش ) ( 1 ) وقيل : يكفى شاهدان . " برمته " أي مسلم إلى أولياء المقتول ليقعل .

فإن لم يقم القاتل البينة ، واعترف ولي الدم بأن القتل كان دفاعا ، انتفت عنه المسؤولية ، وسقط عنه القصاص والدية . روى سعيد بن منصور في سننه عن عمر رضي الله عنه : " أنه كان يوما يتغذى ، إذ جاءه رجل يعدو ، وفي يده سيف ملطخ بالدم ، ووراءه قوم يعدون خلفه ، فجاء حتى جلس مع عمر ، فجاء الآخرون . فقالوا يا أمير المؤمنين إن هذا قتل صاحبنا . فقال له عمر : ما يقولون ؟ فقال : يا أمير المؤمنين إني ضربت فخذي امرأتي ، فإن كان بينهما أحد فقد قتلته . فقال عمر : ما يقول ؟ قالوا : يا أمير المؤمنين إنه ضرب بالسيف فوقع في وسط الرجل ، وفخذي المرأة . فأخذ عمر سيفه فهزه ، ثم دفعه إليه وقال : إن عادوا فعد " . وروي عن الزبير : " أنه كان يوما قد تخلف عن الجيش ، ومعه جارية له ، فأتاه رجلان فقالا : أعطنا شيئا . فألقى اليهما طعاما كان معه . فقالا : خل عن الجارية فضربهما بسيفه فقطعهما بضربة واحدة " . قال ابن تيمية : فإن ادعى القاتل أنه صال عليه ، وأنكر أولياء المقتول : فإن كان المقتول معروفا بالبر ، وقتله في محل لاريبة فيه ، لم يقبل قول القاتل . وإن كان معروفا بالفجور والقاتل معروفا بالبر ، فالقول قول القاتل مع يمينه . لا سيما إذا كان معروفا بالتعرض له قبل ذلك . ضمان ما أتلفته النار من أوقد نارا في داره كالمعتاد ، فهبت الريح فأطارت شرارة ، أحرقت نفسا أو مالا ، فلاضمان عليه . ذكر وكيع ، عن عبد العزيز بن حصين ، عن يحيى بن يحيى الغساني ، قال : أوقد رجل نارا لنفسه ، فخرجت شرارة من نار ، حتى أحرقت شيئا لجاره ، قال : فكتب فيه إلى عبد العزيز بن حصين ، فكتب إليه : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " العجماء جبار " وأرى أن النار جبار . افساد زرع الغير ولو سقى أرضه سقيا زائدا على المعتاد ، فأفسد زرع غيره ، ضمن ، فإذا انصب الماء من موضع لا علم له به ، لم يضمن ، حيث لم يحدث منه تعد . غرق السفينة من كان له سفينة يعبر بها الناس ودوابهم ، فغرقت بدون سبب مباشر منه ، فلا ضمان عليه فيما تلف بها . فإن كان غرقها بسبب منه ضمن . ضمن الطبيب لم يختلف العلماء في أن الانسان إذا لم تكن له دراية بالطب ، فعالج مريضا فأصابته من ذلك العلاج عاهة ، فإنه يكون مسؤولا عن جنايته ، وضامنا بقدر ما أحدث من ضرر ، لانه يعتبر بعمله هذا متعديا ، ويكون الضمان في ماله . لما رواه عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " من تطبب ، ولم يعلم منه قبل ذلك الطب ، فهو ضامن " رواه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه . وقال عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز : حدثني بعض الوفد الذين قدموا على أبي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيما طبيب تطبب على قوم لا يعرف له تطبب قبل ذلك فأعنت ( 1 ) فهو ضامن " . رواه أبو داود .

( هامش ) ( 1 ) أضر بالمريض .

أما إذا أخطأ الطبيب ، وهو عالم بالطب ، فرأي الفقهاء أنه تلزمه الدية ، وتكون على عاقلته عند أكثرهم ( 1 ) . وقيل : هي في ماله . وفي تقرير الضمان الحفاظ على الارواح ، وتنبيه الاطباء إلى واجبهم ، واتخاذ الحيطة اللازمة في أعمالهم المتعلقة بحياة الناس . ويروى عن مالك : أنه لا شئ عليه .

الرجل يفضي زوجته وإذا وطئ الرجل زوجته فأفضاها ، فإن كانت كبيرة بحيث يوطأ مثلها ، فإنه لا يضمن ( 2 ) ، وإن كانت صغيرة لا يوطأ مثلها ، فعليه الدية . والافضاء مأخوذ من الفضاء ، وهو المكان الواسع ، ويكون بمعنى الجماع ومنه قول الله سبحانه : " وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض " . ويكون بمعنى اللمس ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ، فليتوضأ " . والمراد به هنا : إزالة الحاجز الذي بين الفرج والدبر .

الحائط يقع على شخص فيقتله إذا مال حائط إلى الطريق ، أو إلى ملك غيره ، ثم وقع على شخص فقتله ، فإن كان قد سبق أن طولب صاحبه بنقضه ، ولم ينقضه مع التمكن منه ، ضمن ما تلف بسببه ، وإلا فلا يضمن ( 3 ) . ورواية أشهب عن مالك : أنه إذا بلغ من شدة الخوف إلى ما لا يؤمن

( هامش ) ( 1 ) وإذا مات لا يجب عليه القود ، وتجب الدية ، لان العلاج كان بإذن المريض . ( 2 ) هذا مذهب أبي حنيفة وأحمد . وقال الشافعي ، ورواية عن مالك : عليه الدية . والمشهور عن مالك : أن فيه حكومة . ( 3 ) هذا مذهب الاحناف

معه الاتلاف ، ضمن ما تلف به ، سواء تقدم إليه في نقضه ، أم لم يتقدم ، أو أشهد عليه ، أم لم يشهد عليه . وأشهر الروايات عن أحمد ، وأظهر الوجوه عند الشافعية أنه لا يضمن .

ضمان حافر البئر إذا حفر إنسان بئرا ، فوقع فيه إنسان ، فإن حفر في أرض يملكها ، أو في أرض لا يملكها ، واستأذن المالك فلا ضمان عليه ، وإن حفر فيما لا يملك ، وبلا إذن صاحب الارض ، ضمن ، ولا ضمان إذا كان في ملكه أو إذن المالك ، أو كان في موات ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " البئر جبار " ، أي أن من تردى فيه في هذه الحالة فهلك ، فهدر لا دية له . وقال مالك : " إن حفر في موضع جرت العادة بالحفر في مثله ، لم يضمن وإن تعدى في الحفر ضمن " . ومن أمر شخصا مكلفا أن ينزل بئرا ، أو أن يصعد شجرة ففعل ، فهلك بنزوله البئر ، أو صعوده الشجرة ، لم يضمنه الامر لعدم إكراهه له . ومثل ذلك الحاكم إذا استأجر شخصا لذلك فهلك ، فلا ضمان ، لعدم الجناية والتعدي منه . ولو سلم إنسان نفسه أو ولده ، إلى سابح يحسن السباحة فغرق ، فلا ضمان عليه . الاذن في أخذ الطعام وغيره ذهب جمهور العلماء : إلى أنه لا يجوز لاحد أن يحلب ماشية غيره إلا بإذنه ، فإن اضطر في مخمصة ، ومالكها غير حاضر ، فله أن يحلبها ، ويشرب لبنها ، ويضمن لمالكها . وكذلك سائر الاطعمة والثمار المعلقة في الشجر ، لان الاضطرار لا يبطل حق الغير . روى مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحتلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه ، أيحب أحدكم أن يؤتى مشربته ( 1 ) فتكسر خزانته ، فينتقل منها طعامه ، وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم ، فلا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه " . وقال الشافعي : لا يضمن ، لان المسؤولية تسقط بالاضطرار ، لوجود الاذن من الشارع ، ولا يجتمع إذن وضمان . القسامة القسامة : تستعمل بمعنى الحسن والجمال . والمقصود بها هنا : الايمان ، مأخوذة من : أقسم ، يقسم ، إقساما ، وقسامة . فهي مصدر مشتق من القسم ، كاشتقاق الجماعة من الجمع . وصورتها : أن يوجد قتيل لا يعرف قاتله ، فتجري القسامة على الجماعة التي يمكن أن يكون القاتل محصورا فيهم ، بشرط أن يكون عليهم لوث ( 2 ) ظاهر ، بأن يوجد القتيل بين قوم من الاعداء ، ولا يخالطهم غيرهم ، أو اجتمع جماعة في بيت أو صحراء ، وتفرقوا عن قتيل ، أو وجد في ناحية ، وهناك رجل مختضب بدمه . فإذا كان القتيل في بلدة ، أو في طريق من طرقها ، أو قريبا منها أجريت القسامة على أهل البلدة . وإن وجدت جثته بين بلدين ، أجريت القسامة على أقربها مسافة من مكان جثته . وكيفية القسامة ، هي : أن يختار ولي المقتول خمسين رجلا من هذه البلدة ليحلفوا بالله أنهم ما قتلوه ، ولا علموا له قاتلا .

( 1 ) المشربة : كالغرفة يوضع فيها المتاع ، فقد شبه الرسول صلى الله عليه وسلم ضروع المواشي في حفظ اللبن بالغرفة التي يحفظ فيها الانسان متاعه ، وفي الحديث إثبات القياس ورد الشئ إلى نظيره . ( 2 ) اللوث : العلامة .

فإن حلفوا سقطت عنهم الدية ، وإن أبوا ، وجبت ديته على أهل البلدة جميعا . وإن التبس الامر كانت ديته من بيت المال . النظام العربي الذي أقره الاسلام وكانت القسامة معمولا بها في الجاهلية ، فأقرها الاسلام على ما كانت عليه . وحكمة إقرار الاسلام لها ، أنها مظهر من مظاهر حماية الانفس ، وحتى لا يذهب دم القتيل هدرا . " أخرج البخاري ، والنسائي ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما : أن أول قسامة كانت في الجاهلية : " كان رجل من بني هاشم ، استأجره رجل من قريش من فخذ أخرى فانطلق معه في إبله ، فمر به رجل من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه ، فقال : أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي ، لا تنفر الابل ، فأعطاه عقالا فشد به عروة جوالقه . فلما نزلوا ، عقلت الابل إلا بعيرا واحدا ، فقال الذي استأجره : ما بال هذا البعير لم يعقل من بين الابل ؟ قال : ليس له عقال . قال : فأين عقاله ؟ فحذفه بعصا كان فيه أجله ، فمر به رجل من أهل اليمن . فقال له : أتشهد الموسم ؟ قال : ما أشهده ، وربما شهدته . قال : هل أنت مبلغ عني رسالة ، مرة من الدهر ؟ قال : نعم . قال : فإذا شهدت ، فناد : يا قريش ، فإذا أجابوك . فناد : يا آل بني هاشم ، فإن أجابوك ، فسل : عن أبي طالب ، وأخبره أن فلانا قتلني في عقال . ومات المستأجر . فلما قدم الذي استأجره أتاه أبو طالب . فقال : ما فعل صاحبنا ؟ قال : مرض فأحسنت القيام عليه ووليت دفنه . قال : قد كان أهل ذاك منك . فمكث حينا ، ثم إن الرجل الذي أوصى إليه ، أن يبلغ عنه ، وافى الموسم . فقال : يا قريش . قالوا : هذه قريش . قال : يا آل بني هاشم . قالوا : هذه بنو هاشم . قال : أين أبو طالب ؟ قالوا : هذا أبو طالب . قال : أمرني فلان أن أبلغك رسالة ، أن فلانا قتله في عقال . فأتاه أبو طالب ، فقال : اختر منا إحدى ثلاث : إن شئت أن تؤدي مائة من الابل ، فإنك قتلت صاحبنا ، وإن شئت ، حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله ، فإن أبيت قتلناك به . فأتى قومه فأخبرهم . فقالوا : نحلف . فأتته امرأة من بني هاشم ، كانت تحت رجل منهم ، كانت قد ولدت منه فقالت : يا أبا طالب . أحب أن يجبر إبني هذا برجل من الخمسين ولا تصبر يمينه حيث تصبر الايمان . ففعل . فأتاه رجل منهم ، فقال : يا أبا طالب ، أردت خمسين رجلا أن يحلفوا مكان مائة من الابل ، فيصيب كل رجل منهم بعيران ، هذان البعيران فاقبلهما مني ولا تصبر يميني ، حيث تصبر الايمان ، فقبلهما . وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا . قال ابن عباس رضي الله عنهما . " فوالذي نفسي بيده ما حال الحول ، ومن الثمانية والاربعين عين تطرف " ! الاختلاف في الحكم بالقسامة : اختلف العلماء في وجوب الحكم بالقسامة . فقال جمهور الفقهاء : بوجوب الحكم بها . وقالت طائفة من العلماء : لا يجوز الحكم بها . قال ابن رشد في بداية المجتهد : " وأما وجوب الحكم بها على الجملة ، فقال به جمهور فقهاء الامصار : مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وأحمد ، وسفيان ، وداود ، وأصحابهم ، وغير ذلك من فقهاء الامصار . وقالت طائفة من العلماء : سالم بن عبد الله ، وأبو قلابة ، وعمر بن عبد العزيز ، وابن علية : لا يجوز الحكم بها . عمدة الجمهور ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام ، من حديث حويصة ومحيصة ، وهو حديث متفق على صحته من أهل الحديث ، إلا أنهم مختلفون في ألفاظه . وعمدة الفريق الثاني لعدم جواز الحكم بها : أن القسامة مخالفة لاصول الشرع المجمع على صحتها ، فمنها : ان الاصل في الشرع أن لا يحلف أحد إلا على ما علم قطعا ، أو شاهد حسا ، وإذا كان ذلك كذلك فكيف يقسم أولياء الدم ، وهم لم يشاهدوا القتيل ، بل قد يكونون في بلد ، والقتل في بلد آخر . ولذلك روى البخاري عن أبي قلابة : " أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يوما للناس ، ثم أذن لهم فدخلوا عليه ، فقال : ما تقولون في القسامة ؟ فأضب القوم ، وقالوا : نقول : إن القسامة القود بها حق ، قد أقاد بها الخلفاء . فقال : ما تقول يا أبا قلابة ؟ ونصبني للناس . فقلت : يا أمير المؤمنين ، عندك أشراف العرب ، ورؤساء الاجناد . أرأيت لو أن خمسين رجلا شهدوا على رجل ، أنه زنا بدمشق ، ولم يروه ، أكنت ترجمه ؟ قال : لا . قلت : أفرأيت لو أن خمسين رجلا شهدوا على رجل أنه سرق بحمص ، ولم يروه ، أكنت تقطعه ؟ قال : لا . وفي بعض الروايات : قلت : فما بالهم إذا شهدوا أنه قتله بأرض كذا ، وهم عندك ، أقدت بشهادتهم . قال : فكتب عمر بن عبد العزيز ، في القسامة ، أنهم إن أقاموا شاهدي عدل : أن فلانا قتله ، فأقده ، ولا يقتل بشهادة الخمسين الذين أقسموا " . قالوا : " ومنها : أن من الاصول ، أن الايمان ليس لها تأثير في إشاطة الدماء " . ومنها : " أن من الاصول : ان البينة على من ادعى ، واليمين على من أنكر " . ومن حجتهم : " أنهم لم يرو في تلك الاحاديث ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بالقسامة ، وإنما كانت حكما جاهليا ، فتلطف لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليريهم كيف لا يلزم الحكم بها ، على أصول الاسلام ، ولذلك قال لهم : " أتحلفون خمسين يمينا " - أعني لولاة الدم ، وهم الانصار - ؟ قالوا : كيف نحلف ، ولم نشاهد ؟ قال : فيحلف لكم اليهود . قالوا : كيف نقبل أيمان قوم كفار ؟ قالوا : فلو كانت السنة أن يحلفوا وإن لم يشهدوا لقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : هي السنة . قال : إذا كانت هذه الاثار غير نص في القضاء بالقسامة ، والتأويل يتطرق إليها ، فصرفها بالتأويل إلى الاصول أولى . وأما القائلون بها ، وبخاصة " مالك " ، فرأى أن سنة القسامة ، سنة منفردة بنفسها ، مخصصة للاصول ، كسائر السنن المخصصة ، وزعم أن العلة في ذلك حوطة الدماء ، وذلك أن القتل لما كان يكثر ، وكان يقل قيام الشهادة عليه ، لكون القاتل إنما يتحرى بالقتل مواضع الخلوات ، جعلت هذه السنة حفظا للدماء ، لكن هذه العلة تدخل عليه في قطاع الطريق ، والسراق ، وذلك ان السارق تعسر الشهادة عليه ، وكذلك قاطع الطريق . فلهذا أجاز مالك شهادة المسلوبين على السالبين ، مع مخالفة ذلك للاصول ، وذلك أن المسلوبين مدعون على سلبهم " انتهى . التعزير ( 1 ) تعريفه : يأتي التعزير بمعنى " التعظيم والنصرة " ، ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى : " لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه " . أي تعظموه وتنصروه ( 1 ) . ويأتي بمعنى الاهانة : يقال عزر فلان فلانا ، إذا أهانه زجرا وتأديبا له على ذنب وقع منه .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 2:27 am

والمقصود به في الشرع : التأديب على ذنب لا حد فيه ولا كفارة . أي أنه عقوبة تأديبية يفرضها الحاكم ( 2 ) على جناية ( 3 ) أو معصية لم يعين الشرع لها عقوبة ، أو حدد لها عقوبة ولكن لم تتوفر فيها شروط التنفيذ مثل المباشرة في غير الفرج ، وسرقة مالا قطع فيه ، وجناية لا قصاص فيها ، وإتيان المرأة المرأة ، والقذف بغير الزنى . ذلك أن المعاصي ثلاثة أقسام : 1 - نوع فيه حد ، ولا كفارة فيه : وهي الحدود التي تقدم ذكرها . 2 - ونوع فيه كفارة ، ولا حد فيه . مثل : الجماع في نهار رمضان ، والجماع في الاحرام .

3 - ونوع لا كفارة فيه ولا حد ، كالمعاصي التي تقدم ذكرها ، فيجب فيها التعزير .

( 2 ) مشروعيته : والاصل في مشروعيته ما رواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ،

( هامش ) ( 1 ) سورة الفتح : الاية 9 . ( 2 ) الحاكم : هو الذي ينفذ الاحكام الاسلام ويقيم حدوده ويتقيد بتعاليمه . ( 3 ) الجناية في العرف القانوني : " هي الجريمة التي تكون عقوبتها الاعدام أو الاشغال الشاقة أو السجن " . والبيهقي ، عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده : " ان النبي صلى الله عليه وسلم ، حبس في التهمة " صححه الحاكم . وإنما كان هذا الحبس حبسا احتياطيا حتى تظهر الحقيقة . وأخرج البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، عن هانئ بن نيار أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تجلدوا فوق عشرة أسواط ، إلا في حد من حدود الله تعالى " . وقد ثبت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يعزر ويؤدب ، بحلق الرأس والنفي والضرب ، كما كان يحرق حوانيت الخمارين ، والقرية التي يباع فيها الخمر . وحرق قصر سعد بن أبي وقاص بالكوفة ، لما احتجب فيه عن الرعية . وقد اتخذ درة يضرب بها من يستحق الضرب ، واتخذ دارأ للسجن ، وضرب النائحة حتى بدا شعرها ( 1 ) . وقال الائمة الثلاثة : إنه واجب ( 2 ) . وقال الشافعي : ليس بواجب . ( 3 ) حكمة مشروعيته والفرق بينه وبين الحدود : وقد شرعه الاسلام لتأديب العصاة والخارجين على النظام ، فالحكمة فيه هي الحكمة من شرعية الحدود التي سبق ذكرها في مواضعها . إلا أنه يختلف عن الحدود من ثلاثة أوجه . 1 - أن الحدود يتساوى الناس فيها جميعا ، بينما التعزير يختلف باختلافهم . فإذا زل رجل كريم ، فإنه يجوز العفو عن زلته . وإذا عوقب عليها فإنه ينبغي أن تكون عقوبته أخف من عقوبة من ارتكب مثل زلته ، ممن هو دونه في الشرف والمنزلة . روى أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، والبيهقي ، أن رسول الله صلى الله

( هامش ) ( 1 ) ويراجع في ذلك إغاثة اللهفان لابن قيم الجوزية . ( 2 ) أي أن التعزير فيما شرع فيه التعزير واجب

عليه وسلم ، قال : " أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم ، إلا الحدود " . أي إذا زل رجل ممن لا يعرف بالشر زلة ، أو ارتكب صغيرة من الصغائر ، أو كان طائعا وكانت هذه أولى خطاياه ، فلا تؤاخذوه . وإذا كان لا بد من المؤاخذة ، فلتكن مؤاخذة خفيفة . 2 - أن الحدود لا تجوز فيها الشفاعة بعد أن ترفع إلى الحاكم . بينما التعازير يجوز فيها الشفاعة . 3 - أن من مات بالتعزير ، فإن فيه الضمان ، فقد أرهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه امرأة ، فأخمصت بطنها ، فألقت جنينا ميتا ، فحمل دية جنينها ( 1 ) . وقال أبو حنيفة ، ومالك : لا ضمان ، ولا شئ ، لان التعزير والحد في ذلك سواء . ( 4 ) صفة التعزير : والتعزير يكون بالقول : مثل التوبيخ ، والزجر ، والوعظ ، ويكون بالفعل ، حسب ما يقتضيه الحال ، كما يكون بالضرب ، والحبس ، والقيد ، والنفي ، والعزل والرفت . روى أبو داود ، أنه أتي النبي صلى الله عليه وسلم ، بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء . فقال صلى الله عليه وسلم : ما بال هذا ؟ فقالوا : يتشبه بالنساء . فأمر به فنفي إلى البقيع . فقالوا : يا رسول الله ، نقتله ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : " إني نهيت عن قتل المصلين " . ولا يجوز التعزير بحلق اللحية ، ولا بتخريب الدور ، وقلع البساتين ، والزروع ، والثمار ، والشجر . كما لا يجوز بجدع الانف ، ولا بقطع الاذن أو الشفة أو الانامل ، لان ذلك لم يعهد عن أحد من الصحابة . ( 5 ) الزيادة في التعزير على عشرة أسواط : تقدم حديث هانئ بن نيار ، النهي في التعزير عن الزيادة على عشرة أسواط . وقد أخذ بهذا ، أحمد ، والليث ، وإسحق ، وجماعة من الشافعية ، فقالوا : لا تجوز الزيادة على عشرة أسواط التي قررها الشارع . وذهب مالك ، والشافعي ، وزيد بن علي ، وآخرون ، إلى جواز الزيادة على العشرة ، ولكن لا يبلغ أدنى الحدود . وقالت طائفة : لا يبلغ بالتعزير في المعصية قدر الحد فيها . فلا يبلغ بالتعزير على النظر والمباشرة حد الزنى ، ولا على السرقة من غير حرز حد القطع ، ولا على السب من غير قذف حد القذف . وقيل : يجتهد ولي الامر ، ويقدر العقوبة حسب المصلحة وبقدر الجريمة .

( 6 ) التعزير بالقتل : والتعزير بالقتل أجازه بعض العلماء ، ومنعه بعض آخر . وقد جاء في ابن عابدين نقلا عن الحافظ بن تيمية : " إن من أصول الحنفية ، أن مالا قتل فيه عندهم ، مثل القتل بالمثقل ، وفاحشة الرجال ، إذا تكررت ، فللامام أن يقتل فاعله ، وكذلك له أن يزيد على الحد المقدر إذا رأى المصلحة في ذلك " . ( 7 ) التعزير بأخذ المال : ويجوز التعزير بأخذ المال ، وهو مذهب أبي يوسف ، وبه قال مالك . قال صاحب معين الحكام : " ومن قال : إن العقوبة المالية منسوخة ، فقد غلط على مذاهب الائمة ، نقلا واستدلالا ، وليس يسهل دعوى نسخها ، والمدعون للنسخ ليس معهم سنة ولا إجماع ، يصحح دعواهم . إلا أن يقولوا : مذهب أصحابنا لا يجوز . وقال ابن القيم : إن النبي صلى الله عليه وسلم ، عزر بحرمان النصيب المستحق من السلب ، وأخبر عن تعزير مانع الزكاة بأخذ شطر ماله . فقال صلى الله عليه وسلم ، فيما يرويه أحمد ، وأبو داود ، والنسائي : " من أعطاها مؤتجرا فله أجرها ، ومن منعها فإنا آخذوها ، وشطر ماله ، عزمة من عزمات ربنا " .

( 8 ) التعزير من حق الحاكم : والتعزير يتولاه الحاكم ، لان له الولاية العامة على المسلمين . وفي سبل السلام : وليس التعزير لغير الامام ، إلا لثلاثة : 1 - الاول الاب ، فإن له تعزير ولده الصغير للتعليم ، والزجر عن سيئ الاخلاق ، والظاهر أن الام في مسألة زمن الصبا ، في كفالته ، لها ذلك ، والامر بالصلاة ، والضرب عليها ، وليس للاب تعزير البالغ ، وإن كان سفيها . 2 - والثاني السيد ، يعزر رقيقه في حق نفسه ، وفي حق الله تعالى ، على الاصح . 3 - والثالث الزوج ، له تعزير زوجته في أمر النشوز ، كما صرح به القرآن ، وهل له ضربها على ترك الصلاة ونحوها ؟ الظاهر أن له ذلك إن لم يكف فيها الزجر ، لانه من باب إنكار المنكر ، والزوج من جملة من يكلف بالانكار باليد ، أو اللسان ، أو الجنان ، والمراد هنا الاولان . اه‍ وكذلك يجوز للمعلم تأديب الصبيان .

( 9 ) الضمان في التعزير : ولا ضمان على الاب إذا أدب ولده . ولا على الزوج إذا أدب زوجته . ولا على الحاكم إذا أدب المحكوم بشرط ألا يسرف واحد منهم ، ويزيد على ما يحصل به المقصود . فإذا أسرف واحد منهم في التأديب كان متعديا ، وضمن بسبب تعديه ما أتلفه .

السلام في الاسلام إن السلام مبدأ من المبادئ التي عمق الاسلام جذورها في نفوس المسلمين ، فأصبحت جزءا من كيانهم ، وعقيدة من عقائدهم . لقد صاح الاسلام - منذ طلع فجره ، وأشرق نوره - صيحته المدوية في آفاق الدنيا ، يدعو إلى السلام ، ويضع الخطة الرشيدة التي تبلغ بالانسانية إليه . إن الاسلام يحب الحياة ، ويقدسها ، ويحبب الناس فيها ، وهو لذلك يحررهم من الخوف ، ويرسم الطريقة المثلى لتعيش الانسانية متجهة إلى غاياتها من الرقي والتقدم ، وهي مظللة بظلال الامن الوارفة . ولفظ الاسلام - الذي هو عنوان هذا الدين - مأخوذ من مادة السلام ، لان السلام والاسلام ، يلتقيان في توفير الطمأنينة ، والامن ، والسكينة . ورب هذا الدين من أسمائة " السلام " ، لانه يؤمن الناس بما شرع من مبادئ ، وبما رسم من خطط ومناهج . وحامل هذه الرسالة هو حامل راية السلام ، لانه يحمل إلى البشرية الهدى ، والنور ، والخير ، والرشاد . وهو يحدث عن نفسه ، فيقول : " إنما أنا رحمة مهداة " . ويحدث القرآن عن رسالته ، فيقول : " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " . وتحية المسلمين التي تؤلف القلوب وتقوي الصلات وتربط الانسان بأخيه الانسان ، هي السلام . وأولى الناس بالله وأقربهم إليه من بدأهم بالسلام . وبذل السلام للعالم ، وإفشاؤه جزء من الايمان . وقد جعل الله تحية المسلمين بهذا اللفظ ، للاشعار بأن دينهم دين السلام والامان ، وهم أهل السلم ومحبو السلام . وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله جعل السلام تحية لامتنا ، وأمانا لاهل ذمتنا " . وما ينبغي للانسان أن يتكلم مع إنسان قبل أن يبدأه بكلمة السلام . يقول رسول الاسلام صلى الله عليه وسلم : " السلام قبل الكلام " . وسبب ذلك : أن السلام أمان ، ولا كلام إلا بعد الامان . والمسلم مكلف وهو يناجي ربه بأن يسلم على نبيه ، وعلى نفسه ، وعلى عباد الله الصالحين ، فإذا فرغ من مناجاته لله وأقبل على الدنيا ، أقبل عليها من جانب السلام ، والرحمة ، والبركة . وفي ميدان الحرب والقتال ، إذا أجرى المقاتل كلمة السلام على لسانه ، وجب الكف عن قتاله . يقول الله تعالى : " ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا " . وتحية الله للمؤمنين تحية سلام : " تحيتهم يوم يلقونه سلام " . وتحية الملائكة للبشر في الاخرة سلام : " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم " . ومستقر الصالحين دار الامن والسلام . " والله يدعو إلى دار السلام " . " لهم دار السلام عند ربهم " . وأهل الجنة لا يسمعون من القول ولا يتحدثون بلغة غير لغة السلام : " لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما . إلا قيلا سلاما سلاما " . وكثرة تكرار هذا اللفظ - السلام - على هذا النحو ، مع إحاطته بالجو الديني النفسي ، من شأنه أن يوقظ الحواس جميعها ، ويوجه الافكار والانظار إلى هذا المبدأ السامي العظيم . اتجاه الاسلام نحو المثالية بل إن الاسلام يوجب العدل ويحرم الظلم ، ويجعل من تعاليمه السامية وقيمه الرفيعة من المودة ، والرحمة ، والتعاون ، والايثار ، والتضحية ، وإنكار الذات ، ما يلطف الحياة ويعطف القلوب ، ويؤاخي بين الانسان وأخيه الانسان . وهو بعد ذلك كله يحترم العقل الانساني ، ويقدر الفكر البشري ، ويجعل العقل والفكر وسيلتين من وسائل التفاهم والاقناع . فهو لا يرغم أحدا على عقيدة معينة ، ولا يكره إنسانا على نظرية خاصة بالكون أو الطبيعة أو الانسان ، وحتى في قضايا الدين يقرر أنه " لا إكراه في الدين " ، وأن وسيلته هي استعمال العقل والفكر والنظر فيما خلق الله من أشياء . يقول الله تعالى : " لا إكراه في الدين - قد تبين الرشد من الغي " . ويقول تعالى : " ولو شاء ربك لامن من في الارض كلهم جميعا ، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " . " وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ، ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون " . " قل انظروا ماذا في السموات والارض ، وما تغني الايات والنذر عن قوم لا يؤمنون " . ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن وظيفته إلا أنه مبلغ عن الله وداعية إليه . يقول الله تعالى : " يأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا " . العلاقات الانسانية الاسلام لا يقف عند حد الاشادة بهذا المبدأ فحسب ، وإنما يجعل العلاقة بين الافراد ، وبين الجماعات ، وبين الدول ، علاقة سلام وأمان ، يستوي في ذلك علاقة المسلمين بعضهم ببعض ، وعلاقة المسلمين بغيرهم . وفيما يلي بيان ذلك : علاقة المسلمين بعضهم ببعض : 1 - جاء الاسلام ليجمع القلب إلى القلب ، ويضم الصف إلى الصف ، مستهدفا إقامة كيان موحد ، ومتقيا عوامل الفرقة والضعف ، وأسباب الفشل والهزيمة ، ليكون لهذا الكيان الموحد القدرة على تحقيق الغايات السامية ، والمقاصد النبيلة ، والاهداف الصالحة التي جاءت بها رسالته العظمى : من عبادة الله ، وإعلاء كلمته ، وإقامة الحق ، وفعل الخير ، والجهاد من أجل استقرار المبادئ التي يعيش الناس في ظلها آمنين . فهو لهذا كله يكون روابط وصلات بين أفراد المجتمع ، لتخلق هذا الكيان وتدعمه . وهذه الروابط تتميز بأنها روابط أدبية ، قابلة للنماء والبقاء ، وليست كغيرها من الروابط المادية التي تنتهي بانتهاء دواعيها ، وتنقضي بانقضاء الحاجة إليها . إنها روابط أقوى من روابط : الدم ، واللون ، واللغة ، والوطن والمصالح المادية ، وغير ذلك مما يربط بين الناس . وهذه الروابط من شأنها أن تجعل بين المسلمين تماسكا قويا ، وتقيم منهم كيانا يستعصي على الفرقة وينأى عن الحل . وأول رباط من الروابط الادبية هو رباط الايمان ، فهو المحور الذي تلتقي عنده الجماعة المؤمنة . فالايمان يجعل من المؤمنين إخاء أقوى من إخاء النسب . " إنما المؤمنون إخوة " . " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض " . " المسلم أخو المسلم " . وطبيعة الايمان تجمع ولا تفرق ، وتوحد ولا تشتت : " المؤمن ألف مألوف ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف " . والمؤمن قوة لاخيه . " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " . وهو يحس بإحساسه ، ويشعر بشعوره ، فيفرح لفرحه ، ويحزن لحزنه ، ويرى أنه جزء منه . " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " . والاسلام يدعم هذا الرباط ويقوي هذه العلاقة بالدعوة إلى الاندماج في الجماعة والانتظام في سلكها . وينهى عن كل ما من شأنه أن يوهن من قوته أو يضعف من شدته ، فالجماعة دائما في رعاية الله وتحت يده . " يد الله مع الجماعة ، ومن شذ ، شذ في النار " . وهي المتنفس الطبيعي للانسان ، ومن ثم كانت رحمة . " الجماعة رحمة ، والفرقة عذاب " . والجماعة مهما صغرت فهي على أي حال خير من الوحدة ، وكلما كثر عددها ، كانت أفضل وأبر . " الاثنان خير من واحد ، والثلاثة خير من الاثنين ، والاربعة خير من الثلاثة ، فعليكم بالجماعة ، فإن الله لن يجمع أمي إلا على الهدى " . وعبادات الاسلام كلها لا تؤدى إلا جماعة . فالصلاة تسن فيها الجماعة ، وهي تفضل صلاة الفذ ( 1 ) بسبع وعشرين درجة . والزكاة معاملة بين الاغنياء والفقراء . والصيام مشاركة جماعية ، ومساواة في الجوع في فترة معينة من الوقت . والحج ملتقى عام للمسلمين جميعا كل عام ، يجتمعون من أطراف الارض على أقدس غاية . " وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يقرأون القرآن ويتدارسونه بينهم ، إلا نزلت عليهم السكينة ، وحفتهم الرحمة ، وذكرهم الله في ملا عنده " .

( هامش ) ( 1 ) الفذ : الفرد .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 2:27 am

ولقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام ، يحرص على أن يجتمع المسلمون حتى في المظهر الشكلي : فقد رآهم يوما وقد جلسوا متفرقين ، فقال لهم : " اجتمعوا " فاجتمعوا ، فلو بسط عليهم ثوبه لوسعهم . وإذا كانت الجماعة هي القوة التي تحمي دين الله ، وتحرس دنيا المسلمين ، فإن الفرقة هي التي تقضي على الدين والدنيا معا .

ولقد نهى عنها الاسلام أشد النهي ، إذ أنها الطريق المفتوح للهزيمة ، ولم يؤت الاسلام من جهة كما أتي من جهة الفرقة التي ذهبت بقوة المسلمين ، والتي تخلف عنها : الضر ، والفشل ، والذل ، وسائر ما يعانون منه . " ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم " . " ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم " . " واعتصموا بحبل الله جميعا ، ولا تفرقوا " . " ولا تكونوا من المشركين - من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا " . " إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ " . " لا تختلفوا ، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا " . ولن تصل الجماعة إلى تماسكها إلا إذا بذل لها كل فرد من ذات نفسه ، وذات يده ، وكان عونا لها في كل أمر من الامور التي تهمها . سواء أكانت هذه المعاونة معاونة مادية أو أدبية ، وسواء أكانت معاونة ب‍ : المال ، أو العلم ، أو الرأي ، أو المشورة . فالناس عيال الله ، أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله . " خير الناس أنفعهم للناس " . " إن الله يحب إغاثة اللهفان " . " اشفعوا تؤجروا " . المؤمن مرآة المؤمن ، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه . " إن أحدكم مرآة أخيه ، فإن رأى منه أذى فليحطه عنه " . وهكذا يعمل الاسلام على تحقيق هذه الروابط حتى يخلق مجتمعا متماسكا ، وكيانا قويا ، يستطيع مواجهة الاحداث ، ورد عدوان المعتدين . وما أحوج المسلمين في هذه الاونة إلى هذا التجمع . إنهم بذلك يقيمون فريضة إسلامية ، ويحرزون كسبا سياسيا ، ويحققون قوة عسكرية ، تحمي وجودهم ، ووحدة اقتصادية توفر لهم كل ما يحتاجون إليه من ثروات . لقد ترك الاستعمار آثارا سيئة ، من : ضعف في التدين ، وانحطاط في الخلق ، وتخلف في العلم ، ولا يمكن القضاء على هذه الافات الاجتماعية . الخطيرة ، إلا إذا عادت الامة موحدة الهدف ، متراصة البنيان ، مجتمعة الكلمة ، كالبنيان المرصوص ، يشد بعضه بعضا . قتال البغاة هذا هو الاصل في العلاقات والروابط التي تربط بين المسلمين ، فإذا حدث أن تقطعت بينهم هذه العلاقات ، وانفصلت عرى الاخاء ، وبغى بعضهم على بعض ، وجب قتال الباغي حتى يرجع إلى العدل ، وإلى الانتظام في سلك الجماعة . يقول الله تعالى : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ، فأصلحوا بينهما ، فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله ، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل ، وأقسطوا إن الله يحب المقسطين " ( 1 ) . فالاية تقرر أن المؤمنين إذا تقاتلوا وجب على جماعة من ذوي الرأي أن تتدخل فورا ، وتصلح بين المتقاتلين ، فإن بغت طائفة على الاخرى ، ولم ترضخ للصلح ، ولم تستجب له ، وجب على المسلمين جميعا أن يتجمعوا لقتال هذه الطائفة الباغية . وقد قاتل الامام علي الفئة الباغية ، كما قاتل أبو بكر الصديق مانعي الزكاة ، وقد اتفق الفقهاء على أن هذه الفئة الباغية لا تخرج عن الاسلام ببغيها لان القرآن الكريم وصفها بالايمان ، مع مقاتلتها ، فقال :" وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا " . ولهذا فإن مد برهم لا يقتل ، وكذلك جريحهم ، وأن أموالهم لا تغنم ، وأن نسائهم وذراريهم لا تسبى ، ولا يضمنون ما أتلفوا حال الحرب ، من نفس ومن مال . وأن من قتل منهم غسل وكفن وصلي عليه . أما من قتل من الطائفة العادلة ، فإنه يكون شهيدا ، فلا يغسل ولا يصلى عليه ، لانه قتل في قتال أمر الله به ، فهو مثل الشهيد في معركة الكفار . هذا إذا كان الخروج على إمام المسلمين الذي اجتمعت عليه الجماعة في قطر من الاقطار ، وكان هذا الخروج مصحوبا بامتناع عن أداء الحقوق المقررة بمصلحة الجماعة أو مصلحة فراد ، بأن يكون القصد منه عزل الامام . وجملة القول انه لا بد من صفات خاصة يتميز بها الخارجون حتى ينطبق عليهم وصف " البغاة " . وجملة هذه الصفات هي : 1 - الخروج عن طاعة الحاكم العادل التي أوجبها الله على المسلمين لاولياء أمورهم . 2 - أن يكون الخروج من جماعة قوية ، لها شوكة وقوة ، بحيث يحتاج لحاكم في ردهم إلى الطاعة ، إلى إعداد رجال ومال وقتال . فإن لم تكن لهم قوة ، فإن كانوا أفرادا ، أو لم يكن لهم من العتاد ما يدفعون به عن أنفسهم ، فليسوا ببغاة ، لانه يسهل ضبطهم وإعادتهم إلى الطاعة . 3 - أن يكون لهم تأويل سائغ يدعوهم إلى الخروج على حكم الامام ، فإن لم يكن لهم تأويل سائغ كانوا محاربين ، لا بغاة . 4 - أن يكون لهم رئيس مطاع يكون مصدرا لقوتهم ، لانه لا قوة لجماعة لا قيادة لها . هذا هو شأن البغاة وحكم الله فيه . أما إذا كان القتال لاجل الدنيا ، وللحصول على الرئاسة ومنازعة أولي الامر ، فهذا الخروج يعتبر محاربة ويكون للمحاربين حكم آخر يخالف حكم الباغين ، وهذا الحكم هو الذي ذكره الله في قوله : " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ، ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، أو ينفوا من الارض ، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الاخرة عذاب عظيم - إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم " ( 1 ) . فهؤلاء المحاربون جزاؤهم القتل أو الصلب أو تقطيع الايدي والارجل من خلاف ، أو الحبس والنفي من الارض : حسب رأي الحاكم فيهم ، وجرائمهم التي ارتكبوها ، ومن قتل منهم فهو في النار ، ومن قتل من مقاتليهم فهو شهيد . فإذا كان القتال صادرا من الطائفتين ، لعصبية ، أو طلب رئاسة ، كان كل من الطائفتين باغيا ، ويأخذ حكم الباغي . العلاقة بين المسلمين وغيرهم علاقة المسلمين بغيرهم علاقة تعارف ، وتعاون ، وبر ، وعدل . يقول الله سبحانه في التعارف المفضي إلى التعاون : " يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير " ( 2 ) . ويقول في الوصاة بالبر والعدل : " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ، إن الله يحب المقسطين " ( 3 ) . ومن مقتضيات هذه العلاقة تبادل المصالح ، واطراد المنافع ، وتقوية الصلات الانسانية . وهذا المعنى لا يدخل في نطاق النهي عن موالاة الكافرين ، إذ أن النهي عن موالاة الكافرين يقصد به النهي عن محالفتهم ومناصرتهم ضد المسلمين ، كما يقصد به النهي عن الرضى بما هم فيه من كفر ، إذ أن مناصرة الكافرين على المسلمين فيه ضرر بالغ بالكيان الاسلامي ، وإضعاف لقوة الجماعة المؤمنة ، كما أن الرضى بالكفر كفر يحظره الاسلام ويمنعه . أما الموالاة بمعنى المسالمة ، والمعاشرة الجميلة ، والمعاملة بالحسنى ، وتبادل المصالح ، والتعاون على البر والتقوى ، فهذا مما دعا إليه الاسلام .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 2:28 am

كفالة الحرية الدينية لغير المسلمين ولهذا قرر الاسلام المساواة بين الذميين والمسلمين ، فلهم ما للمسلمين ، وعليهم ما عليهم ، وكفل لهم حريتهم الدينية . وتتمثل حريتهم الدينية فيما يأتي : ( أولا ) عدم إكراه أحد منهم على ترك دينه أو إكراهه على عقيدة معينة . يقول الله سبحانه وتعالى : " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي " ( 1 ) . ( ثانيا ) من حق أهل الكتاب أن يمارسوا شعائر دينهم ، فلا تهدم لهم كنيسة ، ولا يكسر لهم صليب . يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه : " اتركوهم وما يدينون " . بل من حق زوجة المسلم " اليهودية والنصرانية " أن تذهب إلى الكنيسة أو إلى المعبد ، ولا حق لزوجها في منعها من ذلك . ( ثالثا ) أباح لهم الاسلام ما أباحه لهم دينهم من الطعام وغيره ، فلا يقتل لهم خنزير ، ولا تراق لهم خمر ، مادام ذلك جائزا عندهم ، وهو بهذا وسع عليهم أكثر من توسعته على المسلمين الذين حرم عليهم الخمر والخنزير . ( رابعا ) لهم الحرية في قضايا الزواج ، والطلاق ، والنفقة ، ولهم أن يتصرفوا كما يشاءون فيها ، دون أن توضع لهم قيود أو حدود . ( خامسا ) حمى الاسلام وكرامتهم ، وصان حقوقهم ، وجعل لهم الحرية في الجدل والمناقشة في حدود العقل والمنطق ، مع التزام الادب والبعد عن الخشونة والعنف . يقول الله تعالى : " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن . إلا الذين ظلموا منهم ، وقولوا أمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ، ونحن له مسلمون " ( 1 ) . ( سادسا ) سوى بينهم وبين المسلمين في العقوبات ، في رأي بعض المذاهب . وفي الميراث سوى في الحرمان بين الذمي والمسلم ، فلا يرث الذمي قريبه المسلم ، ولا يرث المسلم قريبه الذمي . ( سابعا ) أحل الاسلام طعامهم ، والاكل من ذبائحهم ، والتزوج بنسائهم . يقول الله سبحانه : " اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ، وطعامكم حل لهم ، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ، ومن يكفر بالايمان فقد حبط عمله وهو في الاخرة من الخاسرين " ( 2 ) . ( ثامنا ) أباح الاسلام زيارتهم وعيادة مرضاهم ، وتقديم الهدايا لهم ، ومبادلتهم البيع والشراء ونحو ذلك من المعاملات ، فمن الثابت أن الرسول صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهونة عند يهودي في دين له عليه ، وكان بعض الصحابة إذا ذبح شاة يقول لخادمه ابدأ بجارنا اليهودي . قال صاحب البدائع : " ويسكنون في أمصار المسلمين ، يبيعون ويشترون ، لان عقد الذمة شرع ليكون وسيلة إلى اسلامهم ، وتمكينهم من المقام في أمصار المسلمين أبلغ في هذا المقصود ، وفيه أيضا منفعة المسلمين بالبيع والشراء .

الموالاة المنهي عنها هذا هو الاصل في علاقة المسلمين بغيرهم ، ولا تتبدل هذه العلاقة إلا إذا عمل غير المسلمين - من جانبهم - على تقويض هذه العلاقة وتمزيقها بعداوتهم للمسلمين ، وإعلانهم الحرب عليهم . فتكون المقاطعة أمرا دينيا وواجبا إسلاميا ، فضلا عن أنها عمل سياسي عادل ، فهي معاملة بالمثل . والقرآن يوجه أنظار أتباعه إلى هذه الحقيقة ، ويحكم فيها الحكم الفصل ، فيقول : " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه " ( 1 ) . وقد تضمنت الاية المعاني الاتية : ( أولا ) التحذير من الموالاة والمناصرة للاعداء ، لما فيها من التعرض للخطر . ( ثانيا ) أن من يفعل ذلك فهو مقطوع عن الله ، لا يربطه به رابط . ( ثالثا ) أنه في حالة الضعف والخوف من أذاهم تجوز الموالاة ظاهرا ريثما يعدون أنفسهم لمواجهة الذي يتهددهم . وفي موضع آخر من القرآن الكريم يقول : " بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما - الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا - الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم ، وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا " ( 2 ) .وقد تضمنت هذه الايات ما يأتي : ( أولا ) أن المنافقين هم الذين يتخذون الكافرين أولياء ، يوالونهم بالمودة ، وينصرونهم في السر ، متجاوزين ولاية المؤمنين ومعرضين عنها . ( ثانيا ) أنهم بعملهم هذا يطلبون عند الكافرين العزة والقوة ، وهم بذلك مخطئون ، لان العزة والقوة كلها لله وللمؤمنين : " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون " ( 1 ) . ( ثالثا ) أن هؤلاء المنافقين ينتظرون ما يحل بالمؤمنين ، فإن كان لهم فتح من الله ونصر ، قالوا : نحن معكم في الدين والجهاد ، وإن كان للكافرين نصيب من النصر ، قال هؤلاء المنافقون للكافرين : ألم نحافظ عليكم ونمنعكم من إيذاء المؤمنين لكم بتخذيلهم وإطلاعكم على أسرارهم حتى انتصرتم ، فأعطونا مما كسبتم . ( رابعا ) ان الله سبحانه لن يجعل للكافرين على المؤمنين المخلصين في إيمانهم القائمين على حدود الله ، طريقا إلى النصر عليهم ، أي لا يمكنهم من أن يغلبوهم . وقد كان رجال من المسلمين يوالون رجالا من الكفار لما كان بينهم من قرابة أو جوار أو مخالفة ، وكانت هذه الموالاة خطرا على سلامة المسلمين ، فأنزل الله عزوجل محذرا من هذه الولاية الضارة ، فقال : " يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الايات إن كنتم تعقلون " ( 2 ) . ففي هذه الاية النهي عن اتخاذ غير المؤمنين بطانة وأصدقاء ، أي خاصة تطلعونهم على أسراركم ، لان هذه البطانة لا تقصر في إفساد أمركم ، وأنهم يحبون ويتمنون إبقاع الضرر بكم . وقد ظهرت علامات بغضهم لكم من كلامهم ، فهي لشدتها عندهم يصعب عليهم إخفاؤها ، وما تخفيه صدورهم من البغض لكم أقوى وأشد مما يفلت من ألسنتهم . وطبيعة الايمان تأبى على المؤمن أن يوالي عدوه الذي يتربص به الدوائر ، ولو كان أقرب الناس إليه . يقول القرآن الكريم : " لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الاخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الايمان وأيدهم بروح منه " ( 1 ) . فالاية تبين أنه لا يصح أن يوجد بين المؤمنين من يصادقون أعداءهم ، ولو كان هؤلاء الاعداء آباء المؤمنين ، أو أبنائهم ، أو إخوانهم الاقربين . إن حكم القرآن في هؤلاء الذين يتعاونون مع الاستعمار وأعداء العرب والمسلمين بين واضح ، وإن ذلك خيانة لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولائمة المسلمين وعامتهم ، وأنهم لم يراعوا حق الاسلام ، ولا حق التاريخ ، ولا حق الجوار ولا حق المظلومين ، ولا حق حاضر حق المنطقة ولا حق مستقبلها . وهؤلاء الخونة بتصرفهم هذا ، قد باعوا أنفسهم للشيطان ، وسجلوا على أنفسهم الخزي والعار : خزي الدهر وعار الابد .

الاعتراف بحق الفرد والاسلام - بعد أن أشاد بمبدأ السلام وجعل العلاقة بين الناس علاقة أمن وسلام - احترم الانسان وكرمه من حيث هو إنسان ، بقطع النظر عن جنسه ، ولونه ، ودينه ، ولغته ، ووطنه ، وقوميته ، ومركزه الاجتماعي . يقول الله تعالى : " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " . ( 1 ) . ومن مظاهر هذا التكريم أن الله خلق الانسان بيده ، ونفخ فيه من وحه ، وأسجد له ملائكته ، وسخر له ما في السموات وما في الارض جميعا منه ، وجعله سيدا على هذا الكوكب الارضي ، واستخلفه فيه ليقوم بعمارته وإصلاحه . ومن أجل أن يكون هذا التكريم حقيقة واقعة . وأسلوبا في الحياة ، كفل الاسلام جميع حقوق الانسان ، وأوجب حمايتها وصيانتها ، سواء أكانت حقوقا دينية ، أو مدنية ، أو سياسية . ومن هذه الحقوق : ( 1 ) حق الحياة : لكل فرد حق صيانة نفسه ، وحماية ذاته . فلا يحل الاعتداء عليها إلا إذا قتل ، أو أفسد في الارض فسادا يستوجب القتل . يقول الله تعالى : " من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض ، فكأنما قتل الناس جميعا ، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا " ( 2 ) . وفي الحديث الصحيح : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث :" النفس بالنفس ، والثيب الزاني ، والتارك لدينه المفارق للجماعة " . ( 2 ) حق صيانة المال : فكما أن النفس معصومة ، فكذلك المال ، فلا يحل أخذ المال بأي وسيلة من الوسائل غير المشروعة . يقول الله تعالى : " يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم " ( 1 ) . وقال عليه الصلاة والسلام : " من أخذ مال أخيه بيمينه ، أوجب الله له النار ، وحرم عليه الجنة " . فقال رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله ؟ . فقال : " وإن كان عودا من أراك " . والاراك هو الشجر الذي يؤخذ منه السواك . ( 3 ) حق العرض : ولا يحل انتهاك العرض حتى ولا بكلمة نابية . يقول الله تعالى : " ويل لكل همزة لمزة " . ( 2 ) ( 4 ) حق الحرية : ولم يكتف الاسلام بتقرير صيانة الانفس ، وحماية الاعراض والاموال ، بل أقر حرية العبادة ، وحرية الفكر ، وحرية اختيار المهنة التي يمارسها الانسان لكسب عيشه ، وحرية الاستفادة من جميع مؤسسات الدولة . وأوجب الاسلام على الدولة المحافظة على هذه الحقوق جميعها ، وإن حقوق الانسان لا تنتهي عند هذا الحد ، بل هناك حقوق أخرى ، منها : ( 1 ) حق المأوى : فالانسان له الحق في أن يأوي إلى أي مكان ، وأن يسكن في أي جهة ، وأن ينتقل في الارض دون حجر عليه أو وضع عقبات في طريقه ، ولا يجوز نفي أي فرد أو إبعاده أو سجنه إلا في حالة ما إذا اعتدى على حق غيره ، ورأى القانون أن يعاقبه بالطرد أو الحبس . ويكون ذلك في حالة الاعتداء على الغير ، والاخلال بالامن ، وإرهاب الابرياء .

( 1 ) سورة النساء : الاية 29 . ( 2 ) سورة الهمزة : الاية 1 . والويل : هو العذاب الشديد ، والهمزة : الذي يعيب الناس ، وينشر ما يبدو له بطريق الاشارة المعبرة ، واللمزة : هو الذي يتحدث عن العيوب ، ويذيعها بين الناس

وفي ذلك يقول الله تعالى : " إنما جزاء اللذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا ، أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، أو ينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الاخرة عذاب عظيم - إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم " .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 2:29 am

( 1 ) ( 2 ) حق التعلم وإبداء الرأي : ومن الحقوق كذلك حق التعلم : فمن حق كل فرد أن يأخذ من التعليم ما ينير عقله ، ويرقي وجوده ، ويرفع من مستواه . ومن حق الانسان كذلك ، أن يبين عن رأيه ويدلي بحجته ويجهر بالحق ويصدع به . والاسلام يمنع من مصادرة الرأي ومحاربة الفكر الحر ، إلا إذا كان ذلك ضارا بالمجتمع . ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبايع أصحابه على أن يجهروا بالحق ، وإن كان مرا ، وعلى ألا يخافوا في الله لومة لائم ، ويخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أن : " الساكت عن الحق شيطان أخرس " . وفي ذلك يقول القرآن الكريم : " إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله . ويلعنهم اللاعنون - إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم " . ( 2 ) وأخيرا ، وليس آخرا : يقرر الاسلام أن من حق الجائع أن يطعم ، ومن حق العاري أن يكسى ، والمريض أن يداوى ، والخائف أن يؤمن ، دون تفرقة بين لون ولون ، أو دين ودين ، فالكل في هذه الحقوق سواء .

هذه هي تعاليم الاسلام في تقرير بعض حقوق الانسان ، وهي تعاليم فيها الصلاح والخير لهذه الدنيا جميعها وأعظم ما فيها أنها سبقت جميع المذاهب التي تحدثت عن حقوق الانسان ، وأن الاسلام جعل هذه التعاليم دينا يتقرب به إلى الله . كما يتقرب بالصلاة وغيرها من العبادات .

جريمة إهدار الحقوق : إن هده الحقوق هي التي تمنح الانسان الانطلاق إلى الافاق الواسعة ليبلغ كماله ، ويحصل على ارتقائه المقدر له ، سواء أكان ماديا أم أدبيا . ومن ثم ، فإن أي تفويت أو تنقيص لحق من حقوق الانسان يعتبر جريمة من الجرائم ، وهذا نفسه هو السبب الحقيقي في منع الاسلام للحرب أيا كان نوعها ، لان الحرب بجانب كونها اعتداء على الحياة - وهي حق مقدس - فهي تدمير لما تصلح به الحياة . وقد منع حرب التوسع ، وبسط النفوذ ، وسيادة القوي ، فقال : " تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا ، والعاقبة للمتقين " . ( 1 ) ومنع حرب الانتقام والعدوان ، فقال : " ولا يجر منكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب ( 2 ) " ومنع حرب التخريب والتدمير فقال : " ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها ( 3 ) " .

متى تشرع الحرب وإذا كانت القاعدة هي السلام ، والحرب هي الاستثناء فلا مسوغ لهذه الحرب - في نظر الاسلام - مهما كانت الظروف ، إلا في إحدى حالتين : ( الحالة الاولى ) حالة الدفاع عن النفس ، والعرض ، والمال ، والوطن عند الاعتداء . يقول الله تعالى : " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم . ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين " . ( 1 ) وعن سعد بن زيد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " من قتل دون ماله ، فهو شهيد ، ومن قتل دون دمه ، فهو شهيد ، ومن قتل دون دينه ، فهو شهيد ، ومن قتل دون أهله ، فهو شهيد " . رواه أبو داود والترمذي والنسائي . ويقول الله سبحانه : " ومالنا ألا تقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا " . ( 2 ) ( الحالة الثانية ) حالة الدفاع عن الدعوة إلى الله إذا وقف أحد في سبيلها . بتعذيب من آمن بها ، أو بصد من أراد الدخول فيها ، أو بمنع الداعي من تبليغها ، ودليل ذلك : ( أولا ) أن الله سبحانه يقول : " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ، فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين - فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم - وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين " ( 1 ) وقد تضمنت هذه الايات ما يأتي : 1 - الامر بقتال الذين يبدءون بالعدوان ومقاتلة المعتدين ، لكف عدوانهم . والمقاتلة دفاعا عن النفس أمر مشروع في كل الشرائع ، وفي جميع المذاهب ، وهذا واضح من قوله تعالى : " وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم " 2 - أما الذين لا يبدءون بعدوان ، فإنه لا يجوز قتالهم ابتداء ، لان الله نهى عن الاعتداء ، وحرم البغي والظلم في قوله : " ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين " . 3 - وتعليل النهي عن العدوان بأن الله لا يحب المعتدين دليل على أن هذا النهي محكم غير قابل للنسخ ، لان هذا إخبار بعدم محبة الله للاعتداء والاخبار لا يدخله النسخ لان الاعتداء هو الظلم ، والله لا يحب الظلم أبدا . 4 - أن لهذه الحرب المشروعة غاية تنتهي إليها ، وهي منع فتنة المؤمنين والمؤمنات ، بترك إيذائهم ، وترك حرياتهم ليمارسوا عبادة الله ويقيموا دينه ، وهم آمنون على أنفسهم من كل عدوان . ( ثانيا ) يقول الله سبحانه : " ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا " . ( 2 ) وقد بينت هذه الاية سببين من أسباب القتال : ( أولهما ) القتال في سبيل الله ، وهو الغاية التي يسعى إليها الدين ، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله . ( وثانيهما ) القتال في سبيل المستضعفين ، الذين أسلموا بمكة ، ولم يستطيعوا الهجرة ، فعذبتهم قريش وفتنتهم حتى طلبوا من الله الخلاص ، فهؤلاء لا غنى لهم عن الحماية التي تدفع عنهم أذى الظالمين ، وتمكنهم من الحرية ، فيما يدينون ويعتقدون . ( ثالثا ) يقول الله سبحانه : " فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم ، فما جعل الله لكم عليهم سبيلا " . ( 1 ) فهؤلاء القوم الذين لم يقاتلوا قومهم ، ولم يقاتلوا المسلمين واعتزلوا محاربة الفريقين ، وكان اعتزالهم هذا اعتزالا حقيقيا يريدون به السلام ، فهؤلاء لا سبيل للمؤمنين عليهم . ( رابعا ) أن الله تعالى يقول : " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم - وإن يريدوا أن يخدعوكم فإن حسبك الله " . ( 2 ) ففي هذه الآية الامر بالجنوح إلى السلم إذا جنح العدو إليها ، حتى ولو كان جنوحه خداعا ومكرا . ( خامسا ) أن حروب الرسول صلى الله عليه وسلم كانت كلها دفاعا ، ليس فيها شئ من العدوان . وقتال المشركين من العرب ، ونبذ عهودهم بعد فتح مكة كان جاريا على هذه القاعدة . وهذا بين في قوله تعالى : " ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين - قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين - ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء الله عليم حكيم ( 3 ) " . ولما تجمعوا جميعا ورموا المسلمين عن قوس واحدة ، أمر الله بقتالهم جميعا يقول الله سبحانه : " وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ، واعلموا أن الله مع المتقين " . ( 1 ) وأما قتال اليهود ، فإنهم كانوا قد عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هجرته ، ثم لم يلبثوا أن نقضوا العهد وانضموا إلى المشركين والمنافقين ضد المسلمين ، ووقفوا محاربين لهم في غزوة الاحزاب ، فأنزل الله سبحانه : " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ، ولا باليوم الآخر ، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتو الكتاب ، حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " . ( 2 ) وقال أيضا : " يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ، وليجدوا فيكم غلظة ، واعلموا أن الله مع المتقين " ( 3 ) ( سادسا ) أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على امرأة مقتولة ، فقال : " ما كانت هذه لتقاتل " . فعلم من هذا أن العلة في تحريم قتلها أنها لم تكن تقاتل مع المقاتلين ، فكانت مقاتلتهم لنا هي سبب مقاتلتنا لهم ، ولم يكن الكفر هو السبب . ( سابعا ) أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الرهبان والصبيان ، لنفس السبب الذي نهى من أجله عن قتل المرأة . ( ثامنا ) أن الاسلام لم يجعل الاكراه وسيلة من وسائل الدخول في الدين ، بل جعل وسيلة ذلك استعمال العقل وإعمال الفكر ، والنظر في ملكوت السموات والارض . يقول الله سبحانه : " ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ، وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون - قل انظروا ماذا في السموات والارض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون " . ( 4 ) وقال : " لاإكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي " . ( 5 ) وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأسر الاسرى ، ولم يعرف أنه أكره أحدا منهم على الاسلام . وكذلك كان أصحابه يفعلون . روى أحمد عن أبي هريرة " أن ثمامة الحنفي أسر وكان النبي صلى الله عليه وسلم يغدو عليه فيقول : " ما عندك يا ثمامة ؟ . . " . فيقول : إن تقتل تقتل ذا دم ، وإن تمنن تمنن على شاكر ، وإن ترد المال نعطك منه ما شئت . وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبون الفداء ، ويقولون : ما نصنع بقتل هذا ، فمر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ، فحله ، وبعث به إلى حائط أبي طلحة ، وأمره أن يغتسل ، فاغتسل وصلى ركعتين . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لقد حسن إسلام أخيكم " . أما النصارى وغيرهم فلم يقاتل الرسول صلى الله عليه وسلم أحدا منهم . حتى أرسل رسله بعد صلح الحديبية إلى جميع الملوك يدعوهم إلى الاسلام ، فأرسل إلى قيصر ، وإلى كسرى ، وإلى المقوقس ، وإلى النجاشي وملوك العرب بالشرق والشام ، فدخل في الاسلام من النصارى وغيرهم من دخل ، فعمد النصارى بالشام فقتلوا بعض من قد أسلم . فالنصارى حاربوا المسلمين أولا ، وقتلوا من أسلم منهم بغيا وظلما .

فلما بدأ النصارى بقتل المسلمين أرسل الرسول سرية أمر عليها زيد بن حارثة ، ثم جعفرا ، ثم أمر عبد الله بن رواحة ، وهو أول قتال قاتله المسلمون للنصارى - بمؤتة من أرض الشام - واجتمع على أصحابه خلق كثير من النصارى ، واستشهد الامراء رضي الله عنهم ، وأخذ الراية خالد بن الوليد . ومما تقدم يتبين بجلاء ، أن الاسلام لم يأذن بالحرب إلا دفعا للعدوان ، وحماية للدعوة ، ومنعا للاضطهاد ، وكفاية لحرية التدين ، فإنها حينئذ تكون فريضة من فرائض الدين ، وواجبا من واجباته المقدسة ويطلق عليها اسم " الجهاد الجهاد اجهاد مأخوذ من الجهد وهو الطاقة والمشقة ، يقال : جاهد يجاهد جهادا ومجاهدة ، إذا استفرغ وسعه ، وبذل طاقته ، وتحمل المشاق في مقاتلة العدو ومدافعته ، وهوما يعبر عنه بالحرب في العرف الحديث ، والحرب هي القتال المسلح بين دولتين فأكثر ، وهي أمر طبيعي في البشر ، لاتكاد تخلو منه أمة ولا جيل وقد أقرته الشرائع الالهية السابقة . ففي أسفار التوراة التي يتداولها اليهود ، تقرير شريعة الحرب والقتال في أبشع صورة من صور التخريب والتدمير والاهلاك والسبي . فقد جاء في سفر التثنية في الاصحاح العشرين عدد 10 ومابعده ، ما يأتي نصه : " حين تقرب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح ، فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك ، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك بالتسخير ، ويستعبد لك ، وإن لم تسالمك ، بل عملت معك حربا ، فحاصرها ، وإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك ، فاضرب جميع ذكورها بحد السيف ، وأما النساء ، والاطفال ، والبهائم ، وكل ما في المدينة ، كل غنيمتها فتغنمها لنفسك ، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك ، هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جدا ، التي ليست من مدن هؤلاء الامم هنا ، وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبا فلا تبق منها نسمة ما ، بل تحرمها تحريما - الحثيين والاموريين ، والكنعانيين ، والفرزيين ، والحويين ، واليوسيين ، كما أمرك الرب إلهك " . وفي إنجيل متى المتداول بأيدي المسيحيين ، في الاصحاح العاشر عدد 24 وما بعده يقول : " لا تظنوا أني جئت لالقي سلاما على الارض ، ما جئت لالقي سلاما ، بل سيفا ، فإنني جئت لافرق الانسان ضد أبيه والابنة ضد أمها ، والكنة ضد حماتها ، وأعداء الانسان أهل بيته ، من أحب أبا أو أما أكثر مني ، فلا يستحقني ، ومن أحب ابنا أو ابنة أكثر مني ، فلا يستحقني ، ومن لا يأخذ صليبه ويتبعني ، فلا يستحقني ، ومن وجد حياته يضيعها ، ومن أضاع حياته من أجلي يجدها " . والقانون الدولي أقر الظروف والاحوال التي تشرع فيها الحرب ، ووضع لها القواعد ، والمبادئ ، والنظم ، التي تخفف من شرورها وويلاتها ، وإن كان لم يتم شئ من ذلك عند التطبيق . تشريع الجهاد في الاسلام أرسل الله رسوله إلى الناس جميعا ، وأمره أن يدعو إلى الهدى ودين الحق ولبث في مكة يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة . وكان لابد من أن يلقى مناوأة من قومه الذين رأوا أن الدعوة الجديدة خطر على كيانهم المادي والادبي . فكان توجيه الله له أن يلقى هذه المناوأة بالصبر ، والعفو ، والصفح الجميل . " واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا " . ( 1 ) " فاصفح عنهم ، وقل سلام ، فسوف يعلمون " . ( 2 ) " فاصفح الصفح الجميل " . ( 3 ) " قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله " . ( 4 ) ولم يأذن الله بأن يقابل السيئة بالسيئة ، أو يواجه الاذى بالاذى ، أو يحارب الذين حاربوا الدعوة ، أن يقاتل الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات . " ادفع بالتي هي أحسن السيئة ، نحن أعلم بما يصفون " .

(وكل ما أمر به جهادا في هذه الفترة أن يجاهد بالقرآن ، والحجة ، والبرهان . " وجاهدهم جهادا كبيرا " . ( 1 ) ولما اشتد الاذى ، وتتابع الاضطهاد حتى وصل قمته بتدبير مؤامرة لاغتيال الرسول الكريم ، اضطر أن يهاجر من مكة إلى المدينة ، ويأمر أصحاب بالهجرة إليها بعد ثلاث عشرة سنة من البعثة . " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " . ( 2 ) " إلا تنصروه ، فقد نصره الله " . ( 3 ) وفي المدينة - عاصمة الاسلام الجديدة - تقرر الاذن بالقتال حين أطبق عليهم الاعداء ، واضطروا إلى امتشاق الحسام ، دفاعا عن النفس ، وتأمينا للدعوة . وكان أول آية نزلت قول الله سبحانه : " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا ، وإن الله على نصرهم لقدير . الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا : ربنا الله - ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز - الذين إن مكناهم في الارض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور " . ( 4 ) وفي هذه الآيات تعليل للاذن بالقتال بأمور ثلاثة : 1 - انهم ظلموا بالاعتداء عليهم ، وإخراجهم من ديارهم بغير حق إلا أن يدينوا دين الحق ، ويقولوا : ربنا الله . 2 - انه لولا إذن الله للناس بمثل هذا الدفاع ، لهدمت جميع المعابد التي يذكر فيها اسم الله كثيرا ، بسبب ظلم الكافرين الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر . 3 - ان غاية النصر ، والتمكين في الارض ، والحكم : إقامة الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، والامر بالمعروف ، والنهي عن المنكر . ايجابه وفي السنة الثانية من الهجرة ، فرض الله القتال ، وأوجبه بقوله تعالى : " كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون " .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 2:30 am

الجهاد فرض كفاية ( 2 ) : والجهاد ليس فرضا على كل فرد من المسلمين ، وإنما هو فرض على الكفاية إذا قام به البعض ، واندفع به العدو ، وحصل به الغناء ، سقط عن الباقين . ( هامش ) ( 1 ) سورة البقرة : الآية 216 . ( . ) ( 2 ) من الفرائض ما يجب على كل فرد أن يقوم به ولا يسقط بإقامة البعض له ، مثل : الايمان ، والطهارة ، والصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والحج . فهذه فرائض عينية ، يلزم كل فرد أداؤها ، ولا يحل له أن يقصر فيها . ومن الفرائض ما يجب على بعض الناس دون البعض الآخر ، وتسمى هذه الفرائض بفروض الكفاية وهي أنواع : 1 - النوع الاول ديني ، مثل : العلم ، والتعلم ، وحكم الشبهات ، والرد على الشكوك التي تثار حول الاسلام ، وصلاة الجنازة ، وإقامة الجماعة ، والآذان ، ونحو ذلك . 2 - والنوع الثاني ما يتصل بإصلاح النظام المعيشي ، مثل : الزراعة ، والصناعة ، والطب ، ونحو ذلك من الحرف التي يضر تعطيلها أمر الدين والدنيا . 3 - والنوع الثالث من الفروض الكفائية ما يشترط فيه الحاكم ، مثل : الجهاد ، وإقامة الحدود فإن هذه من حق الحاكم وحده ، وليس لاي فرد أن يقيم الحد على غيره . 4 - والنوع الرابع ما لا يشترط فيه الحاكم ، مثل : الامر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والدعوة إلى الفضائل ، ومطاردة الرذائل . فهذه الفروض الكفائية لا تجب على كل فرد ، وإنما الواجب أن ينهض بها بعض الافراد ، فإذا قاموا بها ، وحصلت بهم الكفاية ، سقط الوجوب عن الافراد جميعا . وإذا لم يقوموا بها ، أثموا جميعا . يقول الله تعالى : " وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون . " ( 1 ) وقال سبحانه : " يأيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا " . ( 2 ) وفي البخاري " ويذكر عن ابن عباس " انفروا ثبات " : سرايا متفرقين . وقال سبحانه : " لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة كلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما " . ( 3 ) وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بعث بعثا إلى بني لحيان - من هذيل - فقال : " لينبعث من كل رجلين أحدهما ، والاجر بينهما " . ولانه لو وجب على الكل لفسدت مصالح الناس الدنيوية ، فوجب أن لا يقوم به إلا البعض . متى يكون الجهاد فرض عين ؟ ولايكون الجهاد فرض عين إلا في الصور الآتية : 1 - أن يحضر المكلف صف القتال ، فإن الجهاد يتعين في هذه الحال . يقول الله سبحانه : " يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا " . ( 4 ) ويقول الله تبارك وتعالى : " يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار " . ( 1 ) 2 - إذا حضر العدو المكان أو البلد الذي يقيم به المسلمون ، فإنه يجب على أهل البلد جميعا أن يخرجوا لقتاله ، ولا يحل لاحد أن يتخلى عن القيام بواجبه نحو مقاتلته إذا كان لا يمكن دفعه إلا بتكتلهم عامة ، ومناجزتهم إياه . يقول الله سبحانه وتعالى : " يأيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار " . ( 2 ) 3 - إذا استنفر الحاكم أحدا من المكلفين ، فإنه لا يسعه أن يتخلى عن الاستجابة إليه . لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما ، ان النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لاهجرة بعد الفتح ، ولكن جهادونية ، وإذا استنفرتم فانفروا " ( 3 ) رواه البخاري . أي إذا طلب منكم الخروج إلى الحرب فاخرجوا . يقول الله سبحانه : " يأيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض أرضيتم بالحياة الدنيا من الاخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل " .

( 4 ) على من يجب ؟ يجب الجهاد على المسلم ، الذكر ، العاقل ، البالغ ، الصحيح ، الذي يجد من المال ما يكفيه ويكفي أهله حتى يفرغ من الجهاد . فلا يجب على غير المسلم ، ولا على المرأة ، ولا على الصبي ، ولا على المجنون ، ولا على المريض ، فلا حرج على واحد من هؤلاء في التخلف عن

( هامش ) ( 1 ) سورة الانفال : الآية 15 . ( 2 ) سورة التوبة : الآية 123 . ( 3 ) أي لاهجرة من مكة إلى المدينة بعد فتح مكة ، وكانت هذه الهجرة فرضا في أول الاسلام فنسخت بهذا الحديث . أما الهجرة من دار الحرب إلى الاسلام فهي لم تنسخ ، بل هي مفروضة على من لا يأمن فيها على دينه . ( 4 ) سورة التوبة : الآية 38

الجهاد ، لان ضعفهم يحول بينهم وبين الكفاح ، وليس لهم غناء يعتد به في الميدان . وربما كان وجودهم أكثر ضررا ، مع قلة نفعه . وفي هذا يقول الله سبحانه : " ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله " . ( 1 ) ويقول الله تبارك وتعالى : " ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولاعلى المريض حرج " . ( 2 ) وعن ابن عمر رضي الله عنهما ، قال : " عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني " . رواه : البخاري ومسلم . ولانه عبادة ، فلا يجب إلا على بالغ . روى أحمد ، والبخاري ، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : " قلت : يا رسول الله ، هل على النساء جهاد ؟ . . قال : جهاد لاقتال فيه : الحج والعمرة " . وفي رواية : لكن أفضل الجهاد حج مبرور . وروى الواحدي ، والسيوطي ، في " الدر المنثور " عن مجاهد ، قال : " قالت أم سلمة رضي الله عنها : يا رسول الله ، تغزو الرجال ولا نغزو ، وإنما لنا نصف الميراث ؟ ! " . فأنزل الله تعالى : " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شئ عليما " . ( 3 ) ورويا عن عكرمة أن النساء سألن الجهاد ، فقلن :

( 1 ) سورة التوبة : الآية 91 . ( 2 ) سورة الفتح : الآية 17 . ( 3 ) سورة النساء : الآية 32 ، أي أنه للرجال عمل خاص بهم ، كلفوا به ، وللنساء عمل خاص بهن ، كلفن به ، فلا يصح أن يتمنى كل من الفريقين عمل الآخر " وددنا أن الله جعل لنا الغزو فنصيب من الاجر ما يصيب الرجال " ، فنزلت الآية . وهذا لايمنع من خروجهن للتمريض ونحوه . عن أنس رضي الله عنه قال : " لما كان يوم أحد ، انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكرو أم سليم وإنهما لمشمرتان ، أرى خدم سوقهما ( 1 ) تنقلان القرب على متونهما ، ثم تفرغانها في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفر غانها في أفواه القوم " . رواه الشيخان . وعنه قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يغزو بأم سليم ونسوة من الانصار معه ، فيسقين الماء ، ويداوين الجرحى " . رواه مسلم ، وأبو داود ، والترمذي . اذن الوالدين الجهاد الواجب لا يعتبر فيه إذن الوالدين . أما جهاد التطوع ، فإنه لابد فيه من إذن الوالدين المسلمين الحرين ، أو إذن أحدهما . قال ابن مسعود : " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال : الصلاة على وقتها . قلت : ثم أي : قال : بر الوالدين . قلت : ثم أي ؟ قال : الجهاد في سبيل الله " . رواه البخاري ، ومسلم . وقال ابن عمر رضي الله عنهما : " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فاستأذنه في الجهاد . فقال : أحي والداك ؟ قال : نعم ؟ قال : ففيهما فجاهد " . رواه البخاري ، وأبو داود ، والنسائي ، والترمذي وصححه . وفي كتاب شرعة الاسلام : " ولا يخرج إلى الجهاد إلامن كان فارغا عن الاهل والاطفال وعن خدمة الوالدين ، فإن ذلك مقدم على الجهاد ، بل هو أفضل الجهاد " .

( هامش ) ( 1 ) أي الخلاخل في سوقهما ، وسمي الخلخال خدمة بفتحتين ، لانه ربما كان من سيور مركب فيها ذهب وفضة ، والخدمة في الاصل السير ، والخدم موضع الخلخال من الساق .

اذن الدائن وكذلك لا يتطوع به مدين لا وفاء له إلا مع إذن ، أو وهن محرز ، أو كفيل ملئ . فعند أحمد ، ومسلم ، من حديث أبي قتادة : أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعم وأنت صابر محتسب ، مقبل غير مدبر ، إلا الدين ، فإن جبريل قال لي ذلك " .

الاستعانة بالفجرة والكفرة على الغزو يجوز الاستعانة بالمنافقين ، والفسقة ، على قتال الكفرة ، وقد كان عبد الله بن أبي ومن معه من المنافقين يخرجون للقتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقصة أبي محجن الثقفي - الذي كان يدمن شرب الخمر - وبلاؤه في حرب فارس مشهورة . وأما قتال الكفرة مع المسلمين فاختلفت فيها آراء الفقهاء : فقال مالك وأحمد : " لا يجوز أن يستعان بهم ، ولا أن يعاونوا على الاطلاق " . قال مالك : " إلا أن يكونوا خداما للمسلمين ، فيجوز " . وقال أبو حنيفة : " يستعان بهم ، ويعاونون على الاطلاق ، الاسلام هو الغالب الجاري عليهم ، فإن كان حكم الشرك هو الغالب كره " . وقال الشافعي : يجوز ذلك بشرطين : ( أحدهما ) أن يكون بالمسلمين قلة ويكون بالمشركين كثرة . ( والثاني ) أن يعلم من المشركين حسن رأي في الاسلام وميل إليه . ومتى استعان بهم رضخ لهم ولم يسهم : أي أعطاهم مكافأة ولم يشركهم في سهام المسلمين من الغنيمة . الاستنصار بالضعفاء 1 - عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال : رأى أبي أن له فضلا على من دونه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم ؟ ! " . رواه البخاري ، والنسائي . ولفظ النسائي : " إنما ينصر الله هذه الامة بضعيفها ، بدعوتهم ، وصلاتهم وإخلاصهم " . 2 - وعن أبي الدرداء ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول : " ابغوني في الضعفاء ، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم " . رواه أصحاب السنن . 3 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " رب أشعث ، مدفوع بالباب ، لو أقسم على الله لابره " ( 1 ) .

( هامش ) ( 1 ) أي أن الرجل قد يبدو في هيئة لا تسترعي الانظار ، ولكنه قوي الايمان ، صادق اليقين ، فلودعا ربه لاستجاب له بمجرد دعائه

فضل الجهاد الجهاد أفضل نوع من أنواع التطوع : الجهاد : إعلاء لكلمة الله ، وتمكين لهدايته في الارض ، وتركيز للدين الحق ، ومن ثم كان أفضل من تطوع الحج ، والعمرة ، وأفضل من تطوع الصلاة ، والصوم . وهومع ذلك ينتظم كل لون من ألوان العبادات ، سواء منها ما كان من عبادات الظاهر أو الباطن ، فإن فيه من عبادات الباطن الزهد في الدنيا ، ومفارقة الوطن ، وهجرة الرغبات ، حتى سماه الاسلام " الرهبنة " . فقد جاء في الحديث : " رهبانية أمتي : الجهاد في سبيل الله " . وفيه من التضحيه بالنفس ، والمال ، وبيعهما لله ، ما هو ثمرة من ثمرات الحب ، والايمان ، واليقين ، والتوكل . " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم " . ( 1 ) وقد عظم الاسلام أمره ، ونوه به في عامة السور المدنية وذم التاركين له ، والمعرضين عنه ، ووصفهم بالنفاق ومرض القلب . المجاهد خير الناس المجاهد خير الناس عن ابن عباس رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " ألا أخبركم بخير الناس ؟ رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله ألا أخبركم بالذي يتلوه : رجل معتزل في غنيمة له يؤدي حق الله فيها . ألا أخبركم بشر الناس : رجل يسأل بالله‌ولا يعطي به " . وسئل النبي صلى الله عليه وسلم ، أي الناس أفضل ؟ قال : " مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله " . قالوا : ثم من ؟ قال : " مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره " . فقوله صلى الله عليه وسلم : " ثم مؤمن في شعب بن الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره " فيه دليل لمن قال بتفضيل العزلة عن الاختلاط ، وفي ذلك خلاف مشهور . فمذهب الشافعي ، وأكثر العلماء ، أن الاختلاط أفضل بشرط رجاء السلامة من الفتن . ومذهب طوائف أن الاعتزال أفضل . وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه محمول على الاعتزال في زمن الفتن والحروب ، أو هو فيمن لا يسلم الناس منه ولا يصبر عليهم ، أو نحو ذلك من الخصوص . وقد كانت الانبياء صلوات الله عليهم ، وجماهير الصحابة والتابعين والعلماء والزهاد مختلطين ، فيحصلون منافع الاختلاط ، كشهود الجمعة ، والجماعة ، والجنائز ، وعيادة المرضى ، وحلق الذكر ، وغير ذلك . وأما الشعب ، فهو : ما انفرج بين جبلين ، وليس المراد نفس الشعب خصوصا ، بل المراد : الانفراد والاعتزال ، وذكر الشعب مثالا ، لانه خال من الناس غالبا . وهذا الحديث نحو الحديث الآخر ، حين سئل صلى الله عليه وسلم عن النجاة ، فقال : " أمسك عليك لسانك ، وليسعك بيتك ، وابك على خطيئتك " . الجنة للمجاهد روى الترمذي : أن رجلا مالت نفسه إلى العزلة ، فسأل النبي صلى

: " لا تفعل ، فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما ، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة : اغزوا في سبيل الله . من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة " . المجاهد يرتفع مائة درجة في الجنة : عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يا أبا سعيد ، من رضي بالله ربا ، وبالاسلام دينا ، وبمحمد نبيا وجبت له الجنة " . فعجب لها أبو سعيد ، فقال : أعدها علي يا رسول الله ، ففعل . ثم قال : " وأخرى يرفع بها العبد مائة درحة في الجنة ما بين كل درجتين ، كما بين السماء والارض " . قال : وما هي يا رسول الله ؟ قال : " الجهاد في سبيل الله ، الجهاد في سبيل الله " . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن في الجنة مائة درجة ، أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ، مابين الدرجتين كما بين السماء والارض ، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس ، فإنه أوسط الجنة ، وأعلى الجنة ، وفوقه عرش الرحمن ، ومنه تفجر أنهار الجنة " . الجهاد لا يعد له شئ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قيل يا رسول الله ما يعدل الجهاد في سبيل الله عزوجل ؟ قال : " لا تستطيعونه " . فأعاد عليه مرتين ، أو ثلاثا ، كل ذلك يقول " لا يستطيعونه " . وقال في الثالثة : " مثل المجاهد في سيبل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله ، لايفتر من صلاة ولا صيام حتى يرجع المجاهد في سبيل الله " . رواه الخمسة . فضل الشهادة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يكلم أحد في سيبل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيل الله - إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما ، اللون لون الدم ، والريح ريح المسك " . قال محمد بن إبراهيم : أملى علي عبد الله بن المبارك حين ودعته للخروج هذه الابيات ، وأرسلها معي إلى الفضيل بن عياض : يا عابد الحرمين لو أنصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب من كان يخضب خذه بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ريح العبير لكم ، ونحن عبيرنا وهج السنابك والغبار الاطيب ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق . . . لا يكذب لا يستوي غبار أهل الله في أنف امرئ ودخان نار ، لا يكذب هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت ، لا يكذب قال : فلقيت الفضيل بن عياض بكتابه في المسجد الحرام ، فلما قرأه ذرفت عيناه وقال : صدق أبو عبد الرحمن ، ونصحني ، ثم قال : أأنت ممن يكتب الحديث ؟ قلت : نعم . قال : فاكتب هذا الحديث ، أجر حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا . وأملى علي الفضيل بن عياض : " حدثنا منصور بن المعتمر ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال : يا رسول الله علمني عملا أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله . فقال : " هل تستطيع أن تصلي فلاتفتر ، وتصوم فلا تفطر ؟ " فقال : يا رسول الله ، أنا أضعف من أن أستطيع ذلك . ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم : " فوالذي نفسي بيده لو طوقت ذلك ما بلغت المجاهدين في سبيل الله . أو ما علمت أن المجاهد ليستن في طوله فيكتب له بذلك الحسنات " . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه : " لما أصيب إخوانكم بأحد ، جعل الله أرواحهم في جوف طير خضر ، ترد أنهار الجنة ، وتأكل من نمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهب ، معلقة في ظل العرش ، فلما وجدوا طيب مأكلهم ، ومشربهم ، ومقيلهم ، قالوا : من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق ، لئلا يزهدوا في الجهاد ، فقال الله تعالى : " أنا أبلغهم عنكم " . وأنزل : " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون - فرحين بما آتاهم الله من فضله ، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولاهم يحزنون - يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين " . ( 1 ) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم : " أرواح الشهداء في حواصل طير خضر ، تسرح في الجنة حيث شاءت " . وقال صلى الله عليه وسلم : " الشهيد لا يجد ألم القتل إلا كما يجد أحدكم ألم القرصة " . ( 2 ) وقال صلى الله عليه وسلم : " أفضل الجهاد أن يعقر ( 1 ) جوادك ، ويراق ( 2 ) دمك " . عن جابر بن عتيك ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الشهادة سبع - سوى القتل في سبيل الله - : المطعون ( 3 ) شهيد ، والغرق ( 4 ) شهيد ، وصاحب ذات الجنب ( 5 ) شهيد ، والمبطون ( 6 ) شهيد ، وصاحب الحرق شهيد ، والذي يموت تحت الهدم شهيد ، والمرأة تموت بجمع ( 7 ) شهيدة " . روه أحمد ، وأبو داود ، والنسائي بسند صحيح . وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " ما تعدون الشهيد فيكم " ؟ قالوا : يا رسول الله : من قتل في سبيل الله ، فهو شهيد . قال : " إن شهداء أمتي إذن لقليل " . قالوا : فمن هم يا رسول الله ؟ قال : " من قتل في سبيل الله ، فهو شهيد ، ومن مات في سبيل الله ( 8 ) ، فهو شهيد ، ومن مات في الطاعون ، فهو شهيد ، ومن مات في البطن ، فهو شهيد ، والغريق شهيد " . رواه مسلم . وعن سعيد بن زيد ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " من قتل دون ماله ، فهو شهيد ، ومن قتل دون دمه ، فهو شهيد ، ومن قتل دون دينه ، فهو شهيد ، ومن قتل دون أهله ، فهو شهيد " . رواه أحمد ، والترمذي ، وصححه . قال العلماء : " المراد بشهادة هؤلاء كلهم ، غير المقتول في سبيل الله ،

( هامش ) ( 1 ) يعقر : يجرح . ( 2 ) يراق : يصب . ( 3 ) المطعون : من مات بالطاعون . ( 4 ) الغرق : الغريق . ( 5 ) ذات الجنب : القروح تصيب الانسان داخل جنبه وتنشأ عنها الحمى والسعال . ( 6 ) المبطون : من مات بمرض البطن . ( 7 ) بجمع : أي التي تموت عند الولادة . ( 8 ) في سيبل الله : أي في طاعته .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 2:30 am

أنهم يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء ، وأما في الدنيا ، فيغسلون ، ويصلى عليهم . " وبيان هذا ، أن الشهداء ثلاثة أقسام : شهيد في الدنيا والآخرة ، وهو المقتول في حرب الكفار ، وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا ، وهم هؤلاء المذكورون هنا ، وشهيد في الدنيا دون الآخرة ، وهو من غل من الغنيمة ( 1 ) أو قتل مدبرا " . وعن عبد الله بن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يغفر الله للشهيد كل ذنب ، إلا الدين " . ويلحق بالدين مظالم العباد ، مثل : القتل ، وأكل أموال الناس بالباطل ، ونحو ذلك . الجهاد لاعلاء كلمة الله إن الجهاد لا يسمى جهادا حقيقيا إلا أذا قصد به وجه الله ، وأريد به إعلاء كلمته ، ورفع راية الحق ، ومطاردة الباطل ، وبذل النفس في مرضاة الله ، فإذا أريد به شئ دون ذلك من حظوظ الدنيا ، فإنه لا يسمى جهادا على الحقيقة . فمن قاتل ليحظى بمنصب ، أو يظفر بمغنم ، أو يظهر شجاعة ، أو ينال شهرة ، فإنه لانصيب له في الاجر ، ولاحظ له في الثواب . فعن أبي موسى ، قال : " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : الرجل يقاتل للمغنم ( 2 ) والرجل يقاتل للذكر ( 3 ) ، والرجل يقاتل ليرى مكانه ( 4 ) ، فمن في سبيل الله ؟ فقال : " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ، فهو في سبيل الله " .

( هامش ) ( 1 ) راجع الجزء الرابع ( المجلد الاول ) من فقه السنة . ( 2 ) أي لاجل الغنيمة . ( 3 ) ليذكر بين الناس . ( 4 ) يرى مكانه : يشتهر بالشجاعة .

وروى أبو داود ، والنسائي : أن رجلا قال : يا رسول الله : أرأيت رجلا غزا يلتمس الاجر والذكر ، ماله ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : " لاشئ له " . فأعادها عليه ثلاث مرات : فقال : " لاشئ له ، إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا ، وابتغي به وجهه " . إن النية : هي روح العمل ، فإذا تجرد العمل منها ، كان عملا ميتا ، لاوزن له عند الله . روى البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما الاعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى " . وإن الاخلاص هو الذي يعطي الاعمال قيمتها الحقيقية ، ومن ثم فإن المرء قد يبلغ بالاخلاص درجة الشهداء ، ولو لم يستشهد . يقول الرسول عليه الصلاة والسلام : " من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداءوإن مات على فراشه " . ويقول صلى الله عليه وسلم : " إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ، ولا قطعتم واديا ، إلا كانوا معكم ، حبسهم العذر " . وإذا لم يكن الاخلاص هو الباعث على الجهاد ، بل كان الباعث شيئا آخر من أشياء الدنيا وأعراضها لم يحرم المجاهد الثواب والاجر فقط ، بل إنه بذلك يعرض نفسه للعذاب يوم القيامة . فعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه : رجل استشهد . فأتي به فعرفه نعمه ، فعرفها . قال : فما عملت فيها ؟ قال : قاتلت فيك حتى استشهدت . قال : كذبت ، ولكنك قاتلت لان يقال : جرئ فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار . ورجل تعلم العلم وعلمه ، وقرأ القرآن ، فأتي به فعرفه نعمه ، فعرفها . قال فما عملت فيها ؟ قال : تعلمت العلم وعلمته ، وقرأت فيك القرآن . قال : كذبت ، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم . وقرأت القرآن ليقال هو قارئ . فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار . ورجل وسع الله عليه ، وأعطاه من أصناف المال . فأتي به فعرفه نعمه ، فعرفها . قال : فما عملت فيها ؟ قال : ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيهالك . قال : كذبت ، ولكنك فعلت ليقال : هو جواد ، فقد قيل ، ثم أمر به فسحب على وجهه ، ثم ألقي في النار " . رواه مسلم

أجر الاجير ومهما كان المجاهد مخلصا ، وأخذ من الغنيمة ، فإن ذلك ينقص من أجره . فعن عبد الله بن عمرو . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من غازية ، أو سرية تغزو ، فتغنم ، وتسلم ، إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم " . " وما من غازية أو سرية تخفق أو تصاب ، إلا تم أجورهم " . رواه مسلم . قال النووي : " وأما معنى الحديث فالصواب الذي لا يجوز غيره . أن الغزاة إذا سلموا أو غنموا يكون أجرهم أقل من أجر من لم يسلم ، أو سلم ولم يغنم . وأن الغنيمة هي في مقابلة جزء من أجر غزوهم ، فإذا حصلت لهم ، فقد تعجلوا ثلثي أجرهم المترتب على الغزو ، وتكون هذه الغنيمة من جملة الاجر . وهذا موافق للاحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة كقوله : " منا من مات ولم يأكل من أجره شيئا . ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهديها : أي يجتنيها " . فهذا الذي ذكرنا هو الصواب . وهو ظاهر الحديث ، ولم يأت حديث صريح صحيح يخالف هذا . فتعين حمله على ذكرنا . وقد اختار القاضي عياض معنى هذا الذي ذكرناه " . وروى أبو داود عن أبي أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ستفتح عليكم الامصار ، وستكونون جنودا مجندة ، يقطع عليكم فيها بعوث ، فيكره الرجل منكم البعث فيها ، فيتخلص من قومه ، ثم يتصفح القبائل يعرض نفسه عليهم ، يقول : من أكفه بعث كذا ، وذلك الاجير ، إلى آخر قطرة من دمه " .

فضل الرباط في سبيل الله توجد ثغور يمكن أن تكون منافذ ينطلق منها العدو إلى دار الاسلام ومن الواجب أن تحصن هذه الثغور تحصينا منيعا ، كي لا تكون جانب ضعف يستغله العدو ويجعله منطلقا له . وقد رغب الاسلام في حماية هذه الثغور ، بإعداد الجنود ليكونوا قوة للمسلمين . وأطلق على لزوم هذه الثغور ، لاجل الجهاد في سبيل الله لفظ الرباط ( 1 ) ، وأقله ساعة ، وتمامه أربعون يوما ، وأفضله ما كان بأشد الثغور خوفا . وقد اتفق العلماء على أنه أفضل من المقام بمكة . وقد جاء في فضله من الاحاديث ما يلي : روى مسلم عن سلمان ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه ، وإن مات جرى عليه عمله ( 2 ) الذي كان يعمله ، وأجري عليه رزقه ( 3 ) ، وأمن الفتان " . قال : " كان ميت يختم ( 4 ) على عمله ، إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله ،

( هامش ) ( 1 ) الرباط : معناه الاقامة في الثغر بإزاء العدو . ( 2 ) هذه فضيلة خاصة بالمرابطة . ( 3 ) هذا كقوله تعالى : " أحياء عند ربهم يرزقون " . ( 4 ) يختم على عمله : ينقطع عمله عنه ولا يصل ثوابه إليه .

فإنه ينمى ( 1 ) عمله إلى يوم القيامة ويأمن فتنة القبر " . فضل الرمي بنية الجهاد رغب الاسلام في تعلم الرمي والمناضلة بنية الجهاد في سبيل الله ، وحبب في التدريب على ذلك ورياضة الاعضاء بممارسة الرمي والمناضلة . 1 - عن عقبة بن عامر ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يقول : " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة " . " ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي " . رواه مسلم . 2 - وعنه رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ستفتخ عليكم أرضون ، فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه ، إن الله يدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة نفر : صانعه ( 2 ) والممد به ( 3 ) والرامي به في سبيل الله . " وقد شدد الاسلام تشديدا عظيما في نسيان الرمي بعد تعلمه ، وأنه مكروه كراهة شديدة لمن تركه بلا عذر . 3 - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من علم الرمي ثم تركه فليس منا ، أو " قد عصى " . رواه مسلم . 4 - وقال صلى الله عليه وسلم : " كل شئ يلهو به الرجل باطل ، إلا رميه بقوسه ، وتأديبه فرسه ، وملاعبته أهله ، فإنه من الحق " . قال القرطبي : " ومعنى هذا والله أعلم : أن كل ما يتلهى به الرجل ، مما لا يفيده في العاجل ولا في الآجل فائدة ، فهو باطل والاعراض عنه أولى . وهذه الامور الثلاثة ، فإنه وإن كان يفعلها على أنه يتلهى بها وينشط ، فإنها

( هامش ) ( 1 ) ينمي : يزداد وينمو . ( 2 ) يحتسب في صنعه الخير . ( 3 ) المناول له .

حق لاتصالها بما قد يفيد ، فإن الرمي بالقوس ، وتأديب الفزس جميعا من تعاون القتال ، وملاعبة الاهل قد تؤدي إلى ما يكون عنه ولد يوحد الله ويعبده ، فلهذا كانت هذه الثلاثة من الحق " . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا بني إسماعيل ، أرموا فإن أباكم كان راميا " . وتعلم الفروسية واستعمال الاسلحة فرض كفاية " وقد يتعين " . الحرب في البحر أفضل من الحرب في البر : لما كان القتال في البحر أعظم خطرا كان أكثر أجرا . 1 - " روى أبو داود عن أو حرام ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " المائد ( 1 ) في البحر له أجر شهيد ، والغرق له أجر شهيدين " . وروى ابن ماجه عن أبي أمامة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : 2 - " شهيد البحر مثل شهيدي البر والمائد في البحر كالمتشحط في دمه في البر وما بين الموجبتين كقاطع الدنيا في طاعة الله ، وإن الله وكل ملك الموت بقبض الارواح ، إلا شهيد البحر فإنه يتولى قبض أرواحهم . ويغفر لشهيد البر الذنوب كلها إلا الدين ، ويغفر لشهيد البحر الذنوب والدين " . صفات القائد وقد عد الفخري الصفات التي يجب أن تتوفر في قائد الجيش ، فقال : قال بعض حكماء الترك : " ينبغي أن يكون في قائد الجيش عشر خصال من أخلاق الحيوان : جرأة الاسد ، وحملة الخنزير ، وروغان الثعلب ، وصبر الكلب على الجراح . وغارة الذئب ، وحراسة الكركي ، وسخاء الديك . وشفقة الديك على الفراريج ، وحذر الغراب . وسمن " تعرو " ، وهي دابة تكون بخراسان تسمن على السفر والكد " .

( هامش ) ( 1 ) المائد : الذي يصيبه القئ .

الجهاد مع البر والفاجر : لا يشترط في الجهاد أن يكون الحاكم عادلا ، أو القائد بارا ، بل الجهاد واجب على كل حال ، وقد يكون للرجل الفاجر في ميدان الجهاد من البلاء ما ليس لغيره " . الواجب على قائد الجيش يجب على القائد بالنسبة للجنود ما يأتي : 1 - مشاورتهم وأخذ رأيهم ، وعدم الاستبداد بالامر دونهم ، لقول الله سبحانه : " وشاورهم في الامر " . ( 1 ) وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : " ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشاورة لاصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم " . أخرجه أحمد والشافعي رضي الله عنهما . 2 - الرفق بهم ، ولين الجانب لهم ، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم ، فارفق به " . أخرجه مسلم . وروى عن معقل بن يسار أنه صلى الله عليه وسلم قال : " ما من أمير يلي أمور المسلمين ، ثم لا يجتهد لهم ، ولا ينصح لهم ، إلالم يدخل الجنة " . وروى أبو داود ، عن جابر رضي الله عنه . قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلف عن المسير ، فيزجي الضعيف ويردف ، ويدلهم " . 3 - الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حتى لا يتورطوا في المعاصي . 4 - تفقد الجيش حينا بعد حين ، ليكون على علم بجنوده ، يمنع من لا يصلح للحرب من رجال وأدوات ، مثل المخدل وهو الذي يزهد الناس في القتال ، والمرجف الذي يطلق الشائعات ، فيقول : ليس لهم مدد ، ولا طاقة . .وكذلك من ينقل أخبار الجيش وتحركاته ، أو يثير الفتن . 5 - تعريف العرفاء . 6 - عقد الالوية والرايات . 7 - تخير المنازل الصالحة ، وحفظ مكانها . 8 - بث العيون ليعرف حال العدو . وكان من هديه صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة ورى بغيرها ( 1 ) وكان يبث العيون ليأتوه بخبر الاعداء ، وكان يرتب الجيوش ، ويتخذ الرايات والالوية . قال ابن عباس : وكانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء ولواؤه أبيض . رواه أبو داود . وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم الى قواده عن أبي موسى رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره قال : " بشروا ، ولا تنفروا ، ويسروا ، ولا تعسروا " ( 2 ) . وعنه قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاذا إلى اليمن ، فقال : يسروا ولاتعسروا ، وبشروا ولا تنفروا ، وتطاوعا ، ولا تختلفا " ( 3 ) . رواهما الشيخان . عن أنس رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " انطلقوا باسم الله ، وبالله ، وعلى ملة رسول الله ، ولا تقتلوا شيخا

( هامش ) ( 1 ) أي ذكر غيرها وأرادها هي ، حتى لا يعرف العدو ما يريده عليه الصلاة والسلام . ( 2 ) في بعض أمره : أي في أمر من أعمال الولاية والادارة . قال : بشروا ، أي من قرب إسلامه ومن تاب من العصاة ، بسعة رحمه الله وعظم ثوابه لمن آمن وعمل صالحا . ولا تنفروا بذكر أنواع التخويف والوعيد ، ويسروا على الناس ، ولا تشدوا عليهم ، فإن هذا أدعى لمحبة الدين . ( 3 ) أتركا الخلاف واعملا على الوفاق فهذا أدعى للنصر والنجاح ، وصدر الحديث موجه باعتبار الجماءة ، وعجزه باعتبار المثنى .

فانيا ( 1 ) ولا طفلا صغيرا ، ولا امرأة ( 2 ) ، ولا تغلوا ، وضموا غنائمكم ، وأصلحوا ، وأحسنوا ( 3 ) إن الله يحب المحسنين " . رواه أبو داود . وصية عمر رضي الله عنه وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص ، رضي الله عنهما ، ومن معه من الاجناد ، أما بعد : " فإني آمرك ومن معك من الاجناد بتقوى الله على كل حال ، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو ، وأقوى المكيدة في الحرب ، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم ، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم ، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله ، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة ، لان عددنا ليس كعددهم ، ولا عدتنا كعدتهم ، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة ، وإلا ننصر عليهم بفضلنا ، لم نغلبهم بقوتنا ، فاعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون ، فاستحيوا منهم ، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله ، ولا تقولوا أن عدونا شرمنا ، فلن يسلط علينا ، فرب قوم سلط عليهم شر منهم ، كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفار المجوس ، فجاسوا خلال الديار ، وكان وعدا مفعولا ، أسألوا الله العون على أنفسكم ، كما تسألونه النصر على عدوكم . أسأل الله ذلك لنا ولكم . " وترفق بالمسلمين في سيرهم ، ولا تجشمهم سيرا يتعبهم ، ولا تقصر بهم عند منزل يرفق بهم يبلغوا عدوهم ، والسفر لم ينقص قوتهم ، فإنهم سائرون إلى عدو مقيم ، حامي الانفس والكراع ، وأقم بمن معك في كل جمعة يوما وليلة ، حتى تكون لهم راحة يحيون فيها أنفسهم ، ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم ، ونح منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة ، فلا يدخلها

( هامش ) ( 1 ) إلا إذا كان مقاتلا أو ذارأي فقد أمر صلى الله عليه وسلم بقتل زيد بن الصمة الذي كان في جيش هوازن للرأي فقط وعمره يربو على مائة وعشرين سنة . ( 2 ) إلا إذا كانت مقاتلة أو والية عليهم أو لها رأي فيهم . ( 3 ) بسند صالح : نسأل الله صلاح الحال . في الحال والمال . آمين .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 2:31 am

من أصحابك إلامن تثق بدينه ، ولا يرزأ أحدا من أهلها شيئا ، فإن لهم حرمة وذمة ، ابتليتم بالوفاء بها ، كما ابتلوا بالصبر عليها ، فما صبروا لكم فنولوهم خيرا ، ولا تستنصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح . " وإذا وطئت أرض العدو ، فأذك العيون بينك وبينهم ، ولا يخفى عليك أمرهم ، وليكن عندك من العرب ، أو من أهل الارض من تمطئن إلى نصحه وصدقه ، فإن الكذوب لا ينفعك خبره ، وإن صدقك في بعضه والغاش عين عليك ، وليس عينا لك . " وليكن منك عند دنوك من أرض العدو أن تكثر الطلائع ، وتبث السرايا بينك وبينهم ، فتقطع السرايا أمدادهم ومرافقهم وتتبع الطلائع عوراتهم . وانتق للطلائع أهل الرأي والبأس من أصحابك ، وتخير لهم سوابق الخيل ، فإن لقوا عدوا كان أول من تلقاهم القوة من رأيك ، واجعل أمر السرايا إلى أهل الجهاد ، والصبر على الجلاد ، ولا تخص بها أحدا بهوى ، فتضيع من رأيك وأمرك أكثر مما حابيت به أهل خاصتك ، ولا تبعثن طليعة ولا سرية في وجه تتخوف فيه غلبة أو صنيعة ونكاية . " فإذا عاينت العدو فاضمم إليك أقاصيك ، وطلائعك ، وسراياك ، واجمع إليك مكيدتك وقوتك ، ثم لا تعاجلهم المناجزة ، ما لم يستكرهك قتال ، حتى تبصر عورة عدوك ومقاتله ، وتعرف الارض كلها كمعرفة أهلها ، فتصنع بعدوك كصنعه بك . " ثم أذك على عسكرك ، وتيقظ من البيات جهدك ، ولا تمر بأسير له عقد إلا ضربت عنقه ، لترهب به عدو الله وعدوك . " والله ولي أمرك ومن معك ، وولي النصر لكم على عدوكم ، والله المستعان " اه‍ . واجب الجنود وواجب الجنود بالنسبة لقائدهم : الطاعة في غير معصية . فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن يطع الامير فقد أطاعني ، ومن يعص الامير فقد عصاني . " وأما الطاعة في المعصية ، فإنه منهي عنها ، لانه لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق . وقد روى البخاري ومسلم عن علي كرم الله وجهه ، قال : " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية ، واستعمل عليهم رجلا من الانصار ، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا فعصوه في شئ ، فقال : اجمعوا لي حطبا ، فجمعوا ، ثم قال : أوقدوا نارا فأوقدوا ، ثم قال : ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا وتطيعوا ؟ فقالوا : بلى . قال : فادخلوها ، فنظر بعضهم إلى بعض ، وقالوا : إنما فررنا إلى رسول الله من النار ، فكانوا كذلك حتى سكن غضبه ، وطفئت النار . فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " لو دخلوها ، ما خرجوا منها أبدا ، وقال : لاطاعة في معصية الخالق ، إنما الطاعة في المعروف . " وجوب الدعوة قبل القتال وجوب الدعوة قبل القتال يجب أن يبدأ المسلمون بالدعوة قبل القتال ، أخرج مسلم عن بريدة ، رضي الله عنه ، قال : " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية ( 1 ) أوصاه في خاصته بتقوى الله ، ومن معه من المسلمين خيرا ( 2 ) ، ثم قال : اغزوا باسم الله في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، أغزوا ولا تغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليدا ( 3 ) ، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال ( 4 ) ، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم : ادعهم إلى الاسلام ، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ، ثم ( 1 ) السرية : قطعة من الجيش . ( 2 ) أوصاء بتقوى الله ، وأوصاه بالمسلمين خيرا . ( 3 ) لا تغلوا : أي لا تخونوا في الغنيمة ، ولا تغدروا : لا تنقضوا عهدا ، ولا تمثلوا : أي لا تشوهوا القتل بقطع الانوف والآذان ونحوها ، ولا تقتلوا وليدا : أي صبيا ، وكذا الشيخ الكبير والمرأة لانهم لا يقاتلون . ( 4 ) هي الاسلام والهجرة وإلا فالجزية . ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين ، وعليهم ما على المهاجرين ، فإن أبوا أن يتحولوا ( 1 ) ، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين ، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ( 2 ) . ولا يكون لهم في الغنيمة والفئ شئ ، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين ، فإن أبوا فسلهم الجزية ( 3 ) ، فإن هم أجابوك فاقبل وكف عنهم ، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم ، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ، فلا تجعل لهم ذلك ( 4 ) ، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك ، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله ( 5 ) ، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله ، فلا تقبل منهم ، ولكن أنزلهم على حكمك ، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا ( 6 ) " . رواه الخمسة إلا البخاري . وحاصر أحد جيوش المسلمين قصرا من قصور فارس ، وكان الامير سلمان الفارسي فقالوا : يا أبا عبد الله ، ألا تنهد إليهم ( 7 ) . قال : دعوني أدعهم ، كما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فأتاهم ، فقال لهم : إنما أنا رجل منكم ، فارسي ، والعرب يطيعونني ، فإن اسلمتم فلكم مثل الذي لنا ، وعليكم ما علينا ، وإن أبيتم إلا دينكم ، تركناكم عليه وأعطونا الجزية عن يد وأنتم صاغرون .

( هامش ) ( 1 ) عن ديارهم ويجاهدوا . ( 2 ) من الاعراب أهل البادية ، وحكم الله فيهم أنه ليس لهم في الغنيمة والفئ شئ إلا إذا جاهدوا . ( 3 ) فإن أبوا : أي عن الاسلام ، فسلهم الجزية ، لعل هذا قبل تخصيصها بأهل الكتاب الوارد في سورة التوبة . ( 4 ) فأرادوك : أي طلبوا منك . ( 5 ) الذمة : العهد ، والاخفار : نقض العهد . ( 6 ) والمراد عن عهد الله وحكمه احتراما لهما . ( 7 ) تأمر الجيش بالزحف عليهم .

قال : ورطن إليهم بالفارسية : وأنتم غير محمودين ( 1 ) ، وإن أبيتم ، نابذناكم على سواء ( 2 ) . قالوا : ما نحن بالذي يعطي الجزية ، ولكنا نقاتلكم . قالوا : يا أبا عبد الله ، ألا تنهد إليهم . قال : فدعاهم ثلاثة أيام إلى مثل هذا ( 3 ) ، ثم قال : انهدوا إليهم ، قال : فنهدنا إليهم ففتحنا ذلك القصر " . رواه الترمذي . قال أبو يوسف : لم يقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوما قط ، فيما بلغنا ، حتى يدعوهم إلى الله ورسوله . وقال صاحب الاحكام السلطانية : ومن لم تبلغهم دعوة الاسلام ، يحرم علينا الاقدام على قتالهم غرة وبياتا بالقتل والتحريق . ويحرم أن نبدأهم بالقتال ، قبل إظهار دعوة الاسلام لهم وإعلامهم من معجزات النبوة ومن ساطع الحجة بما يقودهم إلى الاجابة . ويرى السرخسي من أئمة المذهب الحنفي : أنه يحسن أن لا يقاتلهم فور الدعوة ، بل يتركهم يبيتون ليلة يتفكرون فيها ويتدبرون ما فيه مصلحتهم . ويرى الفقهاء أن أمير الجيش إذا بدأ بالقتال قبل الانذار بالحجة والدعاء إلى إحدى الامور الثلاثة ، وقتل من الاعداء غرة وبياتا ضمن ديات نفوسهم . ذكر البلاذري في فتوح البلدان : " أن أهل سمرقند ، قالوا لعاملهم " سليمان بن أبي السرى " إن قتيبة بن مسلم الباهلي غدر بنا وظلمنا ، وأخذ بلادنا ، وقد أظهر الله العدل والانصاف ، فأذن لنا ، فليفد منا وفد إلى أمير المؤمنين يشكو ظلامتنا ، فإن كان لنا حق أعطيناه ، فإن بنا إلى ذلك حاجة ، فأذن لهم ، فوجهوا منهم قوما إلى " عمر بن عبد العزيز " رضي الله عنه ، فلما علم عمر ظلامتهم كتب إلى سليمان يقول له : إن أهل سمرقند ، قد شكوا إلى ظلما أصابهم ، وتحاملا من قتيبة عليهم حتى أخرجهم من أرضهم ، فإذا أتاك كتابي فأجلس لهم القاضي ، فلينظر في أمرهم ، فإن

( هامش ) ( 1 ) قال هذه الكلمة لهم بالفارسية . ( 2 ) أعلمناكم به ، وقاتلناكم . ( 3 ) فيه طلب الدعوة ثلاثة أيام ، رحمة بهم لعلهم يسلمون .

قضي لهم ، فأخرجهم إلى معسكرهم كما كانوا وكنتم ، قبل أن ظهر ( 1 ) عليهم قتيبة . فأجلس لهم سليمان " جميع بن حاضر " القاضي ، فقضى أن يخرج عرب سمرقند إلى معسكرهم وينابذوهم على سواء ، فيكون صلحا جديدا أو ظفرا عنوة . فقال أهل السند ، بل نرضى بما كان ، ولا نجدد حربا ، لان ذوي رأيهم قالوا : قد خالطنا هؤلاء القوم ، وأقمنا معهم ، وأمنونا وأمناهم ، فإن عدنا إلى الحرب ، لا ندري لمن يكون الظفر ، وإن لم يكن لنا ، كنا قد اجتلبنا عداوة في المنازعة ، فتركوا الامر على ما كان ، ورضوا ولم ينازعوا بعد أن عجبوا من عدالة الاسلام والمسلمين وأكبروها ، وكان ذلك سببا في دخولها الاسلام مختارين . وهذا عمل لم نعلم أن أحدا وصل في العدل إليه . الدعاء عند القتال ومن آداب القتال أن يستغيث المجاهدون بالرب سبحانه ، ويستنصرونه ، فإن النصر بيد الله . وقد كان هذا هدي الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهدي أصحابه من بعده . 1 - فعن أبي داود : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " ثنتان لا تردان : الدعاء عند النداء ، وعند البأس ، حين يلحم بعضهم بعضا " . 2 - قال الله عز وجل : " إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم " ( 2 ) 3 - روى الثلاثة عن عبد الله بن أبي أوفى ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أيامه التي لقي فيها للعدو ، انتظر حتى مالت الشمس ، ثم قام في الناس ، فقال :

( هامش ) ( 1 ) أي رجعتم إلى ما كنتم عليه قبل الغزو . ( 2 ) سورة الانفال : الآية 9 .

" أيها الناس : لا تتمنوا لقاء العدو ، وسلوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف " . تم قال : " اللهم منزل الكتاب ، ومجري السحاب ، وهازم الاحزاب ، اهزمهم وانصرنا عليهم " . 4 - وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم ، إذا غزا : " اللهم أنت عضدي ونصيري ، بك أحول ( 1 ) وبك أصول ( 2 ) ، وبك أقاتل " . رواه أصحاب السنن . 5 - وروى البخاري ومسلم : أنه صلى الله عليه وسلم دعا يوم الاحزاب فقال : " اللهم منزل الكتاب ، سريع الحساب ، اهزم الاحزاب ، اللهم اهزمهم وزلزلهم " . القتال الاسلام يهتم بدعوة العالم الانساني إلى الدخول في هدايته ، لينعم بهذه الهداية ويستظل بظلها الظليل . وإن الامة الاسلامية هي الامة المنتدبة من قبل الله لاعلاء دينه ، وتبليغ وحيه ، وهي منتدبة كذلك لتحرير الامم والشعوب . وهي بهذا الاعتبار كانت خير الامم ، وكانت مكانتها من غيرها مكانة الاستاذ من التلاميذ . وما دام أمرها كذلك ، فيجب عليها أن تحافظ على كيانها الداخلي ، وتكافح لتأخذ حقها بيدها ، وتجاهد لتتبوأ مكانتها التي وضعها الله فيها . وكل تقصير في ذلك يعتبر من الجرائم الكبرى ، التي يجازي الله عليها بالذل والانحلال ، أو الفناء والزوال . وقد نهى الاسلام عن الوهن ، والدعوة إلى السلم ، طالما لم تصل الامة

( هامش ) ( 1 ) أحول : حتال في مكر كيد العدو . ( 2 ) أصول : أحمل على العدو .

إلى غايتها ولم تحقق هدفها ، واعتبر السلم في هذه الحالة لا معنى له إلا الجبن ، والرضا بالدون من العيش . وفي هذا يقول الله سبحانه : " فلاتهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الاعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم " ( 1 ) . أي الاعلون : عقيدة ، وعبادة ، وخلقا ، وأدبا وعلما ، وعملا . إن السلم في الاسلام لا يكون إلا عن قوة واقتدار ، ولذلك لم يجعله الله مطلقا ، بل قيده بشرط أن يكف العدو عن العدوان ، وبشرط ألا يبقى ظلم في الارض ، وألا يفتن أحد في دينه . فإذا وجد أحد هذه الاسباب ، فقد أذن الله بالقتال . وهذا القتال هو القتال الذي تسترخص فيه الانفس ، ويضحى فيه بالمهج والارواح . إنه لا يوجد دين من الاديان دفع بأهله إلى خوض غمرات الحروب . وقذف بهم إلى ساحات القتال ، في سبيل الله والحق ، وفي سبيل المستضعفين . ومن أجل الحياة الكريمة ، غير السلام . ومن استعرض الآيات القرآنية ، والسيرة العملية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده ، يرى ذلك واضحا جليا ، فالله سبحانه ينتدب هذه الامة إلى بذل أقصى ما في وسعها ، فيقول : " وجاهدوا في الله حق جهاده " . ( 1 ) وبين أن هذا الجهاد هو الايمان العملي ، الذي لا يكمل الدين إلا به ، فيقول : " أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون - ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين " ( 3 ) . ويوضح أن هذه سنة الله مع المؤمنين ، وأنه ليس للنصر ولا للجنة سبيل غيره . فيقول : " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول ( هامش ) ( 1 ) سورة محمد : الآية 35 . ( 2 ) سورة الحج : الآية 78 . ( 3 ) سورة العنكبوت : الآية 2 ، 3 . والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب " ( 1 ) . ويوجب إعداد العدة ، وأخذ الاهبة . فيقول : " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم " ( 2 ) والاعداد يتطور بحسب الظروف والاحوال ، ولفظ القوة يتناول كل وسيلة من شأنها أن تدحر العدو . وقد جاء في الحديث الصحيح : " ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي " . ومن الاعداد الحيطة والتجنيد لكل قادر عليه . " يأيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا " ( 3 ) وأخذ الحذر لايتم إلا بالاعداد البري ، والبحري ، والجوي . ويأمر بالخروج لملاقاة العدو في العسر واليسر ، والمنشط والمكره . فيقول : " انفروا خفافا وثقالا " . ( 4 ) والاسلام يعتمد على الروح المعنوية أكثر مما يعتمد على القوة المادية ، ولهذا يستثير الهمم والعزائم ، فيقول : " فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة . ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما . ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا . واجعل لنا من لدنك نصيرا " ( 5 ) ويصبر المؤمنين بأنهم إن كانوا يألمون فإن عدوهم يألم كذلك مع الاختلاف البعيد بين هدف كل منهم فيقول : " ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون " ( 1 ) . ويقول : " الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا " ( 2 ) . أي أن المؤمنين لهم هدف سام ، ولهم رسالة يجاهدون من أجلها ، وهي رسالة الحق والخير وإعلاء كلمة الله . ويوجب الثبات عند اللقاء فيقول : " يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار - ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرقا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير " ( 3 ) . ويرشد إلى القوة المعنوية ، فيقول : " يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون - وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين " ( 4 ) . ويكشف عن نفسية المؤمنين ، وأن من شأنها الاستماتة في الدفاع ، فهم بين أمرين لا ثالث لهما : إما قاتلين ، وإما مقتولين ، فيقول : " ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظم " ( 6 ) . وفي الحالة الاولى لهم النصر ، وفي الثانية لهم الشهادة : " قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنييين " ( 2 ) . وإن القتل في سبيل الله ليس موتا أبديا ، وإنما هو انتقال إلى ما هو أرقي وأبقى ، وإن الفناء في سبيل الله هو عين البقاء . " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون - فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون - يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين " ( 1 ) والله مع المجاهدين لا يتخلى عنهم أبدا : " إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الاعناق واضربوا منهم كل بنان " ( 2 ) . ثم هو سبحانه يعدهم على ذلك ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ، فيقول : " يأيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم - تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ، ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون - يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الانهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم - وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين " . ( 1 ) وبهذا الاسلوب ربي القرآن الكريم المسلمين الاوائل ، وأوجد في نفوسهم الايمان الذي كان فيصلا بين الحق والباطل ، ونهض بهم إلى حيث النصر ، والفتح والتمكين في الارض . " يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ( 4 ) " . " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قلبهم ، وليمكنن لهم دينهم إلى ارتضى لهم وليبد لنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ( 5 ) " .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 2:32 am

وجوب الثبات أثناء الزحف يجب الثبات عند لقاء العدو ، ويحرم الفرار . يقول الله سبحانه وتعالى : " يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ( 1 ) " . ويقول عز من قائل : " يأيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار - ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير " ( 2 ) والآية توجب الثبات وتحرم الفرار إلا في إحدى حالتين ، فإنه يجوز فيهما الانصراف عن العدو . ( الحالة الاولى ) أن ينحرف للقتال ، أي أن ينصرف من جهة إلى جهة إخرى حسب ما يقتضيه الحال ، فله أن ينتقل من مكان ضيق إلى مكان أرحب منه ، أو من موضع مكشوف إلى موضع آخر يستره ، أو من جهة سفلى إلى جهة عليا وهكذا ، مما هو أصلح له في ميدان الحرب والقتال . ( الحالة الثانية ) أن يتحيز إلى فئة ، أي ينحاز إلى جماعة من المسلمين ، إما مقاتلا معهم ، أو مستنجدا بهم . وسواء أكانت هذه الفئة قريبة أم بعيدة . روى سعيد بن منصور : أن عمر رضي الله عنه ، قال : لو أن أبا عبيدة تحيز إلي لكنت له فئة . وأبو عبيدة كان بالعراق ، وعمر كان بالمدينة ! وقال عمر أيضا : " أنا فئة كل مسلم " . وروى ابن عمر رضي الله عنهما - أنهم أقبلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم - لما خرج من بيته قبل صلاة الفجر ، وكانوا قد فروامن عدوهم ، فقالوا : " نحن الفرارون " فقال صلى الله عليه وسلم : " بل أنتم العكارون ( 3 ) ، أنافئة كل مسلم " .

( هامش ) ( 1 ) سورة الانفال : الآية 16 . ( 2 ) سورة الانفال : الآية 16 . ( 3 ) عكارون : جمع عكار ، وهو العطاف الذي يعطف إلى الحرب بعد الحياد عنها .

ففي هاتين الحالتين المتقدمتين ، يجوز للمقاتل أن يفر من العدو وهو - وإن كان فرارا ظاهرا - فهو في الواقع محاولة لاتخاذ موقف أصلح لمواجهة العدو . وفي غير هاتين الصورتين يكون الفرار كبيرة من كبائر الاثم وموبقة توجب العذاب الاليم . يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " اجتنبوا السبع الموبقات ( 1 ) " قالوا : وما هن يا رسول الله ؟ . قال : " الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ( 2 ) ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " . الكذب والخداع عند الحرب يجوز في الحرب الخداع والكذب لتضليل العدو ما دام ذلك لم يشتمل على نقض عهد أو إخلال بأمان . ومن الخداع أن يخادع القائد الاعداء بأن يوهمهم بأن عدد جنوده كثرة كاثرة وعتاده قوة لا تقهر . وفي الحديث الذي رواه البخاري عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الحرب خدعة " . وأخرج مسلم من حديث أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها ، قالت : " لم أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يرخص في شئ من الكذب مما يقول الناس إلا في الحرب ، والاصلاح بين الناس ، وحديث الرجل امرأته ، وحديث المرأة زوجها " الفرار من المثلين تقدم انه يحرم الفرار أثناء الزحف إلا في إحدى الحالتين : " التحرف للقتال ، أو التحيز إلى فئة " .

( هامش ) ( 1 ) الموبقات : المهلكات . ( 2 ) التولي يوم الزحف : الفرار من الحرب . ( . ) / صفحة 655 /

وبقي أن نقول : إنه يجوز الفرار أثناء الحرب إذا كان العدو يزيد على المثلين ، فإن كان مثلين فما دونهما فإنه يحرم الفرار ، يقول الله عزوجل : " الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين " ( 1 ) . قال في المهذب : " إن زاد عددهم على مثلي عدد المسلمين ، جاز الفرار . لكن إن غلب على ظنهم أنهم لا يهلكون ، فالافضل الثبات . وإن ظنوا الهلاك ، فوجهان : ( الاول ) يلزم الانصراف ، لقوله تعالى : " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " . ( الثاني ) فيستحب ولا يجب ، لانهم ان قتلوا فازوا بالشهادة . وإن لم يزد عدد الكفار على مثلي عدد المسلمين ، فإن لم يظنوا الهلاك لم يجز الفرار ، وإن ظنوا فوجهان : يجوز لقوله تعالى : " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " . ولايجوز ، وصححوه ، لظاهر الآية . وقال الحاكم : " إن ذلك يرجع إلى ظن المقاتل واجتهاده ، فإن ظن المقاومة لم يحل الفرار ، وإن ظن الهلاك جاز الفرار إلى فئة وإن بعدت ، إذا لم يقصد الاقلاع عن الجهاد " . وذهب ابن الماجشون ورواه عن مالك إلى : أن الضعف إنما يعتبر في القوة لا في العدد ، وأنه‌يجوز أن يفر الواحد عن واحد إذا كان أعتق جوادا منه ، وأجود سلاحا ، وأشد قوة وهذا هو الاظهر .

الرحمة في الحرب إذا كان الاسلام أباح الحرب كضرورة من الضرورات ، فإنه يجعلها مقدرة بقدرها ، فلا يقتل إلا من يقاتل في المعركة ، وأما من تجنب الحرب فلا يحل قتله أو التعرض له بحال .

وحرم الاسلام كذلك قتل النساء ، والاطفال ، والمرضى ، والشيوخ ، والرهبان ، والعباد ، والاجراء . وحرم المثلة ، بل حرم قتل الحيوان ، وإفساد الزروع ، والمياه ، وتلويث الآبار ، وهدم البيوت . وحرم الاجهاز على الجريح ، وتتبع الفار ، وذلك أن الحرب كعملية جراحية ، لا يجب أن تتجاوز موضع المرض بمكان . وفي ذلك روى سليمان بن بريدة عن أبيه : " أن الرسول صلى الله عليه وسلم . كان إذا أمر أميرا على جيش أو سرية ، أوصاه في خاصته بتقوى الله ، ومن معه من المسلمين خيرا ، ثم قال : " أغزوا باسم الله في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله ، أغزوا ولاتغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليدا " . وحدث نافع عن عبد الله بن عمر ان امرأة وجدت في بعض مغازي الرسول صلى الله عليه وسلم مقتولة فأنكر ذلك ، ونهى عن قتل النساء والصبيان . رواه مسلم . وروى رباح بن ربيع : أن الرسول صلى الله عليه وسلم مر على امرأة مقتولة في بعض الغزوات ولعلها هي المرأة في الحديث المذكور قبل هذا . فوقف عليها ، ثم قال : " ما كانت هذه لتقاتل " ثم نظر في وجوه أصحابه وقال لاحدهم : " الحق بخالد بن الوليد ، فلا يقتلن ذرية ، ولاعسيفا أي أجيرا ولا امرأة " . وعن عبد الله بن زيد قال : " نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النهبى والمثلة " . رواه البخاري . وقال عمران بن الحصين : " كان النبي صلى الله عليه وسلم يحثنا على الصدقة ، وينهانا عن المثلة " ( 1 ) . وفي وصية أبي بكر رضي الله عنه لاسامة حين بعثه إلى الشام : " لا تخونوا ، ولا تغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا طفلا صغيرا ، ولا شيخا كبيرا ، ولا امرأة ، ولا تعقروا نخلا ، ولا تحرقوه ، ولا

( هامش ) ( 1 ) المثلة : هي تشويه القتيل بأي صورة من الصو

تقطعوا شجرة مثمرة ، ولاتذبحوا شاة ، ولا بقرة ، ولا بعيرا ، إلا لمأكلة ، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع " يريد الرهبان " ، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له " . وكذلك كان يفعل سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقد جاء في كتاب له : " لاتغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تقتلوا وليدا ، واتقوا الله في الفلاحين " وكان من وصاياه لامراء الجنود : " ولا تقتلوا هرما ، ولا امرأة ، ولا وليدا . وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان ، وعند شن الغارات " .

الغارة على الاعداء ليلا ويجوز الاغارة على الاعداء ليلا ( 1 ) . قال الترمذي : " وقد رخص قوم من أهل العلم في الغارة بالليل ، وكرهه بعضهم " . وقال أحمد وإسحاق : " لا بأس أن يبيت العدو ليلا " . وسئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن أهل الدار من المشركين يبيتون فيصاب من نسائهم وذراريهم ، فقال : " هم منهم " . رواه البخاري ومسلم من حديث الصعب بن جثام . قال الشافعي : النهي عن قتل نسائهم وصبيانهم ، انما هو في حال التمييز والتفرد . وأما البيات ، فيجوز ، وإن كان فيه إصابة ذراريهم ونسائهم . انتهاء الحرب تنتهي الحرب بأحد الامور الآتية : 1 - إسلام المحاربين ، أو إسلام بعضهم ودخولهم في دين الله ، وفي هذه الحال يصبحون مسلمين ، ويكون لهم ما للمسلمين ، وعليهم ما عليهم من الحقوق والواجبات .

( هامش ) ( 1 ) الاغارة ليلا ، هي : التي يطلق عليها لفظ " البيات " .

2 - طلبهم إيقاف القتال مدة معينة ، وحينئذ يجب الاستجابة إلى ما طلبوا ، كما فعل ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية . 3 - رغبتهم في أن يبقوا على دينهم مع دفع الجزية ، ويتم بمقتضى هذا عقد الذمة بينهم وبين المسلمين . 4 - هزيمتهم ، وظفرنا بهم ، وانتصارنا عليهم ، وبهذا يكونون غنيمة للمسلمين . 5 - وقد يحدث أن يطلب بعض المحاربين من الاعداء الامان ، فيجاب إلى ما طلب ، وكذلك إذا طلب الدخول في دار الاسلام ، ومن ثم فإنا نتحدث بإجمال فيما يلي عن هذه الامور : 1 - عقد الهدنة والموادعة . 2 - عقد الذمة . 3 - الغنائم . 4 - عقد الامان .

الهدنة متى تجب الموادعة والهدنة : عقد الهدنة والموادعة هو الانفاق على ترك القتال فترة من الفترات الزمنية قد تنتهي إلى صلح ، وتجب في حالين : ( الحالة الاولى ) إذا طلبها العدو ، فإنه يجاب إلى طلبه ولو كان العدو يريد الخديعة ، مع وجوب الحذر والاستعداد . يقول الله تعالى : " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم - وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله " ( 1 ) . وفي غزوة الحديبية هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشركي مكة ، ووادعهم مدة عشر سنين ، وكان ذلك حقنا للدماء ، ورغبة في السلم . عن البراء رضي الله عنه قال : " لما أحصر النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت ( 2 ) صالحه أهل مكة على أن يدخلها فيقيم بها ثلاثا ، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح ، السيف وجرابه ( 3 ) ، ولا يخرج بأحد معه من أهلها ، ولا يمنع أحدا يمكث بها ممن كان معه . قال ( 4 ) لعلي أكتب الشرط بيننا : بسم الله الرحمن الرحيم ( 5 ) : " هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله " . فقال له المشركون : " لو نعلم أنك رسول الله تابعناك ، ولكن أكتب : محمد بن عبد الله .

( هامش ) ( 1 ) سورة الانفال : الآيتان 60 و 61 . ( 2 ) لما منعه الكفار من دخول مكة هو وأصحابه وكانوا يريدون العمرة اصطلحوا بالحديبية . ( 3 ) بيان لجلبان السلاح . ( 4 ) الرسول صلى الله عليه وسلم . ( 5 ) وفي رواية : ما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم ، ولكن اكتب ما نعرف : باسمك اللهم

فأمر عليا أن يمحوها ( 1 ) فقال : " لا والله لاأمحوها " . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرني مكانها ، فأراه مكانها فمحاها ، وكتب " ابن عبد الله " . فأقام بها ثلاثة أيام . فلما كان اليوم الثالث ، قالوا لعلي : هذا آخر يوم من شرط صاحبك ، فمره فليخرج . فأخبره بذلك ، فقال : نعم ، فخرج " . وعن المسور بن مخرمة رضي الله عنه ، أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس ، وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة ، وأنه لا إسلال ولا إغلال ( 2 ) . رواه البخاري ومسلم وأبو داود . ( الحالة الثانية ) التي تجب فيها المهادنة : الاشهر الحرم ، فإنه لا يحل فيها البدء بالقتال ، وهي ذو القعدة ، وذو الحجة ، ومحرم ، ورجب . إلا إذا بدأ فيها العدو بالقتال ، فإنه يجب القتال حينئذ دفعا للاعتداء ، وكذلك يباح فيها القتال إذا كانت الحرب قائمة ودخلت هذه الاشهر ولم يستجب العدو لقبول الموادعة فيها ( 3 ) . يقول الله تعالى : " إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والارض منها أربعة حرم ، ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم " . ( 4 ) وخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع فقال : " أيها الناس : إنما النسئ زيادة في الكفر ، يضل به الذين كفروا ( هامش ) ( 1 ) كلمة : رسول الله . ( 2 ) العيبة : وعاء الثياب ، ومكفوفة : مربوطة محكمة ، ولا إسلال ولا إغلال : أي لاسرقة ولا خيانة ، بل ولا كلام فيما مضى ، ولكن قلوب صافية ، وأمن وسلام تام . ( 3 ) وحاصل الشروط أن يرجع النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون هذا العام ، وأن يعودوا للعمرة العام القابل ، ولا يحملوا إلا جلبان السلاح ، ولا يأخذوا من تبعهم من أهل مكة ، ولا يأخذوا من تأخر من المسلمين ، ولا يمكثوا بمكة إلا ثلاثة أيام ، واصطلحوا على وضع الحرب بينهم عشر سنين ، وأن يأمن الناس بعضهم بعضا . ( 4 ) سورة التوبة : الآية

يحلونه عاما ويحرمونه عاما ، ليواطئوا عدة ما حرم الله ، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والارض ، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر في كتاب الله ، يوم خلق الله السموات والارض ، منها أربعة حرم ، ثلاث متواليات ، وواحد فرد ، ذو القعدة ، وذو الحجة ، والمحرم ، ورجب ، فهو الذي بين جمادى وشعبان ، ألا هل بلغت ، اللهم اشهد " . وما ورد من أن ذلك منسوخ ، فهو ضعيف ، لانه ليس فيه ما يدل على النسخ .

عقد الذمة الذمة هي العهد والامان : وعقد الذمة هو أن يقر الحاكم أو نائبه بعض أهل الكتاب - أو غيرهم - من الكفار على كفرهم بشرطين : ( الشرط الاول ) أن يلتزموا أحكام الاسلام في الجملة . ( والشرط الثاني ) أن يبذلوا الجزية . ويسري هذا العقد على الشخص الذي عقده ، مادام حيا وعلى ذريته من بعده . والاصل في هذا العقد قول الله سبحانه : " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " ( 1 ) . وروى البخاري : أن المغيرة قال - يوم نهاوند - : أمرنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية . وهذا العقد دائم غير محدود بوقت ما دام لم يوجد ما ينقضه . موجب هذا العقد : وإذا تم عقد الذمة ترتب عليه حرمة قتالهم . والحفاظ على أموالهم ، وصيانة أعراضهم ، وكفالة حرياتهم ، والكف عن أذاهم ، لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال : " إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا ، وأموالهم كأموالنا " . والقاعدة العامة التي رآها الفقهاء : " أن لهم ما لنا ، وعليهم ما علينا " .

الاحكام التي تجري على أهل الذمة : وتجرى أحكام الاسلام على أهل الذمة في ناحيتين : ( الناحية الاولى ) المعاملات المالية ، فلا يجوز لهم أن يتصرفوا تصرفا لا يتفق مع تعاليم الاسلام ، كعقد الربا ، وغيره من العقود المحرمة .

( الناحية الثانية ) العقوبات المقررة : فيقتص منهم ، وتقام الحدود عليهم متى فعلواما يوجب ذلك . وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين زنيا بعد إحصانهما . أما ما يتصل بالشعائر الدينية من عقائد وعبادات وما يتصل بالاسرى من زواج وطلاق ، فلهم فيها الحرية المطلقة ، تبعا للقاعدة الفقهية المقررة : " اتركوهم وما يدينون " . وإن تحاكموا إلينا فلنا أن نحكم لهم بمقتضى الاسلام ، أو نرفض ذلك . يقول الله تعالى : " . . . فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين " ( 1 ) . هذا ما يتعلق بالشرط الاول ، وأما شرط الجزية فنذكره فيما يلي .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 2:32 am

الجزية تعريفها : الجزية مشتقة من الجزاء ، وهي : " مبلغ من المال يوضع على من دخل في ذمة المسلمين وعهدهم من أهل الكتاب " .

الاصل في مشروعيتها : والاصل في مشروعيتها قول الله تعالى : " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " ( 1 ) روى البخاري والترمذي عن عبد الرحمن بن عوف . أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر ( 2 ) . وروى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس البحرين ، وأخذها عمر رضي الله عنه من فارس ، وأخذها عثمان من الفرس أو البربر . حكمة مشروعيتها : وقد فرض الاسلام الجزية على الذميين في مقابل فرض الزكاة على المسلمين ، حتى يتساوى الفريقان ، لان المسلمين والذميين يستظلون براية واحدة ، ويتمتعون بجميع الحقوق وينتفعون بمرافق الدولة بنسبة واحدة ، ولذلك أوجب الله الجزية للمسلمين نظير قيامهم بالدفاع عن الذميين وحمايتهم في البلاد الاسلامية التي يقيمون فيها : ولهذا تجب - بعد دفعها - حمايتهم والمحافظة عليهم ، ودفع من قصدهم بأذى .

( هامش ) ( 1 ) سورة التوبة : الآية 29 . ( 2 ) هجر : بلد في جزيرة العرب .

من تؤخذ منهم : وتؤخذ الجزية من كل الامم ، سواء أكانوا كتابيين أم مجوسا أم غيرهم ، وسواء أكانوا عربا أم عجما ( 1 ) وقد ثبت بالقرآن الكريم أنها تؤخذ من الكتابيين كما ثبت بالسنة أنها تؤخذ من المجوس ، ومن عداهم يلحق بهم . قال ابن القيم : " لان المجوس أهل شرك لاكتاب لهم . فأخذها منهم دليل على أخذها من جميع المشركين ، وإنما لم يأخذها صلى الله عليه وسلم من عبدة الاوثان من العرب ، لانهم أسلموا كلهم قبل نزول آية الجزية ، فإنها إنما نزلت بعد غزوة تبوك ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرغ من قتال العرب ، واستوثقت كلها له بالاسلام . ولهذا لم يأخذها من اليهود الذين حاربوه ، لانها لم تكن نزلت بعد ، فلما نزلت أخذها من نصارى العرب ، ومن المجوس ، ولو بقي حينئذ أحد من عبدة الاوثان بذلها لقبلها منه ، كما قبلها من عبدة الصلبان والاوثان والنيران . ولافرق ولا تأثير لتغليظ كفر بعض الطوائف على بعض ، ثم إن كفر عبدة الاوثان ليس أغلظ من كفر المجوس ، وأي فرق بين عبدة الاوثان والنيران ، بل كفر المجوس أغلظ ، وعباد الاوثان كانوا يقرون بتوحيد الربوبية ، وأنه لاخالق إلا الله ، وأنهم انما يعبدون آلهتهم لتقربهم إلى الله سبحانه وتعالى . ولم يكونوا يقرون بصانعين للعالم ، أحدهما خالق للخير . والآخر للشر ، كما تقول المجوس ، ولم يكونوا يستحلون نكاح الامهات والبنات والاخوات . وكانوا على بقايا من دين إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه ، وأما المجوس فلم يكونوا على كتاب أصلا ، ولادانوا بدين أحد من الانبياء ، لافي عقائدهم ، ولا في شرائعهم . والاثر الذي فيه أنه كان لهم كتاب فرفع ورفعت شريعتهم لما وقع

( هامش ) ( 1 ) وهذا مذهب مالك والاوزاعي وفقهاء الشام . وقال الشافعي رضي الله عنه : تقبل من أهل الكتاب عربا كانوا أم عجما ويلحق بهم المجوس ولاتقبل من عبدة الاوثان على الاطلاق . وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يقبل من العرب إلا الاسلام أو السيف .

ملكهم على ابنته ، لا يصح ألبتة ، ولو صح لم يكونوا بذلك من أهل الكتاب ، فإن كتابهم رفع وشريعتهم بطلت ، فلم يبقوا على شئ منها . ومعلوم أن العرب كانوا على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وكان له صحف وشريعة ، وليس تغيير عبدة الاوثان لدين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وشريعته بأعظم من تغيير المجوس لدين نبيهم وكتابهم لو صح ، فإنه لايعرف عنهم التمسك بشئ من شرائع الانبياء عليهم الصلاة والسلام ، بخلاف العرب ، فكيف يجعل المجوس الذين دينهم أقبح الاديان ، أحسن حالا من مشركي العرب ؟ وهذا القول أصح في الدليل كما ترى .

شروط أخذها : وقد روعي في أخذها : الحرية والعدل والرحمة . ولهذا اشترط فيمن تؤخذ منهم : 1 - الذكورة . 2 - التكليف . 3 - الحرية . لقوله تعالى : " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا دينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " ( 1 ) . أي عن قدرة وغنى ، فلاتجب على امرأة ، ولاصبي ، ولاعبد ، ولا مجنون . كما أنها لا تجب على مسكين يتصدق عليه ، ولا على من لا قدرة له على العمل ، ولا على الاعمى ، أو المقعد ، وغيرهم من ذوي العاهات ، ولا على المترهبين في الاديرة إلا إذا كان غنيا من الاغنياء . قال مالك رضي الله عنه : " قضت السنة أن لا جزية على نساء أهل الكتاب ولا على صبيانهم ، وأن الجزية لا تؤخذ إلامن الرجال الذين قد بلغوا الحلم " . وروى أسلم : أن عمر رضي الله عنه ، كتب إلى امراء الاجناد : " لا تضربوا الجزية على النساء والصبيان ، ولاتضربوها إلاعلى من جرت عليه المواسي " ( 1 ) . والمجنون حكمه حكم الصبي . قدرها : روى أصحاب السنن عن معاذ رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وجهه إلى اليمن ، أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله من المعافرة ( 2 ) . ثم زاد فيها عمر رضي الله عنه ، فجعلها أربعة دنانير على أهل الذهب ، وأربعين درهما على أهل الورق في كل سنة ( 3 ) . فرسول الله صلى الله عليه وسلم علم بضعف أهل اليمن ، وعمر رضي الله عنه ، علم بغنى أهل الشام وقوتهم . وروى البخاري أنه قيل لمجاهد : " ما شأن الشام عليهم أربعة دنانير ، وأهل اليمن عليهم دينار ؟ قال : جعل ذلك من قبل اليسار " . وبهذا أخذ أبو حنيفة رضي الله عنه ، ورواية عن أحمد ، فقال : " إن على الموسر ثمانية وأربعين درهما ، وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهما ، وعلى الفقير اثني عشر درهما ، فجعلها مقدرة الاقل والاكثر " . وذهب الشافعي ، ورواية عن أحمد : إلى أنها مقدرة الاقل فقط ، وهو دينار ، وأما الاكثر فغير مقدر ، وهو موكول إلى اجتهاد الولاة . وقال مالك ، وإحدى الروايات عن أحمد ، وهذا هو الراجح : " إنه لا حد لاقلها ولالاكثرها ، والامر فيها موكول إلى اجتهاد ولاة الامر ، ليقدروا على كل شخص ما يناسب حاله " . " ولا ينبغي أن يكلف أحد فوق طاقته " . الزيادة على الجزية : ويجوز اشتراط الزيادة على الجزية ضيافة من يمر بهم للمسلمين .

( هامش ) ( 1 ) وهذا كناية على أنها لا تجب إلاعلى الرجل ، وذلك إذا نبت شعره . ( 2 ) المعافرة : ثياب باليمن وهي مأخوذة من معافرة ، وهو حي من همدان . ( 3 ) الورق : الفضة .

فقد روى الاحنف بن قيس : أن عمر رضي الله عنه شرط على أهل الذمة " ضيافة يوم وليلة ، وأن يصلحوا القناطر ، وإن قتل رجل من المسلمين بأرضهم فعليهم ديته . رواه أحمد . وروى أسلم ، أن أهل الجزية من أهل الشام أتوا عمر رضي الله عنه ، فقالوا : " إن المسلمين إذا مروا بنا كلفونا ذبح الغنم والدجاج في ضيافتهم . فقال رضي الله عنه : " أطعموهم مما تأكلون ، ولا تزيدوهم على ذلك " . عدم أخذ ما يشق على أهل الكتاب وغيرهم : وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفق بأهل الكتاب وعدم تكليفهم فوق ما يطيقون . روي عن ابن عمر رضي الله عنهما : " كان آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : " احفظوني في ذمتي " . وجاء في الحديث : " من ظلم معاهدا أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه " . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما : " ليس في أموال أهل الذمة إلا العفو " .

سقوطها عمن أسلم : وتسقط الجزية عمن أسلم لحديث ابن عباس مرفوعا : " ليس على المسلم جزية " . رواه أحمد وأبو داود . وروى أبو عبيدة : أي يهوديا أسلم فطولب بالجزية ، وقيل : إنما أسلمت تعوذا . قال : " إن في الاسلام معاذا " . فرفع إلى عمر رضي الله عنه فقال : " إن في الاسلام معاذا " . وكتب ألا تؤخذ منه الجزية . عقد الذمة للمواطنين وللمستقلين وكما يجوز هذا العقد لمن يريد أن يعيش مع المسلمين وتحت ظلال الاسلام فإنه يجوز للمستقلين في أماكنهم ، بعيد عن المسلمين . فقد عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نصارى نجران عقدا ، مع بقائهم في أماكنهم ، وإقامتهم في ديارهم ، دون أن يكون معهم أحد من لمسلمين .

وقد تضمن هذا العهد : حمايتهم ، والحفاظ على حريتهم الشخصية ، والدينية ، وإقامة العدل بينهم ، والانتصاف من الظالم . وقام الخلفاء من بعده على تنفيذه حتى عهد هارون الرشيد ، فأراد أن ينقضه ، فمنعه محمد بن الحسن صاحب الامام أبي حنيفة ، وهذا هو نص العقد : " لنجران وحاشيتها جوار الله ، وذمة محمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، على ما تحت أيديهم من قليل أو كثير ، لا يغير أسقف من أسقفيته ، اولا راهب من رهبانيته ، ولا كاهن من كهانته ، وليس عليه دنية ، أي لا يعامل معاملة الضعيف ، ولا دم جاهلية ، ولا يخسرون ولا يعسرون ، ولا يطأ أرضهم جيش ، ومن سأل منهم حقا فبينهم النصف ، غير ظالمين ولامظلومين ، ومن أكل ربا ( 1 ) من ذي قبل ، أي في المستقبل ، فذمتي منه بريئة ، ولا يؤخذ رجل منهم بظلم آخر ، وعلى ما في هذا الكتاب جوار الله ، وذمة محمد النبي الامي رسول الله أبدا ، حتى يأتي الله بأمره " فإذا أراد أحد الرؤساء استغلال المعاهدة لحسابه ، وظلم شعبه ، منع من ذلك . جاء في المبسوط للسرخسي : " وإذا طلب ملك الذمة أن يترك يحكم في أهل مملكته بما شاء ، من : قتل ، أو صلب ، أو غيره مما لا يصح في دار الاسلام ، لم يجب إلى ذلك ، لان التقرير على الظلم مع إمكان المنع حرام ، ولان الذمي ممن يلتزم أحكام الاسلام فيما يرجع إلى المعاملات ، فشرطه بخلاف موجب عقد الذمة باطل ، فإن أعطى الصلح والذمة على هذا بطل من شروطه مالا يصح في الاسلام ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " كل شرط ليس في كتاب الله باطل " .

( 1 ) قال ابن القيم : في هذا دليل على انتقاض عهد الذمة بإحداث الحدث وأكل الربا إذا كان مشروطا عليهم

بم ينقض العهد ؟ : وينقض عهد الذمة بالامتناع عن الجزية ، أو إباء التزام حكم الاسلام ، إذا حكم حاكم به ، أو تعدى على مسلم بقتل ، أو بفتنته عن دينه ، أو زنا بمسلمة ، أو أصابها بزواج ، أو عمل عمل قوم لوط ، أو قطع الطريق ، أو تجسس ، أو آوى الجساوس ، أو ذكر الله أو رسوله ، أو كتابه ، أو دينه بسوء ، فإن هذا ضرريعم المسلمين في أنفسهم ، وأعراضهم ، وأموالهم ، وأخلاقهم ، ودينهم . قيل لابن عمر رضي الله عنه : " إن راهبا يشتم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : لو سمعته لقتلته ، إنا لم نعطه الامان على هذا " . وكذا إذا لحق بدار الحرب ، بخلاف ما إذا أظهر منكرا ، أو قذف مسلما ، فإن عهده لا ينتقض . وإذا انتقض عهده ، فإن عهد نسائه وأولاده لا ينتقض ، لان النقض حدث منه فيختص به . موجب النقض : وإذا انتقض عهده كان حكمه حكم الاسير ، فإن أسلم حرم قتله ، لان الاسلام يجب ما قبله . دخول غير المسلمين المساجد وبلاد الاسلام اختلف الفقهاء في دخول غير المسلمين من الكفار المسجد الحرام وغيره من المساجد وبلاد الاسلام . وجملة بلاد الاسلام في حق الكفار ثلاثة أقسام : ( القسم الاول ) الحرم ، فلا يجوز لكافر أن يدخله بحال ذميا كان أو مستأمنا ، لظاهر قول الله سبحانه وتعالى : " يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا " ( 1 ) . وبه قال الشافعي ، وأحمد ، ومالك .

( هامش ) ( 1 ) سورة التوبة : الآية 28 .

فلو جاء رسول من دار الكفر والامام في الحرم فلا يأذن له في دخول الحرم ، بل يخرج إليه بنفسه ، أو يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم . وجوز أبو حنيفة وأهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم ( 1 ) . ويقيم فيه مقام المسافر ولا يستوطنه . ويجوز عنده دخول الواحد منهم الكعبة أيضا . ( القسم الثاني ) من بلاد الاسلام : الحجاز ، وحده ما بين اليمامة ، واليمن ، ونجد ، والمدينة الشريفة ، قيل نصفها تهامي ، ونصفها حجازي ، وقيل كلها حجازي ( 2 ) . وقال الكلبي : حد الحجاز : ما بين جبلي طئ وطريق العراق ، سمي حجازألانه حجز بين تهامة ونجد ، وقيل : لانه حجز بين نجد والسراة ، وقيل لانه حجز بين نجد وتهامة والشام . قال الحربي : وتبوك من الحجاز ، فيجوز للكفار دخول أرض الحجاز بالاذن ، ولكن لا يقيمون بها أكثر من مقام المسافر وهو ثلاثة أيام . وقال أبو حنيفة : لا يمنعون من استيطانها والاقامة بها . وحجة الجمهور ماروى مسلم ، عن ابن عمر ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لاخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلما " . زاد في رواية لغير مسلم : وأوصى فقال : " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " . فلم يتفرغ لذلك أبو بكر ، وأجلاهم عم في خلافته ، وأجل لمن يقدم تاجرا ثلاثا . وعن ابن شهاب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يجتمع دينان في جزيرة العرب " . أخرجه مالك في الموطأ مرسلا .

( هامش ) ( 1 ) يعني بإذن الامام أن الخليفة أو نائبه في الحكم . ( 2 ) وهو الصحيح في عرف الاسلام ، وأما الخلاف فهو في شكل البلاد الذي سمي الحجاز لاجله حجازا ونجد نجدا .

وروى مسلم عن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ، ولكن في التحريش بينهم " . قال سعيد بن عبد العزيز : جزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصى اليمن إلى تخوم العراق ، إلى البحر . وقال غيره : حد جزيرة العرب من أقصى ( عدن أبين ) إلى ريف العراق في الطول ، ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام عرضا . ( القسم الثالث ) سائر بلاد الاسلام ، فيجوز للكافر أن يقيم فيها بعهد وأما وذمة ، ولكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن مسلم عند الشافعي . وقال أبو حنيفة : يجوز دخولها لهم من غير إذن . وقال مالك وأحمد : لا يجوز لهم الدخول بحال .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 2:33 am

الغنائم تعريفها : الغنائم : جمع غنيمة ، وهي في اللغة ما يناله الانسان بسعي ، يقول الشاعر : وقد طوفت في الآفاق حتى - رضيت من الغنيمة بالاياب وفي الشرع : هي المال المأخوذ من أعداء الاسلام عن طريق الحرب والقتال ، وتشمل الانواع الآتية : 1 - الاموال المنقولة . 2 - الاسرى . 3 - الارض . وتسمى الانفال - جمع نفل - لانها زيادة في أموال المسلمين ، وكانت قبائل العرب في الجاهلية قبل الاسلام إذا حاربت وانتصر بعضها على بعض أخذت الغنيمة ووزعتها على المحاربين ، وجعلت منها نصيبا كبيرا للرئيس : أشار إليه أحد الشعراء فقال : لك المرباع ( 1 ) منها والصفايا ( 2 ) وحكمك والنشيطة ( 3 ) والفضول ( 4 ) إحلالها لهذه الامة دون غيرها : وقد أحل الله الغنائم لهذه الامة : فيرشد الله سبحانه إلى حل أخذ هذه الاموال بقوله : " فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور ريحم " ( 5 ) .

( هامش ) ( 1 ) المرباع : ربع الغنيمة . ( 2 ) الصفايا : ما يستحسنه الرئيس ويصطفيه لنفسه . ( 3 ) النشيطة : ما يقع في أيدي المقاتلين قبل الموقعة . ( 4 ) الفضول : ما يفضل بعد القسمة . ( 5 ) سورة الانفال : الآية 69 .

ويشير الحديث الصحيح إلى أن هذا خاص بالامة المسلمة ، فإن الامم السابقة لم يكن يحل لها شئ من ذلك . روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر . وجعلت لي الارض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة ، فليصل . وأحلت لي الغنائم ، ولم تحل لاحد قبلي . وأعطيت الشفاعة . وبعثت إلى الناس عامة " . وسبب ذلك ما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " فلم تحل الغنائم لاحد من قبلنا . ذلك لان الله تبارك وتعالى رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا " . أي أحلها لنا .

مصرفها : كان أول صدام مسلح بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين المشركين يوم السابع عشر من رمضان من السنة الثانية من الهجرة في بدر ، وقد انتهى هذا الصدام بالنصر المؤزر والفوز العظيم للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين ، ولاول مرة منذ البعثة يشعر المسلمون بحلاوة النصر ، ويمكنهم الله من أعدائهم الذين اضطهدوهم طيلة خمسة عشر عاما ، والذين أخرجوهم من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا : " ربنا الله " . وقد ترك المشركون المنهزمون وراءهم أموالا طائلة فجمعها المنتصرون من المسلمين ، ثم اختلفوا بينهم ، فيمن تكون له هذه الاموال ؟ أتكون للذين خرجوا في إثر العدو ؟ أو تكون للذين أحاطوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وحموه من العدو ؟ فأرشد القرآن الكريم إلى أن حكمها يرجع إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم . ففي الآية الاولى من سورة الانفال يقول الله سبحانه وتعالى : " يسألونك عن الانفال ، قل الانفال لله والرسول " .

كيفية تقسيم الغنائم : وقد بين الله سبحانه وتعالى كيفية تقسيم الغنائم ، فقال : " واعلموا أنما غنمتم ( 1 ) من شئ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ( 2 ) إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير " ( 3 ) . فالآية الكريمة نصت على الخمس يصرف على المصارف التي ذكرها الله سبحانه وتعالى ، وهي : الله ورسوله ، وذو القربى ، واليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل ، وذكر الله هنا تبركا . فسهم الله ورسوله مصرفه مصرف الفئ ، فينفق منه على الفقراء ، وفي السلاح ، والجهاد ، ونحو ذلك من المصالح العامة . روى أبو داود ، والنسائي ، عن عمرو بن عبسة قال : " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بعير من المغنم ، ولما سلم أخذ وبرة من جنب البعير ، ثم قال : " لا يحل لي من غنائكم مثل هذا إلا الخمس ، والخمس مردود فيكم " . أي ينفق منه على الفقراء ، وفي السلاح ، والجهاد .

( هامش ) ( 1 ) غنمتم : أي أخذتموه من الكفار بواسطة الحرب وهو ليس على عمومه وإنما دخله التخصيص لان سلم المقتول لقاتله - والحاكم مخير في الاسارى والارض . ويكون المعنى إنما غنمتم من الذهب والفضة وغيرها من الامتعة والسبي . ( 2 ) المساكين : الفقراء . وابن السبيل : المسافر المنقطع عن بلده . ( 3 ) سورة الانفال : الآية

أما نفقات الرسول صلى الله عليه وسلم ، فكانت مما أفاء الله عليه من أموال بني النضير . روى مسلم عن عمر ، قال : " كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولاركاب . فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة . فكان ينفق على أهله نفقة سنة ، وما بقي جعله في الكراع ( 1 ) والسلاح عدة في سبيل الله . وسهم ذي القربى : أي أقرباء النبي صلى الله عليه وسلم وهم بنو هاشم ، وبنو المطلب ، الذين آزروا النبي صلى الله عليه وسلم وناصروه ، دون أقربائه الذين خذلوه وعاندوه . روى البخاري وأحمد عن جبير بن مطعم ، قال : لما كان يوم خيبر ، قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب . فأتيت أنا وعثمان بن عفان ، فقلنا : يا رسول الله : أما بنو هاشم فلا ننكر فضلهم ، لمكانك الذي وضعك الله به منهم ، فما بال إخواننا من بني المطلب ، أعطيتهم وتركتنا ، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة ، فقال : " إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام . وإنما بنو هاشم وبنو المطلب شئ واحد " . وشبك بين أصابعه " ويأخذ منهم الغني ( 2 ) والفقير والقريب والبعيد ، والذكر والانثى " للذكر مثل حظ الانثيين ( 3 ) " . وهذا مذهب الشافعي ، وأحمد . وروي عن ابن عباس ، وزين العابدين ، والباقر : أنه يسوى في العطاء بين غنيهم وفقيرهم ، ذكورهم وإناثهم ، صغارهم وكبارهم ، لان اسم القرابة يشملهم ، ولانهم عوضوه لما حرمت عليهم الزكاة ، ولان الله جعل ذلك لهم ، وقسمه الرسول صلى الله عليه وسلم لهم ، وليس في الحديث أنه فضل بعضهم على البعض .

( هامش ) ( 1 ) الكراع : الخيل . ( 2 ) قال أبو حنيفة : يعطون لفقرهم إذا كانوا فقراء ، وقال الشافعي : يعطون لقرابتهم من الرسول صلى الله عليه وسلم . ( 3 ) سورة النساء : الآية 11 .

واعتبر الشافعي أن سهمهم استحق بالقرابة فأشبه الميراث . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي عمه العباس وهو غني - ويعطي عمته صفية . وأما سهم اليتامى ، وهم أطفال المسلمين ، فقيل : يختص به الفقراء وقيل : يعم الاغنياء والفقراء ، لانهم ضعفاء وإن كانوا أغنياء . روى البيهقي بإسناد صحيح ، عن عبد الله بن شقيق عن رجل قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى ، وهو معترض فرسا ، فقلت : يا رسول الله ما تقول في الغنيمة ؟ قال : " لله خمسها ، وأربعة أخماسها للجيش . " قلت : فما أحد أولى به من أحد ؟ قال : " لا ، ولا السهم تستخرجه من جيبك ، ليس أنت أحق به من أخيك المسلم . " وفي الحديث : " وأيما قرية عصت الله ورسوله ، فإن خمسها لله ورسوله ثم هي لكم " . وأما الاربعة الاخماس الباقية ، فتعطى للجيش . ويختص بها : الذكور ، الاحرار ، البالغون ، العقلاء . أما النساء ، والعبيد ، والصغار ، والمجانين ، فإنه لا يسهم لهم . لان الذكورة ، والحرية ، والبلوغ ، والعقل ، شرط في الاسهام . ويستوي في العطاء القوي ، والضعيف ، ومن قاتل ، ومن لم يقاتل . روى أحمد ، عن سعد بن مالك ، قال : " قلت : يا رسول الله ، الرجل يكون حامية القوم ، ويكون سهمه وسهم غيره سواء ؟ قال : ثكلتك أمك ابن أم سعد ، وهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم " . وفي كتاب حجة الله البالغة : " ومن بعثه الامير لمصلحة الجيش ، كالبريد ، والطليعة ، والجاسوس . يسهم له وإن لم يحضر الواقعة ، كما كان لعثمان يوم بدر ، فقد تغيب عنها بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، من أجل مرض زوجته ، رقية بنت الرسول صلى الله عليه وسلم . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه " . رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما . وتقسم الغنيمة على أساس أن يكون للراجل سهم ، وللفارس ثلاثة : وقد جاءت الاحاديث الصحيحة الصريحة بأن النبي صلى الله عليه وسلم : كان يسهم للفارس وفرسه ثلاثة أسهم ، وللراجل ( 1 ) سهما . وإنما كان ذلك كذلك لزيادة مئونة الفرس واحتياجه إلى سايس " وقد يكون تأثير الفارس بالفرس ( 2 ) في الحرب ثلاثة أصعاف تأثير الراجل ( 3 ) . ولا يسهم لغير الخيل ، لانه لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه أسهم لغير الخيل ، وكان معه سبعون بعيرا يوم بدر ، ولم تخل غزوة من غزواته من الابل وهي غالب دوابهم ، ولو أسهم لها لنقل الينا ، وكذلك أصحابه من بعده لم يسهموا للابل . ولا يسهم لاكثر من فرس واحد ، لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يرو عنه ولا عن أصحابه أنهم أسهموا لاكثر من فرس ، ولان العدو لا يقاتل إلا على فرس واحد . وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : " يسهم لاكثر من فرس واحد ، لانه أكثر غناء وأعظم منفعة . ويعطى الفرس المستعار والمستأجر ، وكذلك المغصوب وسهمه لصاحبه .

النفل من الغنيمة : يجوز للامام أن يزيد بعض المقاتلين عن نصيبه بمقدار الثلث ، أو الربع . ( هامش ) ( 1 ) للراجل : المجاهد على رجليه . ( 2 ) الفارس بالفرس يرى أبو حنيفة رضي الله عنه : ان للفارس سهمين وللراجل سهما ، وهذا مخالف للسنة الصحيحة . ( 3 ) يرى بعض العلماء التسوية بين الفرس العربي والهجين . ويسمى البرذون والاكديش . ويرى البعض الاخر أنه لا يسوى بينهما . فإذا لم يكن الفرس عربيا ، فإنه لا يسهم له ، وأنه في هذه الحال يكون مثل الجمل في عدم الاسهام له .

وأن تكون هذه الزيادة من الغنيمة نفسها ، إذا أظهر من النكاية في العدو ما يستحق به هذه الزيادة ، وهذا مذهب أحمد وأبو عبيد ( 1 ) . وحجة ذلك ، حديث حبيب بن مسلمة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : كان ينفل الربع من السرايا بعد الخمس في البداءة ، وينفلهم الثلث بعد الخمس في الرجعة " . رواه أبو داود ، والترمذي . وجمع لسلمة بن الاكوع في بعض مغازيه بين سهم الراجل والفارس ، فأعطاه خمسة أسهم لعظم عنائه في تلك الغزوة .

السلب للقاتل : السلب هو ما وجد على المقتول من السلاح وعدة الحرب ، وكذلك ما يتزين به للحرب . أما ما كان معه من جواهر ونقود ونحوها ، فليس من السلب ، وإنما هو غنيمة . وأحيانا يرغب القائد في القتال ، فيغري المقاتلين بأخذ سلب المقتولين ، وإيثارهم به دون بقية الجيش . وقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في السبل للقاتل ، ولم يخمسه . رواه أبو داود عن عوف بن مالك الاشجعي . وخالد بن الوليد . وروى ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك : أن البراء بن مالك مر على مرزبان يوم الدارة ، فطعنه طعنة على قربوص سرجه فقتله ، فبلغ سلبه ثلاثين ألفا ، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقال لابي طلحة : " إنا كنا لا نخمس السلب ، وإن سلب البراء قد بلغ مالا كثيرا . ولا أراني إلا خمسته " . قال : قال ابن سيرين : فحدثني أنس بن مالك : إنه أول سلب خمس في الاسلام .

( هامش ) ( 1 ) يرى مالك : أن النفل يكون من الخمس الواجب لبيت المال . وقال الشافعي : يكون من خمس الخمس ، وهو نصيب الامام .

عن سلمة بن الاكوع . قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم عين ( 1 ) من المشركين ، وهو في سفر ، فجلس مع أصحابه يتحدث ، ثم انفتل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اطلبوه ، فاقتلوه " ، قال : فقتلته ، فنفلني سلبه . من لا سهم له في الغنيمة : تقدم أن شرط الاسهام في الغنيمة : البلوغ ، والعقل ، والذكورة ، والحرية . فمن لم يكن مستوفيا لهذه الشروط فلا سهم له في الغنيمة ، وإن كان له أن يأخذ منها دون السهم . قال سعيد بن المسيب : كان الصبيان والعبيد يحذون من الغنيمة إذا حضروا الغزو في صدر هذه الامة . وروى أبو داود ، عن عمير قال : شهدت خيبر مع سادتي ، فكلموا في رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأخبر أني مملوك ، فأمر بي من خرثى المتاع : أي أردأه . وفي حديث ابن عباس : أنه سئل عن المرأة والعبد هل كان لهما سهم معلوم إذا حضر الناس ؟ فأجاب : انه لم يكن لهما سهم معلوم ، إلا أنه يحذيا ( 2 ) من غنائم القوم . وعن أم عطية ، قالت : كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنداوي الجرحى ، ونمرض المرضى : وكان يرضخ لنا من الغنيمة . وأخرج الترمذي عن الاوزاعي مرسلا ، قال : أسهم النبي صلى الله عليه وسلم الصبيان بخيبر . والمقصود بالاسهام هنا الرضخ . وعن يزيد بن هرمز : أن نجدة الحروري كتب إلى ابن عباس رضي الله عنهما ، يسأله عن خمس خلال أما بعد : فأخبرني : " هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء ؟

( هامش ) ( 1 ) جاسوس . ( 2 ) يحذيا : يعطيا .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 2:33 am

وهل كان يضرب لهن بسهم ؟ وهل كان يقتل الصبيان ؟ ومتى ينقضي يتم اليتيم ؟ وعن الخمس لمن هو ؟ " فقال ابن عباس : لولا أن أكتم علما ما كتبت إليه . ثم كتب إليه ، فقال : " كتبت تسألني : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء ؟ وقد كان يغزو بهن ، فيداوين الجرحى ، ويحذين ( 1 ) من الغنيمة ، وأما يسهم ، فلا . ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يقتل الصبيان ، وأنت لاتقتلهم . وكتبت تسألني : متى ينقضي يتم اليتيم ؟ فلعمري ، إن الرجل لتنبت لحيته ، وإنه لضعيف الاخذ لنفسه ، ضعيف الوكاء منها ، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس ، فقد ذهب عنه اليتم . وكتبت تسألني : عن الخمس لمن هو ؟ وإنا كنا نقول : هو لنا ، فأبى علينا قومنا ذاك " . رواه الخمسة إلا البخاري . الاجراء وغير المسلمين لا يسهم لهم : وكذلك لا حق للاجراء الذين يصحبون الجيش للمعاش في الغنيمة ، وإن قاتلوا ، لانهم لم يقصدوا قتالا ، ولا خرجوا مجاهدين ، ويدخل فيهم الجيوش الحديثة ، فإنها صناعة وحرفة . وأما غير المسلمين من الذميين ، فقد اختلفت فيهم أنظار الفقهاء فيما إذا استعين بهم في الحرب ، وقاتلوا مع المسلمين . فقالت الاحناف ، وهو مروي عن الشافعي رضي الله عنه : يرضخ ( 2 ) لهم ، ولا يسهم لهم .

( هامش ) ( 1 ) يحذين : يعطين ، والحذوة : العطية . ( 2 ) يرضخ لهم : يعطون عطاء قليلا .

ومروي عن الشافعي أيضا : يستأجرهم الامام من مال لا مالك له بعينه ، فإن لم يفعل أعطاهم سهم النبي صلى الله عليه وسلم . وقال الثوري والاوزاعي : يسهم لهم . الغلول تحريم الغلول : يحرم الغلول ، وهو السرقة من الغنيمة ، إذ أن الغلول يكسر قلوب المسلمين ، ويسبب اختلاف كلمتهم ، ويشغلهم بالانتهاب عن القتال ، وكل ذلك يفضي إلى الهزيمة ، ولهذا كان الغلول من كبائر الاثم بإجماع المسلمين . يقول الله تعالى : " وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة " . ( 1 ) وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعقوبة الغال وحرق متاعه وضربه ، زجرا للناس وكبحا لهم أن يفعلوا مثل ذلك . فقد روى أبو داود ، والترمذي ، عن عمر رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه " . قال : فوجدنا في متاعه مصحفا ، فسألنا سالما عنه ؟ فقال : بعه وتصدق بثمنه . وعن عمرو بن شعيب ، عن أبيه عن جده : أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ، وعمر ، حرقوا متاع الغال وضربوه . وقد رويت أحاديث أخرى عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه لم يأمر بحرق متاع الغال ، ولا ضربه ، ففهم من هذا ان للحاكم أن يتصرف حسب ما يرى من المصلحة ، فإن كانت المصلحة تقتضي التحريق والضرب حرق وضرب ، وإن كانت المصلحة غير ذلك فعل ما فيه المصلحة . وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو قال : كان على ثقل ( 1 ) النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كركرة ، فمات ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " هو في النار " ، فذهبوا ينظرون إليه ، فوجدوا عباءة قد غلها . وروى أبو داود : " أن رجلا مات يوم خيبر من الاصحاب ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " صلوا على صاحبكم " فتغيرت وجوه الناس ، فقال : " إن صاحبكم غل في سبيل الله " ، ففتشوا متاعه ، فوجدوا خرزا من خرز اليهود لا يساوي درهمين . الانتفاع بالطعام قبل قسمة الغنائم : ويستثنى من ذلك الطعام ، وعلف الدواب ، فإنه يباح للمقاتلين أن ينتفعوا بها ماداموا في أرض العدو ، ولو لم تقسم عليهم . 1 - روى البخاري ، ومسلم ، عن عبد الله بن مغفل ، قال : أصبت جرابا من شحم يوم خيبر ، فالتزمته ، فقلت : لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا ، فالتفت ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مبتسم . 2 - وأخرج أبو داود ، والحاكم ، والبيهقي ، عن ابن أبي أوفى قال : " أصبنا طعام يوم خيبر ، وكان الرجل يجئ فيأخذ منه مقدار ما يكفيه ، ثم ينطلق . 3 - وروى البخاري عن ابن عمر قال : كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب ، فنأكله ولا نرفعه . وفي بعض رواية الحديث عند أبي داود : فلم يؤخذ منهما الخمس . قال مالك في الموطأ : لا أرى بأسا أن يأكل المسلمون إذا دخلوا أرض العدو من طعامهم ، ما وجدوا من ذلك كله قبل أن تقع في المقاسم . وقال : أنا أرى الابل والبقر والغنم بمنزلة الطعام ، يأكل منه المسلمون إذا دخلوا أرض العدو كما يأكلون الطعام .

( هامش ) ( 1 ) ثقل : متاع .

وقال : ولو أن ذلك لا يؤكل حتى يحضر الناس المقاسم ويقسم بينهم أضر ذلك بالجيوش . قال : فلا أرى بأسا بما أكل من ذلك كله على وجه المعروف والحاجة إليه ، ولا أرى أن يدخر بعد ذلك شيئا يرجع به إلى أهله .

المسلم يجد ماله عند العدو يكون له : إذا استرد المقاتلون أموالا للمسلمين كانت بأيدي الاعداء ، فأربابها أحق بها ، وليس للمقاتلين منها شئ ، لانها ليست من الغنائم . 1 - عن ابن عمر أنه غار له فرس ، فأخذها العدو فظهر عليه المسلمون ، فردت عليه في زمان النبي صلى الله عليه وسلم . 2 - وعن عمران بن حصين قال : " أغار المشركون على سرح المدينة وأخذوا العضباء ، ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وامرأة من المسلمين ، فلما كانت ذات ليلة ، قامت المرأة ، وقد ناموا ، فجعلت لا تضع يدها على بعير إلا أرغى حتى أتت العضباء ، فأتت ناقة ذلولا ، فركبتها ، ثم توجهت قبل المدينة ، ونذرت لئن نجاها الله لتنحرنها ، فلما قدمت المدينة عرفت الناقة ، فأتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبرته المرأة بنذرها ، فقال : " بئس ما جزيتها ، لا نذر فيما لا يملك ابن آدم ، ولا نذر في معصية " . وكذلك إذا أسلم الحربي وبيده مال مسلم ، فإنه يرد إلى صاحبه . الحربي يسلم : إذا أسلم الحربي وهاجر إلى دار الاسلام وترك بدار الحرب ولده وزوجته وماله ، فإن هذه تأخذ حرمة ذرية المسلم ، وحرمة ماله ، فإذا غلب المسلمون عليها لم تدخل في نطاق الغنائم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأمولهم " . أسرى الحرب أسرى الحرب ، وهم من جملة الغنائم ، وهم على قسمين : ( الاول ) النساء والصبيان . ( الثاني ) الرجال البالغون المقاتلون من الكفار إذا ظفر المسلمون بهم أحياء . وقد جعل الاسلام الحق للحاكم في أن يفعل بالرجال المقاتلين إذا ظفر بهم ووقعوا أسرى ، ما هو الانفع والاصلح من المن ، أو الفداء ، أو القتل .

والمن : هو إطلاق سراحهم مجانا . والفداء : قد يكون بالمال ، وقد يكون بأسرى المسلمين ، ففي غزوة بدر كان الفداء بالمال ، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه فدى رجلين من أصحابه برجل من المشركين من بني عقيل . رواه أحمد والترمذي وصححه . يقول الله سبحانه وتعالى : " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم ( 1 ) فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها " ( 2 ) . وروى مسلم من حديث أنس رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم ، أطلق سراح الذين أخذهم أسرى ، وكان عددهم ثمانين ، وكانوا قد هبطوا عليه وعلى أصحابه من جبال التنعيم عند صلاة الفجر ليقتلوهم . وفي هذا نزل قول الله سبحانه وتعالى : " وهو الذي كف أيديم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم " ( 3 ) .

( هامش ) ( 1 ) الاثخان : المبالغة في قتل العدو . ( 2 ) سورة محمد : الاية 4 . ( 3 ) سورة الفتح : الاية 24

وقال صلى الله عليه وسلم لاهل مكة يوم الفتح : " اذهبوا فأنتم الطلقاء " . على أنه يجوز للامام ، مع ذلك ، أن يقتل الاسير إذا كانت المصلحة تقتضي قتله ، كما ثبت ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقد قتل النضر ابن الحارث ، وعقبة بن معيط ، يوم بدر ، وقتل أبا عزة الجمحي يوم أحد . وفي هذا يقول الله سبحانه : " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الارض " ( 1 ) . وممن ذهب إلى هذا جمهور العلماء ، فقالوا : " للامام الحق في أحد الامور الثلاثة المتقدمة " . وقال الحسن وعطاء : لا يقتل الاسير ، بل يمن عليه أو يفادى به . وقال الزهري ومجاهد وطائفة من العلماء : لا يجوز أخذ الفداء من أسرى الكفار أصلا . وقال مالك : لا يجوز المن بغير فداء . وقال الاحناف : لا يجوز المن أصلا ، لا بفداء ولا بغيره .

معاملة الاسرى : عامل الاسلام الاسرى معاملة إنسانية رحيمة ، فهو يدعو إلى إكرامهم والاحسان إليهم ، ويمدح الذين يبرونهم ، ويثني عليهم الثناء الجميل . يقول الله تعالى : " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا - إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا " ( 2 ) . ويروي أبو موسى الاشعري رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أنه قال " فكوا العاني ( 1 ) ، وأجيبوا الداعي ، وأطعموا الجائع ، وعودوا المريض " . وتقدم أن ثماقة بن أثال وقع أسيرا في أيدي المسلمين ، فجاءوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " أحسنوا إساره " . وقال : " اجمعوا ما عندكم من طعام فابعثوا به إليه " . فكانوا يقدمون إليه لبن لقحة ( 2 ) الرسول صلى الله عليه وسلم غدوا ورواحا . ودعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاسلام ، فأبى ، وقال له : إن أردت الفداء ، فاسأل ما شئت ما المال . فمن عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأطلق سراحه بدون فداء ، فكان ذلك من أسباب دخوله في الاسلام . وقد جاء في الصحاح في شأن أسرى غزوة بني المصطلق - وكان من بينهم جويرية بنت الحارث - أن أباها الحارث بن أبي ضرار ، حضر إلى المدينة ومعه كثير من الابل ليفتدي بها ابنته ، وفي وادي العقيق ، قبل المدينة بأميال ، أخفى اثنين من الجمال أعجباه في شعب بالجبل ، فلما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم قال له : يا محمد أصبتم ابنتي ، وهذا فداؤها . فقال عليه الصلاة والسلام : " فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق في شعب كذا " ؟ فقال الحارث : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ، والله ما أطلعك على ذلك إلا الله . وأسلم الحارث وابنان له ، وأسلمت ابنته أيضا ، فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبيها وتزوجها ، فقال الناس : لقد أصبح هؤلاء الاسرى الذين بأيدينا أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمنوا عليهم بغير فداء . وتقول عائشة رضي الله عنها : " فما أعلم أن امرأة كانت أعظم بركة على قومها من جويرية ، إذ بتزوج الرسول صلى الله عليه وسلم إياها أعتق مائة من أهل بيت بني المصطلق " . ولمثل هذا تزوج النبي صلى الله عليه وسلم من جويرية ، لا لشهوة يقضيها ، بل لمصلحة شرعية يبتغيها ، ولو كان يبغي الشهوة لاخذها أسيرة حرب بملك اليمين .

( هامش ) ( 1 ) العاني : الاسير . ( 2 ) اللقحة : الناقة الحلوب

الاسترقاق إن القرآن الكريم لم يرد فيه نص يبيح الرق ، وإنما جاء فيه الدعوة إلى العتق . ولم يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم ضرب الرق على أسير من الاسارى ، بل أطلق أرقاء مكة ، وأرقاء بني المصطلق ، وأرقاء حنين . وثبت عنه أنه صلى الله عليه وسلم أعتق ما كان عنده من رقيق في الجاهلية . وأعتق كذلك ما أهدي إليه منهم .

على أن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم ثبت عنهم أنهم استرقوا بعض الاسرى على قاعدة المعاملة بالمثل . فهم لم يبيحوا الرق في كل صورة من صوره ، كما كان عليه العمل في الشرائع الالهية والوضعية ، وإنما حصروره في الحرب المشروعة المعلنة من المسلمين ضد عدوهم الكافر ، وألغوا كل الصور الاخرى ، واعتبروها محرمة شرعا لا تحل بحال . ومع أن الاسلام ضيق مصادره وحصرها هذا الحصر ، فإنه من جانب آخر عامل الارقاء معاملة كريمة ، وفتح لهم أبواب التحرر على مصاريعها كما يتجلى ذلك فيما يلي :
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 2:34 am

معاملة الرقيق : لقد كرم الاسلام الرقيق ، وأحسن إليهم ، وبسط لهم يد الحنان ، ولم يجعلهم موضع إهانة ولا ازدراء ، ويبدو ذلك واضحا فيما يلي : 1 - أوصى بهم فقال : " واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم "

وعن علي رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم " . 2 - نهى أن ينادى بما يدل على تحقيره واستعباده ، إذ قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " لا يقل أحدكم عبدي أو أمتي وليقل فتاي وفتاتي ، وغلامي " . 3 - أمر أن يأكل ويلبس مما يأكل المالك ، فعن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " خولكم ( 1 ) إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم ، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم " . 4 - نهى عن ظلمهم وأذاهم ، فعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته عتقه " . وعن أبي مسعود الانصاري قال : بينا أنا أضرب غلاما لي إذ سمعت صوتا من خلفي ، فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام " . فقلت : هو حر لوجه الله ، فقال : " لو لم تفعل لمستك النار " . وجعل للقاضي حق الحكم بالعتق إذا ثبت أنه يعامله معاملة قاسية . 5 - دعا إلى تعليمهم وتأديبهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كانت له جارية فعلمها ، وأحسن إليها وتزوجها ، كان له أجران في الحياة وفي الاخرى . أجر بالنكاح والتعليم ، وأجر بالعتق " .

طريق التحرير : وقد فتح الاسلام أبواب التحرير ، وبين سبل الحلاص ، واتخذ وسائل شتى لانقاذ هؤلاء من الرق :

( هامش ) ( 1 ) الخول : الخدم .

1 - فهو طريق إلى رحمة الله وجنته يقول الله سبحانه : " فلا اقتحم العقبة - وما أدراك ما العقبة - فك رقبة " ( 1 ) وجاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يارسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة ، فقال : " عتق النسمة ، وفك الرقبة " . فقال : يارسول الله : أو ليسا واحدا ؟ قال : " لا ، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها ، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها " . 2 - والعتق كفارة للقتل الخطأ . يقول الله عزوجل : " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة " ( 2 ) 3 - وهو كفارة للحنث في اليمين لقوله تعالى : " فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون هليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة " ( 3 ) . 4 - والعتق كفارة في حالة الظهار ، يقول الله سبحانه : " والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا " . ( 4 ) 5 - جعل الاسلام من مصارف الزكاة شراء الارقاء وعتقهم ، يقول أالله تعالى : " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب " ( 5 ) . 6 - أمر بمكاتبة العبد على قدر من المال ، حيث قال تعالى : " والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " . ( 6 ) 7 - من نذر أن يحرر رقبة وجب عليه الوفاء بالنذر متى تحقق له مقصوده . وبهذا يتبين أن الاسلام ضيق مصادره الرق . وعامل الارقاء معاملة كريمة ، وفتح أبواب التحرير ، تمهيدا لخلاصهم نهائيا من نير الذل والاستعباد ، فأسدى بذلك لهم يدا لا تنسى على مدى الايام .

أرض المحاربين المغنومة الارض التي تؤخذ عنوة : إذا غنم المسلمون أرضا ، بأن فتحوها عنوة بواسطة الحرب والقتال ، وأجلوا أهلها عنها ، فالحاكم مخير بين أمرين . 1 - إما أن يقسمها على الغانمين ( 1 ) . 2 - وإما أن يقفها على المسلمين .

وإذا وقفها على المسلمين ضرب عليها خراجا ( 2 ) مستمرا ، يؤخذ ممن هي في يده ، سواء أكان مسلما أم ذميا ، ويكون هذا الخراج أجرة الارض يؤخذ كل عام . وأصل الخراج هو فعل أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه ، في الارض التي فتحها ، كأرض الشام ، ومصر ، والعراق . الارض التي جلا أهلها عنها خوفا أو صلحا : وكما تجب قسمة الارض المفتوحة على الغانمين ، أو وقفها على المسلمين ، يجب ذلك في الارض التي تركها أهلها خوفا منا ، أو التي صالحناهم على أنها لنا ، ونقرهم عليها نظير الخراج . أما التي صالحناهم على أنها لهم ، ولنا الخراج عنها ، فهي كالجزية تسقط بإسلامهم . وإذا كان الخراج أجرة فإن تقديره يرجع إلى الحاكم فيضعه بحسب اجتهاده . إذ أن ذلك يختلف باختلاف الامكنة والازمنة ، ولا يلزم الرجوع

( هامش ) ( 1 ) قال مالك رضي الله عنه : تكون وقفا على المسلمين ولا تجوز قسمتها على الفاتحين . ( 2 ) الخراج : يكون الخراج على أرض لها ماء تسقى به ولو لم تزرع .

إلى ما وضعه عمر رضي الله عنه . وما وضعه عمر وغيره من الائمة يبقى على ما هو عليه ، فليس لاحد أن يغيره ما لم يتغير السبب ، لان تقديره حكم .

العجز عن عمارة الارض الخراجية : ومن كان تحت يده أرض خراجية فعجز عن عمارتها أجبر على أحد أمرين : 1 - إما أن يؤجرها . 2 - أو يرفع يده عنها . لان الارض هي في الواقع للمسلمين ، ولا يجوز تعطيلها عليهم .

ميراث الارض المغنومة : وهذه الارض يجري فيها الميراث ، فينتقل ميراثها إلى وارث من كانت بيده على الوجه الذي كانت عليه في يد موروثه .

الفئ تعريفه : الفئ مأخوذ من فاء يفئ إذا رجع ، وهو المال الذي أخذه المسلمون من أعدائهم دون قتال . وهو الذي ذكره الله سبحانه في قوله : " وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم ( 1 ) عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على على شئ قدير - ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه

( هامش ) ( 1 ) أوجفتم : أصل الايجاف سرعة السير . والركاب : الابل التي يسافر عليها لا واحد لها من لفظها ، أي ما سقتم ولا حركتم خيلا ولا إبلا أي لم يعدوا في تحصيله خيلا ولا إبلا بل حصل بلا قتال .

وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب - للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون - والذين تبوءوا الدار والايمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون - والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم " ( 1 ) . فذكر الله المهاجرين الذين هاجروا إلى المدينة ، ممن دخل في الاسلام قبل الفتح . وذكر الانصار - وهم أهل المدينة - الذين آووا المهاجرين ، وذكر من جاء من بعد هؤلاء إلى يوم القيامة . تقسيمه : قال القرطبي : قال مالك : " هو موكول إلى نظر الامام واجتهاده ، فيأخذ منه من غير تقدير ، ويعطي منه القرابة باجتهاده ، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين ، وبه قال الخلفاء الاربعة ، وبه عملوا ، وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم : " مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس ، والخمس مردود عليكم " . فإنه لم يقسمه أخماسا ولا أثلاثا ، وإنما ذكر في الاية من ذكر على وجه التنبيه عليهم ، لانهم أهم من يدفع إليه . قال : الزجاج محتجا لمالك : قال الله عزوجل : " يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والاقربين والتيامى والمساكين وابن السبيل " ( 2 ) . والرجل جائز بإجماع أن ينفق في غير هذه الاصناف إذا رأي ذلك . وذكر النسائي عن عطاء . قال : خمس الله وخمس رسوله واحد - كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل منه ، ويعطي منه ، ويضعه حيث شاء ، ويصنع به ما شاء . وفي حجة الله البالغة : واختلفت السنن في كيفية قسمة الفئ ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الفئ قسمه في يومه ، فأعطى الاهل حظين وأعطى الاعزب حظا . وكان أبو بكر رضي الله عنه ، يقسم للحر والعبد ، يتوخى كفاية الحاجة . ووضع عمر رضي الله عنه الديوان على السوابق والحاجات ، فالرجل وقدمه ، والرجل وبلاؤه ، والرجل وعياله ، والرجل وحاجته . والاصل في كل ما كان مثل هذا من الاختلاف أن يحمل على أنه يفعل ذلك على الاجتهاد . فتوخى كل المصلحة بحسب ما رأى في وقته .

عقد الامان إذا طلب الامان أي فرد من الاعداء المحاربين قبل منه ، وصار بذلك آمنا ، لا يجوز الاعتداء عليه بأي وجه من الوجوه . يقول الله سبحانه : " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ، ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون " ( 1 ) .

من له هذا الحق : وهذا الحق ثابت للرجال والنساء ، والاحرار والعبيد ، فمن حق أي فرد من هؤلاء أن يؤمن أي فرد من الاعداء يطلب الامان ، ولا يمنع من هذا الحق أحد من المسلمين إلا الصبيان والمجانين ، فإذا أمن صبي أو مجنون أحدا من الاعداء فإنه لا يصح أمان واحد منهما . روى أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، والحاكم ، عن علي كرم الله وجهه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : " ذمة المسلمين واحدة ، يسعى بها أدناهم ، وهم يد على من سواهم " . وروى البخاري ، وأبو داود والترمذي عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله عنها أنها قالت : " قلت يارسول الله . زعم ابن أم علي . أنه قاتل رجلا قد أجرته فلان ( ابن هبيرة ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قد أجرنا ( 1 ) من أجرت يا أم هانئ " . نتيجة الامان : ومهما تقرر الامان بالعبارة أو الاشارة ، فإنه لا يجوز الاعتداء على المؤمن ، لانه بإعطاء الامان له عصم نفسه من أن تزهق ورقبته من أن تسترق . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أنه بلغه أن بعض المجاهدين قال لمحارب من الفرس : " لا تخف ، ثم قتله " فكتب رضي الله عنه إلى قائد الجيش : " إنه بلغني أن رجالا منكم يطلبون العلج . حتى إذا اشتد في الجبل وامتنع ، يقول له : " لا تخف " فإذا أدركه قتله ! وإني والذي نفسي بيده . لا يبلغني أن أحدا فعل ذلك إلا قطعت عنقه . وروى البخاري في التاريخ ، والنسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " من أمن رجلا على دمه فقتله ، فأنا برئ من القاتل وإن كان المقتول كافرا " وروى البخاري ومسلم وأحمد عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة " .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 2:35 am

متى يتقرر هذا الحق : ويتقرر حق الامان بمجرد إعطائه ، ويعتبر نافذا من وقت صدوره إلا أنه

( هامش ) ( 1 ) أجرنا : أمنا من أمنت .

لا يقر نهائيا إلا بإقرار الحاكم ، أو قائد الجيش . وإذا تقرر الامان ، وأقر من الحاكم أو الجيش ، صار المؤمن من أهل الذمة ، وأصبح له ما للمسلمين وعليه ما عليهم . ولا يجوز إلغاء أمانه إلا إذا ثبت أنه أراد أن يستغل هذا الحق في إيقاع الضرر بالمسلمين ، كأن يكون جاسوسا لقومه ، وعينا على المسلمين .

عقد الامان لجهة ما : " إنما يصح الامان من آحاد المسلمين إذا أمن واحدا أو اثنين فأما عقد الامان لاهل ناحية على العموم فلا يصح إلا من الامام على سبيل الاجتهاد ، وتحري المصلحة كعقد الذمة ، ولو جعل ذلك لاحاد الناس صار ذريعة إلى إبطال الجهاد " ( 1 ) الرسول حكمه حكم المؤمن والرسول مثل المؤمن ، سواء أكان يحمل الرسائل أو يمشي بين الفريقين المتقاتلين بالصلخ ، أو يحاول وقف القتال لفترة يتيسر فيها نقل الجرحى والقتلى . يقول الرسول الله صلى الله عليه وسلم لرسولي مسيلمة : " لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما " . أخرجه أحمد ، وأبود داود من حديث نعيم بن مسعود ( 2 ) . وأوفدت قريش أبا رافع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوقع الايمان في قلبه ، فقال : يارسول الله لا أرجع إليهم ، وأبقى معكم مسلما . فقال الرسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني لا أخيس بالعهد ، ولا أحبس البرد فارجع إليهم آمنا ، فإن وجدت بعد ذلك في قلبك ما فيه الان ، فارجع إلينا " . أخرجه أحمد ، وأبو داود ، والنسائي وابن حبان وصححه .

( هامش ) ( 1 ) الروضة الندية ص 408 . ( 2 ) وكان الرسول قرأ كتاب مسيلمة ، وقال لهما : ما تقولان أنتما . قالا : نقول كما قال : أي أنهما يقولان بنبوته .

وفي كتاب الخراج لابي يوسف والسير الكبير لمحمد : أنه إن اشترط للرسول شروط وجب على المسلمين أن يوفوا بها ، ولا يصح لهم أن يغدروا برسل العدو ، حتى ولو قتل الكفار رهائن المسلمين عندهم ، فلا نقتل رسلهم لقول نبينا : " وفاء بغدر خير من غدر بغدر " .

المستأمن تعريفه : المستأمن هو الحربي الذي دخل دار الاسلام بأمان ( 1 ) دون نية الاستيطان بها والاقامة فيها بصفة مستمرة ، بل يكون قصده إقامة مدة معلومة ، لا تزيد على سنة ، فإن تجاوزها ، وقصد الاقامة بصفة دائمة ، فإنه يتحول إلى ذمي ويكون له حكم الذمي في تبعيته للدولة الاسلامية ، ويتبع المستأمن في الامان ، ويلحق به زوجته وأبناؤه الذكور القاصرون ، والبنات جميعا ، والام ، والجدات ، والخدم ، ماداموا عائشين مع الحربي الذي أعطي الامان . وأصل هذا قول الله سبحانه وتعالى : " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنة " ( 2 ) .

حقوقه : وإذا دخل الحربي دار الاسلام بأمان ، كان له حق المحافظة على نفسه وماله وسائر حقوقه ومصالحه ، مادام مستمسكا بعقد الامان ، ولم ينحرف عنه . ولا يحل تقييد حريته ، ولا القبض عليه مطلقا ، سواء قصد به الاسر ، أو قصد به الاعتقال ، لمجرد أنهم رعايا الاعداء أو لمجرد قيام حالة الحرب بيننا وبينهم . قال السرخسي : " أموالهم صارت مضمونة بحكم الامان ، فلا يمكن أخذها بحكم الاباحة " .

( هامش ) ( 1 ) إذا دخل التبليغ رسالة ونحوها أو لسماع كلام الله ، فهو آمن دون حاجة إلى عقد ، أما إذا دخل للتجارة وأعطي الاذن ممن يملكه فهو مستأمن . ( 2 ) سورة التوبة : الاية 6 .

وحتى إذا عاد إلى دار الحرب فإنه يبطل الامان بالنسبة لنفسه ، ويبقى بالنسبة لماله . قال في المغني : " إذا دخل حربي دار الاسلام بأمان ، فأودع ماله مسلما أو ذميا ، أو أقرضهما إياه ، ثم عاد إلى دار الحرب ، نظرنا ، فإن دخل تاجرا ، أو رسولا ، أو متنزها ، أو لحاجة يقضيها ، ثم يعود إلى دار الاسلام ، فهو على أمانه في نفسه ، وماله ، لانه لم يخرج بذلك عن نية الاقامة في دار الاسلام ، فأشبه الذمي لذلك ، وإن دخل دار الحرب مستوطنا ، بطل الامان في نفسه ، وبقي في ماله ، لانه بدخوله دار الاسلام بأمان ، ثبت الامان لماله ، فإذا بطل الامان في نفسه بدخوله دار الحرب ، بقي في ماله ، لاختصاص المبطل بنفسه ، فيختص البطلان فيه .

الواجب عليه : وعليه المحافظة على الامن والنظام العام ، وعدم الخروج عليهما ، بأن يكون عينا ، أو جاسوسا ، فإن تجسس على المسلمين لحساب الاعداء حل قتله إذ ذاك .

تطبيق حكم الاسلام عليه : تطبق على المستأمن القوانين الاسلامية بالنسبة للمعاملات المالية ، فيعقد عقد البيع وغيره من العقود حسب النظام الاسلامي ، ويمنع من التعامل بالربا ، لان ذلك محرم في الاسلام . وأما بالنسبة للعقوبات ، فإنه يعاقب بمقتضى الشريعة الاسلامية إذا اعتدى على حق مسلم . وكذلك إذا كان الاعتداء على ذمي ، أو مستأمن مثله لان إنصاف المظلوم من الظالم وإقامة العدل من الواجبات التي لا يحل التبساهل فيها . وإذا كان الاعتداء على حق من حقوق الله مثل اقتراف جريمة الزنا فإنه يعاقب كما يعاقب المسلم ، لان هذه جريمة من الجرائم التي تفسد المجتمع الاسلامي

( 1 ) . ( هامش ) ( 1 ) خالف في ذلك أبو حنيفة فقال : إن العقوبات التي تكون حقا لله أو يكون فيه حق الله غالبا فانه لا يقام فيها الحد على المستأمن ، وهذا رأي مرجوح .

مصادرة ماله : ومال المستأمن لا يصادر إلا إذا حارب المسلمين ، فأسر واسترق وصار عبدا ، فإنه في هذه الحال تزول عنه ملكية ماله ، لانه صار غير أهل للملكية . ولا يستحق الورثة ، ولو كانوا في دار الاسلام شيئا ، لان استحقاقهم يكون بالخلافة عنه ، وهي لا تكون إلا بعد موته ، وهو لم يمت ، وماله في هذه الحال يئول إلى بيت مال المسلمين ، على أنه من الغنائم . وإذا كان له دين على بعض المسلمين أو الذميين ، يسقط عن المدين لعدم وجود من يطالب به .

ميراثه : إذا مات المستأمن في دار الاسلام ، أو في دار الحرب فإن ملكيته لماله لا تذهب عنه ، وتنتقل إلى ورثته عند الجمهور ، خلافا للشافعي . وعلى الدولة الاسلامية أن تنقل ماله إلى ورثته ، وترسله إليهم ، فإن لم يكن له ورثة ، كان ذلك المال فيئا للمسلمين . العهود والمواثيق احترام العهود : ان احترام العهود والمواثيق واجب إسلامي ، لما له من أثر طيب ، ودور كبير في المحافظة على السلام ، وأهمية كبرى في فض المشكلات وحل المنازعات وتسوية العلاقات . وجاء في كلام العرب : " من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته . وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته " . وهذا حق ، فإن حسن معاملة الناس ، والوفاء لهم ، والصدق معهم دليل كمال المروءة ، ومظهر من مظاهر العدالة ، وذلك يستوجب الاخوة والصداقة . والله سبحانه يأمر بالوفاء بجميع العهود والالتزامات ، سواء أكانت عهودا مع الله ، أم مع الناس ، فيقول : " يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " . ( 1 ) وأي تقصير في الوفاء بهذا الامر يعتبر إثما كبيرا ، يستوجب المقت والغضب : " يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون - كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون " ( 2 ) . وكل ما يقطعه الانسان على نفسه من عهد ، فهو مسئول عنه ومحاسب عليه : " وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا " ( 3 ) . وحق العهد مقدم على حق الدين : " والذين آمنوا ولم يهاجروا مالكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق " ( 4 ) والوفاء جزء من الايمان ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " إن حسن العهد من الايمان " ( 5 ) . وليس للوفاء جزاء إلا الجنة :

" والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون - والذين هم على صلواتهم يحافظون - أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون " . ( 6 ) ولقد كان الوفاء خلق الانبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام : " واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا " ( 7 ) . وكان رسولنا صلى الله عليه وسلم المثل الاعلى في هذا الخلق : قال عبد الله بن أبي الحمساء : بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ببيع قبل أن يبعث ، وبقيت له بقية ( 1 ) فوعدته أن آتيه بها في مكانه ، فنسيت ، ثم ذكرت بعد ثلاث ، فجئت فإذا هو في مكانه ، فقال صلى الله عليه وسلم : " يافتى لقد شققت علي ، أنا ها هنا منذ ثلاث ( 2 ) أنتظرك " وقد عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة اليهود عهدا ، أقرهم فيه على دينهم ، وأمنهم على أموالهم ، بشرط ألا يعينوا عليه المشركين ، فنقضوا العهد ، ثم اعتذروا ، ثم رجعوا فنقضوه مرة أخرى ، فأنزل الله عزوجل : " إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون . الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون " ( 3 ) وعاهد ثعلبة ربه على أن يعطي كل ذي حق حقه إذا وسع الله عليه في الرزق ، وأغناه من فضله . فلما بسط الله له من رزقه ، وأكثر له من المال والثروة ، نقض العهد وبخل على عباد الله ، فأنزل الله في حقه : " ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين - فلما آتاهم من فضله بخلوا من وتولوا وهم معرضون - فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون " ( 4 ) ولما حضرت الوفاة عبد الله بن عمر ، قال : " إنه خطب إلي ابنتي رجل من قريش . وقد كان مني إليه شبه الوعد . فوالله لا ألقى الله بثلث النفاق ، أشهدكم أني قد زوجته ابنتي " . وهو يشير بذلك إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاث من كن فيه فهو منافق ، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم : من إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان " ( 5 ) .وفي التشنيع على الناقضين للعهود ، يقول الله عزوجل : " وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون - ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة - إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون " ( 1 ) .

شروط العهود : ويشترط في العهود التي يجب احترامها والوفاء بها ، الشروط الاتية : 1 - ألا تخالف حكما من الاحكام الشرعية المتفق عليها . يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " كل شرط ليس في كتاب الله ( 2 ) فهو باطل ، وإن كان مائة شرط " . 2 - أن تكون عن رضا واختيار ، فإن الاكراء يسلب الارادة ، ولا احترام لعقد لم تتوفر فيه حريتها . 3 - أن تكون بينة واضحة ، لا لبس فيها ولا غموض حتى لا تؤول تأويلا يكون مثارا للاختلاف عند التطبيق .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 2:36 am

نقض العهود : ولا تنقض العهود إلا في إحدي الحالات الاتية : 1 - إذا كانت مؤقتة بوقت ، أو محددة بظرف معين ، وانتهت مدتها ، وانتهى ظرفها . روى أبو داود والترمذي عن عمر بن عبسة ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من كان بينه وبين قوم عهد ، فلا يجلن عهدا ، ولا يشدنه ، حتى يمضي أمده ، أو ينبذ إليهم على سواء . ويقول القرآن الكريم : " إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين " ( 1 ) . 2 - إذا أخل العدو بالعهد : " فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين " ( 2 ) " وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون . ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين " ( 3 ) . 3 - إذا ظهرت بوادر الغدر ودلائل الخيانة . " وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين " ( 4 ) الاعلام بالنقض تحرزا عن الغدر إذا علم الحاكم الخيانة ممن كان بينهم وبين المسلمين عهد فإنه لا تحل محاربتهم إلا بعد إعلامهم بنبذ العهد ، وبلوغ خبره إلى القريب والبعيد حتى لا يؤخذوا على غرة . يقول الله سبحانه في سورة الانفال : " وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين " ( 5 وقاعدة الاسلام : " وفاء بغدر خير من غدر بغدر " . قال محمد بن الحسن في كتاب السير الكبير : " لو بعث أمير المسلمين إلى ملك الاعداء من يخبره بنبذ العهد عند تحقق سببه ، فلا ينبغي للمسلمين أن يغيروا عليهم وعلى أطراف مملكتهم ، إلا بعد مضي الوقت الكافي لان يبعث الملك إلى تلك الاطراف خبر النبذ حتى لا نأخذهم على غرة ، ومع ذلك إذا علم المسلمون يقينا أن القوم لم يأتهم خبر من قبل ملكهم فالمستحب لهم أن لا يغيروا عليهم حتى يعلموهم بالنبذ ، لان هذا شبيه الخديعة . . وكما على المسلمين أن يتحرزوا من الخديعة ، عليهم أن يتحرزوا من شبه الخديعة " . وحدث ان أهل قبرص أحدثوا حدثا عظيما في ولاية عبد الملك بن مروان فأراد نبذ عهدهم ونقض صلحهم ، فاستشار الفقهاء في عصره ، منهم : الليث بن سعد ومالك وأنس ، فكتب الليث بن سعد : " إن أهل قبرص لا يزالون متهمين بغش أهل الاسلام ومناصحة أهل الاعداء " الروم " وقد قال الله تعالى : " وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء " . وإني أرى أن تنبذ إليهم وإن تنظر هم سنة " . أما مالك بن أنس فكتب في الفتيا يقول : " إن أمان أهل قبرص وعهدهم كان قديما متظاهرا من الولاة لهم ، ولم أجد أحدا من الولاة نقض صحلهم ، ولا أخرجهم من ديارهم ، وأنا أرى أن لا تعجل بمنابذتهم حتى تتجه الحجة عليهم فإن الله يقول : " فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم " . فإن لم يستقيموا بعد ذلك ويدعوا غشهم ورأيت الغدر ثابتا فيهم ، أوقعت بهم بعد النبذ والاعذار فرزقت النصر " .

من معاهدات الرسول 1 - ولقد عاهد النبي صلى الله عليه وسلم بني ضمرة من قبائل العرب ، وهذا نص ذلك العهد : " هذا كتاب محمد رسول الله لبني ضمرة ، بأنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم ، وأن لهم النصر على من رامهم ، إلا أن يحاربوا في دين الله ، مابل بحر صوفة ، وإن النبي " صلى الله عليه وسلم " إذا دعاهم إلى النصرة أجابوه ، عليهم بذلك ذمة رسوله ، ولهم النصر من برمنهم واتقى " . 2 - كما عاهد اليهود على حسن الجوار أول ما استقر به المقام بالمدينة ، وفيما يلي نصها العهد : بسم الله الرحمن الرحيم " هذا كتاب من محمد النبي ( رسول الله ) بين المؤمنين والمسلمين من قريش ، وأهل يثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم . أنهم أمة واحدة من دون الناس . المهاجرون من قريش على ربعتهم ( 1 ) يتعاقلون ( 2 ) بينهم ، وهم يفدون عانيهم ( 3 ) بالمعروف والقسط بين المؤمنين . وبنو عوف على ربعتهم ، يتعاقلون معاقلهم الاولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين . وبنو الحارث ( من الخزرج ) على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين . وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين .

( هامش ) ( 1 ) أمرهم الذي كانوا عليه . ( 2 ) يأخذون ديات القتل ويعطونها . وأصله من العقل وهو ربط إبل الدية لدفعها لاهل القتيل . ( 3 ) عانيهم : أسيرهم .

وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين . وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين . وبنو عمر بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين . وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين . وبنو الاوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الاولى ، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين . وأن المؤمنين لا يتركون مفرحا ( 1 ) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل . وألا يخالف مؤمن مولى مؤمن دونه . وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم ، أو ابتغى دسيعة ( 2 ) ظلم ، أو إثما ، أو عدوانا ، أو فسادا بين المؤمنين ، وأن أيديهم عليه جميعا ولو كان ولد أحدهم . ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر ، ولا ينصر كافرا على مؤمن . وأن ذمة الله واحدة ، يجير عليهم أدناهم ، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس . وأنه من تبعنا من يهود ، فإن له النصر والاسوة ( 3 ) غير مظلومين ولا متناصر عليهم .

( هامش ) ( 1 ) هو من أثقله الدين والغرم فأزال فرحه . ( 2 ) الدسع : الدفع ، والمعنى : طلب دفعا على سبيل الظلم أو ابتغى عطية على سبيل الظلم . ( 3 ) في هذا ما يفيد أن النصر والمساواة لمن تبع اليهود .

وأن سلم المؤمنين واحدة ، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله ، إلا على سواء وعدل بينهم ( 1 ) . وأن كل غازية غزت معنا يعقب ( 2 ) بعضها بعضا . وأن المؤمنين يبئ ( 3 ) بعضهم على بعض . بمال نال دماءهم في سبيل الله . وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه . وأنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا ، ولا يحول دونه على مؤمن . وأنه من اعتبط ( 4 ) مؤمنا قتلا عن بيئة فإنه قود به ( 5 ) ، إلا أن يرضى ولي المقتول بالعقل ، وأن المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم إلا قيام عليه . وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة ، وآمن بالله واليوم الاخر ، أن ينصر محدثا أو يؤويه ، وأنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة ، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل ( 6 ) . وأنكم مهما اختلفتم فيه من شئ ، فإن مرده إلى الله وإلى محمد . وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين ( 7 ) . وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ، مواليهم وأنفسهم ، إلا من ظلم أو أثم ، فإنه لا يوتغ ( 8 ) إلا نفسه وأهل بيته ( 9 ) وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف .

( هامش ) ( 1 ) يؤخذ من هذا أن إعلان الحرب على جماعة مسلمة إعلان لها على الامة الاسلامية كلها .( 2 ) أي يكون الغزو بينهم نوبا يعقب بعضهم بعضا فيه . ( 3 ) يبئ : من أبأت القاتل بالقتيل إذا قتلته به . ( 4 ) اعتبطه : قتله بلا جناية أو جريرة توجب قتله . ( 5 ) فإن القاتل يقاد به ويقتل . ( 6 ) فيه منع نصرة المجرم . ( 7 ) فيه استقلال كل أمة المسلمين واليهود كما أنها تضمنت مخالفة عسكرية بمقتضاها تتعاون الامتان في كل حرب وعلى كل منهما نفقة جيشها خاصة .\( 8 ) يوتغ : يهلك ويفسد . ( 9 ) في هذا تقرير الحرية الدينية والاقتصادية .

وأن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف . وأن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف . وأن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف . وأن ليهود بني الاوس مثل ما ليهود بني عوف . وأن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف . إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته . وأن جفنة - بطن من ثعلبة - كأنفسهم . وأن لبني الشطبية مثل ما ليهود بني عوف ، وأن البر دون الاثم . وأن موالي ثعلبة كأنفسهم . وأن بطانة يهود كأنفسهم . وأنه لا يخرج منهم أحد ألا بإذن محمد . وأنه لا ينحجز على ثأر جرح ، وأنه من فتك فبنفسه وأهل بيته ، إلا من ظلم ، وأن له على أبر هذا . وأن على اليهود نفقتهم ، وعلى المسلمين نفقتهم ، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ، وأن بينهم النصح ، والنصيحة ، والبر دون الاثم ( 1 ) . وأنه لا يأثم امرؤ بحليفه ، وأن النصر للمظلوم ( 2 ) . وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين . وأن يثرب حرام جوفها لاهل هذه الصحيفة . وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم . وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها .

( هامش ) ( 1 ) في هذا إلزام الطرفين التشاور والتناصح قبل دخول الحرب . ( 2 ) لا بد من أن تكون الحرب مشروعة حتى يمكن للمسلمين المشاركة فيها .

وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده ، فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله " صلى الله عليه وسلم " وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره . وأنه لا تجار قريش ، ولا من نصرها . وأن بينهم النصر على من دهم يثرب . وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه ، فإنهم يصالحونه ويلبسونه ، وأنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك ، فإنه لهم على المؤمنين ، إلا من حارب في الدين . على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم . وأن يهود الاوس ، مواليهم وأنفسهم على مثل ما لاهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة ، وأن البر دون الاثم ، لا يكسب كاسب إلا على نفسه ، وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره . وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم ، وأنه من خرج آمن ، ومن قعد آمن بالمدينة ، إلا من ظلم وأثم ، وأن الله جار لمن بر واتقى ، ومحمد رسول الله " صلى الله عليه وسلم " ( 1 )

( هامش ) ( 1 ) نقلا عن كتاب " الرسالة الخالدة " عن كتاب الوثائق السياسية في العهد النبوي والخلافة الراشدة ، للدكتور محمد حميد الله الحيدر أبادي ، أستاذ الحقوق الدولية بالجامعة العثمانية بحيد أباد \ دكن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 1:59 am

الايمان

بسم الله الرحمن الرحيم

الايمان : جمع يمين ، وهو اليد المقابلة لليد اليسرى ، وسمي بها الحلف لانهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه ، وقيل : لانها تحفظ الشئ كما تحفظه اليمين .

ومعنى اليمين في الشرع : تحقيق الامر أو توكيده بذكر اسم الله تعالى أو صفة من صفاته . أو هو عقد يقوي به الحالف عزمه على الفعل أو الترك . واليمين والحلف والابلاء والقسم بمعنى واحد . اليمين لا تكون إلا بذكر الله أو صفة من صفاته : ولا يكون الحلف إلا بذكر اسم الله أو صفة من صفاته سواء أكانت صفات ذات أم صفات أفعال ، كقوله : والله وعزة الله وعظمته وكبريائه وقدرته وإرادته وعلمه . . . وكذا الحلف بالمصحف أو القرآن أو سورة أو آية منه . وفي القرآن الكريم يقول الله سبحانه : ( وفي السماء رزقكم وما توعدون . فورب السماء والارض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون ) ( 1 ) . ويقول : ( فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين ) ( 2 ) . وعن ابن عمر ، رضي الله عنهما قال : كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا ، ومقلب القلوب ) . وعن أبي سعيد الخدري ، رضي الله عنه قال : ( كان رسول الله ، صلى الله صلى الله عليه وسلم ، إذا اجتهد ( 3 ) في الدعاء قال : ( والذي نفس أبي القاسم بيده ) رواه أبو داود . ( أيم الله وعمر الله وأقسمت عليك ) قسم : ( أيم الله يمين ، لانها بمعنى : والله - أو : وحق الله .

ويمين الله ، يمين عند الاحناف والمالكية ، لان معناها : أحلف بالله . وقالت الشافعية : لا تكون يمينا إلا بالنية ، فإن نوى الحالف اليمين انعقدت ، وإن لم ينو لم تنعقد . وعند أحمد : روايتان ، أصحهما أنها تنعقد . وعمر الله يمين عند الاحناف والمالكية ، لانها بمعنى : وحياة الله وبقائه . وقال الشافعي ، رضي الله عنه وأحمد وإسحاق : لا يكون يمينا إلا بالنية . وكلمة أقسمت عليك - وأقسمت بالله ، يرى بعض العلماء أنه يكون يمينا مطلقا ، ويرى أكثرهم أنه لا يكون يمينا إلا بالنية . وذهبت الشافعية إلى أن ما ذكر فيه اسم الله يكون يمينا . وأن ما لم يذكر فيه اسم الله لا يكون يمينا ، وإن نوى اليمين . وقال مالك ، رضي الله عنه : إن قال الحالف : أقسمت بالله كان يمينا ، وإن قال : أقسمت أو أقسمت عليك ، فإنه في هذه الصورة لا يكون يمينا إلا بالنية .

الحلف بأيمان المسلمين : سبق أن قلنا في الجزء الثامن من فقه السنة إن الحلف بأيمان المسلمين لا يلزم به شئ ، ومن حلف فقال : إن فعلت كذا فعلي صيام شهر أو الحج إلى بيت الله الحرام . أو قال : إن فعلت كذا فالحلال علي حرام . أو قال : إن فعلت كذا فكل ما أملكه صدقة . فهذا وأمثاله فيه كفارة يمين متى حنث ، وهو أظهر أقوال العلماء - وقيل : لا شئ فيه . وقيل : إذا حنث لزمه ما علقه وحلف به . الحلف بأنه غير مسلم - أو الحلف بالبراءة من الاسلام : من حلف أنه يهودي أو نصراني أو أنه برئ من الله أو من رسوله صلى الله عليه وسلم إن فعل كذا ففعله . فقال جماعة من العلماء منهم الشافعي : ليس هذا بيمين ولا كفارة عليه ، لان النصوص اقتصرت على التهديد والزجر الشديد . وروى أبو داود والنسائي عن بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف فقال : إني برئ من الاسلام فإن كان كاذبا فهو كما قال ( 1 ) . وإن كان صادقا فلن يرجع إلى الاسلام سالما ) ( 1 ) . وعن ثابت بن الضحاك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف بغير ملة الاسلام فهو كما قال ) . وذهب الاحناف وأحمد وإسحاق وسفيان والاوزاعي : إلى أنه يمين ، وعليه الكفارة إن حنث . الحلف بغير الله محظور : وإذا كانت اليمين لا تكون إذا بذكر اسم الله أو ذكر صفة من صفاته ، فإنه يحرم الحلف بغير ذلك ، لان الحلف يقتضي تعظيم المحلوف به ، والله وحده هو المختص بالتعظيم . فمن حلف بغير الله فأقسم بالنبي أو الولي أو الاب أو الكعبة أو ما شابه ذلك ، فإن يمينه لا تنعقد ، ولا كفارة عليه إذا حنث . وأثم بتعظيمه غير الله . 1 - عن ابن عمر ، رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك عمر رضي الله عنه في ركب وهو يحلف

( هامش ) ( 1 ) إن قصد بذلك إبعاد نفسه لم يكفر . وليقل : لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويستغفر الله ويتوب إليه . وإن أراد الكفر إذا فعل المحلوف عليه كفر والعياذ بالله .

بأبيه ، فناداهم الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ألا إن الله عز وجل ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم . فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت . قال عمر : فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها . ذاكرا ولا آثرا ) ( 1 ) . 2 - وسمع ابن عمر ، رضي الله عنهما رجلا يحلف : لا ، والكعبة ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من حلف بغير الله فقد أشرك ) . 3 - وعن أبي هريرة ، رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من حلف منكم فقال في حلفه : باللات والعزى : فليقل : لا إله إلا الله . ومن قال لصاحبه : تعال أقامرك فليتصدق ) ( 2 ) . 4 - وعند أبي داود ( من حلف بالامانة فليس منا ) أي ليس على طريقتنا .

( 1 ) أي لم يحلف بأبيه من قبل نفسه ولا حاكيا عن غيره . ( 2 ) اللات والعزى : صنمان لاهل مكة كانوا يحلفون بهما في الجاهلية ، فمن حلف بهما ، فليكفر بقوله : لا إله إلا الله . كما يتصدق إذا طلب لعب القمار من صاحبه . وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالانداد - أي الاصنام - ولا تحلفوا إلا بالله ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون ) رواه أبو داود والنسائي عن أبي هريرة . الحلف بغير الله دون تعظيم المحلوف به : جاء النهي عن الحلف بغير الله إذا كان يقصد بذكره التعظيم ، كالحالف بالله يقصد بذكره تعظيمه . أما إذا لم يقصد التعظيم ، بل قصد تأكيد الكلام فهو مكروه من أجل المشابهة ، ولانه يشعر بتعظيم غير الله . وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم للاعرابي : ( أفلح وأبيه ) . قال البيهقي : إن ذلك كان يقع من العرب ويجري على ألسنتهم من دون قصد . وأيد النووي هذا الرأي وقال : إنه هو الجواب المرضي . قسم الله بالمخلوقات : كان العرب يهتمون بالكلام المبدوء بالقسم فيلقون إليه السمع مصغين ، لانهم يرون أن قسم المتكلم دليل على عظم الاهتمام بما يريد أن يتكلم به ، وأنه أقسم ليؤكد كلامه . وعلى هذا جاء القرآن يقسم بأشياء كثيرة ، منها القرآن ، كقوله تعالى : ( والقرآن المجيد ) . ومنها بعض المخلوقات مثل : ( والشمس وضحاها ) ( والليل إذا يغشى . والنهار إذا تجلى ) . وإنما كان ذلك لحكم كثيرة في المقسم به والمقسم عليه . من هذه الحكم : لفت النظر إلى مواضع العبرة في هذه الاشياء بالقسم بها ، والحث على تأملها ، حتى يصلوا إلى وجه الصواب فيها . فقد أقسم سبحانه وتعالى بالقرآن لبيان أنه كلام الله حقا وبه كل أسباب السعادة . وأقسم بالملائكة لبيان أنهم عباد الله خاضعون له ، وليسوا بآلهة يعبدون . وأقسم بالشمس والقمر والنجوم لما فيها من الفوائد والمنافع ، وأن تغيرها من حال إلى حال يدل على حدوثها ، وأن لها خالقا وصانعا حكيما ، فلا يصح الغفلة عن شكره والتوجه إليه . وأقسم بالريح . والطور . والقلم . والسماء ذات البروج . إذ أن ذلك كله من آيات الله التي يجب التوجه إليها بالفكر والنظر .

أما المقسم عليه فأهمه : وحدانية الله ، ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم ، وبعث الاجساد مرة أخرى ، ويوم القيامة . لان هذه هي أسس الدين التي يجب أن تعمق جذورها في النفس . والقسم بالمخلوقات مما اختص الله به . أما نحن البشر فلا يصح لنا أن نقسم إلا بالله أو بصفة من صفاته على النحو المتقدم ذكره .

شرط اليمين وركنها : ويشترط في اليمين : العقل . والبلوغ . والاسلام . وإمكان البر . والاختيار . فإن حلف مكرها لم تنعقد يمينه . وركنها : اللفظ المستعمل فيها . حكم اليمين : وحكم اليمين أن يفعل الحالف المحلوف به فيكون بارا . أو لا يفعله فيحنث ، وتجب الكفارة .

أقسام اليمين تنقسم الايمان أقساما ثلاثة : 1 - اليمين اللغو . ( 2 ) اليمين المنعقدة . 3 - اليمين الغموس .

اليمين اللغو وحكمها : ويمين اللغو : هي الحلف من غير قصد اليمين ، كان يقول المرء : والله لتأكلن ، أو لتشربن ، أو لتحضرن . ونحو ذلك . لا يريد به يمينا ولا يقصد به قسما ، فهو من سقط القول . فعن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها ، قالت :

أنزلت هذه الاية : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ) . في قول الرجل : لا والله . وبلى والله . وكلا والله . رواه البخاري مسلم وغيرهما . وقال مالك ، رضي الله عنه ، والاحناف ، والليث ، والاوزاعي : لغو اليمين أن يحلف على شئ يظن صدقه ، فيظهر خلافه ، فهو من باب الخطأ . وعند أحمد ، رضي الله عنه روايتان كالمذهبين . وحكم هذا اليمين : أنه لا كفارة فيه ، ولا مؤاخذة عليه .

اليمين المنعقدة وحكمها : واليمين المنعقدة هي اليمين التي يقصدها الحالف ويصمم عليها ، فهي يمين متعمدة مقصودة ، وليست لغوا يجري على اللسان بمقتضى العرف والعادة . وقيل : اليمين المنعقدة هي أن يحلف على أمر من المستقبل أن يفعله أو لا يفعله . وحكمها : وجوب الكفارة فيها عند الحنث . يقول الله تعالى : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم ) ( 1 ) . ويقول : ( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الايمان ، فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ) . ( 2 )

اليمين الغموس وحكمها : واليمين الغموس وتسمى أيضا : الصابرة - وهي اليمين الكاذبة التي تهضم بها الحقوق ، أو التي يقصد بها الغش والخيانة . وهي كبيرة من كبائر الاثم - ولا كفارة فيها ( 1 ) - لانها أعظم من أن تكفر ، وسميت غموسا لانها تغمس صاحبها في نار جهنم . وتجب التوبة منها . ورد الحقوق إلى أصحابها إذا ترتب عليها ضياع هذه الحقوق . يقول الله سبحانه : ( ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم . فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم ) ( 2 ) . 1 - وروى أحمد ، رضي الله عنه وأبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خمس ليس لهن كفارة : الشرك بالله ، وقتل النفس بغير حق ، وبهت مؤمن ، ويمين صابرة يقطع بها مالا

( هامش ) ( 1 ) وقال الشافعي ورواية عن أحمد رضي الله عنهما - فيها الكفارة . ( 2 ) سورة النحل آية رقم 94 . بغير حق ) .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:00 am

2 - وروى البخاري عن عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الكبائر : الاشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وقتل النفس ، واليمين الغموس ) . 3 - وروى أبو داود عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف على يمين مصبورة ( 1 ) كاذبا فليتبوأ بوجهه مقعده من النار ) . ( هامش ) ( 1 ) مصبورة : أي ألزم بها وحبس عليها - وكانت لازمة من جهة الحكم .

مبنى الايمان على العرف والنية : أمر الايمان مبني على العرف الذي درج عليه الناس لا على دلالات اللغة ولا على اصطلاحات الشرع ، فمن حلف أن لا يأكل لحما ، فأكل سمكا فإنه لا يحنث وإن كان الله سماه لحما ، إلا إذا نواه ، أو كان يدخل في عموم اللحم في عرف قومه . ومن حلف على شئ وورى بغيره فالعبرة بنيته لا بلفظه ، إلا إذا حلفه غيره على شئ ، فالعبرة بنية المحلف لا الحالف ، وإلا لم يكن للايمان فائدة في التقاضي . قال النووي : إن اليمين على نية الحالف في كل الاحوال ، إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه فهي على نية القاضي أو نائبه ، ولا تصح التورية هنا وتصح في كل حال ، ولا يحنث بها وإن كانت للباطل حراما . والدليل على أن العبرة بنية الحالف إلا إذا حلفه غيره ، ما رواه أبو داود وابن ماجه عن سويد بن حنظلة قال : خرجنا نريد النبي صلى الله عليه وسلم ومعنا وائل ابن حجر ، فأخذه عدو له ، فتحرج القوم أن يحلفوا ، وحلفت أنه أخي ، فخلى سبيله ، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا ، وحلفت أنه أخي . قال : ( صدقت ، المسلم أخو المسلم ) . والدليل على أن العبرة بنية المستحلف إذا استحلف على شئ ، ما رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اليمين على نية المستحلف ) . وفي رواية : ( يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك ) . والصاحب هو المستحلف ، وهما طالبا اليمين . لا حنث مع النسيان أو الخطأ : من حلف أن لا يفعل شيئا ففعله ناسيا أو خطأ فإنه لا يحنث لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : - ( إن الله تجاوز لي عن أمتي : الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) . والله يقول : ( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ) ( 1 )

يمين المكره غير لازمة : لا يلزم الوفاء باليمين التي يكره المرء عليها ، ولا يأثم إذا حنث ( 2 ) فيها للحديث المتقدم ، ولان المكره مسلوب الارادة ، وسلب الارادة يسقط التكليف . ولهذا ذهب الائمة الثلاثة إلى أن يمين المكره لا تنعقد ، خلافا لابي حنيفة .

( هامش ) ( 2 ) الحنث في اليمين يكون بفعل ما حلف على تركه أو ترك ما حلف على فعله

الاستثناء في اليمين : من حلف فقال : إن شاء الله فقد استثنى ولا حنث عليه . فعن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف على يمين فقال : إن شاء الله . فلا حنث عليه ) . رواه أحمد وغيره ، وصححه ابن حبان .

تكرار اليمين : إذا كرر اليمين على شئ واحد أو على أشياء وحنث فقال أبو حنيفة ومالك وإحدى الروايتين عن أحمد : يلزم بكل يمين كفارة . وعند الحنابلة ، أن من لزمته أيمان قبل التكفير موجبها واحد فعليه كفارة واحدة ، لانها كفارات من جنس واحد . وإن اختلف موجب الايمان ، وهو الكفارة ، كظهار ويمين بالله لزمته الكفارتان ولم تتداخلا .

كفارة اليمين تعريف الكفارة : الكفارة صيغة مبالغة من الكفر ، وهو الستر ، والمقصود بها هنا الاعمال التي تكفر بعض الذنوب وتسترها حتى لا يكون لها أثر يؤاخذ به في الدنيا ولا في الاخرة . والذي يكفر اليمين المنعقدة إذا حنث فيها الحالف : 1 - الاطعام 2 - الكسوة 3 - العتق على التخيير . فمن لم يستطع فليصم ثلاثة أيام . وهذه الثلاثة مرتبة ترتيبا تصاعديا - أي تبدأ من الادنى للاعلى ، فالاطعام أدناها ، والكسوة أوسطها ، والعتق أعلاها . يقول الله تعالى : ( فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم ، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ) ( 1 )

حكمة الكفارة : الحنث خلف وعدم وفاء ، فتجب الكفارة جبرا لهذا

الاطعام : لم يرد نص شرعي في مقدار الطعام ونوعه ، وكل ما كان كذلك يرجع فيه إلى التقدير بالعرف ، فيكون الطعام مقدرا بقدر ما يطعم منه الانسان أهل بيته غالبا - لا من الاعلى الذي يتوسع به في المواسم والمناسبات ، ولا من الادنى الذي يطعمه في بعض الاحيان . فلو كانت عادة الانسان الغالبة في بيته أكل اللحم والخضروات وخبز البر فلا يجزئ ما دونه ، وإنما يجزئ ما كان مثله وأعلى منه ، لان المثل وسط ، والاعلى فيه الوسط وزيادة . وهذا مما يختلف باختلاف الافراد والبلاد . وقد كان الامام مالك ، رضي الله عنه ، يرى أن المد يجزئ في المدينة ، قال : وأما البلدان فلهم عيش غير عيشنا ، فأرى أن يكفروا بالوسط من عيشهم ، لقوله تعالى : ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) . وهذا مذهب داود وأصحابه . واشترط الفقهاء أن يكون العشرة المساكين من المسلمين إلا أبا حنيفة ، فإنه جوز دفعها إلى فقراء أهل الذمة . ولو أطعم مسكينا عشرة أيام ، فإنه يجزئ عن عشرة مساكين عند أبي حنيفة . وقال غيره : يجزئ عن مسكين واحد . وإنما تجب كفارة الاطعام على المستطيع ، وهو من يجد ذلك فاضلا عن نفقته ونفقة من يعول . وقدر بعض العلماء الاستطاعة بوجود خمسين درهما عنده كما قال قتادة ، أو عشرين كما قاله النخعي .

الكسوة : وهي اللباس . ويجزئ منها ما يسمى كسوة . وأقل ذلك ما يلبسه المساكين عادة - لان الاية لم تقيدها بالاوسط ، أو بما يلبسه الاهل ، فيكفي القميص السابغ ( جلابية ) مع السراويل . كما تكفي العباءة أو الازار والرداء . ولا يجزئ فيها القلنسوة أو العمامة أو الحذاء أو المنديل أو المنشفة . وعن الحسن وابن سيرين : أن الواجب ثوبان ، ثوبان . وعن سعيد بن المسيب : عمامة يلف بها رأسه ، وعباءة يلتحف بها . وعن عطاء ، وطاووس ، والنخعي : ثوب جامع كالملحفة والرداء . وعن ابن عباس ، رضي الله عنه : عباءة لكل مسكين أو شملة . وقال مالك وأحمد ، رضي الله عنهما : يدفع لكل مسكين ما يصح أن يصلي فيه إن كان رجلا أو امرأة ، كل بحسبه .

تحرير الرقبة : أي إعتاق الرقيق وتحريره من العبودية ، ولو كان كافرا ، عملا بإطلاق الاية عند أبي حنيفة وأبي ثور وابن المنذر . واشترط الجمهور الايمان ، حملا للمطلق هنا على المقيد في كفارة القتل والظهار ، إذ تقول الاية : ( فتحرير رقبة مؤمنة ) ( 1 ) . الصيام عند عدم الاستطاعة : فمن لم يستطع واحدة من هذه الثلاث ، وجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام . فإن لم يستطع لمرض أو نحوه - ينوي الصيام عند الاستطاعة ، فإن لم يقدر ، فإن عفو الله يسعه . ولا يشترط التتابع في الصوم . فيجوز صيامها متتابعة ، كما يجوز صيامها متفرقة . وما ذكره الحنفية ، والحنابلة - من اشتراط التتابع - غير صحيح . فقد استدلوا بقراءة جاء فيها كلمة ( متتابعات ) وهي قراءة شاذة ولا يستدل بالقراءة الشاذة ، لانها ليست قرآنا - ولم تصح هنا حديثا حتى تكون تفسيرا من النبي صلى الله عليه وسلم ، للاية .

إخراج القيمة : اتفق الائمة الثلاثة على أن كفارة اليمين لا يجزئ فيها إخراج القيمة عن الاطعام والكسوة . وأجاز ذلك أبو حنيفة ، رضي الله عنه . الكفارة قبل الحنث وبعده : اتفق العلماء على أن الكفارة لا تجب إلا بالحنث ، واختلفوا في جواز تقديمها عليه . فجمهور الفقهاء يرى أنه يجوز تقديم الكفارة على الحنث ، وتأخيرها عنه ، ففي الحديث عند مسلم وأبي داود والترمذي : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل ) . ( 1 ) ففي هذا الحديث جواز تقديم الكفارة على الحنث . وإذا تقدمت الكفارة على الحنث كان الشروع في الحنث غير شروع في الاثم ، إذ تقديم الكفارة يجعل الشئ المحلوف عليه مباحا . وعند مسلم أيضا ما يفيد جواز تأخير الكفارة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من حلف على يمين فرأى

( هامش ) ( 1 ) أي يفعل ما فيه الخير .

غيرها خيرا منها فليأتها ، وليكفر عن يمينه ) . قال هؤلاء : ومن قدم الحنث كان شارعا في معصية ، وقد يموت قبل أن يتمكن من الكفارة ، ولعل هذه هي حكمة إرشاد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تقديم الكفارة . ويرى أبو حنيفة أن الكفارة لا تصح إلا بعد الحنث ، لتحقق موجبها حينئذ . وقوله صلى الله عليه وسلم : ( فليكفر عن يمينه ، وليفعل الذي هو خير ) . معناه عنده : فليقصد أداء الكفارة ، كقوله تعالى : ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ ) ( 1 ) أي إذا أردت . والاول أرجح .

جواز الحنث للمصلحة : الاصل أن يفي الحالف باليمين . ويجوز له العدول عن الوفاء ، إذا رأى في ذلك مصلحة راجحة . يقول الله تعالى : ( ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس ) ( 1 ) . أي لا تجعلوا الحلف بالله مانعا لكم من البر والتقوى والاصلاح . ويقول عزوجل : ( قد فرض الله لكم تحلة ايمانكم ) ( 2 ) . أي شرع الله لكم تحليل الايمان بعمل الكفارة . روى أحمد والبخاري ومسلم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير ، وكفر عن يمينك ) .

أقسام اليمين باعتبار المحلوف عليه : وعلى هذا يمكن تقسيم اليمين باعتبار المحلوف عليه إلى الاقسام الاتية : 1 - أن يحلف على فعل واجب أو ترك محرم ، فهذا يحرم الحنث فيه ، لانه تأكيد لما كلفه الله به من عبادة . 2 - أن يحلف على ترك واجب أو فعل محرم . فهذا يجب الحنث فيه لانه حلف على معصية ، كما تجب الكفارة . 3 - أن يحلف على فعل مباح ، أو تركه . فهذا يكره فيه الحنث ويندب البر . 4 - أن يحلف على ترك مندوب أو فعل مكروه . فالحنث مندوب ، ويكره التمادي فيه . وتجب الكفارة . 5 - أن يحلف على فعل مندوب . أو ترك مكروه ، فهذا طاعة لله . فيندب له الوفاء ، ويكره الحنث .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:01 am

النذر

معناه : النذر هو التزام قربة غير لازمة في أصل الشرع بلفظ يشعر بذلك ، مثل أن يقول المرء : لله علي أن أتصدق بمبلغ كذا ، أو إن شفى الله مريضي فعلي صيام ثلاثة أيام ونحو ذلك . ولا يصح إلا من بالغ عاقل مختار ولو كان كافرا . النذر عبادة قديمة : ذكر الله سبحانه عن أم مريم أنها نذرت ما في بطنها لله فقال : - ( إذ قالت امرأة عمران ربي إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم ) ( 1 ) .

وأمر الله مريم به فقال : ( فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ) ( 1 ) .

النذر في الجاهلية : وذكر الله عن أهل الجاهلية ما كانوا يتقربون به إلى آلهتهم من نذور ، طلبا لشفاعتهم عند الله ، وليقربوهم إليه زلفى فقال : ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم . ساء ما يحكمون ) ( 2 ) .

مشرعيته في الاسلام : وهو مشروع بالكتاب والسنة ، ففي الكتاب يقول الله سبحانه : ( وما أنفقتم مننفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه ) ( 3 ) . ويقول : ( ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ) ( 1 ) . ويقول : ( يوفون ( 2 ) بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا ) ( 3 ) وفي السنة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصيه فلا صه رواه البخاري ومسلم عن عائشة . والاسلام وإن كان قد شرعه إلا أنه لا يستحبه ، فعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن النذر ، وقال : إنه لا يأتي بخير ، وإنما يستخرج به من البخيل . رواه البخاري ومسلم .

( هامش ) ( 1 ) سورة الحج آية رقم 29 . ( 2 ) سورة الدهر آية رقم 7 . ( 3 ) عن قتادة في هذه الاية : قال : كانوا ينذرون طاعة الله من الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة وما افترض عليهم فسماهم الله أبرارا . أخرجه الطبراني بسند صحيح .

متى يصح ومتى لا يصح : يصح النذر وينعقد إذا كان قربة يتقرب بها إلى الله سبحانه . ويجب الوفاء به . ولا يصح إلا نذر أن يعصي الله ، ولا ينعقد . كالنذر على القبور وعلى أهل المعاصي ، وكأن ينذر أن يشرب الخمر أو يقتل أو يترك الصلاة أو يؤذي والديه . فإن نذر ذلك لا يحب الوفاء به بل يحرم عليه أن يفعل شيئا من ذلك ولا كفارة عليه ( 1 ) لان النذر لم ينعقد بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لا نذر في معصية ) ( 2 ) وقيل : ( 3 ) تجب الكفارة زجرا له وتغليظا عليه .

( هامش ) ( 1 ) هذا مذهب الاحناف وأحمد . ( 2 ) رواه مسلم من حديث عمران بن حصين . ( 3 ) جمهور الفقهاء ومنهم المالكية والشافعية .

النذر المباح : سبق أن ذكرنا أنه يصح النذر إذا كان قربة ، ولا يصح إذا كان معصية . وأما النذر مباح مثل أن يقول : لله علي أن أركب هذا القطار أو ألبس هذا الثوب ، فقد قال جمهور العلماء : ليس هذا بنذر ولا يلزم به شئ . روى أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر وهو يخطب إلى أعرابي قائم في الشمس فقال : ما شأنك ؟ قال : نذرت أن لا أزال في الشمس حتى يفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخطبة . فقال الرسول : ( ليس هذا بنذر ، إنما النذر فيما ابتغي به وجه الله ) . وقال أحمد : ينعقد ، والناذر يخير بين الوفاء وبين تركه ، وتلزمه الكفارة إذا تركه . ورجح هذا صاحب الروضة الندية فقال : النذر المباح يصدق عليه مسمى النذر ، فيدخل تحت العمومات المتضمنة للامر بالوفاء به ، ويؤيد ذلك ما أخرجه أبو داود : ( أن امرأة قالت : يا رسول الله إني نذرت إذا انصرفت من غزوتك سالما أن أضرب على رأسك بالدف ، فقال لها : أوفي بنذرك ) وضرب الدف إذا لم يكن مباحا فهو إما مكروه أو أشد من المكروه ، ولا يكون قربة أبدا . فإن كان مباحا فهو دليل على وجوب الوفاء بالمباح ، وإن كان مكروها فالاذن بالوفاء به يدل على الوفاء بالمباح بالاولى . النذر المشروط وغير المشروط : والنذر قد يكون مشروطا ، وقد يكون غير مشروط . فالاول : هو التزام قربة عند حدوث نعمة أو دفع نقمة . مثل : إن شفى الله مريضي فعلي إطعام ثلاثة مساكين ، أو : إن حقق الله أملي في كذا فعلي كذا . فهذا يلزم الوفاء به عند حصول المطلوب . والثاني : النذر المطلق ، وهو أن يلتزم ابتداء بدون تعليق على شئ ، مثل : لله علي أن أصلي ركعتين . فهذا يلزم الوفاء به ، لدخوله تحت قوله صلى الله عليه وسلم : ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ) . النذر للاموات : وفي كتب الاحناف : أن النذر الذي يقع للاموات من أكثر العوام وما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت ونحوها إلى ضرائح الاولياء الكرام تقربا إليهم ، كأن يقول : يا سيدي فلان ، إن رد غائبي أو عوفي مريضي أو قضيت حاجتي فلك من النقد أو الطعام أو الشمع أو الزيت كذا ، فهو بالاجماع باطل وحرام لوجوه ، منها : 1 - أنه نذر لمخلوق ، والنذر للمخلوق لا يجوز ، لانه عبادة ، وهي لا تكون إلا لله . 2 - أن المنذور له ميت ، والميت لا يملك . 3 - أنه إن ظن أن الميت يتصرف في الامور دون الله تعالى فاعتقاده ذلك كفر والعياذ بالله . اللهم إلا أن يقول : يا ألله ، إني نذرت لك إن شفيت مريضي أو رددت غائبي أو قضيت حاجتي أن أطعم الفقراء الذين بباب الولي الفلاني ، أو أشتري حصرا لمسجد أو زيتا لوقوده أو دارهم لمن يقوم بشعائره . . . إلى غير ذلك مما فيه نفع للفقراء والنذر لله عزوجل . وذكر الولي إنما هو محل لصرف النذر لمستحقيه القاطنين برباطه أو مسجده . فيجوز بهذا الاعتبار . ولا يجوز أن يصرف ذلك لغني ولا لشريف ولا لذي منصب أو ذي نسب أو علم ما لم يكن فقيرا . ولم يثبت في الشرع جواز الصرف للاغنياء .

نذر العبادة بمكان معين : ولو نذر صلاة أو صياما أو قراءة أو اعتكافا في مكان بعينه ، فإن كان للمكان المتعين مزية في الشرع كالصلاة في المساجد الثلاثة : لزم الوفاء به ، وإلا لم يتعين بالنذر الذي أمر الله بالوفاء به . وهذا مذهب الشافعية ، قالوا : وإذا نذر إنسان التصدق بشئ على أهل بلد معين لزمه ذلك وفاء بالتزامه ، ولو نذر صوما في بلد لزمه الصوم لانه قربة ولم يتعين مكان الصوم في ذلك البلد ، فله الصوم في غيره . ولو نذر صلاة في بلدة لم يتعين لها ويصلي في غيرها لانها لا تختلف باختلاف الامكنة إلا المسجد الحرام أي الحرم كله ومسجد المدينة ومسجد الاقصى ، إذا نذر الصلاة في أحد هذه المساجد ، فيتعين لعظم فضلها ، إذا نذر الصلاة في أحد هذه المساجد ، فيتعين لعظم فضلها ، لقوله عليه الصلاة والسلام : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الاقصى ) . واستدلوا بدليل نقلي على تعيين مكان التصدق بالنذر . وهو ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن امرأة أتت النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا رسول الله ، إني نذرت أن أذبح كذا وكذا ، لمكان يذبح فيه أهل الجاهلية . قال : لصنم ؟ قالت : لا . قال : لوثن ؟ قالت : لا . قال : أوفي بنذرك ) . وقال الاحناف : من قال : ( لله علي أن أصلي ركعتين في موضع كذا أو أتصدق على فقراء بلد كذا ) يجوز أداؤه في غير ذلك المكان عند أبي حنيفة وصاحبيه ، لان المقصود من النذر هو التقرب إلى الله عزوجل ، وليس لذات المكان دخل في القرية . وإن نذر صلاة ركعتين في المسجد الحرام فأداها في مكان أقل منه شرفا أو فيما لا شرف له أجزأه عندهم ، لان المقصود هو القربة إلى الله تعالى ، وذلك يتحقق في أي مكان . النذر لشيخ معين : ومن نذر لشيخ معين فإن كان حيا وقصد الناذر الصدقة عليه لفقره وحاجته أثناء حياته كان ذلك النذر صحيحا ، وهذا من باب الاحسان الذي حبب فيه الاسلام . ولو كان ميتا وقصد الناذر الاستغاثة به وطلب قضاء الحاجات منه ، فإن هذا نذر معصية لا يجوز الوفاء به . من نذر صوما وعجز عنه : من نذر صوما مشروعا وعجز عن الوفاء به لكبر سن أو لوجود مرض لا يرجى برؤه . . . كان له أن يفطر ويكفر كفارة يمين أو يطعم عن كل يوم مسكينا . وقيل : يجمع بينهما احتياطا . الحلف بالصدقة بالمال : من حلف بأن يتصدق بماله كله أو قال : مالي في سبيل الله . فهو من نذر اللجاج وفيه كفارة يمين ، وعليه الشافعي ، وقال مالك : يخرج ثلث ماله . وقال أبو حنيفة : ينصرف ذلك إلى كل ما تجب فيه الزكاة من عينه من المال ، دون ما لا زكاة فيه من العقار والدواب ونحوها .

كفارة النذر : إذا حنث الناذر أو رجع عن نذره لزمته كفارة يمين . روى عقبة بن عامر أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ( كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين ) . رواه ابن ماجه والترمذي وقال : حسن صحيح غريب .

من مات وعليه نذر صيام : روى ابن ماجه أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إن أمي توفيت وعليها نذر صيام ، فتوفيت قبل أن تقضيه ، فقال : ( ليصم عنها الولي ) . البيع التبكير في طلب الرزق : روي الترمذي عن صخر الغامدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اللهم بارك لامتي في بكورها ) ( 1 ) . قال : ( وكان إذا بعث سرية أو جيشا بعثهم أول النهار ، وكان صخر رجلا تاجرا ، وكان إذا بعث تجارة بعث أول النهار ، فأثرى وكثر ماله )
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:01 am

الكسب الحلال :

عن علي ، كرم الله وجهه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله تعالى يحب أن يرى عبده . يعني في طلب الحلال ) ، رواه الطبراني والديلمي . وعن مالك بن أنس ، رضي الله عنه ، أن رسول الله

( هامش ) ( 1 ) البكور : السعي مبكرا أول النهار .

صلى الله عليه وسلم قال : ( طلب الحلال واجب على كل مسلم ) . رواه الطبراني . قال المنذري : وإسناده حسن إن شاء الله . وعن رافع بن خديج أنه قيل : يا رسول الله ، أي الكسب أطيب ؟ ( 1 ) قال : ( عمل المرء بيده ، وكل بيع مبرور ) ( 2 ) . رواه أحمد والبزاز . ورواه الطبراني عن ابن عمر بسند رواته ثقات .

وجوب العلم بأحكام البيع والشراء : يجب على كل من تصدى للكسب أن يكون عالما بما يصححه ويفسده لتقع معاملته صحيحة ، وتصرفاته بعيدة عن الفساد . فقد روي أن عمر ، رضي الله عنه ، كان يطوف بالسوق ويضرب بعض التجار بالدرة ، ويقول : ( لا يبع في سوقنا إلا من يفقه ، وإلا أكل الربا ، شاء أم أبى ) . وقد أهمل كثير من المسلمين الان تعلم المعاملة وأغفلوا

( هامش ) ( 1 ) أي : أحل وأبرك . ( 2 ) ماخلا من الحرام والغش : أصول المكاسب : الزراعة ، والتجارة ، والصنعة . وأطيبها ما كان بعمل اليد ، وما يكتسب من الغنائم التي تغنم بالجهاد ، وقيل : التجارة .

هذه الناحية وأصبحوا لا يبالون بأكل الحرام مهما زاد الربح وتضاعف الكسب . وهذا خطأ كبير يجب أن يسعى في درئه كل من يزاول التجارة ، ليتميز له المباح من المحظور ، ويطيب له كسبه ويبعد عن الشبهات بقدر الامكان . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ) . فليتنبه لهذا من يريد أن يأكل حلالا ويكسب طيبا ويفوز بثقة الناس ورضي الله . عن النعمان بن بشير أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ( حلال الحلال بين ( 1 ) والحرام بين ( 2 ) وبينهما أمور مشتبهة ( 3 ) ، فمن ترك ما يشتبه عليه من الاثم كان لما استبان أترك ، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الاثم أوشك أن يواقع ما استبان . والمعاصي حمى الله . من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه ) .

( هامش ) ( 1 ) الحلال البين : هو ما طلب الشارع فعله . ( 2 ) الحرام البين : هو ما طلب الشارع تركه طلبا جازما . ( 3 ) الامور المشتبهة : هي ما تعارضت فيها الادلة واختلف فيه العلماء .

رواه البخاري ومسلم . معنى البيع : البيع معناه لغة : مطلق المبادلة . ولفظ البيع والشراء يطلق كل منهما على ما يطلق عليه الاخر ، فهما من الالفاظ المشتركة بين المعاني المتضادة . ويراد بالبيع شرعا مبادلة مال بمال ( 1 ) على سبيل التراضي أو نقل ملك ( 2 ) بعوض ( 3 ) على الوجه المأذون ( 4 ) فيه .

مشروعيته : البيع مشروع بالكتاب والسنة وإجماع الامة . أما الكتاب فيقول الله تعالى : ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) ( 5 ) . وأما السنة : فلقول رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الكسب عمل الرجل بيده ، وكل بيع مبرور ) ( 6 )

( هامش ) ( 1 ) المال : كل ما يملك وينتفع به ، وسمي مالا لميل الطبع إليه . ( 2 ) احتراز عن ما لا يملك . ( 3 ) احتراز عن الهبات وما لا يجوز أن يكون عوضا . ( 4 ) احتراز عن البيوع المنهي عنها . ( 5 ) سورة البقرة آية رقم 275 . ( 6 ) البيع المبرور : هو الذي لا غش فيه ولا خيانة .

وقد أجمعت الامة على جواز البيع والتعامل به من عهد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إلى يومنا هذا .

حكمته : شرع الله البيع توسعة منه على عباده ، فإن لكل فرد من أفراد النوع الانساني ضرورات من الغذاء والكساء وغيرها مما لا غنى للانسان عنه ما دام حيا ، وهو لا يستطيع وحده أو يوفرها لنفسه لانه مضطر إلى جلبها من غيره . وليس ثمة طريقة أكمل من المبادلة ، فيعطي ما عنده مما يمكنه الاستغناء عنه بدل ما يأخذه من غيره مما هو في حاجة إليه .

أثره : إذا تم عقد ( 1 ) البيع واستوفى أركانه وشروطه ترتب عليه نقل ملكية البائع للسلعة إلى المشتري ، ونقل ملكية المشتري للثمن إلى البائع ، وحل لكل منهما التصرف فيما انتقل ملكه إليه بكل نوع من أنواع التصرف المشروع .

أركانه وينعقد بالايجاب ( 2 ) والقبول ، و يستثنى من ذلك

( هامش ) ( 1 ) العقد معناه : الربط والاتفاق . ( 2 ) البيع وغيره من المعاملات بين العباد أمور مبنية على الرضى النفسي : وهذا لا يعلم لخفائه فأقام الشارع القول المعبر عما في النفس من رضى مقامه ، وناط به الاحكام . والايجاب ما صدر أولا من أحد الطرفين . والقبول ما صدر ثانيا . ولا فرق بين أن يكون الموجب هو البائع والقابل هو المشتري أو يكون الامر بالعكس . فيكون الموجب هو المشتري والقابل هو البائع .

الشئ الحقير ، فلا يلزم فيه إيجاب وقبول ، وإنما يكتفى فيه بالمعاطاة ، ويرجع في ذلك إلى العرف وما جرت به عادات الناس غالبا . ولا يلزم في الايجاب والقبول ألفاظ معينة ، لان العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالالفاظ والمباني . والعبرة في ذلك بالرضى ( 1 ) بالمبادلة ، والدلالة على الاخذ والاعطاء ، أو أي قرينة دالة على الرضى ومنبئة عن معنى التملك والتمليك ، كقول البائع : بعت أو أعطيت أو ملكت ، أو هو لك ، أو هات الثمن . وكقول المشتري : اشتريت أو أخذت أو قبلت أو رضيت أو ، خذ الثمن شروط الصيغة : ويشترط في الايجاب والقبول ، وهما صيغة العقد : أولا : أن يتصل كل منهما بالاخر في المجلس دون أن يحدث بينهما مضر . ثانيا : وأن يتوافق الايجاب والقبول فيما يجب التراضي عليه من مبيع وثمن ، فلو اختلفا لم ينعقد البيع . فلو قال البائع : بعتك هذا الثوب بخمسة جنيهات ، فقال المشتري : قبلته بأربعة ، فإن البيع لا ينعقد بينهما لاختلاف الايجاب عن القبول . ثالثا : وأن يكون بلفظ الماضي مثل أن يقول البائع : بعت ، ويقول المشتري : قبلت . أو بلفظ المضارع إن أريد به الحال ، مثل : أبيع وأشتري ، مع إرادة الحال . فإذا أراد به المستقبل أو دخل عليه ما يمحضه للمستقبل كالسين وسوف ونحوهما كان ذلك وعدا بالعقد .

والوعد بالعقد لا يعتبر عقدا شرعيا . ولهذا لا يصح العقد .

العقد بالكتابة : وكما ينعقد البيع بالايجاب والقبول ينعقد بالكتابة بشرط أن يكون كل من المتعاقدين بعيدا عن الاخر ، أو يكون العاقد بالكتابة أخرس لا يستطيع الكلام ، فإن كانا في مجلس واحد ، وليس هناك عذر يمنع من الكلام فلا ينعقد بالكتابة ، لانه لا يعدل عنا لكلام ، وهو أظهر أنواع الدلالات ، إلى غيره إلا حينما يوجد سبب حقيقي يقتضي العدول عن الالفاظ إلى غيرها . ويشترط لتمام العقد أن يقبل من كتب إليه في مجلس

قراءة الخطاب . عقد بواسطة رسول : وكما ينعقد العقد بالالفاظ والكتابة ينعقد بواسطة رسول من أحد المتعاقدين إلى الاخر بشرط أن يقبل المرسل إليه عقب الاخبار . ومتى حصل القبول في هاتين الصورتين تم العقد ، ولا يتوقف على علم الموجب بالقبول . عقد الاخرس : وكذلك ينعقد بالاشارة المعروفة من الاخرس ، لان إشارته المعبرة عما في نفسه كالنطق باللسان سواء بسواء . ويجوز للاخرس أن يعقد بالكتابة بدلا عن الاشارة إذا كان يعرف الكتابة . وما اشترطه بعض الفقهاء من التزام ألفاظ معينة لم يجئ بما قالوا فيه كتاب ولا سنة .

شروط البيع لابد من أن يتوافر في البيع شروط حتى يقع صحيحا ، وهذه الشروط : منها ما يتصل بالعاقد ، ومنها ما يتصل بالمعقود عليه ، أو محل التعاقد ، أي المال المقصود نقله من أحد العاقدين إلى الاخر ، ثمنا أو مثمنا ، أي مبيعا ( 1 ) .

( هامش ) ( 1 ) الثمن : ما لا يبطل العقد بتلفه ويصح إبداله والتصرف فيه قبل القبض وهو المتصل بالباء في الغالب . المبيع : هو ما لا يبطل العقد بتلفه واستحقاقه ويفسخ معيبه ولا يبدل إذ يصير بيع ما ليس عنده .

شروط العاقد : أما العاقد فيشترط فيه العقل والتمييز فلا يصح عقد المجنون ولا السكران ولا الصبي غير المميز . فإذا كان المجنون يفيق أحيانا ويجن أحيانا كان ما عقده عند الافاقة صحيحا وما عقده حال الجنون غير صحيح . والصبي المميز عقده صحيح ، ويتوقف على إذن الولي ، فإن أجازه كان معتدا به شرعا .

شروط المعقود عليه : وأما المعقود عليه فيشترط في ستة شروط : 1 - طهارة العين . 2 - الانتفاع به . 3 - ملكية العاقد له . 4 - القدرة على تسليمه . 5 - العلم به . 6 - كون المبيع مقبوضا . وتفصيل ذلك فيما يأتي : 1 - الاول : أن يكون طاهر العين ، لحديث جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والاصنام . فقيل : يا رسول الله : أرأيت شحوم الميتة ، فإنه يطلى بها السفن ، ويدهن بها الجلود ، ويتصبح بها الناس . فقال : لا ، هو حرام . والضمير يعود إلى البيع ، بدليل أن البيع هو الذي نعاه الرسول على اليهودي في الحديث نفسه . وعلى هذا يجوز الانتفاع بشحم الميتة بغير البيع فيدهن بها الجلود ويستضاء بها وغير ذلك مما لا يكون أكلا أو يدخل في بدن الادمي . قال ابن القيم في أعلام الموقعين : ( في قوله صلى الله عليه وسلم ( حرام ) قولان : أحدهما : أن هذه الافعال حرام . والثاني : أن البيع حرام . وإن كان المشتري يشتريه لذلك . والقولان مبنيان على أن السؤال : هل وقع عن البيع لهذا الانتفاع المذكور ، أو عن الانتفاع المذكور ؟ والاول اختاره شيخنا . وهو الاظهر . لانه لم يخبرهم أولا عن تحريم هذا الانتفاع حتى يذكروا له حاجتهم إليه ، وإنما أخبرهم عن تحريم البيع فأخبروه أنهم يبيعونه لهذا الانتفاع فلم يرخص لهم في البيع ولم ينههم عن الانتفاع المذكور ، ولا تلازم بين عدم جواز البيع وحل المنفعة ) اه‍ . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك : ( قاتل الله اليهود ، إن الله لما حرم شحومها جملوه ( 1 ) ثم باعوه وأكلوا ثمنه ) . والعلة في تحريم بيع الثلاثة الاولى ، هي النجاسة عند جمهور العلماء ، ( 2 ) فيتعدى ذلك إلى كل نجس . ( 1 ) جملوه ، أي : أذابوه . ( 2 ) يراجع التحقيق في نجاسة الخمر في الجزء الاول من فقه السنة . والظاهر أن تحريم بيعها لانها تسلب الانسان أعظم مواهب الله له وهو العقل فضلا عن أضرارها الاخرى التي أشرنا إليها في الجزء التاسع . وأما الخنزير فمع كونه نجسا إلا أن به ميكروبات ضارة لا تموت بالغلي وهو يحمل الدودة الشريطية التي تمتص الغذاء النافع من جسم الانسان . وأما تحريم بيع الميتة فلانها غالبا ما يكون موتها نتيجة أمراض فيكون تعاطيها مضرا بالصحة ، فضلا عن كونها مما تعافه النفوس . وما يموت فجأة من الحيوانات فإن الفساد يتسارع إليه لاحتباس الدم فيه . والدم أصلح بيئة لنمو الميكروبات التي قد لا تموت بالغلي . ولذلك حرم الدم المسفوح أكله وبيعه لنفس الاسباب . واستثنى الاحناف والظاهرية كل ما فيه منفعة تحل شرعا فجوزوا بيعه ، فقالوا : يجوز بيع الارواث والازبال النجسة التي تدعو الضرورة إلى استعمالها في البساتين ، وينتفع بها وقودا وسمادا . وكذلك يجوز بيع كل نجس ينتفع به في غير الاكل والشرب كالزيت النجس يستصبح به ويطلى به . والصبغ يتنجس فيباع ليصبغ به ونحو ذلك ، مادام الانتفاع به في غير الاكل . روى البيهقي بسند صحيح أن ابن عمر سئل عن زيت وقعت فيه فأرة فقال : ( استصبحوا به وادهنوا به وأدمكم ) . ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم على شاة ليمونهة فوجدها ميتة ملقاة فقال : هلا أخذتم إهابها فدبغتموه وانتفعتم به . فقالوا : يا رسول الله إنها ميتة . فقال : إنما حرم أكلها . ومعنى هذا أنه يجوز الانتفاع في غير الاكل . وما دام الانتفاع بها جائزا فإنه يجوز بيعها مادام القصد بالبيع المنفعة المباحة ( 1 ) .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:02 am

2 - الثاني : أن يكون منتفعا به ، فلا يجوز بيع الحشرات ولا الحية والفأرة إلا إذا كان ينتفع بها . ويجوز بيع الهرة والنحل وبيع الفهد والاسد وما يصلح للصيد أو ينتفع بجلده ، ويجوز بيع الفيل للحمل ويجوز بيع الببغاء والطاووس والطيور المليحة الصورة ، وإن كانت لا تؤكل ، فإن التفرج بأصواتها والنظر إليها غرض مقصود مباح ، وإنما لا يجوز بيع الكلب لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، وهذا في غير الكلب المعلم وما يجوز اقتناؤه ككلب الحراسة وككلب الزرع ، فقد قال أبو حنيفة بجواز بيعه ، وقال عطاء والنخعي : يجوز بيع كلب الصيد دون غيره لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب إلا كلب صيد . رواه النسائي عن جابر . قال الحافظ : ورجال إسناده ثقات . وهل تجب القيمة على متلفه ؟ قال الشوكاني : فمن قال بتحريم بيعه قال بعدم الوجوب . ومن قال بجوازه قال بالوجوب . ومن فصل في البيع فصل في لزوم القيمة . وروي عن مالك أنه لا يجوز بيعه وتجب القيمة . وروي عنه أن بيعه مكروه فقط . وقال أبو حنيفة : يجوز بيعه ويضمن متلفه .

بيع آلات الغناء : ويدخل في هذا الباب بيع آلات الغناء . فإن الغناء في مواضعه جائز والذي يقصد به فائذة مباحة حلال ، وسماعه مباح ، وبهذا يكون منفعة شرعية يجوز بيع آلته وشراؤها لانها متقومه . ومثال الغناء الحلال : 1 - تغني النساء لاطفالهن وتسليتهن . 2 - تغني أصحاب الاعمال وأرباب المهن أثناء العمل للتخفيف عن متاعبهم والتعاون بينهم . 3 - والتغني في الفرح إشهارا له . 4 - والتغني في الاعياد إظهارا للسرور . 5 - والتغني للتنشيط للجهاد . وهكذا في كل عمل طاعة حتى تنشط النفس وتنهض بحملها . والغناء ما هو إلا كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح ، فإذا عرض له ما يخرجه عن دائرة الحلال كأن يهيج الشهوة أو يدعو إلى فسق أو ينبه إلى الشر أو اتخذ ملهاة عن الطاعات ، كان غير حلال . فهو حلال في ذاته وإنما عرض ما يخرجه عن دائرة الحلال . وعلى هذا تحمل أحاديث النهي عنه .

والدليل على حله : 1 - ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة ، رضي الله عنها ، أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان تغنيان وتضربان بالدف ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم مسجى بثوبه فانتهرهما أبو بكر ، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه وقال : ( دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد ) . 2 - ما رواه الامام أحمد والترمذي بإسناد صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في بعض مغازيه فلما انصرف جاءته جارية سوداء فقالت : يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى . قال : ( إن كنت نذرت فاضربي ) . فجعلت تضرب . 3 - ما صح عن جماعة كثيرين من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يسمعون الغناء والضرب على المعازف . فمن الصحابة : عبد الله بن الزبير ، وعبد الله بن جعفر وغيرهما . ومن التابعين : عمر بن عبد العزيز ، وشريح القاضي ، وعبد العزيز بن مسلمة ، مفتي المدينة وغيرهم . 3 - الثالث : أن يكون المتصرف فيه مملوكا للتعاقد ، أو مأذونا فيه من جهة المالك ، فإن وقع البيع أو الشراء قبل إذنه فإن هذا يعتبر من تصرفات الفضولي .

بيع الفضولي : والفضولي هو الذي يعقد لغيره دون إذنه ، كأن يبيع الزوج ما تملكه الزوجة دون إذنها ، أو يشتري لها ملكا دون إذنها له بالشراء . ومثل أن يبيع إنسان ملكا لغيره وهو غائب ، أو يشتري - دون إذن منه - كما يحدث عادة .

وعقد الفضولي يعتبر عقدا صحيحا ، إلا أن لزومه يتوقف على إجازة المالك أو وليه ( 1 ) ، فإن أجازه نفذ وإن لم يجزه بطل .

( هامش ) ( 1 ) هذا مذهب المالكية وإسحاق بن راهويه وإحدى الروايتين عند الشافعية والحنابلة

ودليل ذلك ما رواه البخاري عن عروة البازقي أنه قال : ( بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بدينار لاشتري له به شاة ، فاشتريت له به شاتين . بعت إحداهما بدينار وجئته بدينار وشاة ، فقال لي : ( بارك الله في صفقة يمينك ) . وروى أبو داود والترمذي ، عن حكيم بن حزام ، أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ليشتري له أضحية بدينار ، فاشتري أضحية فأربح فيها دينارا فباعها بدينارين ، ثم اشترى شاة أخرى مكانها بدينار ، وجاء بها وبالدينار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له : ( بارك الله لك في صفقتك ) . ففي الحديث الاول أن عروة اشترى الشاة الثانية وباعها دون إذن مالكها ، وهو النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما رجع إليه وأخبره أقره ودعا له ، فدل ذلك على صحة شراء الشاة الثانية وبيعه إياها . وهذا دليل على صحة بيع الانسان ملك غيره وشرائه له دون إذن . وإنما يتوقف على الاذن مخافة أن يلحقه من هذا التصرف ضرر . وفي الحديث الثاني أن حكيما باع الشاة بعدما اشتراها وأصبحت مملوكة لرسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم اشترى له الشاة الثانية ولم يستأذنه ، وقد أقره الرسول صلى الله عليه وسلم على تصرفه وأمره أن يضحي بالشاة التي أتاه بها ودعا له ، فدل ذلك على أن بيعة الشاة الاولى وشراءه الثانية صحيح . ولو لم يكن صحيحا لا نكره عليه وأمره برد صفقته . 4 - الرابع : أن يكون المعقود عليه مقدورا على تسليمه شرعا وحسا ، فما لا يقدر على تسليمه حسا لا يصح بيعه كالسمك في الماء . وقد روى أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ( لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر ) . وقد روي عن عمران بن الحصين مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم . وقد روي النهي عن ضربة الغائض . والمراد به أن يقول من يعتاد الغوص في البحر لغيره : ما أخرجته في هذه الغوصة فهو لك بكذا من الثمن . ومثله الجنين في بطن أمه . ويدخل في هذا بيع الطير المنفلت الذي لا يعتاد رجوعه إلى محله ، فإن اعتاد الطائر رجوعه إلى محله ، ولو كيلا ، لم يصح أيضا عند أكثر العلماء إلا النحل ( 1 ) ، لان الرسول صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيع الانسان ما ليس عنده . ويصح عند الاحناف لانه مقدور على تسليمه إلا النحل . ويدخل في هذا الباب عسب الفحل ، وهو ماؤه ، والفحل الذكر من كل حيوان : فرسا ، أو جملا أو ت يسا ، وقد نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم . كما رواه البخاري وغيره ، لانه غير متقوم ولا معلوم ولا مقدور على تسليمه . وقد ذهب الجمهور إلى تحريمه بيعا وإجازة ، ولا بأس بالكرامة ، وهي ما يعطى على عسب الفحل من غير اشتراط شئ عليه . وقيل : يجوز إجارة الفحل للضراب مدة معلومة وبه قال : الحسن وابن سيرين ، وهو مروي عن مالك ، ووجه للشافعية والحنابلة .

( هامش ) ( 1 ) يرى الائمة الثلاثة جواز بيع دود القز والنحل منفردة عن الخلية إذا كانت محبوسة في بيوتها ورآها المتبايعان ، خلافا لابي حنيفة .

وكذلك بيع اللبن في الضرع - أي قبل انفصاله - لما فيه من الغرر والجهالة . قال الشوكاني : إلا أن يبيع منه كيلا ، نحو أن يقول : بعت منك صاعا من حليب بقرتي . فإن الحديث يدل على جوازه لارتفاع الغرر والجهالة . ويستثنى أيضا لبن الظئر فيجوز بيعه لموضع الحاجة . وكذا لا يجوز بيع الصوف على ظهر الحيوان ، فإنه يتعذر تسليمه لاختلاط غير المبيع بالمبيع . فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباع تمر حتى يطعم ، أو صوف على ظهر ( 1 ) أو لبن في ضرع ، أو سمن في اللبن . رواه الدار قطني : والمعجوز عن تسليمه شرعا كالمرهون والموقوف ، فلا ينعقد بيعهما . ويلحق بهذا التفريق بالبيع بين البهيمة وولدها لنهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن تعذيب الحيوان . ويرى بعض العلماء جواز ذلك قياسا على الذبح

( 1 ) أما بيع الصوف على الظهر بشرط الجز ، فقد أجازه الحنابلة في رواية عندهم لانه معلوم ويمكن تسليمه

وهو الاولى . وأما بيع الدين : فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز بيع الدين ممن عليه الدين - أي المدين . وأما بيعه إلى غير المدين ، فقد ذهب الاحناف والحنابلة والظاهرية إلى عدم صحته لان البائع لا يقدر على التسليم . ولو شرط التسليم على المدين فإنه لا يصح أيضا لانه شرط التسليم على غير البائع ، فيكون شرطا فاسدا يفسد به البيع . 5 - الخامس : أن يكون كل من المبيع والثمن معلوما . فإذا كانا مجهولين أو كان أحدهما مجهولا فإن البيع لا يصح لما فيه من غرر ، والعلم بالمبيع يكتفى فيه بالمشاهدة في المعين ولو لم يعلم قدره كما في بيع الجزاف . أما ما كان في الذمة فلا بد من معرفة قدره وصفته بالنسبة للمتعاقدين . والثمن يجب أن يكون معلوم الصفة والقدر والاجل . أما بيع ما غاب عن مجلس العقد ، وبيع ما في رؤيته مشقة أو ضرر ، وبيع الجزاف ، فلكل واحد من هذه البيوع أحكام نذكرها فيما يلي : بيع ما غاب عن مجلس العقد بشرط أن يوصف وصفا يؤدي إلى العلم به ، ثم إن ظهر موافقا للوصف لزم البيع وإن ظهر مخالفا ثبت لمن لم يره من المتعاقدين الخيار في إمضاء العقد أو رده ، يستوي في ذلك البائع والمشتري . روى البخاري وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال : بعت من أمير المؤمنين عثمان مالا بالوادي بمال له بخيبر . وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من اشترى شيئا لم يره فله الخيار إذا رآه ) . أخرجه الدار قطني والبيهقي بيع ما في رؤيته مشقة أو ضرر : وكذا يجوز بيع المغيبات إذا وصفت أو علمت أوصافها بالعادة والعرف . وذلك كالاطعمة المحفوظة والادوية المعبأة في القوارير وأنابيب الاكسوجين وصفائح البنزين والغاز ونحو ذلك مما لا يفتتح إلا عند الاستعمال لما يترتب على فتحه من ضرر أو مشقة . ويدخل في هذا الباب ما غيبت ثمارة في باطن الارض مثل الجزر واللفت والبطاطس والقلقاس والبصل ، وما كان من هذا القبيل . فإن هذه لا يمكن بيعها بإخراج المبيع دفعة واحدة لما في ذلك من المشقة على أربابها ، ولا يمكن بيعها شيئا فشيئا لما في ذلك من الحرج والعسر ، وربما أدى ذلك إلى فساد الاموال أو تعطيها . وإنما تباع عادة بواسطة التعاقد على الحقول الواسعة التي لا يمكن بيع ما فيها من الزروع المغيبة إلا على حالها . وإذا ظهر أن المبيع يختلف عن أمثاله اختلافا فاحشا يوقع الضرر بأحد المتعاقدين ثبت الخيار ، فإن شاء أمضاه وإن شاء فسخه ، كما في صورة ما إذا اشترى بيضا فوجده فاسدا فله الخيار في إمساكه أو رده دفعا للضرر عنه ( 1 ) .

( هامش ) ( 1 ) مذهب الجمهور بطلان البيع في هذه الصورة لما فيها من الغرر والجهالة المنهي عنها والاحناف جوزوا البيع وأثبتوا الخيار عند الرؤية

بيع الجزاف : الجزاف : هو الذي لا يعلم قدره على التفصيل . وهذا النوع من البيع كان متعارفا عليه بين الصحابة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد كان المتبايعان يعقدان العقد على سلعة مشاهدة لا يعلم مقدارها إلا بالحرز والتخمين من الخبراء وأهل المعرفة الذين يعهد فيهم صحة التقدير ، فقلما يخطئون فيه ، ولو قدر أن ثمة غررا فإنه يكون يسيرا يتسامح فيه عادة لقلته . قال ابن عمر رضي الله عنه : كانوا يتبايعون الطعام جزافا بأعلى السوق ، فنهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى ينقلوه . فالرسول أقرهم على بيع الجزاف ، ونهى عن البيع قبل النقل فقط . قال ابن قدامة : يجوز بيع الصيرة جزافا ، لا نعلم فيه خلافا ، إذا جهل البائع والمشتري قدرها . 6 - السادس : أن يكون المبيع مقبوضا إن كان قد استفاده بمعاوضة وفي هذا تفصيل نذكره فيما يلي : يجوز بيع الميراث والوصية والوديعة وما لم يكن الملك حاصلا فيه بمعاوضة قبل القبض وبعده . وكذلك يجوز لمن اشترى شيئا أن يبيعه أو يهبه أو يتصرف فيه التصرفات المشروعة بعد قبضه . أما إذا لم يكن قبضه فإنه يصح له التصرف فيه بكل نوع من أنواع التصرفات المشروعة ، ما عدا التصرف بالبيع . أما صحة التصرف فيما عدا البيع فلان المشتري ملك المبيع بمجرد العقد ، ومن حقه أن يتصرف في ملكه كما يشاء . قال ابن عمر : مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حبا مجموعا فهو من مال المشتري . رواه البخاري . أما التصرف بالبيع قبل القبض فإنه لا يجوز ، إذ يحتمل أن يكون هلك عند البائع الاول فيكون بيع غرر ، وبيع الغرر غير صحيح سواء أكان عقارا ( 1 ) أم منقولا وسواء أكان مقدرا أم جزافا . لما رواه أحمد والبيهقي وابن حبان بإسناد حسن أن حكيم بن حزام قال : يا رسول الله إني أشتري بيوعا فما يحل لي منها وما يحرم ؟ قال : ( إذا اشتريت شيئا فلا تبعه حتى تقبضه ) . وروى البخاري ومسلم : أن الناس كانوا يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتروا طعاما جزافا أن يبيعوه في مكانه حتى يؤدوه إلى رحالهم .

( هامش ) ( 1 ) مثل الارض والمنازل والحدائق والشجر .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:02 am

ويستثنى من هذه القاعدة جواز بيع أحد النقدين بالاخر قبل القبض . فقد سأل ابن عمر الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، عن بيع الابل بالدنانير وأخذ الدراهم بدلا منها فأذن له . معنى القبض : والقبض في العقار يكون بالتخلية بينه وبين من انتقل ملكه إليه على وجه يتمكن معه من الانتفاع به فيما يقصد منه ، كزرع الارض وسكنى المنزل والاستظلال بالشجر أو جني ثماره ونحو ذلك . والقبض فيما يمكن نقله كالطعام والثياب والحيوان ونحو ذلك يكون على النحو الاتي : أولا : باستيفاء القدر كيلا أو وزنا إن كان مقدرا . ثانيا : بنقله من مكانه إلى كان جزافا . ثالثا : يرجع إلى العرف فيما عدا ذلك . والدليل على أن القبض في المنقول يكون باستيفاء القدر ما رواه البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعثمان بن عفان رضي الله عنه : ( إذا سميت الكيل فكل ) . فهذا دليل على وجوب الاكتيال عند اشتراط التقدير بالكيل . ومثله الوزن لاشتراكهما في أن كلا منهما معيار لتقدير الاشياء ، فوجب أن يكون كل شئ يملك مقدرا يجري القبض فيه باستيفاء قدره سواء أكان طعاما أم كان غير طعام . ودليل وجوب النقل من مكانه من رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال : ( كنا نشتري الطعام من الركبان جزافا ، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه ) . وليس هذا خاصا بالطعام بل يشمل الطعام وغيره كالقطن والكتان وأمثالهما إذا بيعت جزافا ، لانه لا فرق بينهما . أما ما عدا هذا مما لم يرد فيه نص فيرجع فيه إلى عرف الناس وما جرى عليه التعامل بينهم ، وبهذا نكون قد أخذنا بالنص ورجعنا إلى العرف فيما لا نص فيه .

حكمته : وحكمة النهي عن بيع السلع قبل قبضها زيادة على ما تقدم : أن البائع إذا باعها ولم يقبضها المشتري فإنها تبقى في ضمانه ، فإذا هلكت كانت خسارتها عليه دون المشتري . فإذا باعها المشتري في هذه الحال وربح فيها كان رابحا لشئ لم يتحمل فيه تبعة الخسارة ، وفي هذا يروي أصحاب السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ربح ما لم يضمن . وأن المشتري الذي باع ما اشتراه قبل قبضه يماثل من دفع مبلغا من المال إلى آخر ليأخذ في نظيره مبلغا أكثر منه ، إلا أن هذا أراد أن يحتال على تحقيق قصده بإدخال السلعة بين العقدين ، فيكون ذلك أشبه بالربا . وقد فطن إلى هذا ابن عباس ، رضي الله عنهما ، وقد سئل عن سبب النهي عن بيع ما لم يقبض ، فقال : ( ذاك دراهم بدراهم والطعام مرجأ ) .

الاشهاد على عقد البيع أمر الله بالاشهاد على عقد البيع فقال : ( وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد ) ( 1 ) . والامر بالاشهاد للندب والارشاد إلى ما فيه المصلحة والخير . وليس للوجوب كما ذهب إليه البعض ( 2 ) . قال الجصاص في كتاب أحكام القرآن : ( ولا خلاف بين فقهاء الامصار أن الامر بالكتابة

( هامش ) ( 1 ) سورة البقرة آية رقم 282 . ( 2 ) ممن ذهب إلى أن الاشهاد واجب في كل شئ ولو كان شيئا تافها : عطاء ، والنخعي ، ورجحه أبو جعفر الطبري .

والاشهاد والرهن المذكور جميعه في هذه الاية ، ندب وإرشاد إلى ما لنا فيه الحظ والصلاح والاحتياط للدين والدنيا ، وأن شيئا منه غير واجب ) . وقد نقلت الامة خلفا عن سلف عقود المداينات والاشرية والبياعات في أمصارهم من غير إشهاد ، مع علم فقهائهم بذلك من غير نكير منهم عليهم ، ولو كان الاشهاد واجبا لما تركوا النكير على تاركه مع علمهم به . وف ذلك دليل على أنهم رأوه ندبا ، وذلك منقول من عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا . ولو كانت الصحابة والتابعون تشهد على بياعاتها وأشريتها لورد النقل به متواتر مستفيضا ، ولانكرت على فاعله ترك الاشهاد . فلما لم ينقل عنهم الاشهاد بالنقل المستفيض ولا إظهار النكير على تاركه من العامة ، ثبت بذلك أن الكتاب والاشهاد في الديوان والبياعات غير واجبين . اه‍ . البيع على البيع يحرم البيع على البيع لما رواه ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا بيع أحدكم على بيع أخيه ) . رواه أحمد والنسائي . وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يبيع الرجل على بيع أخيه ) . وعند أحمد والنسائي وأبي داود والترمذي وحسنه : أن من باع من رجلين فهو للاول منهما ) . وصورته كما قال النووي : - أن يبيع أحد الناس سلعة من السلع بشرط الخيار للمشتري ، فيجئ آخر يعرض على هذا أن يفسخ العقد ليبيعه مثل ما اشتراه بثمن أقل . وصورة الشراء على شراء الاخر أن يكون الخيار للبائع ، فيعرض عليه بعض الناس فسخ العقد على أن يشتري منه ما باعه بثمن أعلى . وهذا الصنيع في حالة البيع أو الشراء ، صنيع آثم ، منهي عنه . ولكن لو أقدم عليه بعض الناس وباع أو اشترى ينعقد البيع والشراء عند الشافعية وأبي حنيفة وآخرين من الفقهاء . ولا ينعقد عند داود بن علي ، شيخ أهل الظاهر ، وروي عن مالك في ذلك روايتان ) اه‍ . وهذا بخلاف المزايدة في البيع فإنها جائزة ، لان العقد لم يستقر بعد ، وقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم عرض بعض السلع ، وكان يقول : من يزيد . من باع من رجلين فهو للاول منهما من باع شيئا من رجل ثم باعه من آخر لم يكن للبيع الاخر حكم بل هو باطل لانه باع غير ما يملك إذ قد صار في ملك المشتري الاول ، ولا فرق بين أن يكون البيع الثاني وقع في مدة الخيار أو بعد انقضائها لان المبيع قد خرج من ملكه بمجرد البيع . فعن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أيما امرأة زوجها وليان فهي للاول منهما . وأيما رجل باع بيعا من رجلين فهو للاول منهما . زيادة الثمن نظير زيادة الاجل يجوز البيع بثمن حال كما يجوز بثمن مؤجل ، وكما يجوز أن يكون بعضه معجلا وبعضه مؤخرا ، متى كان ثمة تراض بين المتبايعين . وإذا كان الثمن مؤجلا وزاد البائع فيه من أجل التأجيل جاز ، لان للاجل حصة من الثمن . وإلى هذا ذهب الاحناف والشافعية وزيد بن علي والمؤيد بالله وجمهور الفقهاء ، لعموم الادلة القاضية بجوازه . ورجحه الشوكاني . جواز السمسرة قال الامام البخاري : لم ير ابن سيرين وعطاء وإبراهيم والحسن بأجر السمسار بأسا ( 1 ) .

وقال ابن عباس : لا بأس بأن يقول : بع هذا الثوب فما زاد على كذا وكذا فهو لك . وقال ابن سيرين : إذا قال بعه بكذا فما كان من ربح فهو لك أو بيني وبينك فلا بأس به . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المسلمون على شروطهم ) . رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي هريرة . وذكره البخاري تعليقا .

( هامش ) ( 1 ) السمسار : هو الذي يتوسط بين البائع والمشتري لتسهيل عملية البيع .

بيع المكره اشترط جمهور الفقهاء أن يكون العاقد مختارا في بيع متاعه ، فإذا أكره على بيع ماله بغير حق فإن البيع لا ينعقد لقول الله سبحانه : ( إلا أن تكون تجارة ( 2 ) عن تراض منكم ) .

( 2 ) سورة النساء آية رقم 29 . والتجارة كل عقد يقصد به الربح مثل عقد البيع وعقد الاجارة وعقد الهبة بشرط العوض ، لان المبتغى في جميع ذلك في عادات الناس تحصيل الاعواض لا غير ، وعلى هذا فالتجارة أعم من البيع . ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إنما البيع عن تراض ) . وقوله : ( رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه . رواه ابن ماجه ابن حبان والدار قطني والطبراني والبيهقي والحاكم . وقد اختلف في حسنه وضعفه . أما إذا أكره على بيع ماله بحق فإن البيع يقع صحيحا . كما إذا أجبر على بيع الدار لتوسعة الطريق أو المسجد أو المقبرة . أو أجبر على بيع سلعة ليفي ما عليه من دين ( 1 ) أو لنفقة الزوجة أو الابوين . ففي هذه الحالات وأمثالها يصح البيع إقامة لرضا الشرع مقام رضاه . قال عبد الرحمن بن كعب : كان معاذ بن جبل شابا سخيا . وكان لا يمسك شيئا ، فلم يزل يدان حتى أغرق ماله كله في الدين ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه ليكلم غرماءه ، فلو تركوا لاحد لتركوا لمعاذ لاجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله ، حتى قام معاذ بغير شئ .

( هامش ) ( 1 ) من غير تفرقة بين دين ودين ولا بين مال ومال .

بيع المضطر قد يضطر الانسان لبيع ما في يده لدين عليه ، أو لضرورة من الضرورات المعاشية ، فيبيع ما يملكه بأقل من قيمته من أجل الضرورة ، فيكون البيع على هذا النحو جائزا مع الكراهة ولا يفسخ . والذي يشرع في مثل هذه الحال أن يعان المضطر ويقرض حتى يتحرر من الضيق الذي ألم به . وقد روي في ذلك حديث رجل مجهول . فعند أبي داود عن شيخ من بني تميم قال : خطبنا علي بن أبي طالب فقال : ( سيأتي على الناس زمان عضوض ، يعض الموسر على ما في يديه ولم يؤمر بذلك . قال الله تعالى : ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) ( 1 ) ، ويبايع المضطرون ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر ، وبيع الغرر ، وبيع الثمرة قبل أن تدرك )

بيع التلجئة إذا خاف إنسان اعتداء ظالم على ماله فتظاهر ببيعه فرارا من هذا الظالم وعقد عقد البيع مستوفيا شروطه وأركانه فإن هذا العقد لا يصح ، لان العاقدين لم يقصدوا البيع فهما كالهازلين . وقيل : هو عقد صحيح ، لانه استوفى أركانه وشروطه . قال ابن قدامة : بيع التلجئة باطل . وقال أبو حنيفة والشافعي : هو صحيح لان البيع تم بأركانه وشروطه خاليا من مفسد فصح به ، كما لو اتفقا على شرط فاسد ثم عقد البيع بلا شرط ، ولنا أنهما ما قصدا البيع فلم يصح كالهازلين ) اه‍ .

البيع مع استثناء شئ معلوم يجوز أن يبيع المرء سلعة ويستثني منها شيئا معلوما ، كأن يبيع الشجر ويستثني منها واحدة ، أو يبيع أكثر من منزل ويستثني منزلا ، أؤ قطعة من الارض ويستثني منها جزءا معلوما . فعن جابر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة والمزابنة والثنيا ( 1 ) إلا أن تعلم .

( هامش ) ( 1 ) الثنيا : الاستثناء في البيع .

فإن استثنى شيئا مجهولا غير معلوم لم يصح البيع ، لما يتضمنه من الجهالة والغرر . ايفاء الكيل والميزان يأمر الله ، سبحانه ، بإيفاء الكيل والميزان فيقول : ( وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ) ( 1 ) . ويقول : ( وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ، ذلك خير وأحسن تأويلا ) ( 2 ) . وينهى عن التلاعب بالكيل والوزن وتطفيفهما فيقول : ( ويل للمطففين ، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ، ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ، ليوم عظيم ، يوم يقوم الناس لرب العالمين ) ( 3 ) .

ويندب ترجيح الميزان : عن سويد بن قيس قال : جلبت أنا ومخرفة العبدي بزا من هجر فأتينا به مكة ، فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي فساومنا سراويل فبعناه ، وثم رجل يزن بالاجر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( زن وأرجح ) . أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه . وقال الترمذي حسن صحيح . السماحة في البيع والشراء : روى البخاري والترمذي عن جابر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( رحم الله رجلا سمحا ( 1 ) إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى ) ( 2 ) .

( هامش ) ( 1 ) سمحا : سهلا . ( 2 ) اقتضى : طلب حقه . ( . )

بيع الغرر بيع الغرر ( 3 ) هو كل بيع احتوى جهالة أو تضمن مخاطرة أو قمارا ، وقد نهى عنه الشارع ومنع منه ، قال النووي : النهي عن بيع الغرر أصل من أصول الشرع يدخل تحته مسائل كثيرة جدا .

( هامش ) ( 3 ) الغرر : أي الغرور وهو الخداع الذي هو مظنة عدم الرضا به عند تحققه ، فيكون من باب أكل أموال الناس بالباطل .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:03 am

ويستثنى من بيع الغرر أمران : أحدهما : ما يدخل في المبيع تبعا ، بحيث لو أفرد لم يصح بيعه ، كبيع أساس البناء تبعا للبناء واللبن في الضرع تبعا للدابة . والثاني : ما يتسامح بمثله عادة ، إما لحقارته أو للمشقة في تمييزه أو تعيينه ، كدخول الحمام بالاجر مع اختلاف الناس في الزمان ، ومقدار الماء المستعمل ، وكالشرب من الماء المحرز ، وكالجبة المحشوة قطنا . وقد أفاض الشارع في المواضع التي يكون فيها . وإليك بعضها حسب ما كانوا يتعاملون به في الجاهلية . 1 - النهي عن بيع الحصاة : فقد كان أهل الجاهلية يعقدون على الارض التي لا تتعين مساحتها ثم يقذفون الحصاة حتى إذا استقرت كان ما وصلت إليه هو منتهى مساحة البيع . أو يبتاعون الشئ لا يعلم عينه ، ثم يقذفون بالحصاة فما وقعت عليه كان هو المبيع . ويسمى هذا بيع الحصاة . 2 - النهي عن ضربة الغواص : فقد كانوا يبتاعون من الغواص ما قد يعثر عليه من لقطات البحر حين غوصه ، ويلزمون المتبايعين بالعقد فيدفع المشتري الثمن ولو لم يحصل على شئ ، ويدفع البائع ما عثر عليه ولو أبلغ أضعاف ما أخذ من الثمن . ويسمى هذا ضربة الغواص . 3 - بيع النتاج : وهو العقد على نتاج الماشية قبل أن تنتج ، ومنه بيع ما في ضروعها من لبن . 4 - بيع الملامسة : وهو أن يلمس كل منهما ثوب صاحبه أو سلعته فيجب البيع بذلك دون علم بحاله أو تراض عنها . 5 - بيع المنابذة : وهو أن ينبذ كل من المتعاقدين ما معه ، ويجعلان ذلك موجبا للبيع دون تراض منهما . 6 - ومنه بيع المحاقلة : والمحاقلة بيع الزرع بكيل من الطعام معلوم . 7 - ومنه بيع المزابنة : والمزابنة بيع ثمر النخل بأوساق من التمر . 8 - ومنع بيع المخاضرة : والمخاضرة بيع الثمرة الخضراء قبل بدو صلاحها . / صفحة 82 / 9 - ومنه بيع الصوف في الظهر 10 - ومنه بيع السمن في اللبن . 11 - ومنع بيع حبل الحبلة : ففي الصحيحين : كان أهل الجاهلية يتبايعون لحوم الجزور إلى حبل الحبلة ، وحبل الحبلة : أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم تحمل التي نتجت ، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك . فهذه البيوع وأمثالها نهى عنها الشارع لما فيها من غرور وجهالة بالمعقود عليه . حرمة شراء المغصوب والمسروق يحرم على المسلم أن يشتري شيئا وهو يعلم أنه أخذ من صاحبه بغير حق ، لان أخذه بغير حق ينقل الملكية من يد مالكه ، فيكون شراؤه له شراء ممن لا يملك ، مع ما فيه من التعاون على الاثم والعدوان . روى البيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من اشتري سرقة وهو يعلم أنها سرقة فقد اشترك في إثمها وعارها ) .

بيع العنب لمن يتخذه خمرا وبيع السلاح في الفتنة لا يجوز بيع العنب لمن يتخذه خمرا ، ولا السلاح في الفتنة ولا لاهل الحرب ، ولا ما يقصد به الحرام . وإذا وقع العقد فإنه يقع باطلا ( 1 ) : لان المقصود من العقد هو انتفاع كل واحد من المتبايعين بالبدل ، فينتفع البائع بالثمن وينتفع المشتري بالسلعة . وهنا لا يحصل المقصود من الانتفاع لما يترتب عليه من ارتكاب المحظور ، ولما فيه من التعاون على الاثم والعدوان المنهي عنهما شرعا ، قال الله تعالى : ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ) ( 2 ) . عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من حبس العنب أبام القطاف حتى يبيعه ممن يتخذه خمرا ، فقد تقحم النار على بصيرة ) . وعن عمر بن الحصين قال :

( هامش ) ( 1 ) يرى أبو حنيفة والشافعي صحة العقد لتحقق ركنه وتوفر شروطه ، لان الغرض غير المباح أمر مستتر ويترك فيه الامر لله يعاقب عليه . ( 2 ) سورة المائدة آية رقم 2

( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع السلاح في الفتنة ) أخرجه البيهقي . قال ابن قدامة : ( إن بيع العصير لمن يعتقد أن يتخذه خمرا محرم ، إذا ثبت هذا فإنما يحرم البيع ويبطل إذا علم قصد المشتري بذلك ، إما بقوله وإما بقرائن مختصة به . فإن كان محتملا مثل أن يشتريها من لا يعلم حاله ، أو من يعمل الخمر والخل معا ، ولم يلفظ بما يدل على إرادة الخمر فالبيع جائز . وهذا الحكم في كل ما يقصد به الحرام ، كبيع السلاح لاهل الحرب ، أو لقطاع الطريق أو في الفتنة . . . أو إجارة داره لبيع الخمر فيها وأشباه ذلك . فهذا حرام ، والعقد باطل . اه‍ . بيع ما اختلط بمحرم إذا اشتملت الصفقة على مباح ومحرم . فقيل : يصح العقد في المباح ، ويبطل في المحظور . وهو أظهر القولين للشافعي ، ومذهب مالك . وقيل : يبطل العقد فيهما .

النهي عن كثرة الحلف



1 - نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كثرة الحلف فقال : ( الحلف منفقة للسلعة ( 1 ) ، ممحقة للبركة ) . رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة . لما يترتب على ذلك من قلة التعظيم لله ، وقد يكون سببا من أسباب التغرير . 2 - وعند مسلم : ( إياكم وكثرة الحلف في البيع ، فإنه ينفق ( 2 ) ثم يمحق ) . 3 - وقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( إن التجارهم الفجار ، فقيل : يا رسول الله ، أليس قد أحل الله البيع ؟ قال : نعم ، ولكنهم يحلفون فيأثمون ، ويحدثون فيكذبون ) . رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح . 4 - عن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

( هامش ) ( 1 ) السلعة : المبيع . ينفق : يروج وزنا ومعنى .

( من حلف على مال امرئ مسلم بغير حقه لقي الله وهو عليه غضبان ) . قال : ثم قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مصداقه من كتاب الله عزوجل : ( إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لاخلاق لهم في الاخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) ( 1 ) . متفق عليه . 5 - روى البخاري أن اعرابيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، ما الكبائر ؟ قال : الاشراك بالله . قال : ثم ماذا ؟ قال : اليمين الغموس ، قال : وما اليمين الغموس ؟ قال : الذ يقتطع مال امرئ مسلم ، يعني بيمين هو فيها كاذب . وسميت غموسا لانها تغمس صاحبها في نار جهنم ، ولا كفارة لها عند بعض الفقهاء ، لانها لشدة فحشها وكبر إثمها لا يمكن تداركها بالكفارة . 6 - وعن أبي أمامة إياس بن ثعلبة الحارثي ، رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة . فقال له رجل : وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله ؟ قال : وإن كان قضيبا من أراك ) . رواه مسلم . البيع والشراء في المسجد أجاز أبو حنيفة البيع في المسجد ، وكره إحضار السلع وقت البيع في المسجد تنزيها له . وأجاز مالك والشافعي مع الكراهة . ومنع صحة جوازه أحمد وحرمه . يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا : لا أربح الله تجارتك ) .

البيع عند أذان الجمعة البيع عند ضيق وقت المكتوبة وعند أذان الجمعة حرام ، ولا يصح عند أحمد ( 1 ) لقول الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم

( هامش ) ( 1 ) وجوزه غيره مع الكراهة .

إن كنتم تعلمون ) ( 1 ) . والنهي يقتضي الفساد بالنسبة للجمعة ، ويقاس عليها غيرها من سائر الصلوات

جواز التولية والمرابحة والوضيعة : تجوز التولية والمرابحة والوضيعة . ويشترط أن يعرف كل من البائع والمشتري الثمن الذي اشتريت به السلعة . والتولية ، هي البيع برأس المال دون زيادة أو نقص . والمرابحة ، هي البيع بالثمن الذي اشتريت به السلعة مع ربح معلوم . والوضيعة ، هي البيع بأقل من الثمن الاول .

بيع المصحف وشراؤه : اتفق الفقهاء على جواز شراء المصحف واختلفوا في بيعه . فأباحه الائمة الثلاثة ، وحرمته الحنابلة ، وقال أحمد : لا أعلم في بيع المصاحف رخصة . بيع بيوت مكة وإجارتها : أجاز كثير من الفقهاء ، منهم الاوزاعي والثوري ومالك والشافعي . وقول لابي حنيفة .

بيع الماء : مياه البحار والانهار وما يشابهها مباحة للناس جميعا لا يختص بها أحد دون أحد ، ولا يجوز بيعها ما دامت في مقارها . وفي الحديث : يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم : ( الناس شركاء في الماء والكلا والنار ) فإذا أحرزها إنسان أو حفر بئرا في ملكه أو وضع آلة يستخرج بها الماء أصبحت ملكا له ويجوز له حينئذ بيع الماء ، ويكون في هذه الحال مثل الحطب المباح أخذه ، الذي يحل بيعه بعد إحرازه . وفي الحديث يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لئن يحتطب أحدكم حزمة من حطب فيبيعها خير له من أن يسأل الناس ، أعطوه أو منعوه ) . وثبت أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قدم المدينة وفيها بئر تسمى بئر رومة ، يملكها يهودي ويبيع الماء منها للناس ، فأقره على بيعه وأقر المسلمين على شرائهم منه ، واستمر الامر على هذا حتى اشتراها عثمان رضي الله عنه وحبسها على المسلمين . وبيع الماء يجري حسب ما يجري عليه العرف ، إلا إذا كان هناك مثل العداد فإنه يحتسب به القدر المبيع .

بيع الوفاء : بيع الوفاء هو أن يبيع المحتاج إلى النقد عقارا على أنه متى وفى الثمن استرد العقار . . . وحكمه حكم الرهن في أرجح الاقوال عندنا .

بيع الاستصناع : والاستصناع هو شراء ما يصنع وفقا للطلب ، وهو معروف قبل الاسلام . وقد أجمعت الامة على مشروعيته . وركنه الايجاب والقبول . وهو جائز في كل ما جرى التعامل باستصناعه . وحكمه : إفادة الملك في الثمن والمبيع .

وشروط صحته : بيان جنس المستصنع ونوعه وصفته وقدره بيانا تنتفي معه الجهالة ويرتفع النزاع . والمشتري عند رؤية المبيع مخير بين أن يأخذه بكل الثمن وبين أن يفسخ العقد بخيار الرؤية ، سواء وجده على الحالة التي وصفها أم لا ، عند أبي حنيفة ومحمد رضي الله عنهما . وقال أبو يوسف : إن وجده على ما وصف فلا خيار له دفعا للضرر عن الصانع ، إذ قد لا يشتري غيره المصنوع بما يشتريه به هو .

بيع الثمار والزروع بيع الثمار قبل بدو الصلاح وبيع الزرع قبل اشتداد الحب لا يصح ، مخافة التلف وحدوث العاهة قبل أخذها . 1 - روى البخاري ومسلم عن ابن عمر : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ( نهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها : نهى البائع والمبتاع ) . 2 - وروى مسلم عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن بيع النخل حتى يزهو ، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة . نهى البائع والمشتري ) . 3 - وروى البخاري عن أنس : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ( أرأيت إن منع الله الثمرة ، بم يأخذ أحدكم مال أخيه ؟ ) . فإن بيعت الثمار قبل بدو الصلاح ، والزروع قبل اشتداد الحب بشرط القطع في الحال ، صح إن كان يمكن الانتفاع بها ولم تكن مشاعة ، لانه لا خوف في هذه الحال من التلف ولا خوف من حدوث العاهة . فإن بيعت بشرط القطع ثم تركها المشتري حتى بدا صلاحها ، قيل إن البيع يبطل ، وقيل لا يبطل ويشتركان في الزيادة . بيعها لمالك الاصل أو لمالك الارض : هذا هو الحكم بالنسبة لغير مالك الاصل ولغير مالك الارض ، فإن بيعت الثمار قبل بدو صلاحها لمالك الاصل صح البيع ، كما لو بيعت الثمرة قبل بدو الصلاح مع الاصل . وكذلك يصح بيع الزروع قبل بدو الصلاح لمالك الارض ، لحصول التسليم بالنسبة للمشتري على وجه الكمال . بم يعرف الصلاح ؟ : ويعرف صلاح البلح بالاحمرار والاصفرار . أخرج البخاري ومسلم عن أنس أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، : ( نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو ) . قيل لانس : وما زهوها ؟ قال : تحمار وتصفار . ويعرف صلاح العنب بظهور الماء الحلو واللين والاصفرار ( 1 ) .

( هامش ) ( 1 ) وما ورد من النهي عن بيع العنب حتى يسود فإنه بالنسبة للعنب الاسود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:04 am

ويعرف صلاح سائر الفواكه بطيب الاكل وظهور النضج . روى البخاري ومسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن بيع الثمرة حتى تطيب ) . ويعرف صلاح الحبوب والزروع بالاشتداد ( 1 ) .

( هامش ) ( 1 ) وعند الاحناف أن بدو الصلاح يكون بأن تؤمن العاهة والفساد ، أي أن المعتبر ظهور الثمرة .

بيع الثمار التي تظهر بالتدريج : إذا بدأ صلاح بعض الثمر أو الزرع جاز بيعه جميعا صفقة واحدة ، ما بدا صلاحه وما لم يبد منه ، متى كان العقد واردا على بطن واحدة . وكذلك يجوز البيع إذا كان العقد على أكثر من بطن وأريد بيعه بعد ظهور الصلاح في البطن الاول . ويتصور هذا في حالة ما إذا كان الشجر مما ينتج بطونا متعددة كالموز من الفواكه ، والقثاء من الخضروات ، والورد من الازهار ، ونحو ذلك مما تتلاحق بطونها ، وإلى هذا ذهب فقهاء المالكية وبعض فقهاء الحنفية والحنابلة ، واستدلوا على هذا بما يأتي : 1 - أنه ثبت عن الشارع جواز بيع الثمر إذا بدا صلاح بعضه فيكون ما لم يبد صلاحه تابعا لما بدا منه ، فكذلك ما هنا : يقع العقد فيه على الموجود ويكون المعدوم تبعا له ( 1 ) . 2 - أن عدم جواز هذا البيع يؤدي إلى محظورين : ( أ ) وقوع التنازع . ( ب ) وتعطيل الاموال . أما وقوع التنازع ، فإن العقد كثيرا ما يقع على المزاع الواسعة ، ولا يتمكن المشتري من قبض البطن الاول من ثمارها إلا في وقت قد يطول ويتسع لظهور شئ من البطن الثاني ، ولا يمكن تميزه من البطن الاول ، فيقع النزاع بين المتعاقدين ويأكل أحدهما مال الاخر . أما المحظور الثاني ، فإن البائع قلما يتيسر له في كل وقت من يشتري منه ما يظهر من ثمره أولا فأول ، فيؤدي ذلك إلى ضياع ماله . وإذا كان ذلك كذلك فإنه يجوز البيع في هذه الصورة ، والقول بعدم الجواز يوقع في الحرج والمشقة ، وهما مرفوعان بقوله تعالى ( 2 ) :

( هامش ) ( 1 ) هذا إذا اشترى جميع الثمار ، أما إذا اشترى بعضها فلكل شجرة حكم بنفسها .

( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) ( 1 ) . وقد رجح ابن عابدين هذا القول ، وأخذت به مجلة الاحكام الشرعية .

( هامش ) ( 1 ) يرى جمهور الفقهاء عدم جواز العقد في هذه الصورة وقالوا : يجب أن يباع كل بطن على حدة .

بيع الحنطة في سنبلها : يجوز بيع الحنطة في سنبلها والباقلاء في قشره والارز والسمسم والجوز واللوز ، لانه حب منتفع به ، فيجوز بيعه في سنبله كالشعير ، والنبي ، صلى الله عليه وسلم ، نهى عن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة ، ولان الضرورة تدعو إليه فيغتفر ما فيه من غ رر ، وهذا مذهب الاحناف والمالكية . وضع الجوائح الجوائح جمع جائحة ، وهي الافة التي تصيب الزروع أو الثمار فتهلكها دون أن يكون لادمي صنع فيها ، مثل القحط والبرد والعطش . وللجوائح حكم يختص بها . فإذا بيعت الثمرة بعد ظهور صلاحها وسلمها البائع للمشتري بالتخلية ثم تلفت بالجائحة قبل أوان الجذاذ ، فهي من ضمان البائع وليس على المشتري أن يدفع ثمنها ، لان الرسول صلى الله عليه وسلم ( أمر بوضع الجوائح ) . رواه مسلم عن جابر . وفي لفظ قال : ( إن بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ من ثمنه شيئا ، بم تأخذ مال أخيك بغير حق ؟ ) . وهذا الحكم في حالة ما إذا لم يبعها البائع مع أصلها أو لم يبعها لمالك أصلها أو يؤخر المشتري أخذها عن عادته ، ففي هذه الحالات تكون من ضمان المشتري . فإن لم يكن التلف بسبب الجائحة بل كان من عمل الادمي ، فللمشتري الخيار بين الفسخ والرجوع بالثمن على البائع وبين الامساك ومطالبة المتلف بالقيمة . وقد ذهب إلى هذا أحمد بن حنبل وأبو عبيد وجماعة من أصحاب الحديث . ورجحه ابن القيم قال في تهذيب سنن أبي داود : وذهب جمهور العلماء إلى أن الامر بوضع الجوائح أمر ندب واستحباب ، عن طريق المعروف والاحسان ، لا على سبيل الوجوب والالزام . وقال مالك بوضع الثلث فصاعدا ، ولا يوضع فيما هو أقل من الثلث . قال أصحابه : ومعنى هذا الكلام أن الجائحة إذا كانت دون الثلث كان من مال المشتري ، وما كان أكثر من الثلث فهو من مال البائع . واستدل من تأول الحديث على معنى الندب والاستحباب دون الايجاب : بأنه أمر حدث بعد استقرار ملك المشتري عليها ، فلو أراد أن يبيعها أو يهبها لصح ذلك منه فيها . وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن ربح ما لم يضمن . فإذا صح بيعها ثبت أنها من ضمانه . وقد نهى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها . فلو كانت الجائحة بعد بدو الصلاح من مال البائع لم يكن لهذا النهي فائة . اه‍

الشروط في البيع الشروط في البيع قسمان : القسم الاول : صحيح لازم . القسم الثاني : مبطل للعقد . فالاول : ما وافق مقتضى العقد ، وهو ثلاثة أنواع : 1 - شرط يقتضيه البيع ، كشرط التقابض وحلول الثمن . 2 - شرط ما كان من مصلحة العقد ، مثل شرط تأجيل الثمن ، أو تأجيل بعضه ، أو شرط صفة معينة في المبيع ، كأن تكون الدابة لبونا أو حاملا ، وكأن يكون البازي صيودا فإذا وجد الشرط لزم البيع . وإن لم يوجد الشرط كان للمشتري فسخ العقد لفوات الشرط . يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه : ( المسلمون على شروطهم ) . وكان له أيضا أن ينقص من قيمة السلعة بقدر فقد الصفة المشروطة . 3 - شرط ما فيه نفع معلوم للبائع أو المشتري ، كما لو باع دارا واشترى منفعتها مدة معلومة كأن يسكنها شهرا أو شهرين . وكذلك لو باع دابة واشترط أن تحمله إلى موضع معين . لما رواه البخاري ومسلم ، أن جابرا باع النبي ، صلى الله عليه وسلم ، جملا ، واشترط ظهره إلى المدينة . متفق عليه . وكذلك يصح أن يشترط المشتري على البائع نفعا معلو ما ، كحمل ما باعه إلى موضع معلوم ( 1 ) أو تكسيره

( هامش ) ( 1 ) فإن لم يكن معلوما لم يصح الشرط : فلو شرط الحمل إلى منزله ، والبائع لا يعرفه لم يصح الشرط .

أو خياطته أؤ تفصيله . وقد اشترى محمد بن مسلمة حزمة حطب من نبطي وشارطه على حملها ، واشتهر ذلك فلم ينكر . وهذا مذهب أحمد والاوزاعي وأبي ثور وإسحاق وابن المنذر . وذهب الشافعي والاحناف إلى عدم صحة هذا البيع ، لان النبي ، صلى الله عليه وسلم ، نهى عن بيع وشرط . ولكن هذا النهي لم يصح . وإنما نهى عن شرطين في بيع . القسم الثاني من الشروط : الشرط الفاسد ، وهو أنواع : 1 - ما يبطل العقد من أصله ، كأن يشترط على صاحبه قدا آخر ، مثل قول البائع للمشتري : أبيعك هذا على أن تبيعني كذا أو تقرضني . ودليل ذلك قول الرسول ، صلى الله عليه وسلم : " لا يحل سلف وبيع ، ولا شرطان في بيع " . رواه الترمذي وصححه . قال أحمد : وكذلك كل ما في معنى ذلك ، مثل أن يقول : بعتك على أن تزوجني ابنتك أو على أن أزوجك ابنتي ، فهذا كله لا يصح ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وجمهور الفقهاء . وجوزه مالك وجعل العوض المذكور في الشرط فاسدا ، قال : ولا ألتفت الى اللفظ الفاسد إذا كان معلوما حلالا . 2 - ما يصح معه البيع ويبطل الشرط ، وهو الشرط المنافي لمقتضى العقد ، مثل اشتراط البائع على المشتري ألا يبيع المبيع أو لا يهبه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط " . متفق عليه . وإلى هذا ذهب أحمد والحسن والشعبي والنخعي وابن أبي ليلى وأبو ثور . وقال أبو حنيفة والشافعي : البيع فاسد . 3 - ما لا ينعقد معه بيع ، مثل : بعتك إن رضي فلان ، أو إن جئتني بكذا . وكذلك كل بيع علق على شرط مستقبل . بيع العربون صفة بيع العربون أن يشتري شيئا ويدفع جزءا من ثمنه إلى البائع . فإن نفذ البيع احتسب من الثمن ، وإن لم ينفذ أخذه البائع على أنه هبة له من المشتري . وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم صحة هذا البيع ، لما رواه ابن ماجه أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، نهى عن بيع العربون . وضعف الامام أحمد هذا الحديث ، وأجاز بيع العربون لما رواه عن نافع بن عبد الحارث أنه اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم ، فإن رضي عمر كان البيع نافذا ، وإن لم يرض فلصفوان أربعمائة درهم . وقال ابن سيرين وابن المسيب : لا بأس إذا كره السلعة أن يردها ويرد معها شيئا ، وأجازه أيضا ابن عمر . البيع بشرط البراءة من العيوب ومن باع شيئا بشرط البراءة من كل عيب مجهول ، لم يبرأ البائع - ومتى وجد المشتري عيبا بالمبيع فله الخيار لانه إنما يثبت بعد البيع ، فلا يسقط قبله . فإن سمي العيب أو أبرأه المشتري بعد العقد برئ . وقد ثبت أن عبد الله بن عمر باع زيد بن ثابت عبدا بشرط البراءة بثمانمائة درهم ، فأصاب به زيد عيبا ، فأراد رده على ابن عمر ، فلم يقبله ، فترافعا إلى عثمان فقال عثمان لابن عمر : تحلف أنك لم تعلم بهذا العيب . فقال : لا . فرده عليه ، فباعه ابن عمر بألف درهم . ذكره الامام أحمد وغيره . قال ابن القيم : وهذا اتفاق منهم على صحة البيع وجواز شرط البراءة ، واتفاق من عثمان وزيد على أن البائع إذا علم بالعيب لم ينفعه شرط البراءة .

الاختلاف بين البائع والمشتري إذا اختلف البائع والمشتري في الثمن وليس بينهما بينة فالقول قول البائع مع يمينه ، والمشتري مخير بين أن يأخذ السلعة بالثمن الذي قال به البائع وبين أن يحلف بأنه ما اشتراها بثمن أقل . فإن حلف برئ منها ، وردت السلعة على البائع ، وسواء أكانت السلعة قائمة أم تالفة . وأصل ذلك ما رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن قيس ابن الاشعث عن أبيه عن جده قال : اشترى الاشعث رقيقا من رقيق الخمس من عبد الله بعشرين ألفا ، فأرسل عبد الله إليه في ثمنهم . فقال : إنما أخذتهم بعشرة آلاف . فقال عبد الله : فاختر رجلا يكون بيني وبينك . قال الاشعث : أنت بيني وبين نفسك . قال عبد الله : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا اختلف البيعان ليس بينهما بينة فهو ما يقول رب السلعة أو يتتاركان " ( 1 ) . وقد تلقى العلماء هذا الحديث بالقبول . وقال بعمومه الامام الشافعي ، وأن البائع والمشتري كما يتحالفان إذا اختلفا في الثمن فإنهما يتحالفان إذا اختلفا في الاجل أو في خيار الشرط أو في الرهن أو في الضمين . حكم البيع الفاسد : البيع الصحيح ما وافق أمر الشارع باستيفاء أركانه وشروطه ، فحل به ملك المبيع والثمن والانتفاع بهما . فإذا خالف أمر الشارع لم يكن صحيحا بل يقع فاسدا باطلا . فالبيع الفاسد هو البيع الذي لم يشرعه الاسلام ، وهو لهذا ينعقد ولا يفيد حكما شرعيا ولا يترتب عليه الملك ولو قبض المشتري المبيع ، لان المحظور لا يكون طريقا إلى الملك . قال القرطبي : " كل ما كان من حرام بين ففسخ فعلى المبتاع رد السلعة بعينها ، فإن تلفت بيده رد القيمة فيما له قيمة ، وذلك كالعقار والعروض والحيوان ، والمثل فيما له مثل من موزون أو مكيل من طعام أو عرض ) .

( هامش ) ( 1 ) يفسخان العقد .

الربح في البيع الفاسد : ذهب الاحناف إلى أن المبيع بيعا فاسدا إذا قبض البائع الثمن وتصرفه فيه فربح فعليه فسخ البيع ورد الثمن للمشتري والتصدق بالربح لحصوله له من وجه منهي عنه ومحظور عليه بنص الكتاب .

التسعير معناه : التسعير معناه وضع ثمن محدد للسلع التي يراد بيعها بحيث لا يظلم المالك ولا يرهق المشتري .

النهي عنه : روى أصحاب السنن بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه قال : قال الناس : يا رسول الله ، غلا السعر فسعر لنا ، فقال رسول الله : " إن الله هو المسعر ، القابض الباسط الرازق . وإني لازجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني مظلمة في دم ولا مال . وقد استنبط العلماء من هذا الحديث حرمة تدخل الحاكم في تحديد سعر السلع لان ذلك مظنة الظلم ، والناس أحرار في التصرفات المالية ، والحجر عليهم مناف لهذه الحرية . ومراعاة مصلحة المشتري ليست أولى من مراعاة مصلحة البائع . فإذا تقابل الامران وجب تمكين الطرفين من الاجتهاد في مصلحتهما . قال الشوكاني : " إن الناس مسلطون على أموالهم والتسعير حجر عليهم والامام مأمور برعاية مصلحة المسلمين ، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن ، وإذا تقابل الامران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لانفسهم . وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقول الله تعالى : ( إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) ( 1 ) . اه‍ . ثم إن التسعير يؤدي إلى اختفاء السلع ، وذلك يؤدي إلى ارتفاع الاسعار ، وارتفاع الاسعار يضر بالفقراء ، فلا يستطيعون شراءها ، بينما يقوى الاغنياء على شرائها من السوق الخفية بغبن فاحش ، فيقع كل منهما في الضيق والحرج ولا تتحقق لهما مصلحة .

الترخيص فيه عند الحاجة إليه : على أن التجار إذ ظلموا وتعدوا تعديا فاحشا يضر بالسوق وجب على الحاكم أن يتدخل ويحدد السعر صيانة لحقوق الناس ، ومنعا للاحتكار ، ودفعا للظلم الواقع عليهم من جشع التجار . ولذلك يرى الامام مالك جواز التسعير ، كما يرى بعض الشافعية جوازه أيضا في حالة الغلاء . كما ذهب إلى إجازته أيضا في السلع جماعة من أئمة الزيدية ومنهم : سعيد بن المسيب ، وربيعة بن عبد الرحمن ، ويحيى بن سعد الانصاري ، كلهم يرون جواز التسعير إذا دعت مصلحة الجماعة لذلك . . . قال صاحب الهداية : ( ولا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس ، فإن كان أرباب الطعام يتحكمون ويتعدون في القيمة تعديا فاحشا ، وعجز القاضي عن صيانة حقوق
المسلمين إلا بالتسعير ، فحينئذ لا بأس به بمشورة من أهل الرأي والبصر ) .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:05 am

الاحتكار تعريفه : الاحتكار هو شراء الشئ وحبسه ليقل بين الناس فيغلو سعره ( 1 ) ويصيبهم بسبب ذلك الضرر .

حكمه : والاحتكار حرمه الشارع ونهى عنه لما فيه من الجشع والطمع وسوء الخلق والتضييق على الناس . 1 - روى أبو داود والترمذي ومسلم عن معمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من احتكر فهو خاطئ ) . 2 - وروى أحمد والحاكم وابن أبي شيبة والبزار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه " . 3 - وذكر رزين في جامعه أنه صلى الله عليه وسلم قال : " بئس العبد المحتكر : إن سمع برخص ساءه ، وإن سمع بغلاء فرح " . 4 - وروى ابن ماجة والحاكم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

( هامش ) ( 1 ) بعض العلماء ضيق المواد التي يكون فيهها الاحتكار : فيرى الشافعي وأحمد أن الاحتكار لا يكون إلا في طعام لانه قوت الناس ، ومنهم من وسعها . فيرى أن الاحتكار في أي شئ حرام لضرره حيث لا يكون الثمن متعادلا مع السلعة المحتكرة ، ويرى بعضهم أنه إذا احتكر زرعه أو صنعة يده فلا بأس .

الجالب مرزوق ، والمحتكر ملعون " . والجالب هو الذي يجلب السلع ويبيعها بربح يسير . 5 - وروى أحمد والطبراني عن معقل بن يسار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من دخل في شئ من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقا على الله تبارك وتعالى أن يقعده " بعظم من النار يوم القيامة " .

متى يحرم الاحتكار : ذهب كثير من الفقهاء إلى أن الاحتكار المحرم هو الاحتكار الذي توفر فيه شروط ثلاثة : 1 - أن يكون الشئ المحتكر فاضلا عن حاجته وحاجة من يعولهم سنة كاملة ، لانه يجوز أن يدخر الانسان نفقته ونفقة أهله هذه المدة ، كما كان يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم . 2 - أن يكون قد انتظر الوقت الذي تغلو فيه السلع ليبيع بالثمن الفاحش لشدة الحاجة إليه . 3 - أن يكون الاحتكار في الوقت الذي يحتاج الناس فيه إلى المواد المحتكرة من الطعام والثياب ونحوها . فلو كانت هذه المواد لدى عدد من التجار - ولكن لا يحتاج الناس إليها - فإن ذلك لا يعد احتكارا ، حيث لا ضرر يقع بالناس .

الخيار هو طلب خير الامرين من الامضاء أو الالغاء ، وهو أقسام نذكرها فيما يلي : خيار المجلس إذا حصل الايجاب والقبول من البائع والمشتري وتم العقد فلكل واحد منهما حق إبقاء العقد أو إلغائه ماداما في المجلس ( أي محل العقد ) ، ما لم يتبايعا على أنه لا خيار . فقد يحدث أن يتسرع أحد المتعاقدين في الايجاب أو القبول ، ثم يبدو له أن مصلحته تقتضي عدم إنفاذ العقد ، فجعل له الشارع هذا الحق لتدارك ما عسى أن يكون قد فاته بالتسرع . روى البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما ، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما " . أي أن لكل من المتبايعين حق إمضاء العقد أو إلغائه ماداما لم يتفرقا بالابدان ، والتفرق يقدر في كل حالة بحسبها ، ففي المنزل الصغير بخروج أحدهما ، وفي الكبير بالتحول من مجلسه إلى آخر بخطوتين أو ثلاث ، فإن قاما معا أو ذهبا معا فالخيار باق . والراجح أن التفرق موكول إلى العرف ، فما اعتبر في العرف تفرقا حكم به وما لا فلا . روى البيهقي عن عبد الله ابن عمر قال : بعت من أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه مالا بالوادي بمال له بخيبر ، فلما تبايعنا رجعت على عقبي حتى خرجت من بيته خشية أن يردني البيع ، وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا . وإلى هذا ذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين . وأخذ به الشافعي وأحمد من الائمة وقالا : إن خيار المجلس ثابت في البيع والصلح والحوالة والاجارة وفي كل عقود المعاوضات اللازمة التي يقصد منها المال ( 1 ) . أما العقود اللازمة التي لا يقصد منها العوض مثل عقد

( هامش ) ( 1 ) خالف ذلك أبو حنيفة ومالك وقالا : إن خيار المجلس باطل . والعقد بالقول كاف لازم ، وإذا وجب البيع فليس لاحدهما الخيار وإن كانا في المجلس . وحملا التفرق في الحديث على التفرق في الاقوال .

الزواج والخلع فإنه لا يثبت فيها خيار المجلس . وكذلك العقود غير اللازمة كالمضاربة والشركة والوكالة . متى يسقط : ويسقط خيار الشرط بإسقاطهما له بعد العقد وإن أسقطه أحدهما بقي خيار الاخر . وينقطع بموت أحدهما .

خيار الشرط خيار الشرط هو أن يشتري أحد المتبايعين شيئا على أن له الخيار مدة معلومة وإن طالت ( 1 ) إن شاء أنفذ البيع في هذه المدة وإن شاء ألغاه ، ويجوز هذا الشرط للمتعاقدين معا ولاحدهما إذا اشترطه .

والاصل في مشروعيته : 1 - ما جاء عن ابن عمر أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا إلا بيع الخيار " . أي لا يلزم البيع بينهما حتى يتفرقا ، إلا إذا اشترط أحدهما أو كلاهما شرط الخيار مدة معلومة .

( هامش ) ( 1 ) هذا مذهب أحمد : وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن مدة الخيار ثلاثة أيام فما دونها . وقال مالك : المدة مقدرة بقدر الحاجة .

2 - وعنه أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا ، أو يخبر أحدهما الاخر فيتبايعا على ذلك فقد وجب البيع " . رواه الثلاثة . ومتى انقضت المدة المعلومة ولم يفسخ العقد لزم البيع . ويسقط الخيار بالقول كما يسقط بتصرف المشتري في السلعة التي اشتراها بوقف أو هبة أو سوم لان ذلك دليل رضاه . ومتى كان الخيار له فقد نفذ تصرفه .

خيار العيب حرمه كتمان العيب عند البيع : يحرم على الانسان أن يبيع سلعة بها عيب دون بيانه للمشتري . 1 - فعن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : " المسلم أخو المسلم ، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا وفيه عيب إلا بينه " . رواه أحمد وابن ماجه والدار قطني والحاكم والطبراني . 2 - وقال العداء بن خالد : كتب لي النبي ، صلى الله عليه وسلم ، : هذا ما اشتراه العداء بن خالد بن هوذه من محمد رسول الله اشترى منه عبدا أو أمة ، لا داء ، ولا غائلة ، ولا خبثة ، بيع المسلم من المسلم " . 3 - ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " من غشنا فليس منا " .

حكم البيع مع وجود العيب : ومتى تم العقد وقد كان المشتري عالما بالعيب فإن العقد يكون لازما ولا خيار له لانه رضي به . أما إذا لم يكن المشتري عالما به ثم علمه بعد العقد فإن العقد يقع صحيحا ، ولكن لا يكون لازما ، وله الخيار بين أن يرد المبيع ويأخذ الثمن الذي دفعه إلى البائع وبين أن يمسكه ويأخذ من البائع من الثمن بقدر ما يقابل النقص الحاصل بسبب العيب ، إلا إذا رضي به أو وجد منه ما يدل على رضاه ، كأن يعرض ما اشتراه للبيع أو يستغله أو يتصرف فيه . قال ابن المنذر : إن الحسن وشريحا وعبد الله بن الحسن وابن أبي ليلى والثوري وأصحاب الرأي يقولون : " إذا اشترى سعلة فعرضها للبيع بعد علمه بالعيب بطل خياره " . وهذا قول الشافعي . الاختلاف بين المتبايعين : إذا اختلف المتبايعان فيمن حدث عنده العيب مع الاحتمال ولا بينة لاحدهما فالقول قول البائع مع يمينه ، وقد قضى به عثمان .وقيل : القول قول المشتري مع يمينه ويرده على البائع . شراء البيض الفاسد : من اشترى بيض الدجاج فكسره فوجده فاسدا رجع بكل الثمن على البائع إذا شاء ، لان العقد في هذه الحال يكون فاسدا لعدم مالية المبيع ، وليس عليه أن يرده إلى البائع لعدم الفائدة فيه . الخراج بالضمان : وإذا انفسخ العقد وقد كان للمبيع فائدة حدثت في المدة التي بقي فيها عند المشتري فإن هذه الفائدة يستحقها . فعن عائشة ، رضي الله عنها ، أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " الخراج بالضمان " . رواه أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي . أي أن المنفعة التي تأتي من المبيع تكون من حق المشتري بسبب ضمانه له لو تلف عنده . فلو اشترى بهيمة واستغلها أياما ثم ظهر بها عيب سابق على البيع بقول أهل الخبرة فله حق الفسخ ، وله الحق في هذا الاستغلال دون أن يرجع عليه البائع بشئ . وجاء في بعض الروايات : أن رجلا ابتاع غلاما فاستغله ثم وجد به عيبا فرده بالعيب . فقال البائع : غلة عبدي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " الغلة بالضمان " . رواه أبو داود وقال فيه : هذا إسناد ليس بذاك .

خيار التدليس في البيع : إذا دلس البائع على المشتري ما يزيد به الثمن حرم عليه ذلك . وللمشتري خيار الرد ثلاثة أيام ، وقيل إن الخيار يثبت له على الفور . أما الحرمة فللغش والتغرير ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : " من غشنا فليس منا " . وأما ثبوت خيار الرد فلقوله صلوات الله وسلامه عليه فيما رواه عنه أبو هريرة : " لا تصروا الابل والغنم ( 1 ) فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها ، إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعا من تمر " ( 2 ) رواه البخاري ومسلم . قال ابن عبد البر : هذا الحديث أصل في النهي عن الغش وأصل في أنه ( أي التدليس ) لا يفسد أصل البيع ، وأصل في أن مدة الخيار ثلاثة أيام ، وأصل في تحريم التصرية وثبوت الخيار بها . فإذا كان التدليس من البائع بدون قصد انتفت الحرمة مع ثبوت الخيار للمشتري دفعا للضرر عنه خيار الغبن ( 3 ) في البيع والشراء : الغبن قد يكون بالنسبة للبائع ، كأن يبيع ما يساوي خمسة بثلاثة .

( هامش ) ( 1 ) أي لا تتركوا لبنها في ضرعها أياما حتى يعظم فتشتد الرغبة فيها . ( 2 ) أي يرد معها صاعا من تمر أو شيئا من غالب قوتهم بدلا من اللبن الزائد عن نفقتها إذا كانت تعلف ، أو ما يرتضيه المتعاقدان من قوت وغيره . ( 3 ) ويسمى بالمسترسل .

وقد يكون بالنسبة للمشتري ، كأن يشتري ما قيمته ثلاثة بخمسة . فإذا باع الانسان أو اشترى وغبن كان له الخيار في الرجوع في البيع وفسخ العقد ، بشرط أن يكون جاهلا ثمن السلعة ولا يحسن المماكسة ، لانه يكون حينئذ مشتملا على الخداع الذي يجب أن يتنزه عنه المسلم . فإذا حدث هذا كان له الخيار بين إمضاء العقد أو إلغائه . ولكن هل يثبت الخيار بمجرد الغبن ؟ قيده بعض العلماء بالغبن الفاحش ، وقيده بعضهم بأن يبلغ ثلث القيمة ، وقيده البعض بمجرد الغبن . وإنما ذهبوا إلى هذا التقييد لان البيع لا يكاد يسلم من مطلق الغبن ، ولان القليل يمكن أن يتسامح به في العادة . وأولى هذه الاراء أن الغبن يقيد بالعرف والعادة . فما اعتبره العرف والعادة غبنا ثبت فيه الخيار ، وما لم يعتبراه لا يثبت فيه . وهذا مذهب أحمد ومالك ، وقد استدلا عليه بما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ، رضي الله عنهما ، قال : ذكر رجل - اسمه حبان بن منقذ - للنبي صلى الله الله عليه وسلم أنه يخدع في البيوع ، فقال : " إذا بايعت فقل : لا خلابة " ( 1 ) . زاد ابن اسحاق في رواية يونس بن بكير وعبد الاعلى عنه : " ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال ، فإن رضيت فأمسك ، وإن سخطت فاردد " . فبقي ذلك الرجل حتى أدرك عثمان وهو ابن مائة وثلاثين سنة ، فكثر الناس في زمن عثمان ، فكان إذا اشترى شيئا ، فقيل له : إنك غبنت فيه ، رجع ، فيشهد له رجل من الصحابة بأن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قد جعله بالخيار ثلاثا ، فترد له دراهمه . وذهب الجمهور من العلماء إلى أنه لا يثبت الخيار بالغبن لعموم أدلة البيع ونفوذه من غير تفرقة بين ما فيه غبن وغيره . وأجابوا عن الحديث المذكور : بأن الرجل كان ضعيف العقل ، وإن كان ضعفه لم يخرج به عن حد التمييز ، فيكون تصرفه مثل تصرف الصغير المميز

( هامش ) ( 1 ) أي لا خديعة . وظاهر هذا أن من قال ذلك ثبت له الخيار سواء غبن أم لم يغبن .

المأذون له بالتجارة ، فيثبت له الخيار مع الغبن ، ولان الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، لقنه أن يقول : لا خلابة ، أي عدم الخداع ، فكان بيعه وشراؤه مشروطين بعدم الخداع ، فيكون من باب خيار الشرط . تلقي الجلب : ومن صور الغبن تلقي الجلب ، وهو أن يقدم ركب التجارة بتجارة فيتلقاه رجل قبل دخولهم البلد وقبل معرفتهم السعر ، فيشتري منهم بأرخص من سعر البلد ، فإذا تبين لهم ذلك كان لهم الخيار دفعا للضرر ، لما رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، نهى عن تلقي الجلب ، وقال : " لا تلقوا الجلب ، فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى السوق فهو بالخيار " . وهذا النهي للتحريم في قول أكثر العلماء .

التناجش : ومنه أيضا التناجش ، وهو الزيادة في ثمن السلعة عن مواطأة لرفع سعرها ولا يريد شراءها ليغر غيره بالشراء بهذا السعر الزائد . وفي البخاري ومسلم عن ابن عمر : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النجش ، وهو محرم باتفاق العلماء . قال الحافظ بن حجر في فتح الباري : " واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك ، ونقل ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع ، وهو قول أهل الظاهر ورواية عن مالك ، وهو المشهور عند الحنابلة إذا كان ذلك بمواطأة المالك أو صنعه . والمشهور عند المالكية في مثل ذلك ثبوت الخيار ، وهو وجه للشافعية قياسا على المصراة ، والاصح عندهم صحة البيع مع الاثم ، وهو قول الحنفية " . ا ه‍ .

الاقالة من اشترى شيئا ثم ظهر له عدم حاجته إليه . أو باع شيئا بدا له أنه محتاج إليه . فلكل منهما أن يطلب الاقالة وفسخ العقد ( 1 ) . وقد رغب الاسلام فيها ودعا إليها . روى أبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

( هامش ) ( 1 ) كما تصح من المضارب والشريك .

" من أقال مسلما أقال الله عثرته " . وهي فسخ لا بيع . وتجوز قبل قبض البيع ، ولا يثبت فيها خيار المجلس ولا خيار الشرط ولا شفعة فيها لانها ليست بيعا . وإذا انفسخ العقد رجع كل من المتعاقدين بما كان له ، فيأخذ المشتري الثمن ويأخذ البائع العين المبيعة . وإذا تلفت العين المبيعة أو مات العاقد أو زاد الثمن أو نقص فإنها لا تصح .

السلم تعريفه : السلم ويسمى السلف ( 1 ) وهو بيع شئ موصوف في الذمة بثمن معجل ، والفقهاء تسميه : بيع المحاويج ، لانه بيع غائب تدعو إليه ضرورة كل واحد من المتبايعين ، فإن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري السلعة ، وصاحب السلعة محتاج إلى ثمنها قبل حصولها عنده لينفقها على نفسه وعلى زرعه حتى ينضج فهو من المصالح الحاجية .

( هامش ) ( 1 ) مأخوذ من التسليف وهو التقديم لان الثمن هنا مقدم على المبيع .

ويسمي المشتري : المسلم ، أو رب السلم . ويسمى البائع : المسلم إليه . والبيع : المسلم فيه ، والثمن : رأس مال السلم .

مشروعيته : وقد ثبتت مشروعيته بالكتاب والسنة والاجماع . 1 - قال ابن عباس ، رضي الله عنهما ، : " أشهد أن السلف المضمون إلى أجل قد أحله الله في كتابه وأذن فيه " . ثم قرأ قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتهم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ( 1 ) " . 2 - وروى البخاري ومسلم : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال : " من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " . وقال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:05 am

مطابقته لقواعد الشريعة : ومشروعية السلم مطابقة لمقتضى الشريعة ومتفقة مع قواعدها وليست فيها مخالفة للقياس ، لانه كما يجوز تأجيل الثمن في البيع يجوز تأجيل المبيع في السلم ، من غير تفرقة بينهما والله سبحانه وتعالى يقول : " إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه " . والدين هو المؤجل من الاموال المضمونة في الذمة ، ومتى كان المبيع موصوفا ومعلوما ومضمونا في الذمة ، وكان المشتري على ثقة من توفية البائع المبيع عند حلول الاجل ، كان المبيع دينا من الديون التي يجوز تأجيلها والتي تشملها الاية كما قال ابن عباس ، رضي الله عنهما . ولا يدخل هذا في نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع المرء ما ليس عنده ، كما جاء في قوله لحكيم بن حزام : " لا تبع لا ليس عندك ( 1 ) " . فإن المقصود من هذا النهي أن يبيع المرء مالا قدرة له على تسليمه ، لان مالا قدرة له على تسليمه ليس عنده حقيقة فيكون بيعه غررا ومغامرة .أما بيع الموصوف المضمون في الذمة مع غلبة الظن بإمكان توفيته في وقته ، فليس من هذا الباب في شئ . شروطه : للسلم شروط لا بد من أن تتوفر فيه حتى يكون صحيحا . وهذه الشروط منها ما يكون في رأس المال . ومنها ما يكون في المسلم فيه . شروط رأس المال : أما شروط رأس المال فهي : 1 - أن يكون معلوم الجنس . 2 - أن يكون معلوم القدر . ( 3 ) أن يسلم في المجلس . شروط المسلم فيه : ويشترط في المسلم فيه :

1 - أن يكون في الذمة . 2 - وأن يكون موصوفا بما يؤدي إلى العلم بمقداره وأوصافه التي تميزه عن غيره ، كي ينتي الغرر وينقطع النزاع . 3 - وأن يكون الاجل معلوما . وهل يجوز إلى الحصاد والجذاذ وقدوم الحاج إلى العطاء ؟ فقال مالك : يجوز متى كانت معلومة كالشهور والسنين .

اشتراط الاجل : ذهب الجمهور إلى اعتبار الاجل في السلم ، وقالوا : لا يجوز السلم حالا . وقالت الشافعية : يجوز ، لانه إذ جار مؤجلا مع الغرر فجوازه حالا أولى . وليس ذكر الاجل في الحديث لاجل الاشتراط بل معناه إن كان لاجل فليكن معلوما . قال الشوكاني : والحق ما ذهبت إليه الشافعية من عدم اعتبار الاجل لعدم ورود دليل يدل عليه ، فلا يلزم التقيد بحكم بدون دليل . وأما ما يقال : من أنه يلزم مع عدم الاجل أن يكون بيعا للمعدوم ، ولم يرخص فيه إلا في السلم ، ولا فارق بينه وبين البيع إلا الاجل : فيجاب عنه بأن الصيغة فارقة ، وذلك كاف . لا يشترط في المسلم فيه أن يكون عند المسلم إليه : لا يشترط في السلم أن يكون المسلم إليه مالكا للمسلم فيه بل يراعى وجوده عند الاجل . ومتى انقطع المبيع عند محل الاجل انفسخ العقد ، ولا يضر انقطاعه قبل حلوله . روى البخاري عن محمد بن المجالد قال : بعثني عبد الله بن شداد وأبو بردة إلى عبد الله بن أبي أوفى فقالا : سله هل كان أصحاب النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في عهد النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يسلفون في الحنطة ؟ فقال عبد الله : كنا نسلف نبيط ( 1 ) أهل الشام في الحنطة والشعير والزيت في كيل معلوم إلى أجل معلوم . قلت : إلى من كان أصله عنده ؟ قال : ما كنا نسألهم عن ذلك . ثم بعثاني إلى عبد الرحمن بن أبزي ، فسألته فقال : كان أصحاب النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يسلفون على عهد النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ولم نسألهم ألهم حرث أم لا .

لا يفسد العقد بالسكوت عن موضع القبض : لو سكت المتعاقدان عن تعيين موضع القبض فالسلم صحيح ولو لم يتعين الموضع لانه لم يبين في الحديث ولو كان شرطا لذكره الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، كما ذكر الكيل والوزن والاجل .

السلم في اللبن والرطب : قال القرطبي : " وأما السلم في اللبن والرطب مع الشروع في أخذه فهي مسألة مدنية اجتمع عليها أهل المدينة . وهي مبنية على قاعدة المصلحة ، لان المرء يحتاج إلى أخذ اللبن والرطب مياومة ويشق أن يأخذ كل يوم ابتداء ، لان النقد قد لا يحضره ، ولان السعر قد يختلف عليه ، وصاحب النخل واللبن محتاج إلى النقد لان الذي عنده عروض لا ينصرف له ، فلما اشتركا في الحاجة رخص لهما في هذه المعاملة قياسا على العرايا وغيرها من أصول الحاجات والمصالح " . اه‍ .

جواز أخذ غير المسلم فيه عوضا عنه : ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جواز أخذ غير المسلم فيه عوضا عنه مع بقاء عقد السلم ، لانه يكون قد باع دين المسلم فيه قبل قبضه . ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " من أسلف في شئ فلا يصرفه إلى غيره " ( 1 ) . وأجازه الامام مالك وأحمد . قال ابن المنذر : ثبت عن ابن عباس أنه قال : " إذا أسلفت في شئ إلى أجل ، فإن أخذت ما أسلفت فيه وإلا فخذ عوضا أنقص منه ، ولا تربح مرتين " . رواه شعبة وهو قول الصحابي ، وقول الصحابي حجة ما لم يخالف . وأما الحديث ففيه عطية بن سعد وهو لا يحتج بحديثه . ورجح هذا ابن القيم فقال - بعد أن ناقش أدلة كل من الفريقين - : فثبت أنه لا نص في التحريم ولا إجماع ولا قياس ، وأن النص والقياس يقتضيان الاباحة . والواجب عند التنازع الرد إلى الله وإلى الرسول ، صلى الله عليه وسلم . وأما إذا انفسخ عقد السلم بإقالة ونحوها . فقيل : لا يجوز أن يأخذ عن دين السلم عوضا من غير جنسه .وقيل : يجوز أخذ العوض عنه ، وهو مذهب الشافعي واختيار القاضي أبي يعلى وابن تيمية . قال ابن القيم : وهو الصحيح ، لان هذا عوض مستقر في الذمة فحازت المعاوضة كسائر الديون من القرض وغيره .

الربا تعريفه : - الربا في اللغة : الزيادة ، والمقصود به هنا : الزيادة على رأس المال ، قلت أو كثرت . يقول الله سبحانه : " وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون " ( 1 ) .

حكمه : - وهو محرم في جميع الاديان السماوية ، ومحظور في اليهودية والمسيحية والاسلام . جاء في العهد القديم : ( إذا أقرضت مالا لاحد من أبناء شعبي ، فلا تقف منه موقف الدائن . لا تطلب منه ربحا لمالك ) . آية 25 ، فصل 22 ، من سفر الخروج . وجاء فيه أيضا فصل 25 ، من سفر اللاويين . إلا أن اليهود لا يرون مانعا من أخذ الربا من غير اليهودي ، كما جاء في آية 20 ، من الفصل 23 ، من سفر التثنية . وقد رد عليهم القرآن ، ففي سورة النساء ( 1 ) : ( وأخذهم الربا وقد نهوا عنه ) . وفي كتاب العهد الجديد : ( إذا أقرضتم لمن تنتظرون منه المكافأة ، فأي فضل يعرف لكم ؟ ولكن افعلوا الخيرات ، وأقرضوا غير منتظرين عائدتها . وإذن يكون ثوابكم جزيلا ) . آية 34 وآية 35 ، من الفصل 6 ، من إنجيل لوقا . واتفقت كلمة رجال الكنيسة على تحريم الربا تحريما قاطعا استنادا إلى هذه النصوص . قال سكوبار : ( إن من يقول إن الربا ليس معصية يعد ملحدا . وقال الاب بوني : ( إن المرابين يفقدون شرفهم في الحياة الدنيا ، وليسوا أهلا للتكفين بعد موتهم ) . وفي القرآن الكريم تحدث عن الربا في عدة مواضع مرتبة ترتيبا زمنيا ، ففي العهد المكي نزل قول الله سبحانه : " وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله ، وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ( 1 ) " . وفي العهد المدني نزل تحريم الربا صراحة في قول الله سبحانه : " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم ترحمون ( 2 ) " . وآخر ما ختم به التشريع قول الله سبحانه : " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ، وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ( 1 ) " . وفي هذه الاية رد قاطع على من يقول : إن الربا لا يحرم إلا إذا كان أضعافا مضاعفة ، لان الله لم يبح إلا رد رءوس الاموال دون الزيادة عليها . وهذا آخر ما نزل في هذا الامر . وهو من كبائر الاثم ، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " اجتنبوا السبع الموبقات " . قالوا : وما هن يا رسول الله ؟ قال : الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات " . وقد لعن الله كل من اشترك في عقد الربا ، فلعن الدائن الذي يأخذه ، والمستدين الذي يعطيه ، والكاتب الذي يكتبه ، والشاهدين عليه . روى البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود ، والترمذي وصححه ، عن جابر بن عبد الله ، أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ( لعن الله آكل الربا ، ومؤكله ، وشاهديه ، وكاتبه ) روى الدار قطني عن عبد الله بن حنظلة أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " الدرهم ربا أشد عند الله تعالى من ست وثلاثين زنية في الخطيئة " . وقال صلى الله عليه وسلم : " الربا تسعة وتسعون بابا ، أدناها كأن يأتي الرجل بأمه " .

الحكمة في تحريم الربا : الربا محرم في جميع الاديان السماوية ، والسبب في تحريمه ما فيه من ضرر عظيم : 1 - أنه يسبب العداوة بين الافراد ، ويقصي على روح التعاون بينهم . والادبان كلها ، ولا سيما الاسلام ، تدعو إلى التعاون والايثار وتبغض الاثرة والانانية واستغلال جهد الاخرين . 2 - وأنه يؤدي إلى حلق طبقة مترفة لا تعمل شيئا ، كما يؤدي إلى تضخيم الاموال في أيديها دون جهد مبذول ، فتكون كالنباتات الطفيلية تنمو على حساب غيرها . والاسلام يمجد العمل ويكرم العاملين ويجعله أفضل وسيلة من وسائل الكسب ، لانه يؤدي إلى المهارة ، ويرفع الروح المعنوية في الفرد . 3 - وهو وسيلة الاستعمار ، ولذلك قيل : الاستعمار يسير وراء تاجر أو قسيس . ونحن قد عرفنا الربا وآثاره في استعمار بلادنا . 4 - والاسلام بعد هذا يدعو إلى أن يقرض الانسان أخاه قرضا حسنا إذا احتاج إلى المال ويثيب عليه أعظم مثوبة : " وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون " ( 1 ) .

أقسامه : والربا قسمان : ( 1 ) ربا النسيئة ( 2 ) وربا الفضل . ربا النسيئة : وربا النسيئة ( 2 ) هو الزيادة المشروطة التي يأخذها الدائن من المدين نظير التأجيل . وهذا النوع محرم بالكتاب والسنة وإجماع الائمة .

( هامش ) ( 1 ) سورة الروم آية رقم 39 . ( 2 ) النسيئة : التأجيل والتأخير أي الربا الذي يكون بسبب التأجيل . ربا الفضل : وربا الفضل وهو بيع النقود بالنقود أو الطعام بالطعام مع الزيادة وهو محرم بالسنة والاجماع لانه ذريعة إلى ربا النسيئة . وأطلق عليه اسم الربا تجوزا . كما يطلق اسم المسبب يطلق اسم المسبب على السبب . روى أبو سعيد الخدري أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين ، فإني أخاف عليكم الرماء " أي : الربا . فنهى عن ربا الفضل لما يخشاه عليهم من ربا النسيئة . وقد نص الحديث على تحريم الربا في ستة أعيان : الذهب والفضة والقمح والشعير والتمر والملح . فعن أبي سعيد قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، : " الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد ، فمن زاد أو استزاد فقد أربى ، الاخذ والمعطي سواء " . رواه أحمد والبخاري .

علة التحريم : هذه الاعيان الستة التي خصها الحديث بالذكر تنتظم الاشياء الاساسية التي يحتاج الناس إليها والتي لا غنى لهم عنها . فالذهب والفضة هما العنصران الاساسيان للنقود تنضبط بها المعاملة والمبادلة ، فهما معيار الاثمان الذي يرجع إليه في تقويم السلع . وأما بقية الاعيان الاربعة فهي عناصر الاغذية وأصول القوت الذي به قوام الحياة . فإذا جرى الربا في هذه الاشياء كان ضارا بالناس ومفضيا إلى الفساد في المعاملة ، فمنع الشارع منه رحمة بالناس ورعاية لمصالحهم . ويظهر من هذا أن علة التحريم بالنسبة للذهب والفضة كونهما ثمنا ، وأن علة التحريم بالنسبة لبقية الاجناس كونها طعاما . فإذا وجدت هذه العلة في نقد آخر غير الذهب والفضة أخذ حكمه ، فلا يباع إلا مثلا بمثل يدا بيد . وكذلك إذا وجدت هذه العلة في طعام آخر غير القمح والشعير والتمر والملح ، فإنه لا يباع إلا مثلا بمثل يدا بيد . روى مسلم عن معمر بن عبد الله عن النبي أنه نهى عن بيع الطعام إلا مثلا بمثل ، فكل ما يقوم مقام هذه الاجناس الستة يقاس عليها ويأخذ حكمها ، فإذا اتفق البدلان في الجنس والعلة حرم التفاضل وحرم النساء أي التأجيل . فإذا بيع ذهب بذهب أو قمح بقمح فإنه يشترط لصحة هذا التبادل شرطان : 1 - التساوي في الكمية بقطع النظر عن الجودة والرداءة للحديث المذكور ، ولما رواه مسلم أن رجلا جاء إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بشئ من التمر ، فقال له النبي ، صلى الله عليه وسلم ، : ما هذا من تمرنا ؟ فقال الرجل : يارسول الله ، بعنا تمرنا صاعين بصاع . فقال صلى الله عليه وسلم : ذلك الربا ، ردوه ثم بيعوا تمرنا ثم اشتروا لنا من هذا . وروى أبو داود عن فضالة قال : أتي النبي ، صلى الله عليه وسلم ، بقلادة فيها ذهب وخرز اشتراها رجل بتسعة دنانير أو سبعة ، فقال النبي : لا ، حتى تميز بينهما . قال : فرده حتى ميز بينهما . ولمسلم : " أمر بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده ، ثم قال : الذهب بالذهب وزنا بوزن " ( 1 ) .

( هامش ) ( 1 ) أفاد ابن القيم يحل بيع المصوغات المباحة بأكثر من وزنها ذهبا ، والمصوغات

2 - عدم تأجيل أحد البدلين ، بل لا بد من التبادل الفوري ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا كان يدا بيد " . وفي هذا يقول الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ، ولا تشفوا ( 1 ) بعضها على بعض ، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا غائبا منها بناجز " . رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد . وإذا اختلف البدلان في الجنس واتحدا في العلة حل التفاضل وحرم النساء . فإذا بيع ذهب بفضة أو قمح بشعير فهنا يشترط شرط واحد وهو الفورية ، ولا يشترط التساوي في الكم بل يجوز التفاضل . روى أبو داود أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " لا بأس ببيع البر بالشعير ، والشعير أكثرهما ، يدا بيد " . وفي حديث عبادة عند أحمد ومسلم : " فإذا اختلفت هذه الاصناف فبيعوا كيف شئتم إذا

( هامش ) الفضية المباحة بأكثر من وزنها فضة . ( 1 ) تشفوا : تفضلوا .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:06 am

كان يدا بيد " . وإذا اختلف البدلان في الجنس والعلة فإنه لا يشترط شئ فيحل التفاضل والنساء . فإذا بيع الطعام بالفضة حل التفاضل والتأجيل ، وكذا إذا بيع ثوب بثوبين أو إناء بإناءين . والخلاصة أن كل ما سوى الذهب والفضة والمأكول والمشروب لا يحرم فيه الربا ، فيجوز بيع بعضه ببعض متفاضلا ونسيئة ، ويجوز فيه التفرق قبل التقابض ، فيجوز بيع شاة بشاتين نسيئة ، ونقدا ، وكذلك شاة بشاة لحديث عمرو بن العاص ( أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أمره أن يأخذ في قلائص الصدقة البعير بالبعيرين إلى الصدقة ) . أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وقال : صحيح على شرط مسلم . ورواه البيهقي ، وقوى الحافظ بن حجر إسناده . وقال ابن المنذر : ثبت أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، اشترى عبدا بعبدين أسودين ، واشترى جارية بسبعة أرؤس ، وإلى هذا ذهب الشافعي .

بيع الحيوان بلحم : قال جمهور الائمة : لا يجوز بيع حيوان يؤكل بلحم من جنسه ( 1 ) ، فلا يجوز بيع بقرة مذبوحة ببقرة حيه يقصد منها منها الاكل ، لما رواه سعيد بن المسيب أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، نهى عن بيع الحيوان باللحم . رواه مالك في المطإ عن سعيد مرسلا وله شواهد . قال الشوكاني : ولا يخفى أن الحديث ينتهض للاحتجاج بمجموع طرقه ، وروى البيهقي عن أهل المدينة أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، نهى أن يباح حي بميت ، ثم قال ، أي البيهقي : وهذا مرسل يؤكد مرسل ابن المسيب .

بيع الرطب باليابس : ولا يجوز بيع الرطب بما كان يابسا إلا لاهل العرايا ، وهم الفقراء الذين لانخل لهم ، فلهم أن يشتروه من أهل رطبا يأكلونه في شجره بخرصه ثمرا . روى مالك وأبو داود عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، سئل عن بيع الرطب بالتمر ، فقال : أينقص الرطب إذا يبس ؟ قالوا : نعم . فنهى عن ذلك .

( 1 ) عند الحنابلة يصح بيع اللحم بحيوان من غير جنسه ، كقطعة من لحم الابل بشاة ، لانه ليس أصله ولا جنسه روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة . أي يبيع الرجل ثمر حائطه ( بستانه ) إن كان نخلا بتمر كيلا . وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا . وإن كان زرعا أن يبيع بكيل طعام . نهى عن ذلك كله . وروى البخاري عن زيد بن ثابت : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، رخص في بيع العرايا أن تباع بخرصها كيلا .

بيع العينة : بيع العينة نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم لانه ربا وإن كان في صورة بيع وشراء . ذلك أن الانسان المحتاج إلى النقود يشتري سلعة بثمن معين إلى أجل ، ثم يبيعها ممن اشتراها منه بثمن حال أقل فيكون الفرق هو فائدة المبلغ الذي أخذه عاجلا . وهذا البيع حرام ويقع باطلا ( 1 ) . 1 - روى ابن عمر أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال :

( هامش ) ( 1 ) وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد ، ويرى غيرهم جوازه ومنهم الشافعي لتحقق ركنه ، ولا عبرة بالنية التي لا يمكن تحققها يقينا .

" إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم " . أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني وابن القطان وصححه . وقال الحافظ بن حجر : رجاله ثقات . 2 - وقالت العالية ( 1 ) بنت أيفع بن شرحبيل : " دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم وامرأته على عائشة رضي الله عنها ، فقالت أم ولد زيد بن أرقم : إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة ، ثم اشتريته بستمائة درهم نقدا ، فقالت : بئس ما شريت وبئس ما اشتريت ، أبلغي زيد بن أرقم : أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب " . أخرجه مالك والدار قطني .

( هامش ) ( 1 ) هي زوج أبي إسحاق الهمداني الكوفي البيعي .

القرض معناه : القرض هو المال الذي يعطيه المقرض للمقترض ليرد مثله إليه عند قدرته عليه ، وهو في أصل اللغة : القطع . وسمي المال الذي يأخذه المقترض بالقرض لان المقرض يقطعه قطعة من ماله . مشروعيته : وهو قربة يتقرب بها إلى الله سبحانه ، لما فيه من الرفق بالناس ، والرحمة بهم ، وتيسير أمورهم ، وتفريج كربهم . وإذا كان الاسلام ندب إليه وحبب فيه بالنسبة للمقترض فإنه أباحه للمقترض ، ولم يجعله من باب المسألة المكروهة لانه يأخذ المال لينتفع به في قضاء حوائجه ثم يرد مثله . 1 - روى أبو هريرة أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، " من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة . والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه " . رواه مسلم وأبو داود والترمذي . 2 - وعن ابن مسعود : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقة مرة " . رواه ابن ماجه وابن حبان . 3 - وعن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " رأيت ليلة أسري بي على باب الجنة مكتوبا : الصدقة بعشر أمثالها ، والقرض بثمانية عشر . فقلت : يا جبريل . ما بال القرض أفضل من الصدقة ؟ قال : لان السائل يسأل وعنده . والمستقرض لا يستقرض إلامن حاجة " .

عقد القرض : وعقد القرض عقد تمليك فلا يتم إلا ممن يجوز له التصرف ، ولا يتحقق إلا بالايجاب والقبول فقه السنة - 10 كعقد البيع والهبة . وينعقد بلفظ القرض و السلف ، وبكل لفظ يؤدي إلى معناه . وعند المالكية أن الملك يثبت بالعقد ولو لم يقبض المال . ويجوز للمقترض أن يرد مثله أو عينه ، سواء أكان مثليا أم غير مثلي ، ما لم يتغير بزيادة أو نقص . فإن تغير وجب رد المثل .

اشتراط الاجل فيه : ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز اشتراط الاجل في القرض ، لانه تبرع محض . وللمقرض أن يطالب ببذله في الحال . فإذا أجل القرض إلى أجل معلوم لم يتأجل وكان حالا . وقال مالك : يجوز اشتراط الاجل ، ويلزم الشرط . فإذا أجل القرض إلى أجل معلوم تأجل ، ولم يكن له حق المطالبة قبل حلول الاجل ، لقول الله تعالى : " إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى " ( 1 ) . ولما رواه عمر وبن عوف المزني عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " المسلمون عند شروطهم " .

رواه أبو داود وأحمد والترمذي والدارقطني . ما يصح فيه القرض : يجوز قرض الثياب والحيوان ، فقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم استلف بكرا ( 1 ) . كما يجوز قرض ما كان مكيلا أو موزونا ، أو ما كان من عروض التجارة . كما يجوز قرض الخبز والخمير ، لحديث عائشة : " قلت يارسول الله ، إن الجيران يستقرضون الخبز والخمير ، ويردون زيادة ونقصانا ، فقال : لا بأس . إنما ذلك من مرافق الناس ، لا يراد به الفضل " . وعن معاذ أنه سئل عن اقتراض الخبز والخمير فقال : " سبحان الله ، إنما هذا من مكارم الاخلاق ، فخذ الكبير وأعط الصغير ، وخذ الصغير وأعط الكبير ، خيركم أحسنكم قضاء . سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول ذلك " . كل قرض جرنفعا فهو ربا : إن عقد القرض يقصد به الرفق بالناس ومعاونتهم على شئون العيش وتيسير وسائل الحياة ، وليس هو وسيلة من

( هامش ) ( 1 ) البكر : الثني من الابل ، وهو بمنزلة الفتى من الناس .

وسائل الكسب ، ولا أسلوبا من أساليب الاستغلال . ولهذا لا يجوز أن يرد المقترض إلى المقرض إلا ما اقترضه منه أو مثله ، تبعا للقاعدة الفقهية القائلة : كل قرض جر نفعا فهو ربا ( 1 ) . والحرمة مقيدة هنا بما إذا كان نفع القرض مشروطا أو متعارفا عليه . فإن لم يكن مشروطا ولامتعارفا عليه ، فللمقترض أن يقضي خيرا من القرض في الصفة أو يزيد عليه في المقدار ، أو يبيع منه داره إن كان قد شرط أن يبيعها منه ، وللمقرض حق الاخذ دون كراهة ، لما رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن . عن أبي رافع قال : استلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل بكرا ، فجاءته إبل الصدقة ، فأمرني أن أقضي الرجل بكرا ، فقلت : لم أجد في الابل إلا جملا خيارا رباعيا ( 2 ) ،

( هامش ) ( 1 ) هذه القاعدة صحيحة شرعا ، وإن كان لم يثبت فيها حديث : والحديث الذي جاء فيها عن علي إسناه ساقط . قال الحافظ : وله شاهد ضعيف عن فضالة بن عبيد عند البيهقي ، وآخر موقوف عن عبد الله بن سلام عند البخاري . ( 2 ) الخبار : المختار . والرباعي : الذي استكمل ست سنين ، ودخل في السابعة .

فقال النبي ، صلى الله عليه وسلم ، : " أعطه إياه ، فإن خيركم أحسنكم قضاء " . وقال جابر بن عبد الله : " كان لي على رسول الله حق فقضاني وزادني " . رواه أحمد والبخاري ومسلم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:07 am

التعجيل بقضاء الدين قبل الموت : 1 - روى الامام أحمد أن رجلا سأل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن أخيه ، مات وعليه دين ، فقال : " هو محبوس بدينه ، فاقض عنه " . فقال يا رسول الله : " قد أديت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة وليس لها بينة " . فقال : " أعطها فإنها محقة " . 2 - وروي أن رجلا قال : يا رسول الله ، أرأيت إن جاهدت بنفسي ومالي فقتلت صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر ، أدخل الجنة ؟ قال : نعم . فقال ذلك مرتين أو ثلاثا . قال : " إلا ان مت وعليك دين وليس عندك وفاء " . وأخبرهم ( 1 ) بتشديد أنزل ، فسألوه عنه فقال : " الدين . والذي نفسي بيده ، لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم عاش ، ثم قتل في سبيل الله ثم عاش ، ثم قتل في سبيل الله ما دخل الجنة حتى يقضي دينه " . 3 - وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله قال : كان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لا يصلي على رجل مات وعليه دين . فأتي بميت ، فقال : أعليه دين ؟ قالوا : نعم ، ديناران . فقال : صلوا على صاحبكم . فقال أبو قتادة الانصاري : هما علي يا رسول الله . قال : فصلى عليه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . فلما فتح الله على رسوله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " أنا أولى بكل مؤمن من نفسه ، فمن ترك دينا فعلي قضاؤه ومن ترك مالا فلورثته " . أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة . 4 - وحديث البخاري عن أبي هريرة عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : من أخذ أموال الناس يريد

( هامش ) ( 1 ) أي الرسول صلى الله عليه وسلم .

أداءها أدى الله عنه ، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله " .

مطل الغني ظلم : عن أبي هريرة أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " مطل الغني ظلم ، وإذا أتبع أحدكم على ملئ فليتبع " ( 1 ) . رواه أبو داودو غيره . استحباب إنظار المعسر : يقول الله سبحانه : " وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون " ( 2 ) . 1 - وروي عن أبي قتادة أنه طلب غريما له فتوارى ثم وجده ، فقال : إني معسر ، فقال : الله ( 3 ) ؟ قال : فإني سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : " من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس

( هامش ) ( 1 ) أي إذا أحيل على غني فليقبل الاحالة . ( 2 ) سورة البقرة آية رقم 280 . ( 3 ) الهمزة الاولى ممدودة على الاستفهام والثانية من غير مدوالهاء فيهما مكسورة .

عن معسر أو يضع عنه " وعن كعب بن عمر قال : سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : " من أنظر معسرا أو وضع عنه أظله في ظله " . ضع وتعجل : ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم وضع قدر من الدين نظير التعجيل بالقضاء قبل الاجل المتفق عليه . فمن أقرض غيره قرضا إلى أجل ، ثم قال المقرض للمقترض : أضع عنك بعض الدين نظير أن ترد الباقي قبل الاجل فإنه يحرم . ويروي ابن عباس وزفر جواز ذلك ، لما رواه ابن عباس أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لما أمر بإخراج بني النضير ، جاءه ناس منهم ، فقالوا : يا نبي الله ، إنك أمرت بإخراجنا ، ولنا على الناس ديون لم تحل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ضعوا وتعجلوا " .

الرهن تعريفه : يطلق الرهن في اللغة على الثبوت والدوام ، كما يطلق على الحبس . فمن الاول قولهم : نعمة راهنة ، أي ثابتة ودائمة . ومن الثاني قوله تعالى : " كل نفس بما كسبت رهينة " ( 1 ) . أي محبوسة بكسبها وعملها . وأما معناه في الشرع : فقد عرفه العلماء بأنه جعل عين لها قيمة مالية في نظر الشرع وثيقة بدين ( 2 ) ، بحيث يمكن أخذ ذلك الدين ، أو أخذ بعضه من تلك العين . فإذا استدان شخص دينا من شخص آخر وجعل له في

( هامش ) ( 1 ) سورة المدثر آية رقم 38 . ( 2 ) شيئا مستوثقا به ، وذلك لان الدين أصبح بحبس هذه العين محكما لابد من أدائه أو تضيع على المدين العين المرهونة كلها أو بعضها بحسب ذلك الدين .

في نظير ذلك الدين عقارا أو حيوانا محبوسا تحت يده حتى يقضيه دينه ، كان ذلك هو الرهن شرعا . ويقال لمالك العين المدين : " راهن " ، ولصاحب الدين الذي يأخذ العين ويحبسها تحت يده نظير دينه : " مرتهن " كما يقال للعين المرهونة نفسها : " رهن " . مشروعيته : الرهن جائز ، وقد ثبت بالكتاب والسنة والاجماع . أما الكتاب : فلقول الله تعالى : " وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة ، فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أوتمن أمانته وليتق الله ربه ( 1 ) " .

وأما السنة : فقد رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي . طلب منه سلف الشعير ، فقال : إنما يريد محمد أن يذهب بمالي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " كذب ، إني لامين في الارض ، أمين في السماء ، ولو ائتمنني لاديت ، اذهبوا إليه بدرعي وروى البخاري وغيره عن أم المؤمنين عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : " اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهودي طعاما ورهنه درعه " . وقد أجمع العلماء على ذلك ، ولم يختلف في جوازه ولا مشروعيته أحد ، وإن كانوا قد اختلفوا في مشروعيته في الحضر . فقال الجمهور : يشرع في الحضر ، كما يشرع في السفر ، لفعل الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، له وهو مقيم بالمدينة ، وأما تقيده بالسفر في الآية فإنه خرج مخرج الغالب ، فإن الرهن غالبا يكون في السفر . وقال مجاهد والضحاك ، والظاهرية : لايشرع الرهن إلا في السفر استدلالا بالآية . والحديث حجة عليهم .

شروط صحته : يشترط لصحة عقد الرهن الشروط الآتية : أولا : العقل . ثانيا : البلوغ . ثالثا : أن تكون العين المرهونة ( 1 ) موجودة وقت العقد ، ولو كانت مشاعة . رابعا : أن يقبضها المرتهن أو وكيله . قال الشافعي : لم يجعل الله الحكم إلا برهن موصوف بالقبض ، فإذا عدمت الصفة وجب أن يعدم الحكم . وقالت المالكية : يلزم الرهن بالعقد ويجبر الراهن على دفع الرهن ليحوزه المرتهن ، ومتى قبضه المرتهن فإن الراهن يملك الانتفاع به ، خلافا للشافعي الذي قال : بأن له حق الانتفاع ما لم يضر بالمرتهن .

انتفاع المرتهن بالرهن : عقد الرهن عقد يقصد به الاستيثاق وضمان الدين وليس المقصود منه الاستثمار والربح ، وما دام ذلك كذلك فإنه لا يحل للمرتهن أن ينتفع بالعين المرهونة ، ولو أذن له الراهن ، لانه قرض جر نفعا ، وكل قرض جر نفعا فهو ربا . وهذا في حالة ما إذا لم يكن الرهن دابة تركب أو بهيمة تحلب ، فإن كان دابة أو بهيمة فله أن ينتفع بها

( هامش ) يقتضي بظاهره ومطلقه جواز رهن المشاع خلافا لابي حنيفة وأصحابه . قال ابن المنذر : رهن المشاع جائز كما يجوز بيعه وقال الاحناف : يجب أن تكون العين المرهونة متميزة فلا يصح رهن المشاع سواء أكان عقارا أم حيوانا أم عروض تجارة أم غيرذلك . وخالف في ذلك الائمة الثلاثة .

نظير النفقة عليها فإن قام بالنفقة عليها كان له حق الانتفاع ، فيركب ما أعد للركوب كالابل والخيل والبغال ونحوها ويحمل عليها ، ويأخذ لبن البهيمة كالبقر والغنم ونحوها ( 1 ) . والادلة على ذلك ما يأتي : ( أ ) عن الشعبي ، عن أبي هريرة ، عن النبي ، صلى

الله عليه وسلم ، قال : " لبن الدر يحلب بنفقته إذا كان مرهونا ، والظهر يركب ( 2 ) بنفقته إذا كان مرهونا ، وعلى الذي يركب ويحلب النفقة " . قال أبو داود : وهو عندنا صحيح ، وقد أخرجه آخرون منهم البخاري والترمذي وابن ماجه . ( ب ) وعن أبي هريرة أيضا ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنه كان يقول : " الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا ، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا ، وعلى الذي يركب ويشرب ( 1 ) هذا مذهب أحمد وإسحاق ، وخالف في ذلك الجمهور من العلماء وقالوا : لا ينتفع المرتهن بشئ . والحديث التالي حجة عليهم . ( 2 ) فاعل يركب ويشرب المرتهن بقرينة العوض وهو الركوب ، واحتمال أنه الراهن بعيد

النفقة " . رواه الجماعة إلا مسلما والنسائي . وفي لفظ : " إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ، ولبن الدر يشرب وعلى الذي يشرب نفقته " . رواه أحمد ، رضي الله عنه . ( ج‍ ) وعن أبي صالح عن أبي هريرة أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " الرهن محلوب مركوب " أو " مر كوب محلوب " كما جاء في رواية أخرى .

مؤونة الرهن ومنافعه : مؤونة الرهن وأجرة حفظه وأجرة رده على مالكه . ومنافع الرهن للراهن ، ونماؤه يدخل في الرهن ، ويكون رهنا مع الاصل ، فيدخل فيه الولدوالصوف والثمرة واللبن ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " له غنمه ، وعليه غرمه " . وقال الشافعي : لايدخل شئ من ذلك في الرهن . وقال مالك : لايدخل إلا الولد وفسيل النخل . فإذا أنفق المرتهن على الرهن بإذن الحاكم مع غيبة الراهن وامتناعه كان دينا للمنفق على الراهن .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:07 am

الرهن أمانة : والرهن امانة في يد المرتهن ، لا يضمن إلا بالتعدي عند أحمد والشافعي . بقاء الرهن حتى يؤدى الدين : قال ابن المنذر : أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن من رهن شيئا بمال فأدى بعضه وأراد إخراج بعض الرهن فإن ذلك ليس له حتى يوفيه آخر حقه أو يبرئه .

غلق الرهن : كان من عادة العرب أن الراهن إذا عجز عن أداء ما عليه من دين خرج الرهن عن ملكه ، واستولى عليه المرتهن ، فأبطله الاسلام ونهى عنه . ومتى حل الاجل لزم الراهن الايفاء وأداء ما عليه من دين ، فإن امتنع من وفائه ولم يكن أذن له ببيع الرهن أجبره الحاكم على وفائه أو بيع الرهن ، فإن باعه وفضل من ثمنه شئ فلمالكه ، وإن بقي شئ فعلى الراهن . ففي حديث معاوية بن عبد الله بن جعفر : أن رجلا رهن دارا بالمدينة إلى أجل مسمى ، فمضى الاجل ، فقال الذي ارتهن : منزلي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يغلق الرهن ( 1 ) من صاحبه الذي رهنه ، له غنمه وعليه غرمه " . رواه الشافعي والاثرم والدارقطني ، وقال : إسناده حسن متصل . قال الحافظ بن حجر في بلوغ المرام : ورجاله ثقات ، إلا أن المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله . اشتراط بيع الرهن عند حلول الاجل : فإذا اشترط بيع الرهن عند حلول الاجل جاز هذا الشرط وكان من حق المرتهن أن يبيعه ، خلافا للامام الشافعي الذي يرى بطلان الشرط .

بطلان الرهن : ومتى رجع الرهن إلى الراهن باختيار المرتهن بطل الرهن .

( هامش ) ( 1 ) غلق الرهن : أي لا يستحقه المرتهن إذا عجز صاحبه عن فكه ، وهومن باب فرح .

المزارعة فضل المزارعة : قال القرطبي : الزراعة من فروض الكفاية ، فيجب على الامام أن يجبر الناس عليها وما كان في معناها من غرس الاشجار . 1 - روى البخاري ومسلم عن أنس ، رضي الله عنه ، أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا ( 1 ) فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة " . 2 - وأخرج الترمذي عن عائشة قالت : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، : " التمسوا الرزق من خبايا الارض " .

( هامش ) ( 1 ) الغرس : ماله ساق كالنخل والعنب ، والزرع : مالاساق له مثل القمح والشعير .

تعريفها : معنى المزارعة في اللغة : المعاملة على الارض ببعض مايخرج منها . ومعناها هنا : إعطاء الارض لمن يزرعها على أن يكون له نصيب مما يخرج منها كالنصف أو الثلث أو الاكثر من ذلك أو الادنى حسب ما يتفقان عليه . مشروعيتها : الزراعة نوع من التعاون بين العامل وصاحب الارض ، فربما يكون العامل ماهرا في الزراعة وهو لا يملك أرضا . وربماكان مالك الارض عاجزا عن الزراعة . فشرعها الاسلام رفقا بالطرفين . المزارعة عمل بها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وعمل بها أصحابه من بعده . روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عامل أهل خيبر بشطر مايخرج منها من زرع أو ثمر . وقال محمد الباقر بن علي بن الحسين رضي الله عنهم : ما بالمدينة أهل بيت هجرة ( 1 ) إلا يزرعون على الثلث والربع ، وزارع علي ، رضي الله عنه ، وسعد بن مالك وعبد الله بن مسعود وعمر بن عبد العزيز والقاسم وعروة وآل أبي بكر وآل عمر وآل علي وابن سيرين . رواه البخاري . قال في المغني : " هذا أمر مشهور ، عمل به رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، حتى مات ، ثم خلفاؤه الراشدون حتى ماتوا ، ثم أهلوهم من بعدهم . ولم يبق من المدينة من أهل بيت إلا عمل به ، وعمل به أزواج النبي ، صلى الله عليه وسلم ، من بعده . ومثل هذا مما لا يجوز أن ينسخ ، لان النسخ إنما يكون في حياة رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فأما شئ عمل به إلى أن مات ، ثم عمل به خلفاؤه من بعده ، وأجمعت الصحابة رضوان الله عليهم عليه ، وعملوا به ولم يخالف فيه منهم أحد ، فكيف يجوز نسخه ؟ فإن كان نسخه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكيف عمل به بعد نسخه ، وكيف خفي نسخه فلم يبلغ خلفاءه مع اشتهار قصة خيبر وعملهم فيها ، فأين كان راوي النسخ حتى لم يذكروه ولم يخبرهم به ؟ رد ما ورد من النهي عنها : وأما ما ذكره رافع بن خديج أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عنها ، فقدرده زيد بن ثابت رضي الله عنه ، وأخبر أن النهي كان لفض النزاع ، فقال : يغفر الله لرافع بن خديج ، أنا والله أعلم بالحديث منه . إنما جاء للنبي صلى الله عليه وسلم رجلان من الانصار قد اقتتلا ، فقال : إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع ، فسمع رافع قوله : فلا تكروا المزارع . رواه أبو داود والنسائي . كما رده ابن عباس رضيا لله عنه ، وبين أن النهي إنما كان من أجل إرشادهم إلى ما هو خير لهم ، فقال : إن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لم يحرم المزارعة ، ولكن أمر أن يرفق الناس بعضهم ببعض ، بقوله : " من كانت له أرض فليزرعها أو يمنحها أخاه ، فإن أبى فليمسك أرضه " . وعن عمرو بن دينار ، رضي الله عنه ، قال : سمعت ابن عمر يقول : ما كنا نرى بالمزارعة بأسا حتى سمعت رافع بن خديج يقول : إن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، نهى عنها . فذكرته لطاووس فقال : قال لي أعلمهم " يقصد ابن عباس " : إن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لم ينه عنها ، ولكن قال : " لان يمنح أحدكم أرضه خير من أن يأخذ عليها خراجا معلوما " . رواه الخمسة . كراء الارض بالنقد : تجوز المزارعة بالنقد وبالطعام وبغيرهما مما يعد مالا ، فعن حنظلة بن قيس ، رضيا لله عنه ، قال : سألت رافع ابن خديج عن كراء الارض فقال : نهى رسول الله ، صلى عليه وسلم ، عنه فقلت : بالذهب والورق ؟ فقال : أما بالذهب والورق فلا بأس به . رواه الخمسة إلا الترمذي ، وهذا مذهب أحمد وبعض المالكية والشافعية . قال النووي : وهذا هو الراجح المختار من جميع الاقوال . المزارعة الفاسدة : سبق أن قلنا إن المزارعة الصحيحة هي إعطاء الارض لمن يزرعها على أن يكون له نصيب مما يخرج منها ، كالثلث والربع ونحو ذلك ، أي أن يكون نصيبه غير معين . فإذا كان نصيبه معينا بأن يحدد مقدارا معينا مما تخرج الارض ، أو يحدد قدرا معينا من مساحة الارض تكون غلتهاله ، والباقي يكون للعامل أو يشتر كان فيه : فإن المزارعة في هذه الحال تكون فاسدة ، لما فيها من الغرر ولانها تفضي إلى النزاع . روى البخاري عن رافع بن خديج قال : " كنا أكثر أهل الارض ( أي المدينة ) مزروعا . كنا نكري الارض بالناحية منها تسمى لسيد الارض ، فربما يصاب ذلك وتسلم الارض ، وربما تصاب الارض ويسلم ذلك ، فنهينا " . وروي أيضا عنه : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " ما تصنعون بمحاقلكم " - المزارع . قالوا : نؤجرها على الربع ، وعلى الاوسق من التمر والشعير . قال : " لا تفعلوا " . وروى مسلم عنه قال : وإنما كان الناس يؤجرون على عهد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بما على الماديانات - ما ينبت على حافة النهر ومسايل الماء وأقيال الجداول - أوائل السواقي - وأشياء من الزرع ، فيهلك هذا ويسلم هذا ، ويسلم هذا ويهلك هذا ، ولم يكن للناس كري إلا هذا ، فلذلك زجر عنه .

احياء الموات معناه : إحياء الموات معناه إعداد الارض الميتة التي لم يسبق تعميرها وتهيئتها وجعلها صالحة للانتفاع بها في السكنى والزرع ونحو ذلك . الدعوة إليه : والاسلام يحب أن يتوسع الناس في العمران وينشروا في الارض ويحيوا مواتها فتكثر ثرواتهم ويتوفر لهم الثراء والرخاء ، وبذلك تتحقق لهم الثروة والقوة . وهو لذلك يحبب إلى أهله أن يعمدوا إلى الارض الميتة ليحيوا مواتها ويستثمروا خيراتها وينتفعوا ببركاتها . 1 - فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " من أحيا أرضا ميتة فهي له " . رواه أبو داودو النسائي والترمذي وقال : إنه حسن . 2 - وقال عروة : إن الارض أرض الله والعباد عباد له ، ومن أحيا مواتا فهو أحق بها . جاءنا بهذا عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، الذين جاؤوا بالصلوات عنه . 3 - وقال : " من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر ، وما أكله العوافي ( 1 ) فهو له صدقة " . رواه النسائي وصححه ابن حبان . 4 - وعن الحسن بن سمرة عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " من أحاط حائطا على أرض فهي له " . رواه أبو داود . 5 - وعن أسمر بن مضرس قال : أتيت النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فبايعته ، فقال : " من سبق إلى ما لم يسبقه إليه مسلم فهو له " . فخرج الناس يتعادون يتحاطون شروط إحياء الموات : يشترط لاعتبار الارض مواتا أن تكون بعيدة عن

( هامش ) ( 1 ) العوافي : الطير والسباع . ( 2 ) يتحاطون : أي يحيطون ما أحرزوه بما يفيد إحرازهم له .

العمران ، حتى لا تكون مرفقا من مرافقه ، ولا يتوقع أن تكون من مرافقه . ويرجع إلى العرف في معرفة مدى البعد عن العمران . إذن الحاكم : اتفق الفقهاء على أن الاحياء سبب للملكية . واختلفوا في اشتراط إذن الحاكم في الاحياء . فقال أكثر العلماء : إن الاحياء سبب للملكية من غير اشتراط إذن الحاكم ، فمتى أحياها أصبح مالكا لها من غير إذن من الحاكم . وعلى الحاكم أن يسلم بحقه إذا رفع إليه الامر عند النزاع ، لما رواه أبو داود عن سعيد بن زيد أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " من أحيا أرضا ميتة فهي له " . وقال أبو حنيفة : الاحياء سبب للملكية ، ولكن شرطها إذن الامام وإقراره . وفرق مالك بين الاراضي المجاورة للعمران والارض البعيدة عنه . فإن كانت مجاورة فلا بد فيها من إذن الحاكم . وإن كانت بعيدة فلا يشترط فيها إذنه ، وتصبح ملكا لمن أحياها .

متى يسقط الحق : من أمسك أرضا وعلمها بعلم أو أحاطها بحائط ثم لم يعمرها بعمل سقط حقه بعد ثلاث سنين . عن سالم بن عبد الله أن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، قال على المنبر : من أحيا أرضا ميتة فهي له ، وليس لمحتجر حق بعد ثلاث سنين . وذلك أن رجالا كانوا يحتجرون من الارض ما لا يعملون ( 1 ) . وعن طاووس قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، : " عادي الارض لله وللرسول ، ثم لكم من بعد ، فمن أحيا أرضا ميتة فهي له ، وليس لمحتجر بعد ثلاث سنين " ( 2 ) . من أحيا أرض غيره دون علمه : إن ما جرى عليه عمل عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز : أنه إذا عمر المرء أرضا من الاراضي ظانا إياها من الاراضي الساقطة ، أي غير المملوكة لاحد ، ثم جاء رجل

( هامش ) ( 1 ) أي لا يستثمرونه . ( 2 ) رواه أبو عبيد في الاموال وقال : عادي الارض التي بها مساكن في آباد الدهر فانقرضوا . نسبهم إلى عاد لانهم مع تقدمهم ذوو قوة وآثار كثيرة . فنسب كل أثر قديم إليهم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:08 am

آخر وأثبت أنها له ، خير في أمره : إما أن يسترد من العامر أرضه بعد أن يؤدي إليه أجرة عمله ، أو يحيل إليه حق الملكية بعد أخذ الثمن . وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " من أحيا أرضا ميتة فهي له ، وليس لعرق ظالم حق " ( 1 ) .

إقطاع الارض والمعادن والمياه : يجوز للحاكم العادل أن يقطع بعض الافراد من الارض الميتة والمعادن والمياه ما دامت هناك مصلحة ( 2 ) . وقد فعل ذلك الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، كما فعله الخلفاء من بعده ، كما يتضح من الاحاديث الاتية : 1 - عن عروة بن الزبير أن عبد الرحمن بن عوف قال : أقطعني رسول الله ، صلى الله عليه سلم ، وعمر بن الخطاب أرض كذا وكذا ، فذهب الزبير إلى آل عمر فاشترى نصيبه منهم فأتى عثمان فقال : إن عبد الرحمن ابن عوف زعم أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أقطعه

( هامش ) ( 1 ) كتاب ملكية الارض . ( 2 ) إذا لم تكن هناك مصلحة من الاقطاع كما يفعل الحكام الظالمون من إعطاء بعض الافراد محاباة له بغير حق فإنه لا يجوز .

وعمر بن الخطاب أرض كذا وكذا ، وإني اشتريت نصيب آل عمر ، فقال عثمان : عبد الرحمن جائز الشهادة له وعليه . رواه أحمد . 2 - وعن علقمة بن وائل عن أبيه أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أقطعه أرضا في حضر موت . 3 - وعن عمر بن دينار قال : لما قدم النبي ، صلى الله عليه وسلم ، المدينة أقطع أبا بكر وأقطع عمر بن الخطاب رضي الله عنهما . 4 - وعن ابن عباس قال : أقطع النبي ، صلى الله عليه وسلم ، بلال بن الحارث المزني معادن القبلية جلسيها ( 1 ) وغوريها . أخرجه أحمد وأبو داود . قال أبو يوسف : " فقد جاءت هذه الاثار بأن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أقطع أقواما ، وأن الخلفاء من بعده أقطعوا . ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاح فيما فعل من ذلك ، إذ كان فيه تأليف على الاسلام وعمارة الارض . وكذلك الخلفاء إنما أقطعوا من رأوا أن له غناء في الاسلام ونكاية

هامش ) ( 1 ) القبلية : نسبة إلى قبل مكان بساحل البحر . والجلس : المرتفع من الارض ، والغور : المنخفض منها . للعدو ، ورأوا أن الافضل ما فعلوا ، ولو لا ذلك لم يأتوه ، ولم يقطعوا حق مسلم ولا معاهد " . نزع الارض ممن لا يعمرها : وإنما يقطع الحاكم من أجل المصلحة ، فإذا لم تتحقق بأن لم يعمرها من أقطع له ولم يستثمرها فإنها تنزع منه . 1 - عن عمرو بن شعيب عن أبيه أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أقطع لاناس من مزينة أو جهينة أرضا فلم يعمروها فجاء قوم فعمروها ، فخاصمهم الجهنيون أو المزنيون إلى عمر بن الخطاب فقال : لو كانت مني أو من أبي بكر لرددتها ، ولكنها قطيعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم قال : من كانت له أرض ثم تركها ثلاث سنين فلم يعمرها فعمرها قوم آخرون فهم أحق بها . 2 - وعن الحارث بن بلال بن الحارث المزني عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطعه العقيق أجمع ، قال : فلما كان زمان عمر قال لبلال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقطعك لتحتجره عن الناس ، إنما أقطعك لتعمل فخذ منها ما قدرت على عمارته ورد الباقي .

هلاك المبيع قبل القبض وبعده 1 - إذا هلك البيع كله أو بعضه قبل القبض بفعل المشتري ، فإن البيع لا ينفسخ ، ويبقى العقد كما هو ، وعليه أن يدفع الثمن كله لانه هو المتسبب في الهلاك . 2 - وإذا هلك بفعل أجنبي فإن المشتري بالخيار بين الرجوع على هذا الاجنبي وبين فسخ العقد . 3 - ويفسخ البيع إذا هلك المبيع كله قبل القبض بفعل البائع أو بفعل المبيع نفسه أو بآفة سماوية . 4 - فإذا هلك بعض المبيع بفعل البائع سقط عن المشتري من الثمن بقدر الجزء الهالك . ويخير في الباقي بأخذه بحصته من الثمن . 5 - أما إذا كان هلاك بعض المبيع بفعل نفسه فإنه لا يسقط شئ من ثمنه ، والمشتري مخير بين فسخ العقد وبين أن يأخذ ما بقي بجميع الثمن . 6 - وإذا كان الهلاك بآفة سماوية ترتب عليها نقصان قدره ، فيسقط من الثمن بقدر النقصان الحادث ، ثم يكون المشتري بالخيار بين فسخ العقد وبين أخذ الباقي بحصته من الثمن .

هلاك المبيع بعد القبض : إذا هلك المبيع بعد القبض كان من ضمان المشتري . ويلزم بثمنه إن لم يكن فيه خيار للبائع ، وإلا فيلزم بالقيمة أو المثل

الاجارة تعريفها : الاجارة مشتقة من الاجر وهو العوض ، ومنه سمي الثواب أجرا . وفي الشرع : عقد على المنافع بعوض ، فلا يصح استئجار الشجر من أجل الانتفاع بالثمر ، لان الشجر ليس منفعة ، ولا استئجار النقدين ، ولا الطعام للاكل ، ولا المكيل والموزون لانه لا ينتفع بها إلا باستهلاك أعيانها . وكذلك لا يصح استئجار بقرة أو شاة أو ناقة لحلب لبنها لان الاجارة تملك المنافع ، وفي هذه الحال تملك اللبن وهو عين . والعقد يرد على المنفعة لا للعين . . . والمنفعة قد تكون منفعة عين ، كسكنى الدار ، أو ركوب السيارة . . . فقه السنة - 12 وقد تكون منفعة عمل ، مثل عمل المهندس والبناء والنساج والصباغ والخياط والكواء ، وقد تكون منفعة الشخص الذي يبذل جهده ، مثل الخدم والعمال . . . والمالك الذي يؤجر المنفعة يسمى : مؤجرا . والطرف الاخز الذي يبذل الاجر يسمى : مستأجرا . والشئ المعقود عليه المنفعة يسمى : مأجورا . والبذل المبذول في مقابل المنفعة يسمى : أجرا وأجرة . ومتى صح عقد الاجارة ثبت للمستأجر ملك المنفعة . وثبت للمؤجر ملك الاجرة ، لانها عقد معاوضة .

مشروعيتها : الاجارة مشروعة بالكتاب والسنة والاجماع . يقول الله سبحانه وتعالى : 1 - أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون " ( 1 ) . ويقول جل شأنه : 2 - " وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير " ( 1 ) . ويقول عزوجل : 3 - " قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الامين . قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجر ني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين " ( 2 ) . وجاء في السنة ما يأتي : 1 - روى البخاري أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، استأجر رجلا من بني الديل ( 3 ) يقال له : عبد الله بن الاريقط وكان هاديا خريتا أي ماهرا . 2 - وروى ابن ماجه أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " أعطوا الاجير أجره قبل أن يجف عرقه " . 3 - وروى أحمد وأبو داود والنسائي عن سعد بن أبي وقاص ، رضي الله عنه ، قال : " كنا نكري الارض بما على السواقي من الزرع " . فنهى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن ذلك وأمرنا أن نكريها يذهب أو ورق . 4 - وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، : " احتجم وأعطى الحجام أجره " . وعلى مشروعية الاجارة أجمعت الامة ، ولا عبرة بمن خالف هذا الاجماع من العلماء حكمة مشروعيتها : وقد شرعت الاجارة لحاجة الناس إليها ، فهم يحتاجون إلى الدور للسكنى ، ويحتاج بعضهم لخدمة بعض ، ويحتاجون إلى الدواب للركوب والحمل ، ويحتاجون إلى الارض للزراعة ، وإلى الالات لا ستعمالها في حوائجهم المعاشية . ركنها : والاجارة تنعقد بالايجاب والقبول بلفظ الاجارة والكراء وما اشتق منهما ، وبكل لفظ يدل عليها .

شروط العاقدين : ويشترط في كل من العاقدين الاهلية بأن يكون كل منهما عاقلا مميزا ، فلو كان أحدهما مجنونا أو صبيا غير مميز فإن العقد لا يصح . ويضيف الشافعية والحنابلة شرطا آخر وهو البلوغ . فلا يصح عندهم عقد الصبي ولو كان مميزا .

شروط صحة الاجارة : ويشترط لصحة الاجارة الشروط الاتية : 1 - رضا العاقدين . فلو أكره أحدهما على الاجارة فإنها لا تصح لقول الله سبحانه : " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالبا ؟ ل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم . ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما " ( 1 ) . 2 - معرفة المنفعة المعقود عليها معرفة تامة تمنع من المنازعة . والمعرفة التي تمنع المنازعة تم بمشاهدة العين التي يراد استئجارها أو بوصفها إن انضبطت بالوصف ، وبيان مدة الاجارة كشهر أو سنة أو أكثر أو أقل ، وبيان العمل المطلوب . 3 - أن يكون المعقود عليه المقدور الاستيفاء حقيقة وشرعا ، فمن العلماء من اشترط هذا الشرط فرأى أنه لا يجوز إجارة المشاع من غير الشريك ، وذلك لان منفعة المشاع غير مقدورة الاستيفاء . وهذا مذهب أبي حنيفة وزفر . وقال جمهور الفقهاء : يجوز إجارة المشاع مطلقا من الشريك وغيره . لان للمشاع منفعة والتسليم ممكن بالتخلية أو المهايأة بالتهيؤ ( 1 ) . كما يجوز ذلك في البيع . والاجارة أحد نوعي البيع . فإن لم تكن المنفعة معلومة كانت الاجارة فاسدة . 4 - القدرة على تسليم العين المستأجرة مع اشتمالها على المنفعة ، فلا يصح تأجير دابة شاردة ، ولا مغصوب لا يقدر على انتزاعه لعدم القدرة على التسليم . ولا أرض للزرع لا تنبت ، أو دابة للحمل وهي زمنة : لعدم المنفعة التي هي موضوع العقد . 5 - أن تكون المنفعة مباحة لا محرمة ولا واجبة . فلا تصح الاجارة على المعاصي ، لان المعصية يجب اجتنابها . فمن استأجر رجلا ليقتل رجلا ظلما أو رجلا ليحمل له الخمر أو أجر داره لمن يبيع بها الخمر أو ليلعب فيها القمار أو ليجعلها كنيسة فإنها تكون إجارة فاسدة وكذلك لا يحل حلوان الكاهن ( 1 ) والعراف ( 2 ) وهو ما يعطاه على كهانته وعرافته ، إذ أنه عوض عن محرم وأكل لاموال الناس بالباطل . ولا تصح الاجارة على الصلاة والصوم ، لان هذه فرائض عينية يجب أداؤها على من فرضت عليه .

الاجرة على الطاعات : أما الاجرة على الطاعات فقد اختلف العلماء في حكمها ، ونذكر بيان مذاهبهم فيما يلي : قالت الاحناف : الاجارة على الطاعات كاستئجار شخص آخر ليصلي أو يصوم أو يحج عنه أو يقرأ القرآن ويهدي ثوابه إليه أو يؤذن أو يؤم بالناس أو ما أشبه ذلك لا يجوز ، ويحرم أخذ الاجرة عليه ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به " . وقوله ، صلى الله عليه وسلم ، لعمرو بن العاص : وان اتخذت مؤذنا فلا تأخذ على الاذان أجرا " ولان القربة متى حصلت وقعت عن العامل فلا يجوز أخذ الاجرة

( هامش ) ( 1 ) الكاهن : هو الذي يتعاطى الاخبار عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الاسرار . ( 2 ) العراف : هو الذي يدعي معرفة الاشياء المسروقة ومكان الضالة .

عليها من غيره ، ومما هو شائع من ذلك في بلادنا المصرية الوصايا بالختمات والتسابيح بأجر معلوم ليهدي ثوابها إلى روح الموصي ، وكل ذلك غير جائز شرعا ، لان القارئ إذا قرأ لاجل المال فلا ثواب له ، فأي شئ يهديه إلى الميت ؟ . . . وقد نص الفقهاء على أن الاجرة المأخوذة في نظير عمل الطاعات حرام على الاخذ ، ولكن المتأخرين منهم استثنوا من هذا الاصل تعليم القرآن والعلوم الشرعية ، فأفتوا بجواز أخذ الاجرة عليه استحسانا ، بعد أن انقطعت الصلات والعطايا التي كانت تجرى على هؤلاء المعلمين ، في الصدر الاول ، من الموسرين وبيت المال ، دفعا للحرج والمشقة ، لانهم يحتاجون إلى ما به قوام حياتهم هم ومن يعولونهم . . . . وفي اشتغالهم بالحصول عليه من زراعة أو تجارة أو صناعة إضاعة للقرآن الكريم والشرع الشريف بانقراض حملته ، فجاز إعطاؤهم أجرا على هذا التعليم . . . . وقالت الحنابلة : لا تصح الاجارة لاذان وإقامة وتعليم قرآن وفقه وحديث ونيابة في حج وقضاء ، ولا يقع إلا قربة لفاعله ويحرم أخذ الاجرة عليه ، وقالوا : ويجوز أخذ رزق من بيت المال أو من وقف على عمل يتعدى نفعه ، كقضاء وتعليم قرآن وحديث وفقه ونيابة في حج وتحمل شهادة وأدائها وأذان ونحوها ، لانها من المصالح ، وليس بعوض بل رزق للاعانة على الطاعة ، ولا يخرجه ذلك عن كونه قربة ولا يقدح في الاخلاص ، وإلا ما استحقت الغنائم وسلب القاتل . . . وذهبت المالكية والشافعية وابن حزم : إلى جواز أخذ الاجرة على تعليم القرآن والعلم لانه استئجار لعمل معلوم ببذل معلوم . قال ابن حزم : " والاجارة جائزة على تعليم القرآن وعلى تعليم العلم مشاهرة وجملة ، كل ذلك جائز وعلى الرقى وعلى نسخ المصاحف ونسخ كتب العلم لانه لم يأت في النهي عن ذلك نص ، بل قد جاءت الاباحة " . ويقوي هذا المذهب ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما : " أن نفرا من أصحاب النبي ، صلى الله عليه وسلم ، مروا بماء فيه لديغ أو سليم . فعرض لهم رجل من أهل الماء ، فقال : هل فيكم من راق ، فإن في الماء رجلا لديغا أو سليما . . . فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء ( 1 ) ، فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا : أخذت على كتاب الله أجرا . حتى قدموا المدينة فقالوا : يا رسول الله ، أخذ على كتاب الله أجرا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله " . وكما اختلف الفقهاء في أخذ الاجرة على تلاوة القرآن وتعليمه ، فقد اختلفوا أيضا في أخذ الاجرة على الحج والاذان والامامة . فقال أبو حنيفة وأحمد : لا يجوز ذلك جريا على أصله في عدم أخذ الاجرة على الطاعات . وقال مالك : كما يجوز أخذ الاجرة على تعليم القرآن يجوز أخذها على الحج والاذان . فأما الامامة فإنه لا يجوز أخذ الاجرة عليها إن أفردها وحدها . فإن جمعها مع الاذان جازت الاجرة ، وكانت على الاذان والقيام بالمسجد لا على الصلاة . وقال الشافعي : تجوز الاجرة على الحج ولا تجوز على الامامة في صلاة الفرائض ، ويجوز بالاتفاق الاستئجار

( هامش ) ( 1 ) شياه .

على تعليم الحساب والخط واللغة والادب والحديث وبناء المساجد والمدارس . وعند الشافعية : تجوز الاجارة على غسل الميت وتلقينه ودفنه . وأبو حنيفة قال : لا يجوز الاستئجار على غسل الميت ، ويجوز على حفر القبور وحمل الجنائز .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:09 am

كسب الحجام : كسب الحجام غير حرام ، لان النبي ، صلى الله عليه وسلم ، احتجم وأعطى الحجام أجره ، كما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس . ولو كان حراما لم يعطه . قال النووي : " وحملوا الاحاديث التي وردت في النهي عنه على التنزيه والارتفاع عن دنئ الكسب والحث على مكارم الاخلاق ومعالي الامور " . 5 - أن تكون الاجرة مالا متقوما معلوما ( 1 ) بالمشاهدة أو الوصف ، لانها ثمن المنفعة ، وشرط الثمن أن يكون معلوما ، لقول رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، : " من استأجر أجيرا فليعلمه أجره " ( 2 ) . ويصح تقدير الاجرة بالعرف . . . أخرج أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي أن سويد بن قيس قال : " جلبت أنا ومخرمة العبدي برا من هجر فأتينا به مكة فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي فساومنا سراويل فبعناه . وثم رجل يزن بالاجر فقال له : " زن وأرجح " . . . فهنا لم يسم له الاجرة بل أعطاه ما اعتاده الناس . قال ابن تيمية : " إذا ركب دابة المكاري أو دخل حمام الحمامي أو دفع ثيابه أو طعامه إلى من يغسل ويطبخ فإن له الاجر المعروف " . وقد دل على ثبوت عوض الاجارة بالمعروف قوله تعالى : " فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن " ( 1 ) . فأمر بإيفائهن أجورهن بمجرد الارضاع . والمرجع في الاجور إلى العرف . . .

اشتراط تعجيل الاجرة وتأجيلها : الاجرة لا تملك بالعقد عند الاحناف ، ويصح اشتراط تعجيل الاجرة وتأجيلها كما يصح تعجيل البعض وتأجيل البعض الاخر ، حسب ما يتفق عليه المتعاقدان لقول الرسول صلى الله عليه وسلم ، : " المسلمون عند شروطهم " . فإذا لم يكن هناك اتفاق على التعجيل أو التأجيل فإن كانت الاجرة مؤقتة بوقت معين فإنه يلزم إيفاؤها بعد انقضاء ذلك الوقت . فمن أجر دارا شهرا مثلا ثم مضى الشهر فإنه تجب الاجرة بانقضائه . . . وإن كان عقد الاجارة على عمل فإنه يلزم إيفاؤها عند الانهاء من العمل . وإذا أطلق العقد ولم يشترط قبض الاجرة ولم ينص على تأجيلها : قال أبو حنيفة ومالك رضي الله عنهما : إنها تجب جزءا جزءا بحسب ما يقبض من المنافع . وقال الشافعي وأحمد : إنها تستحق بنفس العقد ، فإذا سلم المؤجر العين المستأجرة إلى المستأجر استحق جميع الاجرة ، لانه قد ملك المنفعة بعقد الاجارة ووجب تسليم الاجرة ليلزم تسليم العين إليه .

استحقاق الاجرة : وتستحق الاجرة بما يأتي : 1 - الفراغ من العمل ، لما رواه ابن ماجه أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " أعطوا الاجير أجره قبل أن يجف عرقه " . 2 - استيفاء المنفعة إذا كانت الاجارة على عين مستأجرة ، فإذا تلفت العين قبل الانتفاع ولم يمض شئ من المدة بطلت الاجارة . 3 - التمكن من استيفاء المنفعة ، إذا مضت مدة يمكن استيفاء المنفعة فيها ولو لم تستوف بالفعل . 4 - تعجيلها بالفعل أو اتفاق المتعاقدين على اشتراط التعجيل .

هل تسقط الاجرة بهلاك العين في عقد إجارة الاعمال ؟ إذا عمل الاجير في ملك المستأجر أو بحضرته استحق الاجرة لانه تحت يده ، فكلما عمل شيئا صار مسلما له . وإن كان العمل في يد الاجير لم يستحق الاجرة بهلاك الشئ في يده لانه لم يسلم العمل . وهذا مذهب الشافعية والحنابلة .

استئجار الظئر ( 1 ) : استئجار الرجل زوجته على رضاع ولده منها لا يجوز ،

( هامش ) ( 1 ) الظئر : المرضع .

لان ذلك أمر واجب عليها فيما بينها وبين الله تعالى ( 1 ) . أما استئجار المرضع غير الام فإنه يجوز بأجر معلوم ، ويجوز أيضا بطعامها وكسوتها ، وجهالة الاجرة في هذه الحال لا يفضي إلى المنازعة . والعادة جرت بالمسامحة مع المراضع والتوسعة عليهن رفقا بالاولاد . ويشترط العلم بمدة الرضاع ومعرفة الطفل بالمشاهدة وموضع الرضاع . يقول الله سبحانه : " وإن أردتم أن تسترضعوا أولاكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف . واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير " ( 2 ) . وهي بمنزلة الاجير الخاص ، فلا يجوز لها أن ترضع صبيا آخر . . . وعلى الظئر القيام بالارضاع وبما يحتاج إليه الصبي من غسله وغسل ثيابه وطبخ طعامه ، وعلى الاب نفقات الطعام وما يحتاج إليه الصبي من الريحان والدهن ، وإذا

( هامش ) ( 1 ) هذا مذهب الائمة الثلاثة . وزاد مالك : تجبر على ذلك إلا أن تكون شريفة ولا يرضع مثلها ، وقال أحمد : يصح . ( 2 ) سورة البقرة الاية رقم 233 .

مات الصبي أو المرضع انفسخت الاجارة . لان المنفعة في حالة موت المرضع تكون قد فاتت بهلاك محلها . . . . وفي حالة موت الطفل يتعذر استيفاء المعقود عليه .

الاستئجار بالطعام والكسوة : اختلف العلماء في حكم الاستئجار بالطعام والكسوة فأجازه قوم ومنعه آخرون ، وحجة المجيزين ما رواه أحمد وابن ماجه عن عتبة بن الندر قال : " كنا عند النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فقرأ " طسم " حتى بلغ قصة موسى عليه السلام فقال : " إن موسى أجر نفسه ثمان سنين أو عشر سنين على عفة فرجه وطعام بطنه " وهو مروي عن أبي بكر وعمر وأبي موسى . وإلى هذا ذهب مالك والحنابلة ، وجوزه أبو حنيفة في الظئر دون الخادم . . . وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد والهادوية والمنصور بالله لا يصح للجهالة . . . ويرى المالكية الذين أجازوا استئجار الاجير بطعامه وكسوته : أن ذلك يكون على حسب المتعارف . قالوا : ولو قال : احصد زرعي ولك نصفه ، أو اطحنه أو اعصر الزيت ، فإن ملكه نصفه الان جاز ، وإن أراد نصف ما يخرج منه لم يجز ، للجهالة .

إجارة الارض ( 1 ) : ويصح استئجار الارض ، ويشترط فيه بيان ما تستأجر له من زرع أو غرس أو بناء . وإذا كانت للزراعة فلا بد من بيان ما يزرع فيها ، إلا أن يأذن له المؤجر بأن يزرع فيها ما يشاء . فإذا لم تتحقق هذه الشروط فإن الاجارة تقع فاسدة ، لان منافع الارض تختلف باختلاف البناء والزرع كما يختلف تأخير المزروعات في الارض ، وله أن يزرعها زرعا آخر غير الزرع المتفق عليه بشرط أن يكون ضرره مثل ضرر الزرع المتفق عليه أو أقل منه . وقال داود : ليس له ذلك .

استئجار الدواب : ويصح استئجار الدواب . ويشترط فيه بيان المدة أو المكان ، كما يشترط بيان ما تستأجر له الدابة من الحمل أو الركوب ، وبيان ما يحمل عليها ومن يركبها وإذا هلكت الدواب المؤجرة للحمل والركوب فإن كانت مؤجرة معيبة فهلكت انقضت الاجارة ، وإن كانت غير معيبة فهلكت لا تبطل الاجارة . وعلى المؤجر أن يأتي بغيرها وليس له أن يفسخ العقد لان الاجارة وقعت على منافع في الذمة ولم يعجز المؤجر عن وفاء ما التزمه بالعقد . وهذا متفق عليه بين فقهاء المذاهب الاربعة .

استئجار الدور للسكنى : واستئجار الدور للسكن يبيح الانتفاع بسكناها سواء سكن فيها المستأجر أو أسكنها غيره بالاعارة أو الاجارة على أن لا يمكن من سكناها من يضر بالبناء أو يوهنه مثل الحداد وأمثاله . وعلى المؤجر إتمام ما يتمكن به المستأجر من الانتفاع حسب ما جرت به العادة .

تأجير العين المستأجرة : ويجوز للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة . فإذا كانت دابة وجب عليه أن يكون العمل مساويا أو قريبا للعمل الذي استؤجرت من أجله أولا ، حتى لا تضار الدابة . ويجوز له أن يؤجر العين المستأجرة إذا قبضها بمثل ما أجرها به أو أزيد أو أقل ، وله أن يأخذ ما يسمى بالخلو .

هلاك العين المستأجرة : العين المستأجرة أمانة في يد المستأجر لانه قبضها ليستوفي منها منفعة يستحقها ، فإذا هلكت لا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير في الحفظ . ومن استأجر دابة ليركبها فكبحها بلجامها كما جرت به العادة فلا ضمان عليه .

الاجير الاجير : خاص وعام . . . فالاجير الخاص : هو الشخص الذي يستأجر مدة معلومة ليعمل فيها ، فإن لم تكن المدة معلومة كانت الاجارة فاسدة . ولكل واحد من الاجير والمستأجر فسخها متى أراد . . . وفي الاجارة : إذا كان الاجير سلم نفسه للمستأجر زمنا ما فليس له في هذه الحال إلا أجر المثل ( 1 ) عن المدة التي عمل فيها . . . والاجير الخاص لا يجوز له أثناء المدة المتعاقد عليها أن يعمل لغير مستأجره . فإن عمل لغيره في المدة نقص من أجره بقدر عمله . . وهو يستحق الاجرة متى سلم نفسه ولم يمتنع عن العمل الذي استؤجر من أجله . وكذلك يستحق الاجرة كاملة لو فسخ المستأجر الاجارة قبل المدة المتفق عليها في العقد ما لم يكن هناك عذر يقتضي الفسخ . كأن يعجز الاجير عن العمل أو يمرض مرضا لا يمكنه من القيام به . فإن وجد عذر من عيب أو عجز ففسخ المستأجر الاجارة لم يكن للاجير إلا أجرة المدة التي عمل فيها - ولا تجب على المستأجر الاجرة الكاملة . والاجير الخاص مثل الوكيل في أنه أمين على ما بيده من عمل ، فلا يضمن منه ما تلف إلا بالتعدي أو التفريط . فإن فرط أو تعدي ضمن كغيره من الامناء .

الاجير المشترك : والاجير المشترك هو الذي يعمل لاكثر من واحد فيشتركون جميعا في نفعه كالصباغ ، والخياط ، والحداد ، والنجار ، والكواء . وليس لمن استأجره أن يمنعه من العمل لغيره ، ولا يستحق الاجرة إلا بالعمل . وهل يده يد ضمان أو يد أمانة ؟ ؟ . ذهب الامام علي وعمر ، رضي الله عنهما ، وشريح القاضي وأبو يوسف ومحمد والمالكية إلى أن يد الاجير المشترك يد ضمان ، وأنه يضمن الشئ التالف ولو بغير تعذ أو تقصير منه صيانة لاموال الناس وحفاظا على مصالحهم . روي البيهقي عن علي - كرم الله وجهه - أنه كان يضمن الصباغ والصانع وقال : " لا يصلح الناس إلا ذاك " . وروى أيضا : أن الشافعي ، رضي الله عنه ، ذكر أن شريحا ذهب إلى تضمين القصار ( 1 ) ، فضمن قصارا احترق بيته فقال : تضمنني وقد احترق بيتي ؟ فقال شريح : أرأيت لو احترق بيته كنت تترك له أجرك ؟ وذهب أبو حنيفة وابن حزم إلى أن يده يد أمانة فلا يضمن إلا بالتعدي أو التقصير وهذا هو الصحيح من مذهب الحنابلة والصحيح من أقوال الشافعي رضي الله عنه . وقال ابن حزم : لا ضمان على أجير مشترك أو غير مشترك ولاعلى صانع أصلا ، إلا ما ثبت أنه تعدى فيه أو أضاعه .

( هامش ) ( 1 ) القصار : الصباغ .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:10 am

فسخ الاجارة وانتهاؤها : الاجارة عقد لازم لا يملك أحد المتعاقدين فسخه لانه عقد معاوضة ، إلا إذا وجد ما يوجب الفسخ كوجود عيب ، كما سيأتي . . . فلا تفسخ الاجارة بموت أحد المتعاقدين مع سلامة المعقود عليه ويقوم الوارث مقام مورثه سواء أكان مؤجرا أو مستأجرا . . . خلافا للحنفية والظاهرية والشعبي والثوري والليث بن سعد . ولا تفسخ ببيع العين المستأجرة للمستأجر أو لغيره ، ويتسلمها المشتري إذا كان غير المستأجر بعد انقضاء مدة الاجارة ( 1 ) .

وتفسخ بما يأتي : 1 - طروء العيب الحادث على المأجور وهوفي يد المستأجر أو ظهور العيب القديم فيه . 2 - هلاك العين المؤجرة المعينة كالدار المعينة والدابة المعينة . . .

( هامش ) ( 1 ) هذا مذهب مالك وأحمد . وقال أبو حنيفة : لاتباع إلا برضا المستأجر أو يكون عليه دين يحبسه الحاكم بسببه فيبيعها في دينه .

3 - هلاك المؤجر عليه كالثوب المؤجر للخياطة ، لانه لا يمكن استيفاء المعقود عليه بعد هلاكه . . . 4 - استيفاء المنفعة المعقود عليها أو إتمام العمل أو انتهاء المدة إلا إذا كان هناك عذر يمنع الفسخ ، كما لو انتهت مدة إجارة الارض الزراعية قبل أن يستحصد الزرع فتبقى في يد المستأجر بأجر المثل حتى يستحصد ، ولو جبرا على المؤجر منعا لضرر المستأجر بقلع الزرع قبل أو انه . 5 - وقال الاحناف : يجوز فسخ الاجارة لعذر يحصل ولو من جهته ، مثل أن يكتري حانوتا ليتجر فيه فيحترق ماله أو يسرق أو يغصب أو يفلس فيكون له فسخ الاجارة . . .

رد العين المستأجرة : ومتى انتهت الاجارة وجب على المستأجر رد العين المستأجرة . فإن كانت من المنقولات سلمها لصاحبها . . . وإن كانت من العقارات المبينة سلمها لصاحبها خالية من متاعه . وإن كانت من الاراضي الزراعية سلمها خالية من الزرع ، إلا إذا كان هناك عذر كما سبق ، فإنها تبقى بيد المستأجر حتى يحصد الزرع بأجر المثل . وقالت الحنابلة : متى انقضت الاجارة رفع المستأجر يده ولم يلزمه الرد ولا مؤونته مثل المودع ، لانه عقد لا يقتضي الضمان ، فلا يقتضي رده ومؤونته . قالوا : وتكون بعد انقضاء المدة بيد المستأجر أمانة إن تلفت بغير تفريط فلاضمان عليه .

المضاربة تعريفها : المضاربة مأخوذة من الضرب في الارض وهو السفر للتجارة ، يقول الله سبحانه : " وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله " ( 1 ) . وتسمى قراضا ، وهو مشتق من القرض ، وهو القطع ، لان المالك قطع قطعة من ماله ليتجر فيها وقطعة من ربحه . وتسمى أيضا : معاملة . والمقصود بهاهنا : عقد بين طرفين على أن يدفع أحدهما نقدا إلى الآخر ليتجر فيه ، على أن يكون الربح بينهما حسب ما يتفقان عليه .

حكمها : وهي جائزة بالاجماع وقد ضارب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لخديجة - رضي الله عنها - بمالها ، وسافر به إلى الشام قبل أن يبعث ، وقد كان معمولا بها في الجاهلية ، ولما جاء الاسلام أقرها . قال الحافظ بن حجر : " والذي نقطع به أنها كانت ثابتة في عصر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يعلم بها وأقرها ، ولو لا ذلك لما جازت ألبتة . . . وروى أن عبد الله وعبيدالله ابي عمر بن الخطاب رضي الله عنهم خرجا في جيش العراق فلما قفلا ( 1 ) مرا على عامل لعمر : وهو أبو موسى الاشعري وهو أمير البصرة فرحب بهما وسهل ، وقال : لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت ، ثم قال : بلى ، ههنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكما فتبتاعان به متاعا من متاع العراق ثم تبيعانه في المدينة وتوفران رأس المال إلى أمير المؤمنين ويكون لكما ربحه ، فقالا : وددنا ، ففعل . فكتب إلى عمر أن يأخذ منهما المال ، فلما قدما وباعا وربحا قال عمر : أكل الجيش قد أسلف كما أسلفكما ؟ فقالا : لا . فقال عمر :

( هامش ) ( 1 ) أي رجعا .

ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما ، أديا المال وربحه . فأما عبد الله فسكت ، وأما عبيدالله فقال : يا أمير المؤمنين لو هلك المال ضمناه ، فقال : أدياه ، فسكت عبد الله وراجعه عبيدالله ، فقال رجل من جلساء عمر : يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا ( 1 ) ، فرضي عمر وأخذ رأس المال ونصف ربحه ، وأخذ عبد الله وعبيدالله نصف ربح المال . حكمتها : وقد شرعها الاسلام وأباحها تيسيرا على الناس . فقد يكون بعض منهم مالكا للمال ، ولكنه غير قادر على استثماره . وقد يكون هناك من لا يملك المال ، لكنه يملك القدرة على استثماره . فأجاز الشارع هذه المعاملة لينتفع كل واحد منهما ، فرب المال ينتفع بخبرة المضارب ، والمضارب ينتفع بالمال . ويتحقق بهذا تعاول المال والعمل . والله ما شرع العقود إلا لتحقيق المصالح ودفع الجوائح .

ركنها : وركنها الايجاب والقبول الصادران ممن لهما أهلية التعاقد .

( هامش ) ( 1 ) أي لو عملت بحكم المضاربة ، وهو أن يجعل لهما النصف ولبيت المال النصف .

ولا يشترط لفظ معين ، بل يتم العقد بكل ما يؤدي إلى معنى المضاربة ، لان العبرة في العقود للمقاصد والمعاني ، لا للالفاظ والمباني .

شروطها : ويشترط في المضاربة الشروط الآتية : 1 - أن يكون رأس المال نقدا . فإن كان تبرا أو حليا أو عروضا فإنها لا تصح . قال ابن المنذر : " أجمع كل من نحفظ عنه أنه لا يجوز أن يجعل الرجل دينا له على رجل مضاربة " انتهى . 2 - أن يكون معلوما ، كي يتميز رأس المال الذي يتجر فيه من الربح الذي يوزع بينهما حسب الاتفاق . 3 - أن يكون الربح بين العامل وصاحب رأس المال معلوما بالنسبة ، كالنصف والثلث والربع ، لان النبي ، صلى الله عليه وسلم ، عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها . وقال ابن المنذر : " أجمع كل من نحفظ عنه على إبطال القراض إذا جعل أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة " انتهى . وعلة ذلك أنه لو اشترط قدر معين لاحدهما فقد لا يكون الربح إلا هذا القدر ، فيأخذه من اشترط له ولا يأخذ الآخر شيئا . وهذا مخالف المقصود من عقد المضاربة الذي راد به نفع كل من المتعاقدين . 4 - أن تكون المضاربة مطلقة ، فلا يقيد رب المال العامل بالاتجار في بلد معين أوفي سلعة معينة ، أو يتجر في وقت دون وقت ، أو لا يتعامل إلا مع شخص بعينه ، ونحو ذلك من الشروط ، لان اشتراط التقييد كثيرا ما يفوت المقصود من العقد ، وهو الربح . فلابد من عدم اشتراطه ، وإلا فسدت المضاربة . وهذا مذهب مالك والشافعي . وأما أبو حنيفة وأحمد فلم يشترطا هذا الشرط وقالا : " إن المضاربة كما تصح مطلقة فإنها تجوز كذلك مقيدة " . ( 1 ) وفي حالة التقييد لا يجوز للعامل أن يتجاوز الشروط التي شرطها ، فإن تعداها ضمن . روي عن حكيم بن حزام : أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه مالا مقارضة يضرب له به : " أن لا يجعل مالي في كبد رطبة ، ولا يحمله في بحر ، ولا ينزل به بطن مسيل ، فإن فعلت شيئا من ذلك فقد ضمنت مالي " . وليس من شروط المضاربة بيان مدتها ، فإنها عقد جائز يمكن فسخه في أي وقت .وليس من شروطها أن تكون بين مسلم ومسلم ، بل يصح أن تكون بين مسلم وذمي .

العامل أمين : ومتى تم عقد المضاربة وقبض العامل المال كانت يد العامل في المال يد أمانة ، فلا يضمن إلا بالتعدي . فإذا تلف المال بدون تعد منه فلاشئ عليه ، والقول قوله مع يمينه إذا ادعى ضياع المال أو هلاكه ، لان الاصل عدم الخيانة . العامل يضارب بمال المضاربة : وليس للعامل أن يضارب بمال المضاربة ويعتبر ذلك تعديا منه . قال في بداية المجتهد : " ولم يختلف هؤلاء المشاهير من فقهاء الامصار أنه إن دفع العامل رأس مال القراض إلى مقارض آخر فإنه ضامن إن كان خسران ، وإن كان ربح فذلك على شرطه ، ثم يكون للذي عمر شرطه على الذي دفع إليه فيوفيه حظه مما بقي من المال " ( 1 ) . نفقة العامل : نفقة العامل في مال المضاربة من ماله مادام مقيما ، وكذلك إذا سافر للمضاربة . لان النفقة

( هامش ) ( 1 ) يرى أبو قلابة ونافع وأحمد و إسحاق : أن المضارب إذا خالف فهو ضامن والربح لرب المال . وقال أصحاب الرأي : الربح للمضارب ويتصدق به ، والوضيعة عليه وهو ضامن لرأس المال في الوجهين معا .

قد تكون قدر الربح فيأخذه كله دون رب المال ولان له نصيبا من الربح مشروطا له فلا يستحق معه شيئا آخر . لكن إذا أذن رب المال للعامل بأن ينفق على نفسه من مال المضاربة أثناء سفره أو كان ذلك مما جرى به العرف فإنه يجوز له حينئذ أن ينفق من مال المضاربة . ويرى الامام مالك أن للعامل أن ينفق من مال المضاربة متى كان المال كثيرا يتسع للانفاق منه .

فسخ المضاربة : وتنفسخ المضاربة بما يأتي : 1 - أن تفقد شرطا من شروط الصحة . فإذا فقدت شرطا من شروط الصحة وكان العامل قد قبض المال واتجر فيه فإنه يكون له في هذه الحال أجرة مثله ، لان تصرفه كان بإذن من رب المال وقام بعمل يستحق عليه الاجرة . وما كان من ربح فهو للمالك وما كان من خسارة فهي عليه ، لان العامل لا يكون إلا أجيرا ، والاجير لا يضمن إلا بالتعدي . 2 - أن يتعدى العامل أو يقصر في حفظ المال ، أو يفعل شيئا يتنافى مع مقصود العقد ، فإن المضاربة في هذه الحال تبطل ، ويضمن المال إذا تلف ، لانه هو المتسبب في التلف . 3 - أن يموت العامل أو رب المال . فإذا مات أحدهما انفسخت المضاربة . تصرف العامل بعد موت رب المال : إذا مات رب المال انفسخت المضاربة بموته ، ومتى انفسخت المضاربة فإن العامل لا حق له في التصرف في المال ، فإذا تصرف بعد علمه بالموت وبغير إذن الورثة فهو غاصب ، وعليه ضمان . ثم إذا ربح المال فالربح بينهما ، قال ابن تيمية : " وبه حكم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فيما أخذ ابناه من بيت المال ، فاتجرا فيه بغير استحقاق فجعله مضاربة " انتهى . وإذا انفسخت المضاربة ورأس المال عروض ، فلرب المال وللعامل أن يبيعاه أو يقتسماه لان ذلك حق لهما . وإن رضي العامل بالبيع وأبى رب المال أجبر رب المال على البيع لان للعامل حقا في الربح ولا يحصل عليه إلا بالبيع . وهذا مذهب الشافعية والحنابلة .

اشتراط حضور رب المال عند القسمة : قال ابن رشد . فقه السنة - 14 / صفحة 210 / " أجمع علماء الامصار على أنه لا يجوز للعامل أن يأخذ نصيبه من الربح إلا بخضرة رب المال ، وأن حضور رب المال شرط في قسمة المال و أخذ العامل حصته ، وأنه ليس يكفي في ذلك أن يقسمه في حضور بينة أو غيرها " . انتهى

الحوالة تعريفها : الحوالة ( 1 ) ( 1 ) مأخوذة من التحويل بمعنى الانتقال ، والمقصود بها هنا نقل الدين من ذمة المحيل الى ذمة المحال عليه . وهي تقتضي وجود محيل ، ومحال ، ومحال عليه . فالمحيل هو المدين ، والمحال هو الدائن ، والمحال عليه هو الذي يقوم بقضاء الدين . والحوالة تصرف من التصرفات التي لا تحتاج الى ايجاب وقبول ، وتصح بكل ما يدل عليها : كأحلتك وأتبعتك بدينك على فلان . . . ونحو ذلك .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:10 am

مشروعيتها : وقد شرعها الاسلام وأجازها للحاجة إليها . روى الامام البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " مطل الغني ظلم ، وإذا أتبع أحدكم على ملئ فليتبع " ( 1 ) . ففي هذا الحديث أمر الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، الدائن إذا أحاله المدين على غني ملئ قادر أن يقبل الاحالة ، وأن يتبع الذي أحيل عليه بالمطالبة حتى يستوفي حقه . هل الامر للوجوب أو الندب ؟ : ذهب الكثير من الحنابلة وابن جرير وأبو ثور والظاهرية : إلى أنه يجب على الدائن قبول الاحالة على الملئ عملا بهذا الامر . وقال الجمهور : إن الامر للاستحباب .

شروط صحتها : ويشترط لصحة الحوالة الشروط الآتية : 1 - رضا المحيل والمحال دون المحال عليه استدلالا بالحديث المتقدم ، فقد ذكرهما الرسول ، صلى الله عليه وسلم . ولان المحيل له أن يقضي الدين الذي عليه من أي جهة أراد . ولان المحال حقه في ذمة المحيل فلا ينتقل إلا برضاه . وقيل : لا يشترط رضاه لان المحال يجب عليه قبولها

( هامش ) ( 1 ) المطل في الاصل المد . والمراد به هنا تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر والغني هنا : القادر على الاداء ولو كان فقيرا . والملئ : الغني المقتدر .

لقوله صلى الله عليه وسلم : إذا أحيل أحدكم على ملئ فليتبع . ولان له أن يستوفي حقه سواء أكان من المحيل نفسه أو ممن قام مقامه . وأما عدم اشتراط رضا المحال عليه فلان الرسول لم يذكره في الحديث ، ولان الدائن أقام المحال مقام نفسه في استيفاء حقه فلا يحتاج إلى رضا من عليه الحق . وعند الحنفية والاصطخري من الشافعية اشتراط رضاه أيضا . 2 - تماثل الحقين في الجنس والقدر والحلول والتأجيل والجودة والرداءة ، فلا تصح الحوالة إذا كان الدين ذهبا وأحاله ليأخذ بدله فضة . وكذلك إذا كان الدين حالا وأحاله ليقبضه مؤجلا أو العكس . وكذلك لا تصح الحوالة إذا اختلف الحقان من حيث الجودة والرداءة أو كان أحدهما أكثر من الآخر . 3 - استقرار الدين ، فلو أحاله على موظف لم يستوف أجره بعد فإن الحوالة لا تصح . 4 - أن يكون كل من الحقين معلوما . هل تبرأ ذمة المحيل بالحوالة ؟ : إذا صحت الحوالة برئت ذمة المحيل ، فإذا أفلس الحال عليه أو جحد الحوالة أو مات لم يرجع المحال على المحيل بشئ . وهذا هو ما ذهب إليه جماهير العلماء . إلا أن المالكية قالوا : إلا أن يكون المحيل غر المحال فأحاله على عديم ، قال مالك في الموطأ : " الامر عندنا في الرجل يحيل الرجل على الرجل بدين له عليه ، إن أفلس الذي أحيل عليه أو مات ولم يدع وفاء فليس للمحال على الذي أحاله شئ ، وأنه لا يرجع على صاحبه الاول . قال : " وهذا الامر الذي لااختلاف فيه عندنا " . وقال أبو حنيفة وشريح وعثمان البتي وغيرهم : يرجع صاحب الدين إذا مات المحال عليه مفلسا أو جحد الحوالة .

الشفعة تعريفها : الشفعة مأخوذة من الشفع وهو الضم ، وقد كانت معروفة عند العرب . فان الرجل في الجاهلية إذا أراد بيع منزل أو حائط أتاه الجار والشريك والصاحب يشفع إليه فيما باع فيشفعه ويجعله أولى به ممن بعد منه ، فسميت شفعة ، وسمي طالبها شفيعا . والمقصود بها في الشرع : تملك المشفوع فيه جبرا عن المشتري بما قام عليه من الثمن والنفقات .

مشروعيتها : والشفعة ثابتة بالسنة ، واتفق المسلمون على أنها مشروعة . " روى البخاري عن جابر بن عبد الله أن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، قضى في الشفعة فيما لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطريق فلا شفعة " .

حكمتها : وقد شرع الاسلام الشفعة ليمنع الضرر ويدفع الخصومة ، لان حق تملك الشفيع للمبيع الذي اشتراه أجنبي يدفع عنه ما قد يحدث له من ضرر ينزل به من هذا الاجنبي الطارئ . واختار الشافعي أن الضرر هو ضرر مؤونة القسمة واستحداث المرافق وغيرها . وقيل : ضرر سوء المشاركة . الشفعة للذمي : وكما تثبت الشفعة للمسلم فإنها للذمي عند جمهور الفقهاء . وقال أحمد والحسن والشعبي : لا تثبت للذمي ، لما رواه الدارقطني عن أنس أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " لاشفعة لنصراني " . استئذان الشريك في البيع : ويجب على الشريك أن يستأذن شريكه قبل البيع فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به ، وإن أذن في البيع وقال : لاغرض لي فيه ، لم يكن له الطلب بعد البيع . هذا مقتضى حكم رسول الله ، ولا معارض له بوجه . 1 - وروى مسلم عن جابر قال : " قضى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بالشفعة في كل شركة لم تقسم : ربعة ( 1 ) أو حائط ( 2 ) . لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه ، فإن شاء أخذ وإن شاء ترك ، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به " . 2 - وعن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كان له شرك في نخل أو ربعة فليس له أن يبيع حتى يؤذن شريكه ، فإن رضي أخذ وإن كره ترك " . رواه يحيى بن آدم عن زهير عن أبي الزبير وإسناده على شرط مسلم . قال ابن حزم : " لا يحل لمن له ذلك أن يبيعه حتى يعرضه على شريكه أو شركائه فيه ، فإن أراد من يشركه فيه الاخذ له بما أعطى فيه غيره فالشريك أحق به ، وإن لم يرد فقد سقط حقه ، ولاقيام له بعد ذلك إذا باعه ممن باعه . فإن لم يعرض عليه ، كما ذكرنا ، حتى باعه من غير من يشركه فيه فمن يشركه مخير بين أن يمضي ذلك البيع وبين أن يبطله ويأخذ ذلك الجزء لنفسه بما بيع به " .

( هامش ) ( 1 ) الربعة : المنزل . ( 2 ) الحائط : البستان

وقال ابن القيم : " وهذا مقتضى حكم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ولا معارض له بوجه ، وهو الصواب المقطوع به . وذهب بعض العلماء ومنهم الشافعية إلى أن الامر محمول على الاستحباب . قال النووي : هو محمول عند أصحابنا على الندب إلى إعلامه وكراهة بيعه قبل إعلامه وليس بحرام .

الاحتيال لاسقاط الشفعة : ولا يجوز الاحتيال لاسقاط الشفعة ، لان في ذلك إبطال حق المسلم ، لما روي عن أبي هريرة مرفوعا : " لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل " . وهذا مذهب مالك وأحمد ، ويرى أبو حنيفة والشافعي أنه يجوز الاحتيال . والاحتيال لاسقاط الشفعة مثل أن يقر له ببعض المالك فيصبح بهذا الاقرار شريكا له ، ثم يبيعه الباقي أو يهبه له " .

شروط الشفعة يشترط للاخذ بالشفعة الشروط الآتية : أولا : أن يكون المشفوع فيه عقارا كالارض والدور وما يتصل بها اتصال قرار ، كالغراس والبناء والابواب والرفوف ، وكل ما يدخل في البيع عند الاطلاق ، لما تقدم عن جابر رضي الله عنه قال : قضى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بالشفعة في كل شركة لم تقسم : ربعة أو حائط . وهذا مذهب الجمهور من الفقهاء ، وخالف في ذلك أهل مكة والظاهرية ، ورواية عن أحمد ، وقالوا : إن الشفعة في كل شئ ، لان الضرر الذي قد يحدث للشريك في العقار قد يحدث أيضا للشريك في المنقول ، ولما قاله جابر قال : " قضى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بالشفعة في كل شئ " . قال ابن القيم : ورواة هذا الحديث ثقات ، ولحديث ابن عباس ، أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " الشفعة في كل شئ " ورجاله ثقات إلا أنه أعل بالارسال ، وأخرج الطحاوي له شاهدا من حديث جابر بإسناد لا بأس به ، وقد انتصر لهذا ابن حزم فقال : " الشفعة واجبة في كل جزء بيع مشاعا غير مقسوم ، بى اثنين فصاعدا ، من أي شئ كان مما ينقسم أولا : من أرض أو شجرة واحدة فأكثر ، أو عبد أو أمة ، أم من سيف أو من طعام أو من حيوان أو من أي شئ بيع " . ثانيا : أن يكون الشفيع شريكا في المشفوع فيه ، وأن تكون الشركة متقدمة على البيع ، وأن لا يتميز نصيب كل واحد من الشريكين ، بل تكون الشركة على الشيوع . فعن جابر رضي الله عنه قال : " قضى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بالشفعة في كل ما لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " . رواه الخمسة . أي أن الشفعة ثابتة في كل مشترك مشاع قابل للقسمة ، فإذا قسم وظهرت الحدود ورسمت الطرق بينهما فلاشفعة . وإذا كانت الشفعة تثبت للشريك فإنها تثبت فيما يقبل القسمة ، ويجبر الشريك فيها على القسمة بشرط أن ينتفع بالمقسوم على الوجه الذي كان ينتفع به قبل القسمة ، ولهذا لا تثبت الشفعة في الشئ الذي لو قسم لبطلت منفعته ، قال في المنهاج : " وكل ما لو قسم بطلت منفعته المقصودة كحمام ورحى لاشفعة فيه على الاصح " . وروى مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب " أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قضى بالشفعة فيما لم يقسم بين الشركاء ، فإذا وقعت الحدود بينهم فلاشفعة " . وهذا مذهب علي وعثمان وعمر وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعمر بن عبد العزيز وربيعة ومالك والشافعي والاوزاعي وأحمد وإسحاق وعبيد الله بن الحسن والامامية . قال في شرح السنة : " اتفق أهل العلم على ثبوت الشفعة للشريك في الربع المنقسم إذا باع أحد الشركاء نصيبه قبل القسمة ، فللباقين أخذه بالشفعة بمثل الثمن الذي وقع عليه البيع . وإن باع بثئ متقوم من ثوب فيأخذ بقيمته " انتهى . وأما الجار فإنه لاحق له في الشفعة عندهم . وخالف في ذلك الاحناف فقالوا : إن الشفعة مرتبة : فهي تثبت للشريك الذي لم يقاسم أولا ، ثم يليه الشريك المقاسم إذا بقيت في الطرق أو في الصحن شركة ، ثم الجار الملاصق . ومن العلماء من توسط فأثبتها عند الاشتراك في حق من حقوق الملك ، كالطريق والماء ونحوه ، ونفاها عند تميز كل ملك بطريق حيث لا يكون بين الملاك اشتراك ، واستدل لهذا بما رواه أصحاب السنن بإسناده صحيح عن جابر عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " الجار أحق بشفعة جاره ، ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا " . قال ابن القيم : " وعلى هذا القول تدل أحاديث جابر منطوقها ومفهومها ويزول عنها القضاء والاختلاف " . قال : " والاقوال الثلاثة في مذهب أحمد ، وأعدلها واحسنها هذا القول الثالث " انتهى . ثالثا : أن يخرج المشفوع فيه من ملك صاحبه بعوض مالي ، بأن يكون مبيعا ( 1 ) أو يكون في معنى المبيع ، كصلح عن إقرار بمال ، أو عن جناية توجبه أو هبة ببيع بعوض معلوم لانه بيع في الحقيقة . فلاشفعة فيما انتقل عنه ملكه بغير بيع كمر هوب بغير عوض وموصى به وموروث . وفي بداية المجتهد : " واختلف في الشفعة في المساقاة ، وهي تبديل أرض بأرض ، فعن مالك في ذلك ثلاث روايات : الجواز والمنع والثالث أن تكون المناقلة بين الاشراك أو الاجانب ، فلم يرها في الاشراك ورآها في الاجانب . رابعا : أن يطلب الشفيع على الفور ، أي أن الشفيع إذا علم بالبيع فإنه يجب عليه أن يطلب الشفعة حين يعلم متى كان ذلك ممكنا ، فإن علم ثم أخر الطلب من غير عذر سقط حقه فيها .

( هامش ) ( 1 ) الاحناف يرون أن الشفعة لا تكون إلا في المبيع فقط ، أخذا بظاهر الاحاديث
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:11 am

والسبب في ذلك أنه لو لم يطلبها الشفيع على الفور وبقي حقه في الطلب متراخيا لكان في ذلك ضرر بالمشتري ، لان ملكه لا يستقر في المبيع ولا يتمكن من التصرف فيه بالعمارة خوفا من ضياع جهده وأخذه بالشفعة . وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ، وهو الراجح من مذهب الشافعي وإحدى الروايات عن أحمد ( 1 ) ، وهذا ما لم يكن الشفيع غائبا ، أو لم يعلم بالمبيع ، أو كان يجهل الحكم . فإن كان غائبا أو لم يعلم بالبيع أو كان يجهل أن تأخير الطلب يسقط الشفعة فإنها لا تسقط . ويرى ابن حزم وغيره أن الشفعة تثبت حقا له بإيجاب الله فلا تسقط بترك الطلب ولو ثمانين سنة أو أكثر ، إلا إذا أسقطه بنفسه . ويرى أن القول بأن الشفعة لمن واثبها لفظ فاسد ، لا يحل أن يضاف مثله إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . وقال مالك : لا تجب على الفور بل وقت وجوبها متسع .

( هامش ) ( 1 ) أصح الروايتين عن أبي حنيفة : أن الطلب لا يجب أن يكون فور العلم بالبيع ، لان الشفيع قد يحتاج إلى التروي في الامر ، فيجب أن يمكن من ذلك . وهذا يكون بجعل الخيار له طول مجلس علمه بالبيع . فلا تبطل شفعته إلا إذا قام عن المجلس أو تشاغل عن الطلب بأمر آخر .

قال ابن رشد : واختلف قوله في هذا الوقت ، هل هو محدود أم لا ؟ فمرة قال : هو غير محدود ، وإنها لا تنقطع أبدا إلا أن يحدث المبتاع بناء أو تغيرا كثيرا بمعرفته وهو حاضر عالم ساكت . ومرة حدد هذا الوقت ، فروي عنه السنة ، وهو الاشهر ، وقيل أكثر من سنة . وقد قيل عنه : إن الخمسة أعوام لا تنقطع فيها الشفعة . خامسا : أن يدفع الشفيع للمشتري قدر الثمن الذي وقع عليه العقد فيأخذ الشفيع الشفعة بمثل الثمن إن كان مثليا أو بقيمته إن كان متقوما . ففي حديث جابر مرفوعا " هو أحق به بالثمن " رواه الجوزجاني . فإن عجز عن دفع الثمن كله سقطت الشفعة . ويرى مالك والحنابلة أن الثمن إذا كان مؤجلا كله أو بعضه فإن للشفيع تأجيله أو دفعه منجما " مقسطا " حسب المنصوص عليه في العقد ، بشرط أن يكون موسرا أو يجئ بضامن له موسر ، وإلا وجب أن يدفع الثمن حالا رعاية للمشتري . والشافعي والاحناف يرون أن الشفيع مخير ، فإن عجل تعجلت الشفعة ، وإلا تتاخر إلى وقت الاجل . سادسا : أن يأخذ الشفيع جميع الصفقة ، فإن طلب الشفيع أخذ البعض سقط حقه في الكل . وإذا كانت الشفعة بين أكثر من شفيع فتركها بعضهم فليس للباقي إلا أخذ الجميع حتى لا تتفرق الصفقة على المشتري .

الشفعة بين الشفعاء : إذا كانت الشفعة بين أكثر من شفيع وهم أصحاب سهام متفاوتة فإن كل واحد منهم يأخذ من المبيع بقدر سهمه عند مالك ، والاصح من قولي الشافعي وأحمد ، لانها حق يستفاد بسبب الملك فكانت على قدر الاملاك . وقال الاحناف وابن حزم : إنها على عدد الرؤوس لاستوائهم جميعا في سبب استحقاقها .

وراثة الشفعة : يرى مالك والشافعي ( 1 ) أي الشفعة تورث ولا تبطل بالموت ، فإذا أوجبت له الشفعة فمات ولم يعلم بها ، أو علم بها ومات قبل التمكن من الاخذ انتقل الحق إلى الوارث قياسا على الاموال . وقال أحمد : لا تورث إلا أن يكون الميت طالب بها . وقالت الاحناف : إن هذا الحق لا يورث كما أنه لا يباع وإن كان الميت طالب بالشفعة إلا أن يكون الحاكم حكم له بها ثم مات .

تصرف المشتري : تصرف المشتري في المبيع قبل أخذ الشفيع بالشفعة صحيح لانه تصرف في ملكه ، فإن باعه فللشفيع أخذه بأحذ البيعين . وإن وهبه أو وقفه أو تصدق به أو جعله صداقا ونحوه فلاشفعة ، لان فيه إضرارا بالمأخوذ منه لان ملكه يزول عنه بغير عوض والضرر لا يزال بالضرر ، أما تصرف المشتري بعد أخذ الشفيع بالشفعة فهو باطل ، لانتقال الملك للشفيع بالطلب . المشتري يبني قبل الاستحقاق بالشفعة : إذا بنى المشتري أو غرس في الجزء المشفوع فيه قبل قيام الشفعة ثم استحق عليه بالشفعة . فقال الشافعي وأبو حنيفة : للشفيع أن يعطيه قيمة البناء منقوضا ، وكذلك قيمة العرش مقلوعا أو يكلفه بنقضه . وقال مالك : لاشفعة إلا أن يعطى المشتري قيمة ما بنى وما غرس . المصالحة عن إسقاط الشفعة : إذا صالح عن حقه في الشفعة أو باعه من المشتري كان عمله باطلا ومسقطا لحقه في الشفعة ، وعليه رد ما أخذه عوضا عنه من المشتري . وهذا عند الشافعي . وعند الائمة الثلاثة يجوز له ذلك ، وله أن يتملك ما بذله له المشتري .

الوكالة تعريفها : الوكالة ( 1 ) : معناها التفويض ، تقول : وكلت أمري إلى الله ، أي فوضته إليه - وتطلق على الحفظ ، ومنه قول الله سبحانه : " حسبنا الله ونعم الوكيل ( 2 ) " . والمراد بها هنا استنابة الانسان غيره فيما يقبل النيابة . مشروعيتها : وقد شرعها الاسلام للحاجة إليها ، فليس كل إنسان قادرا على مباشرة أموره بنفسه فيحتاج إلى توكيل غيره ليقوم بها بالنيابة عنه ، جاء في القرآن الكريم قول الله سبحانه في قصة أهل الكهف : " وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم . قال قائل منهم : كم لبثتم ؟ قالوا : لبثنا يوما أو بعض يوم . قالوا : ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه ، وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا " ( 1 ) . وذكر الله عن يوسف أنه قال للملك : " اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم " . وجاءت الاحاديث الكثيرة تفيد جواز الوكالة ، منها أنه ، صلى الله عليه وسلم ، وكل أبا رافع ورجلا من الانصار فزوجاه ميمونة رضي الله عنها - وثبت عنه ، صلى الله عليه وسلم ، التوكيل في قضاء الدين ، والتوكيل في إثبات الحدود واستيفائها ، والتوكيل في القيام على بدنه وتقسيم جلالها ( 2 ) وجلودها ، وغير ذلك . وأجمع المسلمون على جوازها بل على استحبابها ، لانها نوع من التعاون على البر والتقوى الذي دعا إليه القرآن الكريم وحببت فيه السنة ، يقول الله سبحانه : " وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان " . ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " والله في عون العبد ماكان العبد في عون أخيه " .

( هامش ) ( 1 ) سورة الكهف الآية ( 19 ) . ( 2 ) البدن ، الحيوان البدين من ناقة أو بقر . والجلة ، البعرة .

وقد حكى صاحب البحر الاجماع على كونها مشروعة . وفي كونها نيابة أو ولاية وجهان : فقيل : نيابة ، لتحريم المخالفة ، وقيل : ولاية لجواز المخالفة إلى الاصلح ، كالبيع بمعجل وقد أمر بمؤجل .

أركانها : الوكالة عقد من العقود ، فلا تصح إلا باستيفاء أركانها من الايجاب والقبول ، ولا يشترط فيهما لفظ معين بل تصح بكل ما يدل عليهما من القول أو الفعل . ولكل واحد من المتعاقدين أن يرجع في الوكالة ويفسخ العقد في أي حال . لانها من العقود الجائزة أي غير اللازمة .

التنجيز والتعليق : وعقد الوكالة يصح منجزا ومعلقا ومضافا إلى المستقبل كما يصح مؤقتا بوقت ، أو بعمل معين ، فالمنجز مثل : وكلتك في شراء كذا . والتعليق مثل : إن تم كذا فأنت وكيلي ، والاضافة إلى المستقبل مثل : إن جاء شهر رمضان فقد وكلتك عني ، والتوقيت مثل : وكلتك مدة سنة أو لتعمل كذا . وهذا مذهب الحنفية والحنابلة ، ورأى الشافعية أنه لا يجوز تعليقها بالشرط . والوكالة قد تكون تبرعا من الوكيل وقد تكون بأجر لانه تصرف لغيره لا يلزمه فجاز أخذ العوض عليه ، وحينئذ للموكل أن يشترط عليه أن لا يخرج نفسه منها إلا بعد أجل محدود وإلا كان عليه التعويض ( 1 ) . وإن نص في العقد على أجرة للوكيل اعتبر أجيرا وسرت عليه أحكام الاجير .

شروطها : والوكالة لا تصح إلا إذا استكملت شروطها ، وهذه الشروط منها شروط خاصة بالموكل ومنها شروط خاصة بالوكيل ، ومنها شروط خاصة بالموكل فيه ، أي محل الوكالة .

شروط الموكل : ويشترط في الموكل أن يكون مالكا للتصرف فيما يوكل فيه ، فإن لم يكن مالكا للتصرف فلا يصح توكيله : كالمجنون والصبي غير المميز ، فإنه لا يصح أن يوكل واحد منهما غيره ، لان كلا منهما فاقد الاهلية ، فلا يملك التصرف ابتداء . أما الصبي المميز فإنه يصح توكيله في التصرفات النافعة له نفعا محضا ، مثل التوكيل بقبول الهبة والصدقة والوصية . فإن كانت التصرفات ضارة به ضررا محضا مثل الطلاق والهبة والصدقة فإن توكيله لا يصح . شروط الوكيل : ويشترط في الوكيل أن يكون عاقلا ،

( هامش ) ( 1 ) قالت الحنابلة : إن قال بع هذا بعشرة فما زاد فهو لك صح البيع وله الزيادة ، وهو قول إسحاق وغيزه ، وكان ابن عباس لا يرى بذلك بأسا لانه مثل المضاربة .

فلو كان مجنونا أو معتوها أو صبيا غير مميز فإنه لا يصح توكيله . أما الصبي المميز فإنه يجوز توكيله عند الاحناف لانه مثل البالغ في الاحاطة بأمور الدنيا ، ولان عمرو ابن السيدة أم سلمة زوج أمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان صبيا لم يبلغ الحلم بعد .

شروط الموكل فيه : ويشترط في الموكل فيه أن يكون معلوما للوكيل أو مجهولا جهالة غير فاحشة ، إلا إذا أطلق الموكل كأن يقول له : اشتر لي ما شئت ، كما يشترط فيه أن يكون قابلا للنيابة . ويجري ذلك في كل العقود التي يجوز للانسان أن يعقدها لنفسه : كالبيع والشراء والاجارة وإثبات الدين والعين والخصومة والتقاضي والصلح وطلب الشفعة والهبة والصدقة والرهن والارتهان والاعارة والاستعارة والزواج والطلاق وإدارة الاموال ، سواء أكان الموكل حاضرا أم غائبا وسواء أكان رجلا أم امرأة . روي البخاري عن أبي هريرة قال : كان لرجل على النبي صلى الله عليه وسلم سن من الابل فجاء يتقاضاه فقال : أعطوه ، فطلبواله سنه فلم يجدوا إلا سنا فوقها . فقال : أعطوه . فقال : أوفيتني أوفى الله لك . قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن خيركم أحسنكم قضاء " . قال القرطبي : فدل هذا الحديث مع صحته على جواز توكيل الحاضر الصحيح البدن ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يعطوا عنه السن التي كانت عليه . وذلك توكيل منه لهم على ذلك ، ولم يكن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، مريضا ولا مسافرا ، وهذا يرد قول أبي حنيفة وسحنون في قولهما " : إنه لا يجوز توكيل الحاضر الصحيح البدن إلا برضاء الخصم " ، وهذا الحديث خلاف قولهما . صابط ما تجوز فيه الوكالة : وقد وضع الفقهاء ضابطا لما تجوز فيه الوكالة فقالوا : كل عقد جاز أن يعقده الانسان لنفسه جاز أن يوكل به غيره ،

أما ما لا تجوز فيه الوكالة ، فكل عمل لا تدخله النيابة ، مثل الصلاة والحلف والطهارة ، فإنه لا يجوز في هذه الحالات أن يوكل الانسان غيره فيها لان الغرض منها الابتلاء والاختبار وهو لا يحصل بفعل الغير .

الوكيل أمين : ومتى تمت الوكالة كان الوكيل أمينا فيما وكل فيه فلا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط ، ويقبل قوله في التلف كغيره من الامناء ( 1 ) .

( هامش ) ( 1 ) ومن صور التفريط أن يبيع السلعة ويسلمها قبل قبض الثمن أو أن يستعمل العين استعمالا خاصا أو أن يضعها في غير حرز .

التوكيل بالخصومة : ويصح التوكيل بالخصومة في إثبات الديون والاعيان وسائر حقوق العباد ، سواء أكان الموكل مدعيا أم مدعى عليه ، وسواء أكان رجلا أم امرأة ، وسواء رضي الخصم أم لم يرض ، لان المخاصمة حق خالص للموكل ، فله‌أن يتولاه بنفسه وله أن يوكل عنه غيره فيه ، وهل يملك الوكيل بالخصومة الاقرار على موكله ؟ وهل له الحق في قبض المال الذي يحكم به له ؟ والجواب عن ذلك نذكره فيما يلي :

إقرار الوكيل على موكله : إقرار الوكيل على موكله في الحدود والقصاص لا يقبل مطلقا ، سواء أكان بمجلس القضاء أم بغيره . وأما إقراره في غير الحدود والقصاص ، فإن الائمة اتفقوا على أنه لا يقبل في غير مجلس القضاء ، واختلفوا فيما إذا أقر عليه بمجلس القضاء فقال الائمة الثلاثة : لا يصح ، لانه إقرار فيما لا يملكه ، وقال أبو حنيفة : " يصح إلا إن شرط عليه ألا يقر عليه " .

الوكيل بالخصومة ليس وكيلا بالقبض : والوكيل بالخصومة ليس وكيلا بالقبض ، لانه قد يكون كفئا للتقاضي والمخاصمة ولايكون أمينا في قبض الحقوق ، وهذا ما ذهب إليه الائمة الثلاثة ، خلافا للاحناف الذين يرون أن له قبض المال الذي يحكم به لموكله ، لان هذا من تمام الخصومة ولا تنتهي إلا به ، فيعتبر موكلا فيه .

التوكيل باستيفاء القصاص : ومما اختلف العلماء فيه التوكيل باستيفاء القصاص ، فقال أبو حنيفة : لا يجوز إلا إذا كان الموكل حاضرا ، فإذا كان غائبا فإنه لا يجوز لانه صاحب الحق ، وقد يعفو لو كان حاضرا فلا يجوز استيفاء القصاص مع وجود هذه الشبهة ، وقال مالك : يجوز ولو لم يكن الموكل حاضرا . وهذا أصح قولي الشافعي ، وأظهر الروايتين عن أحمد .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:12 am

الوكيل بالبيع : ومن وكل غيره ليبيع له شيئا وأطلق الوكالة فلم يقيده بثمن معين ولا أن يبيعه معجلا أن مؤجلا فليس له أن يبيعه إلا بثمن المثل ولا أن يبيعه مؤجلا ، فلو باعه بما لا يتغابن الناس بمثله أو باعه مؤجلا لم يجز هذا البيع إلا برضا الموكل ، لان هذا يتنافي مع مصلحته فيرجع فيه إليه ، وليس معنى الاطلاق أن يفعل الوكيل ما يشاء ، بل معناه الانصراف إلى البيع المتعارف لدى التجار وبما هو أنفع للموكل ، قال أبو حنيفة : يجوز أن يبيع كيف شاء نقداأو نسيئة ، وبدون ثمن المثل وبما لا يتغابن الناس بمثله وبنقد البلد وبغير نقده ، لان هذا هو معنى الاطلاق . وقد يرغب الانسان في التخلص من بعض ما يملك ببيعه ولو بغبن فاحش . هذا إذا كانت الوكالة مطلقة ، فإذا كانت مقيدة فإنه يجب على الوكيل أن يتقيد بما قيده به الموكل ، ولايجوز مخالفته إلا إذا خالفه إلى ما هو خير للموكل ، فإذا قيده بثمن معين فباعه بأزيد ، أو قال بعه مؤجلا فباعه حالا صح هذا البيع . فإذا لم تكن المخالفة إلى ما هو خير للموكل كان تصرفه باطلا عند الشافعي ، ويرى الاحناف أن هذا التصرف يتوقف على رضا الموكل فإن أجازه صح وإلا فلا ( 1 ) شراء الوكيل من نفسه لنفسه : وإذا وكل في بيع شئ هل يجوز له أن يشتريه لنفسه ؟ . قال مالك : للوكيل أن يشتري من نفسه لنفسه بزيادة في الثمن . وقال أبو حنيفة والشافعي وأحمد في أظهر روايتيه : لا يصح شراء

( هامش ) ( 1 ) وعند الحنابلة ، أن الوكيل إذا اشترى بأكثر من ثمن المثل أو الثمن الذي قدره له الموكل بما لا يتغابن الناس فيه عادة صح الشراء للموكل وضمن الوكيل الزيادة . والبيع كالشراء في صحته ، وضمان الوكيل النقص في الثمن أماما يتغابن فيه الناس عادة فعفو لا يضمنه .

الوكيل من نفسه لنفسه ، لان الانسان حريص بطبعه على أن يشتري لنفسه رخيصا ، وغرض الموكل الاجتهاد في الزيادة ، وبين الغرضين مضادة .

التوكيل بالشراء : الوكيل بالشراء إن كان مقيدا بشروط اشترطها الموكل وجب مراعاة تلك الشروط ، سواء أكانت راجعة إلى ما يشترى أو إلى الثمن ، فإن خالف فاشترى غير ما طلب منه شراؤه ، أو اشترى بثمن أزيد مما عينه الموكل كان الشراء له دون الموكل ، فإن خالف إلى ما هو أفضل جاز ، فعن عروة البارقي ، رضي الله عنه ، أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أعطاه دينارا يشتري به ضحية أو شاة ، فاشترى شاتين فباع إحداهما بدينار فأتاه بشاة ودينار ، فدعا له بالبركة في بيعه ، فكان لو اشترى ترابا لربح فيه . رواه البخاري وأبو داود والترمذي . وفي هذا دليل على أنه يجوز للوكيل إذا قال له المالك : اشتر بهذا الدينار شاة ووصفها أن يشتري به شاتين بالصفة المذكورة ، لان مقصود الموكل قد حصل ، وزاد الوكيل خيرا ، ومثل هذا لو أمره أن يبيع شاة بدرهم فباعها . بدرهمين أو أن يشتريها بدرهم فاشتراها بنصف درهم . وهو الصحيح عند الشافعية كما نقله النووي في زيادة الروضة . . . . وإن كانت الوكالة مطلقة فليس للوكيل أن يشتري بأكثر من ثمن المثل أو بغبن فاحش ، وإذا خالف كان تصرفه غير نافذ على الموكل ووقع الشراء للوكيل نفسه .

انتهاء عقد الوكالة : ينتهي عقد الوكالة بما يأتي : 1 - موت أحد المتعاقدين أو جنونه ، لان من شروط الوكالة الحياة والعقل ، فإذا حدث الموت أو الجنون فقد فقدت ما يتوقف عليه صحتها . 2 - إنهاء العمل المقصود من الوكالة ، لان العمل المقصود إذا كان قد انتهى فإن الوكالة في هذه الحال تصبح لا معنى لها . . . 3 - عزل الموكل للوكيل ولو لم يعلم ( 1 ) . ويرى الاحناف : أنه يجب أن يعلم الوكيل بالعزل ، وقبل العلم تكون تصرفاته كتصرفاته قبل العزل في جميع الاحكام . 4 - عزل الوكيل نفسه . ولا يشترط علم الموكل بعزل نفسه أو حضوره ، والاحناف يشترطون ذلك حتى لا يضار . 5 - خروج الموكل فيه عن ملك الموكل .

( هامش ) ( 1 ) وهذا عند الشافعي والحنابلة ، ويكون ما بيده بعد العزل أمانة .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:13 am

العارية

تعريفها : العارية ( 1 ) عمل من أعمال البر التي ندب إليها الاسلام ورغب فيها . يقول الله سبحانه : " وتعاونوا على البر والتقوي ولا تعاونوا على الاثم والعدوان " ( 2 ) . وقال أنس ، رضي الله عنه : كان فزع بالمدينة فاستعار النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فرسا من أبي طلحة يقال له : المندوب ، فركبه فلما رجع قال : " ما رأينا من شئ وإن وجدناه لبحرا " . وقد عرفها الفقهاء بأنها إباحة المالك منافع ملكه لغيره بلا عوض .

بم تنعقد : وتنعقد بكل ما يدل عليها من الاقوال والافعال .

شروطها : ويشترط لها الشروط الآتية : 1 - أن يكون المعير أهلا للتبرع . 2 - أن تكون العين منتفعا بها مع بقائها . 3 - أن يكون النفع مباحا .

إعارة الاعارة وإجارتها : ذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن المستعير له إعارة العارية وإن لم يأذن المالك إذا كان مما لا يختلف باختلاف المستعمل . وعند الحنابلة أنه متى تمت العارية جاز للمستعير أن ينتفع بها بنفسه أو بمن يقوم مقامه ، إلا أنه لا يؤجرها ولا يعيرها إلا بإذن المالك . فإن أعارها بدون إذنه فتلفت عند الثاني فللمالك أن يضمن أيهما شاء ، ويستقر الضمان على الثاني لانه قبضها على أنه ضامن لها وتلفت في يده ، فاستقر الضمان عليه ، كالغاصب من الخاصب .

متى يرجع المعير : وللمعير أن يسترد العارية متى شاء ، ما لم يسبب ضررا للسمتعير . فإن كان في استردادها ضرر بالمستعير أجل حتى يتقي ما يتعرض له من ضرر .

وجوب ردها : ويجب على المستعير أن يرد العارية التي استعارها بعد استيفاء نفعها لقول الله سبحانه : " إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها " ( 1 ) . وعن أبي هريرة أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " أد الامانة إلى من أئتمنك ولا تخن من خانك " . أخرجه أبو داود ، والترمذي وصححه ، والحاكم وحسنه . وروى أبو داود والترمذي وصححه عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " العارية مؤداة " ( 2 ) . إعارة ما لا يضر المعير وينفع المستعير : نهى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أن يمنع الانسان جاره من غرز خشبة في جداره ما لم يكن في ذلك ضرر يصيب الجدار . فعن أبي هريرة أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " لايمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره " . قال أبو هريرة : مالي أراكم عنها معرضين ، والله لارمين بها بين أكتافكم . رواه مالك . واختلف العلماء في معنى الحديث ، هل هو على المندب إلى تمكين الجار من وضع الخشب على جدار جاره أم على الايجاب . وفيه قولان للشافعي وأصحاب مالك ، أصحهما في المذهبين الندب ، وبه قال أبو حنيفة والكوفيون ، والثاني الايجاب وبه قال أحمد وأبو ثور وأصحاب الحديث وهو ظاهر الحديث ، ومن قال بالندب قال : ظاهر الحديث أنهما توقفوا عن العمل ، فلهذا قال : مالي أراكم عنها معرضين . وهذا يدل على أنهم فهموا منه الندب لا الايجاب ، ولو كان واجبا لما أطبقوا على الاعراض عنه . والله أعلم . ويدخل في هذا كل ما ينتفع به المستعير ولاضرر فيه على المعير ، فإنه لا يحل منعه وإذا منعه صاحبه قضى الحاكم به . لما رواه مالك عن عمر بن الخطاب أن الضحاك ابن قيس ساق خليجا له من العريض فأراد أن يمر في أرض محمد بن مسلمة ، فأبى محمد - فقال له الضحاك : أنت تمنعني وهو لك منفعة - تسقي منه أولا وآخرا ولا يضرك ؟ فأبى محمد . فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب ، فدعا عمر محمد بن مسلمة ، فأمره أن يخلي سبيله ، قال محمد : لا ، فقال عمر : لا تمنع أخاك ما ينفعه ولا يضرك ، فقال محمد : لا - فقال عمر : والله ليمرن به ولو على بطنك ، فأمره عمر أن يمر به - ففعل الضحاك . ولحديث عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أنه قال : كان في حائط جدي ربيع لعبد الرحمن بن عوف فأراد أن يحوله إلى ناحية من الحائط فمنعه صاحب الحائط . فكلم عمر بن الخطاب - فقضى لعبد الرحمن بن عوف بتحويله . وهذا مذهب الشافعي وأحمد وأبي ثور وداود وجماعة أهل الحديث . ويرى أبو حنيفة ومالك : أنه لا يقضي بمثل هذا ، لان العارية لا يقضى بها . والاحاديث المتقدمة ترجح الرأي الاول .

ضمان المستعير : ومتى قبض المستعير العارية فتلفت ضمنها ، سواء فرط أم لم يفرط . وإلى هذا ذهب ابن عباس وعائشة وأبو هريرة والشافعي وإسحاق . ففي حديث سمرة ، رضي الله عنه ، أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " على اليد ما أخذت حتى تودي " ( 1 ) . وذهب الاحناف والمالكية إلى أن المستعير لا يضمن إلا بتفريط منه ، لقول الرسول ، صلى الله عليه وسلم : " ليس على المستعير غير المغل ( 2 ) ضمان ، ولا المستودع غير المغل ضمان " . أخرجه الدارقطني .

( هامش ) ( 1 ) أي اليد ضمان ما أخذت حتى ترده إلى مالكه . ( 2 ) المغل : الخائن .

الوديعة تعريفها : الوديعة مأخوذة من ودع الشئ بمعنى تركه . وسمي الشئ الذي يدعه الانسان عند غيره ليحفظه له بالوديعة ، لانه يتركه عند المودع .

حكمها : والايداع والاستيداع جائزان ، ويستحب قبولها لمن يعلم عن نفسه القدرة على حفظها ، ويجب على المودع أن يحفظها في حرز مثلها . والوديعة أمانة عند المودع يجب ردها عندما يطلبها صاحبها ، يقول الله سبحانه : " فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اوتمن أمانته وليتق الله ربه " ( 1 ) . وقد تقدم حديث " أد الامانة إلى من ائتمنك . . . الخ " ضمانها : ولا يضمن المودع إلا بالتقصير أو الجناية منه على الوديعة ، للحديث المتقدم الذي رواه الدارقطني في الباب المتقدم . وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " من أودع وديعة فلاضمان عليه " . رواه ابن ماجه . وفي حديث رواه البيهقي : " لا ضمان على مؤتمن " . وقضى أبو بكر رضي الله عنه في وديعة كانت في جراب فضاعت من خرق الجراب أن لا ضمان فيها . وقد استودع عروة بن الزبير أبا بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث بن هشام ما لا من مال بني مصعب ، قال : فأصيب المال عند أبي بكر ، أو بعضه ، فأرسل إليه عروة : أن لا ضمان عليك ، إنما أنت مؤتمن . فقال أبو بكر : قد علمت أن لا ضمان علي . ولكن لم تكن لتحدث قريشا أن أمانتي قد خربت . ثم إنه باع مالا له فقضاه .

قبول قول المودع مع يمينه : وإذا ادعى المودع تلف الوديعة دون تعد منه فإنه يقبل قوله مع يمينه . قال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه : أن المودع إذا أحرزها ثم ذكر أنها ضاعت أن القول قوله .

ادعاء سرقة الوديعة : وفي مختصر الفتاوى لابن تيمية : " من ادعى أنه حفظ الوديعة مع ماله فسرقت دون ماله كان ضامنا لها " . وقد ضمن عمر ، رضي الله عنه ، أنس بن مالك ، رضيا لله عنه ، وديعة ادعى أنها ذهبت دون ماله .

من مات وعنده وديعة لغيره : من مات وثبت أن عنده وديعة لغيره ولم توجد فهي دين عليه تقضى من تركته . وإذا وجدت كتابة بخطه وفيها إقرار بوديعة ما فإنه يؤخذ بها ويعتمد عليها ، فإن الكتابة تعتبر كالاقرار سواء بسواء متى عرف خطه .

الغصب تعريفه : جاء في القرآن الكريم : " أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا " ( 1 ) . والغصب هو أخذ شخص حق غيره والاستيلاء عليه عدوانا وقهرا عنه ( 2 ) .

حكمه : وهو حرام يأثم فاعله ، يقول الله سبحانه :

( هامش ) ( 1 ) سورة الكهف آية رقم 79 . ( 2 ) إن أخذ المال سرا من حرز مثله كان سرقه ، وإن أخذ مكابرة كان محاربة ، وإن أخذ استيلاء كان اختلاسا ، وإن أخذ ممن كان له مؤتمنا عليه كان خيانة .

" ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " ( 1 ) . 1 - وفي خطبة الوداع التي رواها البخاري ومسلم قال الرسول صلى الله عليه وسلم : " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا " . 2 - وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يشرب الشارب حين يشرب وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا ينتهب نهبة ( 2 ) يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن " . 3 - وعن السائب بن يزيد عن أبيه ، أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادا ولالاعبا ، وإذا أخذ أحدكم عصا أخيه فليردها عليه " . أخرجه أحمد وأبو داود ، والترمذي وحسنه . 4 - وعند الدارقطني من طريق أنس مرفوعا إلى النبي

( هامش ) ( 1 ) سورة البقرة آية رقم 188 . ( 2 ) النهبة وزن غرفة : الشئ المنهوب .

صلى الله عليه وسلم : " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه " . 5 - وفي الحديث : " من أخذ مال أخيه بيمينه أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة . . . فقال رجل : يا رسول الله وإن كان شيئا يسيرا ؟ قال : وإن كان عودا من أراك " . 6 - وروى البخاري ومسلم عن عائشة أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " من ظلم شبرا من الارض طوقه الله من سبع أرضين " .

زرع الارض أو غرسها أو البناء عليها غصبا : ومن زرع في أرض مغصوبة فالزرع لصاحب الارض وللغاصب النفقة ، هذا إذا لم يكن الزرع قد حصد ، فإذا كان قد حصد فليس لصاحب الارض بعد الحصد إلا الاجرة . أما إذا كان غرس فيها فإنه يجب قلع ما غرسه وكذلك إذا بنى عليها فإنه يجب هدم ما بناه . ففي حديث رافع بن خديج ، أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شئ ، وله نفقته " . رواه أبو داود وابن ماجه ، والترمذي وحسنه ، وأحمد وقال : إنما أذهب إلى هذا الحكم استحسانا على خلاف القياس . وأخرج أبو داود والدارقطني من حديث عروة بن الزبير أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " من أحيا أرضا فهي له وليس لعرق ظالم حق " . قال : ولقد أخبرني الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر . فقضى لصاحب الارض بأرضه . وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها ، قال : فلقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالفئوس وإنها لنخل عم " . چحرمة الانتفاع بالمغصوب : وما دام الغصب حراما فإنه لا يحل الانتفاع بالمغصوب بأي وجه من وجوه الانتفاع ، ويجب رده إن كان قائما بنمائه ( 1 ) سواء أكان متصلا أم منفصلا . ففي حديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " على اليد ( 2 ) ما أخذت حتى تؤديه " .

( هامش ) ( 1 ) فإن كان النتاج مستولدا من الغاصب فمن العلماء من يجعل النماء مقاسمة بين المالك والغاصب كالمضاربة . ( 2 ) أي على اليد ضمان ما أخذت .

أخرجه أحمد وأبو داود ، والحاكم وصححه ، وابن ماجه . فإن هلك وجب على الغاصب رد مثله أو قيمته سواء أكان التلف بفعله أو بآفة سماوية . وذهبت المالكية إلى أن العروض والحيوان وغيرها ، مما لا يكال ولا يوزن ، يضمن بقيمته إذا غصب وتلف . وعند الاحناف والشافعية أن على من استهلكه أو أفسده ضمان المثل ، ولا يعدل عنه إلا عند عدم المثل . واتفقوا على أن المكيل والموزون إذا غصبا وحدث التلف ضمن مثله إذا وجد مثله ، لقوله تعالى : " فمن اعتدي عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ( 1 ) " . ومؤونة الرد وتكاليفه على الغاصب بالغة ما بلغت . وإذانقص المغصوب وجب رد قيمة النقص ، سواء أكان النقص في العين أو الصفة . الدفاع عن المال : ويجب على الانسان أن يدفع عن ماله متى أراد غيره أن ينتهبه ، ويكون الدفع بالاخف ، فإن لم ينفع الاخف دفع بالاشد ، ولو أدى ذلك إلى المقاتلة . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" من قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن قتل دون دمه فهو شهيد ، ومن قتل دون دينه فهو شهيد ، ومن قتل دون أهله فهو شهيد " . رواه البخاري ومسلم والترمذي . من وجد ماله عند غيره فهو أحق به : ومتى وجد المغصوب منه ماله عند غيره كان أحق به ولو كان الغاصب باعه لهذا الغير ، لان الغاصب حين باعه لم يكن مالكاله ، فعقد البيع لم يقع صحيحا . وفي هذه الحال يرجع المشتري على الغاصب بالثمن الذي أخذه منه . روى أبو داود والنسائي عن سمرة ، رضيا لله عنه ، أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به ، ويتبع البيع من باعه - أي يرجع المشتري على البائع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:13 am

فتح باب القفص : من فتح باب قفص فيه طير ونفره ضمن . واختلفوا فيما إذا فتح القفص عن الطائر فطار ، أو حل عقال البعير فشرد . فقال أبو حنيفة : لا ضمان عليه على كل وجه . وقال مالك و أحمد : عليه الضمان سواء خرج عقيبه أو متراخيا . وعن الشافعي قولان : في القديم : لا ضمان عليه مطلقا . وفي الجديد : إن طار عقيب الفتح وجب الضمان ، وإن وقف ثم طار لم يضمن .

اللقيط تعريفه : اللقيط هو الطفل غير البالغ الذي يوجد في الشارع أو ضال الطريق ولايعرف نسبه .

حكم التقاطه : والتقاطه فرض من فروض الكفاية ، كغيره من كل شئ ضائع لا كافل له ، لان في تركه ضياعه . ويحكم بإسلامه متى وجد في بلاد المسلمين .

من الاولى باللقيط : والذي يجده هو الاولى بحضانته إذا كان حرا عدلا أمينا رشيدا ، وعليه أن يقوم بتربيته وتعليمه روى سعيد بن منصور في سننه ، أن سنين بن جميلة قال : وجدت ملقوطا فأتيت به عمر بن الخطاب ، فقال عريفي : يا أمير المؤمنين ، إنه رجل صالح . فقال عمر : أكذلك هو ؟ قال : نعم . قال : اذهب به ، وهو حر ولك ولاؤه ( 1 ) ، وعلينا نفقته ، وفي لفظ : وعلينا رضاعه . فإن كان في يد فاسق أو مبذر أخذ منه وتولى الحاكم أمر تربيته .

النفقة عليه : وينفق عليه من ماله إن وجد معه مال ، فإن لم يوجد معه مال ، فنفقته من بيت المال لان بيت المال معد لحوائج المسلمين ، فإن لم يتيسر فعلى من علم بحاله أن ينفق عليه ، لان ذلك إنقاذ له من الهلاك ، ولا يرجع على بيت المال إلا إذا كان القاضي أذن له بالنقة عليه ، فإن لم يكن أذن له كانت نفقته تبرعا .

ميراث اللقيط : وإذا مات اللقيط وترك ميراثا ولم يخلف وارثا كان ميراثه لبيت المال ، وكذلك ديته تكون لبيت المال إذاقتل ، وليس لملتقطه حق ميراثه .

ادعاء نسبه : ومن ادعى نسبه من ذكر أو أنثى ألحق به متى كان وجوده منه ممكنا ، لما فيه من مصلحة اللقيط دون ضرر يلحق بغيره ، وحينئذ يثبت نسبه وإرثه لمدعيه . فإن ادعاه أكثر من واحد ثبت نسبه لن أقام البينة على دعواه فإن لم يكن لهم بينة أو أقامها كل واحد منهم عرض على القافة الذين يعرفون الانساب بالشبه ، ومتى

( هامش ) ( 1 ) ولك ولاؤه : أي ولايته وحضانته .

حكم ينسبه قائف واحد أخذ بحكمه متى كان مكلفا ذكرا عدلا مجربا في الاصابة . فعن عائشة رضي الله عنها قالت : " دخل علي النبي ، صلى الله عليه وسلم ، مسرور اتبرق أسارير وجهه فقال : ألم تري أن مجززا المدلجي نظر آنفا إلى زيد وأسامة وقد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما ، فقال : إن هذه الاقدام بعضها من بعض " رواه البخاري ومسلم . فإن لم يتيسر ذلك اقترعوا بينهم ، فمن خرجت قرعته كان له . وقال الحنفية : لا يعمل بالقائف ولا بالقرعة ، بل لو تساوي جماعة في ولد وكان مشتركا بينهم ورث كل منهم كابن كامل ، وورثوه جميعا كأب واحد .

اللقطة تعريفها : اللقطة هي كل مال معصوم معرض للضياع لايعرف مالكه . وكثيرا ما تطلق على ما ليس بحيوان ، أما الحيوان فيقال له : ضالة .

حكمها : أخذ اللقطة مستحب . وقيل : يجب . وقيل : إن كانت في موضع يأمن عليها الملتقط إذ تركها استحب له الاخذ . فإن كانت في موضع لا يأمن عليها فيه إذا تركها وجب عليه التقاطها ، وإذا علم من نفسه الطمع فيها حرم عليه أخذها . وهذا الاختلاف بالنسبة للحر البالغ العاقل ، ولو لم يكن مسلما . أما غير الحر والصبي وغير العاقل فليس مكلفا بالتقاط اللقطة . والاصل في هذا الباب ما جاء عن زيد بن خالد ، رضي الله عنه ، قال : جاء رجل إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فسأله عن اللقطة فقال : " اعرف عفاصها ( 1 ) ، ووكاءها ( 2 ) ، ثم عرفها سنة ، فإن جاء صاحبها ، وإلا شأنك بها ( 3 ) قال : فضالة الغنم ؟ قال : هي لك أو لاخيك ( 4 ) أو للذئب ( 5 ) . قال : فضالة الابل ؟ قال : مالك ولها ( 6 ) معها سقاؤها ( 7 ) وحذاؤها ( 8 )

( هامش ) ( 1 ) العفاص : الوعاء الذي يكون فيه الشئ من جلد أو نسيج أو خشب أو غيره . ( 2 ) الوكاء . الخيط الذي يشد به على رأس الكيس والصرة . والمقصود من معرفة العفاص والوكاء تمييزهما عن غيرهما حتى لا تختلط اللقطة بمال الملتقط ، وحتى يستطيع إذا جاءه صاحبها أن يستوصفه العلامات التي تميزها عن غيرها ليتبين صدقه من كذبه . ( 3 ) تصرف فيها . ( 4 ) أي صاحبها أو ملتقط آخر . ( 5 ) كل حيوان مفترس . ( 6 ) دعها وشأنها . ( 7 ) السقاء ، وعاء الماء ، والمراد به هنا كرشها الذي تختزن فيه الماء . ( 8 ) أخفافها .

وترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها " . رواه البخاري وغيره بألفاظ مختلفة . لقطة الحرم : وهذه في غير لقطة الحرم . أما لقطته فيحرم أخذها إلا لتعريفها ، لقوله ، صلى الله عليه وسلم : " ولا يلتقط لقطتها ( 1 ) إلا من عرفها " . وقوله : " لا يرفع لقطتها إلا منشد " أي المعرف بها ( 2 ) .

التعريف بها : يجب على ملتقطها أن يتبين علاماتها التي تميزها عن غيرها من وعاء ورباط ، وكذا كل ما اختصت به من نوع وجنس ومقدار ( 3 ) . ويحفظها كما يحفظ ماله ويستوي في ذلك الحقير والخطير . وتبقى وديعة عنده لا يضمنها إذا هلكت إلا بالتعدي ، ثم ينشر نبأها في مجتمع الناس بكل وسيلة في الاسواق وفي غيرها من الاماكن حيث يظن أن ربها هناك .

( هامش ) ( 1 ) أي مكة . ( 2 ) ويصح إعطاء اللقطة للحكومة إذا كانت في الجهة التي وجدت فيها حكومة أمينة فيها محل لحفظها ومشهور بين الناس لان ذلك أحفظ لها وأيسر على الناس . ( 3 ) أي كيل أو وزن أو ذرع

فإن جاء صاحبها وعرف علاماتها والامارات التي تميزها عما عداها حل للملتقط أن يدفعها إليه وإن لم يقم البينة . وإن لم يجئ عرفها الملتقط مدة سنة . فإن لم يظهر بعد سنة حل له أن يتصدق بها أو الانتفاع بها ، سواء أكان غنيا أم فقيرا ، ولا يضمن . لما رواه البخاري والترمذي عن سويد بن غفلة قال : لقيت أوس بن كعب فقال : وجدت صرة فيها مائة دينار ، فأتيت النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : عرفها حولا . فعرفتها فلم أجد ، ثم أتيته ثلاثا فقال : احفظ وعاءها ووكاءها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها . وسئل رسول الله في اللقطة توجد في سبيل العامرة ، قال : عرفها حولا ، فإن وجدت باغيها فأدها إليه ، وإلا فهي لك . قال : ما يوجد في الخراب ؟ قال : فيه وفي الركاز الخمس " . قال ابن القيم : والافتاء بما فيه متعين ، وإن خالفه من خالفه فإنه لم يعارضه ما يوجب تركه .

استثناء المأكول والحقير من الاشياء : وهذا بالنسبة لغير المأكول وغير الحقير من الاشياء . فأن المأكول لا يجب التعريف به ويجوز أكله ، فعن أنس أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، مر بثمرة في الطريق فقال : " لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لاكلتها " رواه البخاري ومسلم . وكذلك الشئ الحقير لايعرف سنة بل يعرف زمنا يظن أن صاحبه لا يطلبه بعده ، وللملتقط أن ينتفع به إذا لم يعرف صاحبه . فعن جابر ، رضي الله عنه ، قال : " رخص لنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به " أخرجه أحمد وأبو داود . وعن علي ، كرم الله وجهه ، أنه جاء إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، بدينار وجده في السوق ، فقال النبي صلى عليه وسلم : عرفه ثلاثا ففعل فلم يجد أحدا يعرفه ، فقال : كله " . أخرجه عبد الرزاق عن أبي سعيد .

ضالة الغنم : ضالة الغنم ونحوها يجوز أخذها لانها ضعيفة ومعرضة للهلاك وافتراس الوحوش . ويجب تعريفها ، فإن لم يطلبها صاحبها كان للملتقط أن يأخذها وغرم لصاحبها . وقالت المالكية : إنه يملكها بمجرد الاخذ ولاضمان عليه ، ولو جاء صاحبها ، لان الحديث سوى بين الذئب والملتقط ، والذئب لاغرامة عليه فكذلك الملتقط . وهذا الخلاف في حالة ما إذا جاء صاحبها بعد أكلها . أما إذا جاء قبل أن يأكلها الملتقط ردت إليه بإجماع العلماء .

ضالة الابل والبقر والخيل والبغال والحمير : اتفق العلماء على أن ضالة الابل لا تلتقط ، ففي البخاري ومسلم عن زيد بن خالد أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، سئل عن ضالة الابل ، فقال : " مالك ولها ، دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها " . أي أن ضالة الابل مستغنية عن الملتقط وحفظه ، ففي طبيعتها الصبر على العطش والقدرة على تناول المأكول من الشجر بغير مشقة لطول عنقها فلاتحتاج إلى ملتقط ، ثم إن بقاءها حيث ضلت يسهل على صاحبها العثور عليه بدل أن يتفقدها في إبل الناس . وقد كان الامر على هذا حتى عهد عثمان ، رضي الله عنه ، فلما كان عثمان رأى التقاطها وبيعها ، فإن جاء صاحبها أخذ ثمنها . قال ابن شهاب الزهري : " كانت ضوال الابل في زمان عمر بن الخطاب إبل مؤيلة ( 1 ) حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان أمر بتعريفها ثم تباع ، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها " . رواه مالك في الموطأ .

على أن الامام عليا كرم الله وجهه أمر بعد عثمان أن يبني لها بيت يحفظها فيه ويعلفها علفا لا يسمنها ولا يهزلها ، ثم من يقيم البينة على أنه صاحب شئ منها تعطى له ، وإلا بقيت على حالها لا يبيعها . واستحسن ذلك ابن المسيب . وأما البقر والخيل والبغال والحمير فهي مثل الابل عند الشافعي ( 2 ) وأحمد . وروى البيهقي أن المنذر بن جرير قال : كنت مع أبي بالبوازيج ( 3 ) بالسواد ، فراحت البقر فرأى بقرة أنكرها فقال : ما هذه البقرة ؟ قالوا : بقرة لحقت بالبقر فأمر بها فطردت حتى توارت ، ثم قال : سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : " لا يأوي الضالة إلا ضال " ( 4 ) .

( هامش ) ( 1 ) كثيرة متخذ للقنية . ( 2 ) واستثنى الشافعي الصغار منها وقال : يجوز التقاطها . ( 3 ) بلد قديم على دجلة فوق بغداد . ( 4 ) أي لا يأوي الضالة من الابل والبقر التي تستطيع حماية نفسها وتقدر على التنقل في طلب الكلا والماء إلا ضال .

وقال أبو حنيفة : يجوز التقاطها . وقال مالك : " يلتقطها إن خاف عليها من السباع وإلا فلا " . النفقة على اللقطة : وما أنفقه الملتقط على اللقطة فإنه يسترده من صاحبها ، اللهم إلا إذا كانت النفقة نظير الانتفاع بالركوب أو الدر .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:14 am

الاطعمة



تعريفها : الاطعمة جمع طعام ، وهي ما يأكله الانسان ويتغذى به من الاقوات وغيرها . وفي القرآن الكريم يقول الله تعالى : " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه " ( 1 ) أي على آكل يأكله . ولا يحل منها إلا ما كان طيبا تتوقه النفس . يقول الله تعالى : " يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات " ( 2 ) . والمقصود بالطيب هنا ما تستطيبه النفس وتشتهيه وهذا مثل قول الله تعالى :" ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث " ( 1 ) . والطعام ، منه ما هو جماد ، ومنه ما هو حيوان . فالجماد حلال كله ما عدا النجس والمتنجس والضار والمسكر وما تعلق به حق الغير . فالنجس مثل الدم والمتنجس ( 2 ) كالسمن الذي ماتت فيه فأرة ، لحديث الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، الذي رواه البخاري عن ميمونة أنه سئل عن سمن وقعت فيه فأرة فقال : " القوها ، وما حولها فاطرحوه ، وكلوا سمنكم " . وقد أخذ من هذا الحديث أن الجامد إذا وقعت فيه ميتة طرحت وما حولها منه إذا تحقق أن شيئا من أجزائها لم يصل إلى غير ذلك منه . وأما المائع فإنه ينجس بملاقاة النجاسة ( 3 ) . والضار من السموم وغيرها . فالسموم مثل السموم المستخرجة من العقارب والنحل والحيات السامة وما يستخرج

( 1 ) سورة الاعراف آية رقم 157 . ( 2 ) المختلط بالنجاسة . ( 3 ) روى الزهري والاوزاعي وابن عباس وابن مسعود والبخاري أن المائع إذا وقعت فيه النجاسة فإنه لا ينجس إلا إذا تغير بالنجاسة . فإن لم يتغير فهو طاهر .

من النبات السام والجماد كالزرنيخ ، لقول الله تعالى : " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما " ( 1 ) . وقوله جل شأنه : " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " ( 2 ) . وقول الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، في الحديث الذي رواه أبو هريرة : " من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا . " ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا " رواه البخاري . وإنما يحرم من السموم القدر الذي يضر . وأما ما يحرم للضرر من غير السموم مثل الطين والتراب والحجر والفحم بالنسبة لمن يضره تناولها فلقول الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، : " لا ضر ولا ضرار " رواه أحمد وابن ماجه . ويدخل في هذا الباب " الدخان " فإنه ضار بالصحة وفيه تبذير وضياع للمال ، والمسكر مثل الخمر وغيرها من المخدرات . وما تعلق به حق الغير مثل المسروق والمغصوب فإنه لا يحل شئ من ذلك كله . والحيوان منه ما هو بحري ( 1 ) ومنه ما هو بري ( 2 ) . فأما البحري فهو حلال كله . والحيوان البري : منه ما هو حلال أكله ومنه ما هو حرام . وقد فصل الاسلام ذلك كله وبينه بيانا وافيا ، مصداقا لقول الله عزوجل : " وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه " ( 3 ) . وقد جاء هذا التفصيل مشتملا على أمور ثلاثة : الامر الاول : النص على المباح . الامر الثاني : النص على الحرام . الامر الثالث : ما سكت عنه الشارع .

( 1 ) الحيوان البحري ما كان ساكنا في البحر بالفعل . ( 2 ) الحيوان البري ما يعيش في البر من الدواب والطيور .

ما نص الشارع على أنه مباح : وما نص الشارع على أنه مباح نذكره فيما يلي : الحيوان البحري : الحيوان البحري حلال كله - ولا يحرم منه إلا ما فيه سم للضرر ، سواء أكان سمكا أم كان من غيره وسواء اصطيد أم وجد ميتا ، وسواء أصاده مسلم أم كتابي أم وثني ، وسواء أكان مما له شبه في البر أم لم يكن له شبه . والحيوان البحري لا يحتاج إلى تزكية . والاصل في ذلك قول الله عزوجل : " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة " ( 1 ) قال ابن عباس : " صيد البحر وطعامه : ما لفظ البحر " رواه الدار قطني . وروى عنه في معنى طعامه " ميتته " لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : سأل رجل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : يارسول الله ، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هو الطهور ماؤه والحل ميتته " .رواه الخمسة . وقال الترمذي : هذا الحديث حسن صحيح . وسألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال : حديث صحيح .

السمك المملح : كثيرا ما يخلط السمك بالملح ليبقى مدة طويلة بعيدا عن الفساد ويتخذ من أصنافه المختلفة : السردين ، والفسيخ ، والرنجة ، والملوحة . وكل هذه طاهرة ويحل أكلها ما لم يكن فيه ضرر فإنه يحرم لضرره بالصحة حينئذ . قال الدرديري - رضي الله عنه - من شيوخ المالكية : " الذي أدين الله به أن الفسيخ طاهر لانه لا يملح ولا يرضخ إلا بعد الموت ، والدم المسفوح لا يحكم بنجاسته إلا بعد خروجه ، وبعد موت السمك إن وجد فيه دم يكون كالباقي في العروق بعد الذكاة الشرعية ، فالرطوبات الخارجة منه بعد ذلك طاهرة لا شك في ذلك " . وإلى هذا ذهب الاحناف والحنابلة وبعض علماء المالية . الحيوان يكون في البر والبحر : قال ابن العربي : الصحيح في الحيوان الذي يكون في البر والبحر منعه ، لانه تعارض فيه دليلان : دليل تحليل ، ودليل تحريم ، فنغلب دليل التحريم احتياطا . أما غيره من العلماء فيرى أن جميع ما يكون في البحر بالفعل تحل ميتته ، ولو كان يمكن أن يعيش في البر ، إلا الضفدع للنهي عن قتلها . فعن عبد الرحمن بن عثمان رضي الله عنه أن طبيبا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه عن قتلها . رواه أبو داود والنسائي وأحمد وصححه الحاكم ( 1 ) .

الحلال من الحيوان البري : والحلال من الحيوان البري المنصوص عليه نذكره فيما يلي : بهيمة الانعام ، بقول الله تعالى : " والانعام خلقها لكم فيها دف ء ومنافع ومنها تأكلون " ( 2 ) . ويقول جل شأنه : " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الانعام إلا ما يتلى عليكم " ( 3 ) . وبهيمة الانعام هي : الابل والبقر ومنه الجاموس والغنم

( هامش ) ( 1 ) القول بتحريم الضفدع فيه نظر وسيأتي تحقيق ذلك في هذا الباب . ( 2 ) سورة النحل آية رقم 5 . ( 3 ) سورة المائدة آية رقم 1 .

ويشمل الضأن والمعز ويلحق بها بقر الوحش وإبل الوحش والظباء ، فهذه كلها حلال بالاجماع ، وثبت في السنة الترخيص في : الدجاج ( 1 ) والخيل ( 2 ) وحمار الوحش ( 3 ) والضب والارنب ( 4 ) والضبع ( 5 ) والجراد ( 6 ) والعصافير . " عن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فيما رواه مسلم في صحيحه ، عن أبي الزبير قال : سألت جابرا عن الضب فقال : لا تطعموه وقذره . وقال : قال عمر بن الخطاب ، إن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لم يحرمه ، إن الله ينفع به غير واحد ، وإنما طعام عامة الرعاة منه ، ولو كان عندي طعمته " . وقال ابن عباس ، رواية عن خالد بن الوليد ، رضي الله عنهما ، أنه دخل مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ،على خالته ميمونة بنت الحارث فقدمت إلى رسول الله لحم ضب جاءها مع قريبة لها من نجد ، وكان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لا يأكل شيئا حتى يعلم ما هو - فاتفق النسوة ألا يخبرنه حتى يرين كيف يتذوقه ويعرفه إن ذاقه ، فلما أن سأل عنه وعلم به تركه وعافه ، فسأله خالد : أحرام هو ؟ قال : لا ، ولكنه طعام ليس في قومي فأجدني أعافه ، قال خالد : فاجتررته إلى فأكلته ورسول الله ينظر . وروي عن عبد الرحمن بن عمار قال : سألت جابر بن عبد الله عن الضبع ، آكلها ؟ قال : نعم . قلت : أصيد هي ؟ قال : نعم . قلت : فأنت سمعت ذلك من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم . رواه الترمذي بسند صحيح . وممن ذهب إلى جواز أكله الشافعي وأبو يوسف ومحمد وابن حزم . وقال الشافعي فيه : إن العرب تستطيبه وتمدحه ولا يزال يباع ويشترى بين الصفا والمروة من غير نكير . ويري بعض العلماء أنه حرام لانه سبع ، ولكن الحديث حجة عليهم . وذكر أبو داود وأحمد أن ابن عمر سئل عن القنفذ فتلا : " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه " . فقال شيخ عنده : سمعت أبا هريرة يقول : ذكر عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " خبيثة من الخبائث " . فقال ابن عمر : إن كان قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، هذا فهو كما قال . وهذا الحديث من رواية عيسى ابن نميلة وهو ضعيف ، قال الشوكاني : فلا يصلح الحديث لتخصيص القنفذ من أدلة الحل العامه ، وبناء على ما قاله الشوكاني يكون أكله حلالا . وقال مالك وأبو ثور ويحكى عن الشافعي والليث أنه لا بأس بأكله ، لان العرب تستطيبه ولان حديثه ضعيف . وكرهه الاحناف . وقالت عائشة في الفأرة : ما هي بحرام ، وقرأت : " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه " . وعند مالك لا بأس بأكل خشاش الارض وعقاربها ودودها ، ولا بأس بأكل فراخ النحل ودود الجبن والتمر ونحوه . قال القرطبي : وحجته قول ابن عباس وأبي الدرداء : " ما أحل الله فهو حلال ، وما حرم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو " . قال أحمد في الباقلاء المدود : تجنبه أحب إلي ، وإن لم يستقذر فأرجو ( أي أنه لا يكون في أكله بأس ) . وقال عن تفتيش التمر المدود : لا بأس به ، وقد روي عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنه أتي بتمر عتيق فجعل يفتشه ويخرج السوس منه وينقيه . قال ابن قدامة : وهو أحسن . ويرى ابن شهاب وعروة والشافعي والاحناف وبعض علماء أهل المدينة أنه لا يجوز أكل شئ من خشاش الارض وهو امها مثل الحيات والفأرة وما أشبه ذلك وكل ما يجوز قتله فلا يجوز عند هؤلاء أكله ، ولا تعمل الذكاة عندهم فيه . وقال الشافعي : لا بأس بالوبر واليربوع . وفي أكل العصافير يقول الرسول ، صلى الله عليه وسلم : " ما من إنسان قتل عصفورا فما فوقها بغير حقها إلا سأله الله تعالى عنها . قيل : يا : رسول الله ، وما حقها ؟ قال : يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها يرمي بها " رواه النسائي . وأكل بعض الصحابة مع النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لحم الحباري " طائر " . رواه أبو داود والترمذي .

ما نص الشارع على حرمته : والمحرمات من الطعام في كتاب الله تعالى محصورة في عشرة أشياء منصوص عليها في قوله سبحانه : ( 1 ) " حرمت عليكم الميتة ( 2 ) والدم ( 3 ) ولحم الخنزير ( 4 ) وما أهل لغير ( 5 ) الله به والمنخنقة ( 6 ) والموقوذة ( 7 ) والمتردية ( 8 ) والنطيحة ( 9 ) وما أكل السبع ( 10 ) إلا ما ذكيتم وما ذبح على
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:15 am

( هامش ) ( 1 ) سورة المائدة آية رقم 3 . ( 2 ) " الميتة " ما مات حتف أنفه . وإنما حرم الله الميتة لضررها إذ أنها لم تمت إلا بسبب الامراض التي لحقتها . ( 3 ) " والدم " أي الدم المسفوح . وحرم الدم لضرره وهو أصلح بيئة لنمو الميكروبات . ( 4 ) " ولحم الخنزير " كما قال في المنار : لانه قذر وأشهى غذاء له القاذورات والنجاسات . وهو ضار في جميع الاقاليم ولا سيما الحارة كما ثبت بالتجربة . وأكل لحمه من أسباب الدودة القتالة : ويقال إن له تأثيرا سيئا في العفة . ( 5 ) " وما أهل لغير الله به " أي ذكر غير اسم الله عند ذبحه . وهذا تحريم ديني من أجل المحافظة على التوحيد . ( 6 ) " والمنخنقة " أي التي تخنق فتموت . ( 7 ) " والموقوذة " أي التي ضربت بعصى فقتلت . ( 8 ) " والمتردية " هي التى تتردى من مكان عال فتموت . ( 9 ) النطيحة " هي التي تنطحها أخرى فتقتلها . ( 10 ) " وما أكل السبع إلا ما ذكيتم " أي وما جرحه الحيوان المفترس إلا إذا أدركتموه وفيه حياة فذبحتموه فإنه يحل حينئذ .

النصب ( 1 ) وأن تستقسموا بالازلام ذلكم فسق " . وهذا تفصيل للاجمال المذكور في قوله سبحانه : " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به " ( 2 ) . فإنه ذكر هنا أربعة أشياء مجملة ، وذكر في الاية السابقة تفصيلها فلا تنافي بين الايتين .

ما قطع من الحي : ويلحق بهذه المحرمات ما قطع من الحي . لحديث أبي واقد الليثي قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة " . رواه أبو داود والترمذي وحسنه ، قال : والعمل على هذا عند أهل العلم . ويستثنى من ذلك : ( أ ) : ميتة السمك والجراد فإنها طاهرة لحديث ابن

( 1 ) " وما ذبح على النصب " أي ما ذبح وقصد به تعظيم الطاغوت . والطاغوت : كل ما عبد من دون الله .

عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " أحل لنا ميتتان ودمان . أما الميتتان فالحوت ( 1 ) والجراد ، واما الدمان : فالكبد والطحال " . رواه أحمد والشافعي وابن ماجه والبيهقي والدار قطني . والحديث ضعيف ، لكن الامام أحمد صحح وقفه ، كما قاله أبو زرعة وأبو حاتم ، ومثل هذا له حكم الرفع ، لان قول الصحابي : أحل لنا كذا وحرم علينا كذا ، مثل قوله : أمرنا ونهينا - وقد تقدم ما يؤكد هذا الحديث . وإذا كانت الميتة محرمة فالمقصود بالتحريم أكل اللحم ، أما ما عداه فهو طاهر يحل الانتفاع به . ( ب ) : فعظم الميتة وقرنها وظفرها وشعرها وريشها وجلده وكل ما هو من جنس ذلك طاهر . لان الاصل في هذه كلها الطهارة ، ولا دليل على النجاسة . قال الزهري في عظام الموتى ، نحو الفيل وغيره : " أدركت ناسا من سلف العلماء يمتشطون بها ويدهنون فيها ، لا يرون به بأسا " . رواه البخاري . وعن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : " تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت ، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به ؟ فقالوا : إنها ميتة ، فقال : " إنما حرم أكلها " . رواه الجماعة إلا ابن ماجه ، قال فيه عن ميمونة . وليس في البخاري ولا النسائي ذكر الدباغ . وعن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، أنه قرأ هذه الاية : " قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما " وقال : " إنما حرم ما يؤكل منها وهو اللحم ، فأما الجلد والقد ( 1 ) والسن والعظم والشعر والصوف فهو حلال " . رواه ابن المنذر وابن حاتم . وكذلك إنفحة الميتة وليتها طاهر لان الصحابة لما فتحوا بلاد العراق أكلوا من جبن المجوس وهو يعمل بالانفحة مع أن ذبائحهم تعتبر كالميتة . وقد ثبت عن سلمان الفارسي ، رضي الله عنه ، أنه سئل عن شئ من الجبن والسمن والفراء ، فقال : الحلال ما أحله الله في كتابه ، والحرام ما حرم الله في كتابه ، وما

( هامش ) ( 1 ) القد : بكسر القاف الاناء من الجلد .

سكت عنه فهو مما عفا عنه ، ومن المعلوم أن السؤال كان عن جبن المجوس حينما كان سلمان نائب عمر بن الخطاب عن المدائن . ( ج ) : والدم : يعفى عن اليسير منه ، فعن ابن جريج في قوله تعالى : " أو دما مسفوحا " قال : المسفوح الذي يهراق . ولا بأس بما كان في العروق منها . أخرجه ابن المنذر . وعن أبي مجلز في الدم يكون في مذبح الشاة أو الدم يكون في أعلى القدر قال : لا بأس ، إنما نهى عن الدم المسفوح . أخرجه ابن حميد وأبو الشيخ . وعن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : كنا نأكل اللحم والدم خطوط على القدر .

حرمة الحمر والبغال : ومما يدخل في دائرة التحريم الحمر الاهلية ( 1 ) والبغال ( هامش ) ( 1 ) لا يقال إن آية تحريم الطعام تفيد الحصر فلا يحرم غيرها فقد أجاب القرطبي عن هذا فقال : إن هذه الاية مكية وكل محرم حرمه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أو جاء في الكتاب مضموم إليها فهو زيادة حكم من الله عز وجل عن لسان نبيه عليه الصلاة والسلام . قال : على هذا أكثر أهل العلم من النظر وأهل الفقه والاثر ، ونظيره نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها مع قوله : " وأحل لكم ما وراء ذلكم " ، وكحكمه باليمين مع الشاهد مع قوله " فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان " . بقول الله سبحانه : " والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ( 1 ) " . 1 - روى أبو داود والترمذي بسند حسن عن المقداد ابن معد يكرب ، رضي الله عنه ، أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ، ألا لا يحل لكم الحمار الاهلي ولا كل ذي ناب من السبع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ، ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعقبهم بمثل قراه " ( 2 ) . 2 - وعن أنس ، رضي الله عنه ، قال : لما فتح النبي ، صلى الله عليه وسلم ، خيبر أصبنا من القرية حمرا ، فطبخنا منها ، فنادى النبي : ألا إن الله ورسوله ينهاكم عنها ، فإنها رجس من عمل الشيطان ، فأكفئت القدور وإنها لتفور بما فيها . رواه الخمسة . 3 - وعن جابر ، رضي الله عنه ، قال : نهانا النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يوم خيبر عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل . والمروي عن ابن عباس أنه أباح الحمر الاهلية ، والصحيح أنه توقف فيها وقال : لا أدري أنهى عنها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، من أجل أنها كانت حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم ، أو حرم يوم خيبر لحم الحمر الاهلية - كما رواه البخاري . . .

تحريم سباع البهائم والطير : ومما حرمه الاسلام السباع من البهائم والطير . روى مسلم عن ابن عباس قال : نهى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير . والسباع جمع سبع وهو المفترس من الحيوان ، والمراد بذي الناب ما يعدو بنابه على الناس وأموالهم مثل الذئب والاسد والكلب والفهد والنمر والهر ، فهذه كلها محرمة عند جمهور العلماء . ويرى أبو حنيفة أن كل ما أكل اللحم فهو سبع وأن من السباع الفيل والضبع واليربوع والهر ، فهي كلها محرمة عنده . ويرى الشافعي أن السباع المحرمة هي التي تعدو على الناس كالاسد والنمر والذئب . وروى مالك في الموطإ عن أبي هريرة عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " أكل كل ذي ناب من السباع حرام " . وقال مالك بعد هذا الحديث : وعلى ذلك الامر عندنا . وروى ابن القاسم عنه أنها مكروهة ، وبه أخذ جمهور أصحابه . وأجاز أكل الثعلب الشافعي وأصحاب أبي حنيفة . وأجاز ابن حزم الفيل والسمور . ويحرم أكل القرد ، قال أبو عمر : أجمع المسلمون على أنه لا يجوز أكل القرد لنهي الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، عن أكله . وأما ذو المخلب من الطير فالمقصود به الطيور التي تعدو بمخالبها مثل الصقر والشاهين والعقاب والنسر والباشق ونحو ذلك ، فهي محرمة عند جمهور العلماء . ويرى مالك أنها مباحة ، ولو كانت جلالة .

تحريم الجلالة : والجلالة هي التي تأكل العذرة ( 1 ) من الابل والبقر

( هامش ) ( 1 ) العذرة : الغائط .

والغنم والدجاج والاوز وغيرها حتى يتغير ريحها . وقد ورد النهي عن ركوبها وأكل لحمها وشرب لبنها . 1 - فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " نهى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن شرب لبن الجلالة " . رواه الخمسة إلا ابن ماجه . وصححه الترمذي . وفي رواية " نهى عن ركوب الجلالة " رواه أبو داود . 2 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال : " نهى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن لحوم الحمر الاهلية وعن الجلالة : عن ركوبها وأكل لحومها " رواه أحمد والنسائي وأبو داود . فإن حبست بعيدة عن العذرة زمنا وعلفت طاهر فطاب لحمها وذهب اسم الجلالة عنها حلت . لان علة النهي التغيير وقد زالت . تحريم الخبائث : وبجانب هذا التفصيل وضع القرآن الكريم قاعدة عامة لكل ما هو محرم . بقول الله تعالى : " ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث " ( 1 ) والطيبات ما تستطيبه الناس وتستلذه من غير ورود نص بتحريمه فإن استخبثته فهو حرام . ويرى الشافعي والحنابلة أن الطيبات ما تستطيبه العرب وتستلذه لا غيرهم . والمقصود بالعرب هم سكان البلاد والقرى ، دون أجلاف البوادي . وفي كتاب الدراري المضية يرجح القول باستطابة الناس لا العرب وحدهم ، فيقول : " ما استخبثه الناس من الحيوانات لا لعلة ولا لعدم اعتياد بل لمجرد استخباث فهو حرام ، وإن استخبثه البعض دون البعض كان الاعتبار بالاكثر كحشرات الارض وكثير من الحيوانات التي ترك الناس أكلها ولم ينهض على تحريمها دليل يخصها ، فإن تركها لا يكون في الغالب إلا لكونها مستخبثة فتندرج تحت قوله سبحانه : " ويحرم عليهم الخبائث " . ويدخل في الخبائث كل مستقذر مثل البصاق والمخاط والعرق والمني والروث والقمل والبراغيث ونحو ذلك . تحريم ما أمر الشارع بقتله : ويرى بعض العلماء تحريم ما أمر الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، بقتله وتحريم ما نهى عن قتله . فما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتله خمس من الدواب ، وهي : الغراب ( 1 ) والحدأة والعقرب والفأر والكلب العقور . روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عائشة ، رضي الله عنها ، أن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، قال " خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحرم : الغراب والحدأة والعقرب والفأر والكلب العقور " . وما نهى عن قتله من الدواب : النملة والنحلة والهدهد والصرد . روى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل أربع من الدواب : النملة والنحلة والهدهد والصرد " . وقد ناقش الشوكاني هذا الرأي ونقده فقال : " وقد قيل إن من أسباب التحريم الامر بقتل الشئ كالخمس الفواسق والوزغ ونحو ذلك ، والنهي عن قتله كالنملة والنحلة والهدهد والصرد والضفدع ونحو ذلك ، ولم يأت الشارع ما يفيد تحريم أكل ما أمر بقتله أو نهى عن قتله حتى يكون الامر والنهي دليلين على ذلك ، ( هامش ) ( 1 ) يرى المالكية حل جميع الغربان من غير كراهة تبعا لرأيهم في جميع الطيور .

ولا ملازمة عقلية ولا عرفية ، فلا وجه لجعل ذلك أصلا من أصول التحريم ، بل إن كان المأمور بقتله أو المنهى عن قتله مما يدخل في الخبائث كان تحريمه بالاية الكريمة . وإن لم يكن من ذلك كان حلالا ، عملا بما أسلفنا من أصالة الحل وقيام الادلة الكلية على ذلك " . المسكوت عنه : أما ما سكت الشارع عنه ولم يرد نص بتحريمه فهو حلال تبعا للقاعدة المتفق عليها ، وهي أن الاصل في الاشياء الاباحة ، وهذه القاعدة أصل من أصول الاسلام . وقد جاءت النصوص الكثيرة تقررها ، فمن ذلك قول الله سبحانه : 1 - " هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا " ( 1 ) . 2 - وروى الدار قطني عن أبي ثعلبة أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، وحد حدودا فلا تعتدوها ، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها " . 3 - وعن سلمان الفارسي أن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، سئل عن السمن والجبن والفراء فقال : " الحلال ما أحله الله في كتابه ، والحرام ما حرمه الله في كتابه ، وما سكت عنه فهو مما عفا لكم " . أخرجه ابن ماجه والترمذي وقال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، ورواه أيضا الحاكم في المستدرك شاهدا . 4 - وروى البخاري ومسلم عن سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما ، من سأل عن شئ لم يحرم على الناس فحرم من أجل مسألته " . 5 - وعن أبي الدرداء أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " ما أحل الله في كتابه فهو حلال ، وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئا " . وتلا : " وما كان ربك نسيا ( 1 ) " . أخرجه البزار وقال : سنده صحيح ، والحاكم وصححه .

اللحوم المستوردة : اللحوم المستوردة من خارج البلاد الاسلامية يحل أكلهابشرطين : 1 - أن تكون من اللحوم التي أحلها الله . 2 - أن تكون قد ذكيت ذكاة شرعية . فإن لم يتوفر فيها هذا الشرطان بأن كانت من اللحوم المحرمة مثل الخنزير أو كانت ذكاتها غير شرعية فإنها في هذه الحال تكون محظورة لا يحل أكلها . وقد أصبح من الميسور معرفة هذين الشرطين بواسطة الوسائل الاعلامية التي وفرها العلم الحديث . وكثيرا ما تكون العلب التي تحتوي على هذه اللحوم مكتوبا عليها ما يعرف بها وبأنواعها ، ويمكن الاكتفاء بهذه المعلومات ، إذ الاصل فيها غالبا الصدق . وقد أفتى الفقهاء من قبل في مثل هذا ، فجاء في الاقناع من كتب الشافعية للخطيب الشربيني : " لو أخبر فاسق أو كتابي أنه ذبح هذه الشاة مثلا حل أكلها ، لانه من أهل الذبح ، فإذا كان في البلد مجوس ومسلمون وجهل ذابح الحيوان هل هو مسلم أو مجوسي ؟ لم يحل أكله للشك في الذبح المبيح والاصل عدمه . نعم إن كان المسلمون أغلب كما في بلاد الاسلام فينبغي أن يحل . وفي معنى المجوس كل من لم تحل ذبيحته " .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:15 am

إباحة أكل ما حرم عند الاضطرار : وللمضطر أن يأكل من الميتة ولحم الخنزير وما لا يحل من الحيوانات ( 1 ) التي لا تؤكل وغيرها مما حرمه الله ، محافظة على الحياة وصيانة للنفس من الموت . والمقصود بالاباحة هنا وجوب الاكل لقوله تعالى : " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما " ( 2 ) .

حد الاضطرار : وإنما يكون الانسان مضطرا إذا وصل به الجوع إلى حد الهلاك أو إلى مرض يفضي به إليه سواء أكان طائعا أو عاصيا . يقول الله سبحانه : " فمن اضطر غير باغ ( 3 ) ولا عاد ( 4 ) فلا إثم عليه

( هامش ) ( 1 ) حتى إن الشافعية والزيدية أجازوا اللحم الادمي عند عدم غيره بشروط اشترطوها . وخالف في ذلك الاحناف والظاهرية وقالوا : لا يباح لحم الادمي ولو كان ميتا . ( 2 ) سورة النساء آية رقم 29 . ( 3 ) الباغي : هو الذي يبغي على غيره عند تناول الميتة فينفرد بها فيهلك غيره من الجوع . ( 4 ) العادي : الذي يتجاوز حد الشبع وقيل : الذي يتجاوز القدر الذي يسد الرمق ويدفع عن نفسه الضرر .

إن الله غفور رحيم " ( 1 ) . وروى أبو داود عن الفجيع العامري أنه أتى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما يحل لنا من الميتة ؟ قال : ما طعامكم ؟ قلنا : نغتبق ( 2 ) ونصطبح ( 3 ) . قال : " ذاك - وأبي ( 4 ) - الجوع " . فأحل لهم الميتة على هذه الحال . وقال ابن حزم : " حد الضرورة أن يبقى يوما وليلة لا يجد فيهما ما يأكل أو يشرب ، فإن خشي الضعف المؤذي الذي إن تمادى به أدى إلى الموت أو قطع به عن طريقه وشغله ، جل له من الاكل والشرب ما يدفع به عن نفسه الموت بالجوع أو العطش . أما تحديدنا ذلك ببقاء يوم وليلة بلا أكل فلتحريم النبي ، صلى الله عليه وسلم ، الوصال يوما وليلة - أي وصل الصيام - .

( هامش ) ( 1 ) سورة البقرة آية رقم 173 . ( 2 ) الغبوق : الشرب مساء . ( 3 ) الصبوح : الشرب صباحا . ( 4 ) قسم . أي وحق أبي إن هذا هو الجوع .

وأما قولنا إن خاف الموت قبل ذلك فلانه مضطر " . والمالكية يرون أنه إذا لم يأكل شيئا ثلاثة أيام فله أن يأكل ما حرم الله عليه مما يتيسر له ولو من مال غيره . القدر الذي يؤخذ : ويتناول المضطر من الميتة القدر الذي يحفظ حياته ويقيم أوده ، وله أن يتزود حسب حاجته ويدفع ضرورته . وفي رواية عن مالك وأحمد : يجوز له الشبع ، لما رواه أبو داود عن جابر بن سمرة أن رجلا نزل الحرة فنفقت عنده ناقة فقالت له امرأته : اسلخها حتى نقد شحمها ولحمها ونأكله ، فقال : حتى أسأل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . فسأله فقال : هل عندك غناء يغنيك ؟ قال : لا . قال : فكلوها " . وقال أصحاب أبي حنيفة لا يشبع منه . وعن الشافعي قولان . لا يكون مضطرا من وجد بمكان به طعام ولو كان للغير : وإنما يكون الانسان مضطرا إذا لم يجد طعاما يأكله ولو كان مملوكا للغير . فإن كان مضطرا ووجد طعاما مملوكا للغير فله أن يأكل منه ولو لم يأذن صاحبه به ولم يختلف في ذلك العلماء . وإنما اختلفوا في الضمان . فذهب الجمهور منهم إلى أنه إن اضطر في مخمصة ومالك الطعام غير حاضر فله أن يأخذ منه ويضمن له ، لان الاضطرار لا يبطل حق الغير . وقال الشافعي : لا يضمن ، لان المسئولية تسقط بالاضطرار لوجود الاذن من الشارع ، ولا يجتمع إذن وضمان . فإن كان الطعام موجودا ومنعه صاحبه فللمضطر أن يأخذه بالقوة متى كان قادرا على ذلك . وقالت المالكية : يجوز في هذه الحال مقاتلة صاحب الطعام بالسلاح بعد الانذار بأن يعلمه المضطر بأنه مضطر وإنه إن لم يعطه قاتله ، فإن قتله بعد ذلك فدمه هدر ، لوجوب بذل طعامه للمضطر . وإن قتله الآخر فعليه القصاص . وقال ابن حزم : من اضطر إلى شئ من المحرمات ولم يجد مال مسلم ولا ذمي فله أن يأكل حتى يشبع ويتزود حتى يجد حلالا ، فإذا وجده عاد ذلك المحرم حراما كما كان . فإن وجد مال مسلم أو ذمي فقد وجد ما أمر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بإطعامه منه لقوله " أطعموا الجائع " فحقه فيه ، فهو غير مضطر إلى الميتة فإن منع ذلك ظلما كان حينئذ مضطرا .

هل يباح الخمر للعلاج ؟ وقد اتفق العلماء على إباحة الحرام للمضطر ولم يختلف منهم أحد . وإنما اختلفوا في التداوي بالخمر ، فمنهم من منعه ومنهم من أباحه ، والظاهر أن المنع هو الراجح ، فقد كان الناس في الجاهلية قبل الاسلام يتناولون الخمر للعلاج . فلما جاء الاسلام نهاهم عن التداوي به وحرمه ، فقد روى الامام أحمد ومسلم وأبو داود و الترمذي عن طارق بن سويد الجعفي أنه سأل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن الخمر فنهاه عنها فقال : إنما أصنعها للدواء . فقال : " إنه ليس بدواء ، ولكنه داء " . وروى أبو داود عن أبي الدرداء أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " إن الله أنزل الداء والدواء ، فجعل لكل داء دواء ، فتداووا ولا تتداووا بحرام " . وكانوا يتعاطون الخمر في بعض الاحيان قبل الاسلام اتقاء لبرودة الجو ، فنهاهم الاسلام عن ذلك أيضا . فقد روى أبو داود أن ديلم الحميري سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، إنا بأرض باردة ، نعالج فيها عملا شديدا ، وإنانتخذ شرابا من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا . قال رسول الله : هل يسكر ؟ قال : نعم . قال : فاجتنبوه ، قال : إن الناس غير تاركيه . قال : فإن لم يتركوه فقاتلوهم " . وبعض أهل العلم أجاز التداوي بالخمر بشرط عدم وجود دواء من الحلال يقوم مقام الحرام ، وأن لا يقصد المتداوي به اللذة والنشوة ، ولا يتجاوز مقدار ما يحدده الطبيب . كما أجازوا تناول الخمر في حال الضطرار ، ومثل الفقهاء لذلك بمن غص بلقمة فكاد يختنق ولم يجد ما يسيغها به سوى الخمر . أو من أشرف على الهلاك من البرد ، ولم يجد ما يدفع به هذا الهلاك غير كوب أو جرعة من خمر ، أو من أصابته أزمة قلبية وكاد يموت . فعلم أو أخبره الطبيب بأنه لا يجد ما يدفع به الخطر سوى شرب مقدار معين من الخمر . فهذا من باب الضرورات التي تبيح المحظورات .

الذكاة الشرعية تعريفها : الذكاة في الاصل معناه التطيب ، ومنه : رائحة ذكية ، أي طيبة ، وسمي بها الذبح لان الاباحة الشرعية جعلته طيبا . وقيل : الذكاة

معناها : التتميم ، ومنه : فلان ذكي ، أي : تام الفهم . والمقصود بها هنا ذبح الحيوان أو نحره بقطع حلقومه ( 1 ) أو مريئه ( 2 ) ، فإن الحيوان الذي يحل أكله لا يجوز أكل شئ منه إلا بالتذكية ما عدا السمك والجراد .

( هامش ) ( 1 ) الحلقوم : مجرى النفس . ( 2 ) المرئ : مجرى الطعام والشراب من الحلق .

ما يجب فيها : يجب في الذكاة الشرعية ما يأتي : 1 - أن يكون الذابح عاقلا سواء أكان ذكرا أم أنثى مسلما أو كتابيا . فإذا فقد الاهلية بأن كان سكران أو مجنونا أو صبيا غير مميز فإن ذبيحته لا تحل . وكذلك لا تحل ذبيحة المشرك من عبدة الاوثان والزنديق والمرتد عن الاسلام .

ذبائح أهل الكتاب : قال القرطبي : قال ابن عباس : قال الله تعالى : " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق " . ( 1 ) ثم استثنى فقال : " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم " ( 2 ) . يعني ذبيحة اليهودي والنصراني . وإن كان النصراني يقول عند الذبح : باسم المسيح ، واليهودي يقول : باسم عزيز ، وذلك أنهم يذبحون على الملة . وقال عطاء : كل من ذبيحة النصراني وإن قال : باسم المسيح ، لان الله عزوجل أباح ذبائحهم وقد علم ما يقولون . وقال القاسم بن مخيمرة : كل من ذبيحته وإن قال : باسم سرجس ( اسم كنيسة لهم ) . وهو قول الزهري وربيعة والشعبي ومكحول . وروي عن صحابيين : عن أبي الدرداء وعبادة بن الصامت . وقالت طائفة : إذا سمعت الكتابي يسمي غير اسم الله عزوجل ، فلا تأكل . وقال بهذا من الصحابة : علي وعائشة وابن عمر ، وهو قول طاوس والحسن ، متمسكين بقول الله تعالى : " ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق " . وقال مالك : أكره ذلك . ولم يحرمه . ذبائح المجوس والصابئين : اختلف الفقهاء في ذبيحة المجوس بناء على اختلافهم في أصل دينهم ، فمنهم من رأى أنهم كانوا أصحاب كتاب فرفع ، كما روي عن علي ، كرم الله وجهه ، ومنهم من يرى أنهم مشركون . والذين رأوا أنهم كانوا أصحاب كتاب قالوا بحل ذبائحهم وأنهم داخلون في قول الله سبحانه : " وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم " . ويقول الرسول ، صلى الله عليه وسلم : " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " قال ابن حزم في المجوس : إنهم أهل كتاب فحكمهم كحكم أهل الكتاب في كل ذلك . وإلى هذا ذهب أبو ثور والظاهرية . أما جمهور الفقهاء فإنهم حرموها لانهم مشركون في نظرهم . والصابئون ( 1 ) : قيل لا تجوز ذبائحهم . وقيل بالجواز . 2 - أن تكون الآلة التي يذبح بها محددة يمكن أن تنهر الدم وتقطع الحلقوم ، مثل السكين والحجر والخشب والسيف والزجاج والقصب الذي له حد يقطع كما تقطع السكين والعظم ، إلا السن والظفر . ( أ ) : روى مالك أن امرأة كانت ترعى غنما فأصيبت شاة منها ، فأدركتها فذكتها بحجر ، فسئل رسول الله ،

( هامش ) ( 1 ) ودينهم بى المجوسية والنصرانية ويعتقدون بتأثير النجوم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:16 am

صلى الله عليه وسلم ، عن ذلك فقال : " لا بأس بها " . ( ب ) : وروي عن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، أنه قيل له : أنذبح بالمروة وشقة العصا ؟ قال : أعجل وأرن ، وما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل ، ليس السن والظفر . رواه مسلم . ( ج‍ ) : ونهى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن شريطة الشيطان : " وهي التي تذبح فتقطع الجلد ولا تفري الاوداج " ( 1 ) . أخرجه أبو داود عن ابن عباس ، وفي إسناده عمرو ابن عبد الله الصنعاني وهو ضعيف . 3 - قطع الحلقوم والمرئ ولا يشترط إبانتهما ولا قطع الودجين ( 2 ) لانهما مجرى الطعام والشراب الذي لا يكون معهما حياة وهو الغرض من الموت ، ولو أبان الرأس لم يحرم ذلك المذبوح . وكذلك لو ذبحه من قفاه متى أتت الآلة على محل الذبح .

4 - التسمية : قال مالك : كل ما ذبح ولم يذكر عليه

( هامش ) ( 1 ) ثم تترك حتى تموت . ( 2 ) الودجين : عرقان غليظان في جانبي ثغرة النحر . وهذا مذهب الشافعي وأحمد . وقال مالك وأبو حنيفة : لا تصح الذكاة إلا بقطع الودجين والحلقوم .

اسم الله فهو حرام ، سواء ترك ذلك الذكر عمدا أو نسيانا . وهو قول ابن سيرين وطائفة من المتكلمين . وقال أبو حنيفة : إن ترك الذكر عمدا حرم ، وإن ترك نسيانا حل . وقال الشافعي : يحل متروك التسمية سواء كان عمدا أم خطأ إذا كان الذابح أهلا للذبح . عن عائشة أن قوما قالوا : يارسول الله ، إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا ؟ قال : سموا عليه أنتم وكلوا ، قالت : " وكانوا حديثي عهد بالكفر " أخرجه البخاري وغيره .

ما يكره فيها : ويكره في الذكاة ما يأتي : 1 - أن يكون الذبح بآلة كالة ، لما رواه مسلم عن شداد بن أوس أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " إن الله كتب الاحسان على كل شئ ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ، وليحد أحدكم شفرته وابرح ذبيحته " . 2 - وعن ابن عمر ، أن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، أمر أن تحد الشفار وأن توارى عن البهائم . رواه أحمد . 3 - كسر عنق الحيوان أو سلخه قبل زهوق روحه ، لما رواه الدارقطني عن أبي هريرة أن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " لا تعجلوا الانفس قبل أن تزهق " . وأما استقبال القبلة عند الذبح فلم يرد في استحبابه شئ .

ذبح الحيوان وفيه رمق أو به مرض : إذا ذبح الحيوان وفيه حياة أثناء الذبح حل أكله ، ولو لم تكن هذه الحياة مستقرة يعيش الحيوان بمثلها . وكذلك المريضة التي لا يرجى حياتها إذا ذبحت وفيها الحياة . وتعرف الحياة بحركة يدها أو رجلها أو ذنبها أو جريان نفسها أو نحو ذلك ، فإذا صارت في حال النزع ولم تحرك يداو لا رجلا فإنها في هذه الحال تعتبر ميتة ولا تفيد فيها الذكاة ، لقول الله سبحانه : " حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلاما ذكيتم " ( 1 ) أي أن هذه الاشياء محرمة عليكم ، إلا ما أدركتموه ، فإن ذكاته تحله . وقد سئل ابن عباس عن ذئب عداعلى شاة فشق بطنها ثم انتثر قصبها ( 1 ) فذبحت فقال : كل ، وما انتثر من قصبها فلا تأكل .

رفع اليد قبل تمام الذكاة : وإذارفع المذكي يده قبل تمام الذكاة ثم رجع فورا وأكمل الذكاة فإن هذا جائز لانه جرحها ثم ذكاها بعد وفيها الحياة فهي داخلة في وقول الله تعالى " إلا ما ذكيتم " .

جرح الحيوان عند تعذر الذكاة : الحيوان الذي يحل بالذكاة إن قدر على ذكاته ذكي في محل الذبح ، وإن لم يقدر عليها كانت ذكاته بجرح جزء منه في أي موضع من بدنه‌بشرط أن يكون الجرح مدميا يجوز وقوع القتل به . قال رافع بن خديج : كنا مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في سفر فند ( 2 ) بعير من إبل القوم ولم يكن معهم خيل ، فرماه رجل بسهم فحبسه ، فقال رسول الله

، ( هامش ) ( 1 ) القصب : الامعاء . ( 2 ) ند ، بمعنى شردوذهب على وجهه .

صلى الله عليه وسلم ، : " إن لهذه البهائم أوابد ( 1 ) كأوابد الوحش ، فما فعل منها هذا فافعلوا به هكذا " . رواه البخاري ومسلم . وروى أحمد وأصحاب السنن عن أبي العشراء عن أبيه أنه قال : يا رسول الله ،

أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة ؟ قال : " لو طعنت في فخذها أجزأ عنك " . قال أبو داود : وهذا لا يصح إلا في المتردية والمتوحش . قال الترمذي : وهذا في حال الضرورة كالحيوان الذي تمرد أو شرد فلم نقدر عليه أو وقع في بحر وخفنا غرقه فنضربه بسكين أو بسهم فيسيل دمه فيموت فهو حلال . وروى البخاري عن علي وابن عباس وابن عمرو عائشة : ما أعجزك من البهائم مما في يدك فهو كالصيد ، وما تردى في بئر فذكاته حيث قدرت عليه .

ذكاة الجنين : إذا خرج الجنين من بطن أمه وفيه حياة مستقرة وجب أن يذكى . فإن ذكيت أمه وهو في بطنها فذكاته ذكاة أمه إن خرج ميتا أو به رمق .

( هامش ) ( 1 ) الاوابد التي تأبدت أي توحشت جمع آبدة .

لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين : " ذكاته ذكاة أمه " . رواه عن أبي سعيد : أحمد ، وابن ماجه ، وأبو داود ، والترمذي ، والدارقطني ، وابن حبان وصححه . وقال ابن المنذر : وممن قال : " ذكاته ذكاة أمه ولم يذكر أشعر أو لم يشعر " : علي بن أبي طالب ، وسعيد بن المسيب ، وأحمد ، وإسحاق ، والشافعي وقال : إنه لم يرد عن أحد من الصحابة ولامن العلماء أن الجنين لا يؤكل إلا باستئناف الذكاة فيه ، إلاما روي عن أبي حنيفة رحمه الله . وقال ابن القيم : وردت السنة الصحيحة الصريحة المحكمة بأن ذكاة الجنين ذكاة أمه ، خلاف الاصول ، وهو تحريم الميتة . فيقال : الذي جاء على لسانه تحريم الميتة استثنى السمك والجراد من الميتة ، فكيف وليست بميتة فإنها جزء من أجزاء الام والذكاة قد أتت على جميع أعضائها ، فلا يحتاج أن يفرد كل جزء منها بذكاة والجنين تابع للام ، جزء منها ، فهذا مقتضى الاصول الصحيحة ، ولو لم ترد السنة بالاباحة ، فكيف وقد وردت بالاباحة الموافقة للقياس والاصول . وقد اتفق النص والاصل والقياس ، ولله الحمد .

الصيد تعريفه : الصيد هو اقتناص الحيوان الحلال المتوحش بالطبع ، الذي لا يقدر عليه . حكمه : وهو مباح ، أباحه الله سبحانه بقوله : " وإذا حللتم فاصطادوا ( 1 ) " . والصيد مباح كله ، ما عدا صيد الحرم ، فقد تقدم الكلام عليه في باب الحج . وصيد البحر جائز في كل حال ، وكذلك صيد البر ، إلا في حالة الاحرام . يقول الله تعالى : " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم صيد البر ما دمتم حرما " ( 2. الصيد الحرام : والصيد المباح هو الصيد الذي يقصد به التذكية ، فإن لم يقصد به التذكية فإنه يكون حراما لانه من باب الافساد وإتلاف الحيوان لغير منفعة : وقد نهى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عن قتل الحيوان إلا لمأكله . روى النسائي وابن حبان أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " من قتل عصفورا عبثا عج ( 1 ) إلى الله يوم القيامة يقول : يا رب ، إن فلانا قتلني عبثا ولم يقتلني منفعة " . وروى مسلم عن ابن عباس أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا " ( 2 ) . ومر صلوات الله وسلامه عليه على طائر قد اتخذه بعض الناس هدفا يصوبون إليه ضرباتهم ، فقال : " لعن الله من فعل هذا " .

شروط الصائد : ويشترط في الصائد الذي يحل أكل

( هامش ) ( 1 ) عج - رفع صوته بالشكوى . ( 2 ) الهدف يصوب إليه .

صيده ما يشترط في الذابح بأن يكون مسلما أو كتابيا . فصيد اليهودي والنصراني كذبيحته ، وكذلك ما ألحق بهما كما هو موضح في باب الذكاة الشرعية . الصيد بالسلاح الجارح وبالحيوان : والصيد قد يكون بالسلاح الجارح كالرماح والسيوف والسهام ونحوها . وفي هذا يقول الله سبحانه : " يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم " ( 1 ) . وقد يكون بواسطة الحيوان ، وفيه يقول الله سبحانه : " يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله واتقوا الله إن الله سريع الحساب " ( 2 ) . وعن أبي ثعلبة الخشني قال : قلت يا رسول الله ، إنا بأرض صيد ، أصيد بقوسي وبكلبي المعلم وبكلبي الذي ليس بمعلم فما يصلح لي ؟ فقال : " ما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل ،

( هامش ) ( 1 ) سورة المائدة آية رقم 94 . ( 2 ) سورة المائدة آية رقم 4 .

وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل " . رواه البخاري ومسلم . شروط الصيد بالسلاح : ويشترط في الصيد بالسلاح ما يأتي : 1 - أن يخزق السلاح جسم الصيد وينفذ فيه ، ففي حديث عدي بن حاتم قال : يارسول الله ، إنا قوم نرمي فما يحل لنا ؟ قال : " يحل لكم كل ما ذكيتم وما ذكرتم اسم الله عليه فخزقتم ( 1 ) فكلوا " . قال الشوكاني : " فدل على أن المعتبر مجرد الخزق وإن كان القتل بمثقل . فيحل ما صاده من يرمي بهذه البنادق الجديدة التي يرمى بها بالبارود والرصاص ، لان الرصاص تخزق خزقا زائدا على السلاح فلها حكمه ، وإن لم يدرك الصائد بها ذكاة الصيد إذا ذكر اسم الله على ذلك " . وأما النهي من الاكل مما أصابته البندقية ولم يذك واعتباره موقوذة كما جاء في الحديث ، فإن المقصود من البندقية هنا ما يصنع من الطين ثم ييبس ويرمى به ،

( هامش ) ( 1 ) فخزقتم أي خرقتم وجرحتم .

فليست مثل البندقية التي يرمى بها البارود والرصاص . وكما نهى الاسلام عن الاكل من البندقية هذه : ( أي المصنوعة من الطين ) : نهى عن الرمي بالحصاة وما يماثلها . يقول الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، معللا ذلك : " إنها لاتصيد صيدا ولا تنكأ عدوا ، لكنها تكسر السن وتفقأ العين " . ويحرم كذلك ما قتل بمثقل كالعصا ونحوها ، إلا إذا أدرك حيا وذبح . ففي حديث عدي قال قلت : فإني أرمي بالمعارض الصيد فأصيد . قال : " إذا رميت بالمعارض فخزق ( 1 ) فكل . وإن أصابه بعرضه فلا تأكل " . 2 - أن يذكر الصائد اسم الله عند رمي الصيد ، ولم تختلف الائمة على أن التسمية مشروعة لحديث أبي ثعلبة المتقدم ذكره ولغيره من الاحاديث ، وإنما اختلفوا في حكمها . فذهب أبو ثور والشعبي وداود والظاهري وجماعة أهل

( هامش ) ( 1 ) أي نفذ .

الحديث إلى أن التسمية شرط في الاباحة بكل حال ، فإن تركها عامدا أو ساهيا لم تحل . . . وهذا أظهر الروايات عن أحمد . وقال أبو حنيفة : هي شرط في حال الذكر فإن تركها ناسيا حل الصيد ، وإن تركها عامدا لا يحل . وكذلك قال مالك في المشهور عنه . وقال الشافعي وجماعة من المالكية التسمية سنة ، فإن تركها ولو عامدا لم يحرم الصيد ويحل أكله ، وحملوا الامر بالتسمية على الندب .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:16 am

شروط الصيد بالجوارح : والصيد بالجوارح مثل الصقر والبازي والفهد والكلب غيرها مما يقبل التعليم جائز بالشروط الآتية : 1 - تعليم الحيوان الصيد ، ويعرف ذلك بأن يأتمر إذا أمر ، وينزجر إذا زجر . 2 - أن يمسك على صاحبه بترك الاكل من الصيد ، فإن أكل فقد أمسك على نفسه فلا يحل صيده ، ففي حديث عدي بن حاتم قال الرسول صلى الله عليه وسلم له : " إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله عليها فكل مما أمسكن عليك ، وإن أكل الكلب فلا تأكل ، فإني أخاف أن يكون مما أمسك على نفسه " . 3 - أن يرسله ويذكر اسم الله ، أما ذكر التسمية فقد تقدم حكمها ، وأما قصد إرسال الحيوان فإنه شرط من شروط الصيد ، فإذا انبعث الحيوان الجارح من تلقاء نفسه من غير إرسال ولاإغراء من الصائد فلا يجوز صيده ، ولا يحل أكله عند مالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي ، لانه صاد لنفسه من غير إرسال وإمسك عليها ولا صنع للصائد فيه فلا ينسب إليه ، لانه لا يصدق عليه الحديث المتقدم " إذا أرسلت كلابك المعلمة . . . إلخ " فمفهوم الشرط أن غير المرسل لا يكون كذلك . وقال عطاء والاوزاعي : يؤكل صيده إذا كان أخرج للصيد وكان معلما . اشتراك جارحين في صيد : إذا اشترك جارحان في صيد فهو حلال إذا كان كل واحد منهما أرسله صاحبه للصيد ، أما إذا كان أحدهما مرسلا دون الآخر فإنه لا يؤكل لقوله صلى الله عليه وسلم : " فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره " .

الصيد بكلب اليهودي والنصراني : ويجوز الاصطياد بكلب اليهودي والنصراني وبازه وصقره إذا كان الصائد مسلما ، وذلك مثل شفرته .

إدراك الصيد حيا : إذا أدرك الصائد الصيد وهو حي وكان قد قطع حلقومه ومريئه ان تمزقت أمعاؤه وخرج حشوه فإنه في هذه الحال يحل بدون زكاة . أما إذا أدركه وفيه حياة مستقرة ، فإنه يحب في هذه الحال ذكاته ، ولا يحل بدونها . وجود الصيد ميتا بعد إصابته : إذا رمى الصائد الصيد فأصابه ثم غاب عنه ثم وجده بعد ذلك ميتا ، فإنه يكون حلالا بشروط ثلاثة : الاول : أن لا يكون قد تردى من جبل أو وجده في الماء لاحتمال أن يكون موته بالتردي أو الغرق . روى البخاري ومسلم عن عدي بن حاتم قال : سألت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " إذا رميت بسهمك فاذكر الله ، فإن وجدته قد قتل فكل إلا أن تجده قد وقع في ماء ، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك " . الثاني : أن يعلم أن رميته هي التي قتلته وليس به أثر من رمي غيره أو حيوان آخر . فعن عدي قال : قلت : يا رسول الله ، أرمي الصيد فأجد فيه سهمي من الغد قال : " إذا علمت أن سهمك قتله ولم تر فيه أثر سبع فكل " . وفي رواية للبخاري : " إنا نرمي الصيد فتقتفي أثره اليومين والثلاثة ثم نجده ميتا وفيه سهمه . قال : يأكل إن شاء " . الثالث : أن لا يفسد فسادا يبلغ درجة النتن ، فإنه حينئذ يكون من المستقذرات الضارة التي تمجها الطباع . فعن أبي ثعلبة الخشني أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " إذا رميت بسهمك فغاب ثلاثة أيام وأدركته فكله ما لم ينتن "

الاضحية تعريفها : الاضحية والضحية اسم لما يذبح من الابل والبقر والغنم يوم النحر وأيام التشريق تقربا إلى الله تعالى .

مشروعيتها : وقد شرع الله الاضحية بقوله سبحانه : " إنا أعطيناك الكوثر . فصل لربك وانحر إن شانئك هو الابتر " . وقوله : " والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير " ( 1 ) . والنحر هنا هو ذبح الاضحية . وثبت أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ضحى وضحى المسلمون وأجمعوا على ذلك .

فضلها : روى الترمذي عن عائشة أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم ( 1 ) . إنها لتأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظللافها ، وإن الدم ليقع من الله بمكان ( 2 ) قبل أن يقع على الارض ، فطيبوا بها نفسا " .

حكمها : الاضحية سنة مؤكدة ، ويكره تركها مع القدرة عليها لحديث أنس الذي رواه البخاري ومسلم أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ضحى بكبشين أملحين ( 3 ) أقرنين ( 4 ) ذبحهما بيده وسمى وكبر . وروى مسلم عن أم سلمة أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " إذا رأيتم هلال ذي الحجة وأراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره " . فقوله أراد أن يضحي دليل على السنة لا على الوجوب .

( 1 ) إسالته أي ذبح الاضحية . ( 2 ) كناية عن سرعة قبولها . ( 3 ) الاملح ما يخالط بباضه سواد . ( 4 ) ما له قرن

وروي عن أبي بكر وعمر أنهما كانا لا يضحيان عن أهلهما ، مخافة أن يرى ذلك واجبا

متى تجب : ولا تجب إلا بأحد أمرين : 1 - أن ينذرها لقول الرسول ، صلى الله عليه وسلم : " من نذر أن يطيع الله فليطعه " وحتى لو مات الناذر فإنه تجوز النيابة فيما عينه بنذره قبل موته " . 2 - أن يقول : هذه لله ، أو : هذه أضحية . وعند مالك إذا اشتراها نيته الاضحية وجبت .

حكمتها : والاضحية شرعها الله إحياء لذكرى إبراهيم وتوسعة على الناس يوم العيد ، كما قال الرسول ، صلى الله عليه وسلم : إنما هي أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل . مم تكون : ولا تكون إلا من الابل والبقر والغنم ، ولا تجزئ من غير هذه الثلاثة . يقول الله سبحانه :

( هامش ) ( 1 ) وقال ابن حزم : لم يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة ويرى أبو حنيفة أنها واجبة على ذوي اليسار ممن يملكون نصابا من المقيمين غير المسافرين ، لقوله صلى الله عليه وسلم : : من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا " رواه أحمد وابن ماجه وصححه الحاكم ورجح الائمة وقفه .

" ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الانعام " ( 1 ) ويجزئ من الضأن ما له نصف سنة ، ومن المعز ما له سنة ، ومن البقر ما له سنتان ، ومن الابل ما له خمس سنين ، يستوي في ذلك الذكر والانثى . 1 - روى أحمد والترمذي عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " نعمت الاضحية الجذع ( 2 ) من الضأن " . 2 - وقال عقبة بن عامر : قلت يا رسول الله ، أصابني جذع قال : ضح به . رواه البخاري ومسلم . 3 - وروى مسلم عن جابر أن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " لا تذبحوا إلا مسنة ، فإن تعسر عليكم فاذبحوا جدعة من الضأن " . والمسنة الكبيرة هي من الابل ما لها خمس سنين ، ومن البقر ما له سنتان . ومن المعز ما له سنة ، ومن الضأن ما له سنة وستة أشهر ، على الخلاف المذكور من الائمة . وتسمى المسنة بالثنية . ( هامش ) ( 1 ) سورة الحج آية رقم 34 . ( 2 ) ما له ستة أشهر عند الحنفية . وما له سنة في الاصح عند الشافعية . الاضحية بالخصي : ولا بأس بالاضحية بالخصي . روى أحمد عن أبي رافع قال : ضحى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بكبشين أملحين موجوءين خصيين ، ولان لحمه أطيب وألذ .

ما لا يجوز أن يضحى به : ومن شروط الاضحية السلامة من العيوب ، فلا تجوز الاضحية بالمعيبة ( 1 ) مثل : 1 - المريضة البين مرضها 2 - العوراء البين عورها 3 - العرجاء البين ظلعها 4 - العجفاء ( 2 ) التي لا تنفي رواه الترمذي وقال : حسن صحيح . 5 - العضباء التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها . يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أربعة لا تجزئ في الاضاحي : العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين ظلعها والعجفاء التي لا تنقي " .

( هامش ) ( 1 ) المعيبة : المقصود بالعيب الظاهر الذي ينقص اللحم ، فإذا كان العيب يسيرا فإنه لا يضر . ( 2 ) العجفاء التي ذهب مخها من شدة الهزال . فقه السنة - 21 ويلحق بهذه : الهتماء ( 1 ) والعصماء ( 2 ) والعمياء والتولاء ( 3 ) والجرباء التي كثر جربها . ولا بأس بالعجماء والبتراء والحامل وما خلق بغير أذن أو ذهب نصف أذنه أو أليته والاصح عند الشافعية لا تجزئ مقطوعة الالية والضرع لفوات جزء مأكول وكذا مقطوعة الذنب . قال الشافعي : لا نحفظ عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في الاسنان شيئا .

وقت الذبح : ويشترط في الاضحية ألا تذبح إلا بعد طلوع الشمس من يوم العيد ويمر من الوقت قدر ما يصلى العيد ، ويصح ذبحها بعد ذلك في أي يوم من الايام الثلاثة في ليل أو نهار ، ويخرج الوقت بانقضاء هذه الايام . فعن البراء ، رضي الله عنه ، عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : إن أول ما نبدأ به في يومنا ( 4 ) هذا أن نصلي

( هامش ) ( 1 ) الهتماء هي التي ذهب ثناياها من أصلها . ( 2 ) العصماء ما انكسر غلاف قرنها . ( 3 ) التولاء التي تدور في المرعى ولا ترعى . ( 4 ) أي يوم العيد .

ثم نرجع فننحر ، فمن فعل ذلك فقد أصاب سنتنا ، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لاهله ليس من النسك في شئ " . وقال أبو بردة : خطبنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يوم النحر فقال : " من صلى صلاتنا ووجه قبلتنا ونسك نسكنا فلا يذبح حتى يصلي ، روى الشيخان عن الرسول صلى الله عليه وسلم : من ذبح قبل الصلاة ، فإنما يذبح لنفسه ، ومن ذبح بعد الصلاة والخطبتين فقد أتم نسكه وأصاب سنة المسلمين " . كفاية أضحية واحدة عن البيت الواحد : إذا ضحى الانسان بشاة من الضأن أو المعز أجزأت عنه وعن أهل بيته . فقد كان الرجل من الصحابة ، رضي الله عنهم ، يضحي بالشاة عن نفسه وعن أهل بيته ، فهي سنة كفاية . روى ابن ماجه والترمذي وصححه أن أبا أيوب قال : " كان الرجل في عهد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته فيأكلون ويطعمون حتى تباهى الناس فصار كما ترى " .

جواز المشاركة في الاضحية : تجوز المشاركة في الاضحية إذا كانت من الابل أو البقر ، وتجزئ البقرة أو الجمل عن سبعة أشخاص إذا كانوا قاصدين الاضحية والتقرب إلى الله ، فعن جابر قال : " نحرنا مع النبي ، صلى الله عليه وسلم ، بالحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة " . رواه مسلم وأبو داود والترمذي .

توزيع لحم الاضحية : يسن للمضحي أن يأكل من أضحيته ويهدي الاقارب ويتصدق منها على الفقراء ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كلوا وأطعموا وادخروا " وقد قال العلماء : الافضل أن يأكل الثلث ويتصدق بالثلث ويدخر الثلث . ويجوز نقلها ولو إلى بلد آخر ، ولا يجوز بيعها ولا بيع جلدها . [ ولا يعطى الجزار من لحمها شيئا

كأجر ، وله أن يكافئه نظير عمله ] وإنما يتصدق به المضحي أو يتخذ منه ما ينتفع به . وعند أبي حنيفة أنه يجوز بيع جلدها ويتصدق بثمنه وأن يشتري بعينه ما ينتفع به في البيت .

المضحي يذبح بنفسه : يسن لمن يحسن الذبح أن يذبح أضحيته بيده ويقول : بسم الله والله أكبر ، اللهم هذا عن فلان - ويسمي نفسه - فإن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ذبح كبشا وقال : بسم الله والله أكبر ، اللهم هذا عني وعن من لم يضح من أمتي " . رواه أبو داود والترمذي . فإن كان لا يحسن الذبح فليشهده ويحضره ، فإن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال لفاطمة : يا فاطمة ، قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك عند أول قطرة من دمها كل ذنب عملته ، وقولي : " إن صلاتي ونسكي ( 1 ) ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، لا شريك له ، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين " . فقال أحد الصحابة : يا رسول الله ، هذا لك ولاهل بيتك خاصة أو للمسلمين عامة ؟ قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : بل للمسلمين عامة .

( هامش ) ( 1 ) النسك : الذبح .

العقيقة تعريفها : العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود . قال صاحب مختار الصحاح : العقيقة والعقة بالكسر ، الشعر الذي يولد عليه كل مولود من الناس والبهائم ، ومنه سميت الشاة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه .

حكمها : والعقيقة سنة مؤكدة ولو كان الاب معسرا ، فعلها الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، وفعلها أصحابه ، روى أصحاب السنن أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا ، ويرى وجوبها الليث وداود الظاهري . ويجري فيها ما يجري في الاضحية من الاحكام ، إلا أن العقيقة لا تجوز فيها المشاركة .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:17 am

فضلها : روى أصحاب السنن عن سمرة عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : 1 - " كل مولود رهينة ( 1 ) بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى " . 2 - وعن سلمان بن عامر الضبي ، أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " مع الغلام عقيقته ، فأهريقوا علهى دما ، وأميطوا عنه الاذى ( 2 ) " رواه الخمسة .

ما يذبح عن الغلام وللبنت : ومن الافضل أن يذح عن الولد شاتان متقاربتان شبها وسنا . وعن البنت شاة . فعن أم كرز الكعبية قالت : سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : " عن الغلام شاتان متكافئتان ( 3 ) وعن الجارية شاة " .

( هامش ) ( 1 ) أي تنشئته تنشئة صالحة وحفظه حفظا كاملا مرهون بالذبح عنه . ( 2 ) أي أزيلوا عنه القذارة والنجاسة . ( 3 ) أي شاتان متقاربتان شبها وسنا .

ويجوز ذبح شاة واحدة عن الغلام لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك مع الحسن والحسين - رضي الله عنهما - كما تقدم في الحديث .

وقت الذبح : والذبح يكون يوم السابع بعد الولادة إن تيسر ، وإلا ففي اليوم الرابع عشر وإلا ففي اليوم الواحد والعشرين من يوم ولادته ، فإن لم يتيسر ففي أي يوم من الايام . ففي حديث البيهقي : تذبح لسبع ، ولاربع عشر ، ولاحدي وعشرين .

اجتماع الاضحية والعقيقة : قالت الحنابلة : وإذا اجتمع يوم النحر مع يوم العقيقة فإنه يمكن الاكتفاء بذبيحة واحدة عنهما ، كما إذا اجتمع يوم عيد ويوم جمعة واغتسل لاحدهما .

التسمية والحلق : ومن السنة أن يختار للمولود اسم حسن ويحلق شعره ويتصدق بوزنه فضة إن تيسر ذلك ، لما رواه أحمد والترمذي عن ابن عباس ، أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، عق عن الحسن بشاة ، وقال : يا فاطمة ، احلقي رأسه وتصدقي بوزنه فضة على المساكين ، فوزناه فكان وزنه درهما أو بعض درهم .

أحب الاسماء : وأحب الاسماء عبد الله وعبد الرحمن ، لحديث مسلم ، وأصدقها همام وحارث كما ثبت في الحديث الصحيح . ويصح التسمية بأسماء الملائكة والانبياء وطه ويس . وقال ابن حزم : اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله كعبد العزى ، وعبد هبل ، وعبد عمر ، وعبد الكعبة ، حاشا عبد المطلب . كراهة بعض الاسماء : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التسمي بالاسماء الاتية : يسار ، ورباح ، ونجيح ، وأفلح ، لان ذلك ربما يكون وسيلة من وسائل التشاتم ، ففي حديث سمرة أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " لا تسم غلامك يسارا ولا رباحا ولا نجيحا ولا أفلح فإنك تقول : أثم هو - فلا يكون - فيقول : لا " . رواه مسلم . الاذان في أذن المولود : ومن السنة أن يؤذن في أذن المولود اليمنى ، ويقيم في الاذن اليسرى ، ليكون أول ما يطرق سمعه اسم الله . روى أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ، عن أبي رافع رضي الله عنه ، قال : رأيت النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أذن بالصلاة في أذن الحسن بن علي حين ولدته فاطمة رضي الله عنهم . وروى ابن السني عن الحسن بن علي أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " من ولد له ولد فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى لم تضره أم الصبيان " ( 1 ) .

لا فرع ولا عتيرة : الفرع : ذبح أول ولد الناقة ، كانت العرب تذبحه لاصنامهم . العتيرة : ذبيحة رجب تعظيما له . وقد نهى الاسلام عن الذبح تعظيما للاصنام ، وغير معالم الجاهلية . وأباح الذبح باسم الله برا وتوسعا . روى أبو هريرة أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " لا فرع ولا عتيرة " ( 2 ) . رواه البخاري ومسلم .

( هامش ) ( 1 ) يقال إنها القرينة . ( 2 ) بالمعنى الذي كان عليه في الجاهلية .

وقال نبيشة ، رضي الله عنه : نادى رجل رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب ، فما تأمرنا ؟ قال : اذبحوا لله في أي شهر كان ، وبروا لله وأطعموا . قال : إنا كنا نفرع فرعا في الجاهلية ، فما تأمرنا ؟ قال : في كل سائمة فرع تغذوه ماشيتك حتى إذا استجمل ( 1 ) ذبحته ، فتصدقت بلحمه على ابن السبيل ، فذلك خير " . رواه أبو داود والنسائي . وعن أبي رزين قلت : يا رسول الله ، كنا نذبح في رجب فنأكل ونطعم من جاءنا ، فقال : " لا بأس به " . وروى أحمد والنسائي عن عمر بن الحارث أنه لقي النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في حجة الوداع ، فقال رجل : يا رسول الله الفرائع والعتائر ؟ قال : من شاء فرع ومن شاء لم يفرع ، ومن شاء عتر ومن شاء لم يعتر في الغنم الاضحية " .

( هامش ) ( 1 ) أي صار جملا . ( . ) / صفحة 332 /

ثقب أذن الصغير : في كتب الحنابلة : إن تثقيب آذان الصبية للحلية جائز ويكره للصبيان . وفي فتاوي قاصي خان ، من الحنفية : لا بأس بتثقيب آذان الصبية ، لانهم كانوا في الجاهلية يفعلونه ، ولم ينكره عليهم النبي ، صلى الله عليه وسلم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:17 am

الكفالة



تعريفها : الكفالة معناها في اللغة : الضم ، ومنه قول الله ، عز وجل : " وكفلها زكريا ( 1 ) " . وفي الشرع عبارة عن ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الاصيل في المطالبة بنفس أو دين أو عين أو عمل ، وهذا التعريف لفقهاء الاحناف . وعند غيرهم من الائمة يعرفونها بأنها ضم الذمتين في المطالبة والدين .

والكفالة تسمي : حمالة وضمانة وزعامة . وهي تقتضي كفيلا وأصيلا ومكفولا له ومكفولا به .فالكفيل هو الذي يلتزم بأداء المكفول به ، ويجب أن يكون بالغا عاقلا مطلق التصرف في ماله رضايا بالكفالة ( 1 ) فلا يكون المجنون ولا الصبي ولو كان مميزا كفيلا . ويسمى الكفيل بالضامن والزعيم والحميل والقبيل . والاصيل هو المدين وهو المكفول عنه ، ولا يشترط بلوغه ولا عقله ولا حضوره ولا رضاه بالكفالة . بل تجوز الكفالة عن الصبي والمجنون والغائب . ولكن الفيل لا يرجع على أحد من هؤلاء إذا أدى عنه ، بل يعتبر متبرعا إلا في حالة ما إذا كانت الكفالة عن الصبي المأذون له في التجارة وكانت بأمره . والمكفول له هو الدائن . ويشترط أن يعرفه الضامن ، لان الناس يتفاوتون في المطالبة تسهيلا وتشديدا . والاغراض تختلف بذلك ، فيكون الضمان بدونه غررا . ولا تشترط معرفة المضمون عنه . والمكفول به هو النفس أو الدين أو العين أو العمل الذي وجب أداؤه على المكفول عنه ، وله شروط ستأتي في موضعها .

مشروعيتها : والكفالة مشروعة بالكتاب والسنة والاجماع .

( هامش ) ( 1 ) لانه لا يلزمه الحق ابتداء إلا برضاه .

ففي الكتاب يقول الله تعالى : " قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به ( 1 ) " ، وقوله ، جل شأنه : " ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم " ( 2 ) . وجاء في السنة عن أبي أمامة أن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " الزعيم غارم " . رواه أبو داود والترمذي وحسنه ، وصححه ابن حبان .

ومعنى الزعيم : الكفيل . والغارم : الضامن . وقد أجمع العلماء على جوازها . ولا يزال المسلمون يكفل بعضهم بعضا من عصر النبوة إلى وقتنا هذا ، دون تكبر من أحد من العلماء . التنجيز والتعليق والتوقيت : وتصح الكفالة منجزة ، ومعلقة ، ومؤقتة . فالمنجزة مثل قول الكفيل : أنا أضمن فلانا الان ، وأكفله . قال العلماء : إذا قال الرجل : تحملت أو تكفلت أو ضمنت ، أو

أنا حميل لك ، أو زعيم أو كفيل أو ضامن أو قبيل ، أو هو لك عندي أو علي أو إلي أو قبلي ، فذلك كله كفالة . ومتى انعقدت الكفالة كانت تابعة للدين في الحلول والتأجيل والتقسيط ، إلا إذا كان الدين حالا واشترط الكفيل تأجيل المطالبة إلى أجل معلوم ، فإنه يصح ، لما رواه ابن ماجه عن ابن عباس أن النبي ، صلى الله عليه وسلم : تحمل عشرة دنانير عن رجل قد لزمه غريمه إلى شهر ، وقضاها عنه . وفي هذا دليل على أن الدين إذا كان حالا وضمنه الكفيل إلا أجل معلوم صح ، ولا يطالب به الضامن قبل مضي الاجل

والمعلقة مثل : إن أقرضت فلانا فأنا ضامن لك ، وكما جاء في الاية الكريمة قول الله تعالى : ولمن جاء به حمل بعير " ( 1 ) .

والمؤقتة مثل : إذا جاء شهر رمضان فأنا ضامن لك . وهذا مذهب أبي حنيفة وبعض الحنابلة . وقال الشافعي : لا يصح التعليق في الكفالة

مطالبة الكفيل والاصيل معا : ومتى انعقدت الكفالة جاز لصاحب الحق أن يطالب الضامن والمضمون معا ، كما جاز له أن يطالب أيهما شاء بناء على تعدد محل الحق ، كما يرى جمهور العلماء .

أنواع الكفالة : والكفالة نوعان : الاول : كفالة بالنفس . الثاني : كفالة بالمال . الكفالة بالنفس : وتعرف بضمان الوجه ، وهي التزام الكفيل بإحضار الشخص المكفول إلى المكفول له . وتصح بقوله : أنا كفيل بفلان أو ببدنه أو وجهه ، أو : أنا ضامن أو زعيم ونحو ذلك ، وهي جائزة إذا كان على المكفول به حق لادمي ، ولا يشترط العلم بقدر ما على المكفول لانه تكفل بالبدن لا بالمال . أما إذا كانت الكفالة في حدود الله ، فإنها لا تصح ، سواء أكان الحد حقا لله تعالى كحد الخمر ، أو كان حقا لادمي كحد القذف . وهذا مذهب أكثر العلماء ، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " لا كفالة في حد " . رواه البيهقي بإسناد ضعيف وقال : إنه منكر . ولان مبناه على الاسقاط والدرء بالشبهة ، فلا يدخله الاستيثاق ، ولا يمكن استيفاؤه من غير الجاني . وعند أصحاب الشافعي تصح الكفالة بإحضار من عليه عقوبة لادمي كقصاص وحد قذف ، لانه حق لازم ، أما إذا كان حدا لله فلا تصح فيه الكفالة . ومنعها ابن حزم فقال : " لا تجوز الضمانة بالوجه أصلا لا في مال ولا حد ، ولا في شئ من الاشياء ، لان كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل . ومن طريق النظر أن نسأل من قال بصحته عمن تكفل بالوجه فقط فغاب المكفول عنه ماذا تصنعون بالضامن بوجهه ؟ أتلزمونه غرامة ما على المضمون ؟ فهذا جور وأكل مال بالباطل ، لانه لم يلتزمه قط . أم تتركونه ؟ فقد أبطلتم الضمان بالوجه ، أم تكلفونه طلبه ؟ فهذا تكليف الحرج وما لا طاقة له به وما لم يكلفه الله إياه قط . وأجاز الكفالة بالوجه جماعة من العلماء . واستدلوا بأنه ، صلى الله عليه وسلم ، كفل في تهمة ، قال : وهو خبر باطل ، لانه من رواية إبراهيم بن خيثم بن عراك ، وهو وأبوه في غاية الضعف لا تجوز الرواية عنهما . ثم ذكر آثارا عن عمر بن عبد العزيز وردها كلها بأنها لا حجة فيها ، " إذا الحجة في كلام الله ورسوله لا غير " . ومتى تكفل بإحضاره لزمه إحضاره فإن تعذر عليه إحضاره مع حياته أن امتنع الكفيل عن إحضاره غرم ما عليه ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " الزعيم غارم " . إلا إذا اشترط إحضاره دون المال ، وصرح بالشرط لانه يكون ألزم ضد ما اشترط ، وهذا مذهب المالكية وأهل المدينة . وقالت الاحناف : يحبس الكفيل إلى أن يأتي به أو يعلم موته ، ولا يغرم المال إلا إذا شرطه على نفسه . وقالوا : إذا مات الاصيل فإنه لا يلزم الكفيل الحق الذي عليه ، لانه إنما تكفل بالنفس ولم يكفل بالمال ، فلا يلزمه ما لم يتكفل به . وهذا هو المشهور من قول الشافعي . وكذلك يبرأ الكفيل إذا سلم المكفول نفسه . ولا يبرأ الكفيل بموت المكفول له بل تقوم ورثته مقامه في المطالبة بإحضار المكفول الكفالة بالمال : والكفالة بالمال : هي التي يلتزم فيها الكفيل التزاما ماليا ، وهي أنواع ثلاثة : 1 - الكفالة بالدين : وهي التزام أداء دين في ذمة الغير . ففي حديث سلمة بن الاكوع ، أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، امتنع من الصلاة على من عليه الدين ، فقال أبو قتادة : صل عليه يا رسول الله وعلي دينه . فصلى عليه ( 1 )

ويشترط في الدين : ( أ ) أن يكون ثابتا وقت الضمان كدين القرض والثمن والاجرة والمهر ، فإذا لم يكن ثابتا فإنه لا يصح ، فضمان ما لم يجب غير صحيح ، كما إذا قال : بع لفلان وعلي أن أضمن الثمن ، أو : أقرضه ، وعلي أن أضمن بدله . وهذا مذهب الشافعي ومحمد بن الحسن والظاهرية . وأجاز ذلك أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ، وقالوا بصحة ضمان ما لم يجب . ( ب ) أن يكون معلوما ، فلا يصح ضمان المجهول ، لانه غرر ، فلو قال : ضمنت لك ما في ذمة فلان ، وهما لا

( 1 ) ذهب الجمهور إلى صحة الكفالة عن الميت ولا رجوع له في مال الميت . والحديث من رواية البخاري وأحمد .

يعلمان مقداره فإنه لا يصح . وهذا مذهب الشافعي وابن حزم . وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد : يصح ضمان المجهول . 2 - كفالة بالعين أو كفالة بالتسليم : وهي التزام تسليم عين معينة موجودة بيد الغير مثل : رد المغصوب إلى الغاصب وتسليم المبيع إلى المشتري . ويشترط فيها أن تكون العين مضمونة على الاصيل كما في المغصوب . فإذا لم تكن مضمونة كالعارية والوديعة فإن الكفالة لا تصح . 3 - كفالة بالدرك : أي بما يدرك المال المبيع ويلحق به من خطر بسبب سابق على البيع ، أي أنها كفالة . وضمانة لحق المشتري تجاه البائع إذا ظهر للمبيع مستحق ، كما لو تبين أن المبيع مملوك لغير البائع أو مرهون . رجوع الكفيل على المضمون عنه : وإذا أدى الضامن عن المضمون عنه ما عليه من دين رجع عليه متى كان الضمان والاداء بإذنه ، لانه أنفق ماله فميا ينفعه بإذنه . وهذا مما اتفق الائمة الاربعة عليه . واختلفوا فيما إذا ضمن عن غيره حقا بغير أمره وأداه . وقال الشافعي وأبو حنيفة : هو متطوع ، وليس له الرجوع عليه . والمشهور عن مالك : أن له الرجوع به . وعن أحمد : روايتان . قال ابن حزم : " لا يرجع الضامن بما أدى سواء بأمره أو بغيره أمره إلا أن يكون المضمون عنه استقرضه . قال : وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبو ثور وأبو سليمان بمثل قولنا " . ا ه‍
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:18 am

من أحكام الكفالة: 1 - ومتى عدم المضمون أو غاب ، ضمن الكفيل ، ولا يخرج عن الكفالة إلا بأداء الدين منه أو من الاصيل ، أو بإبراء الدائن نفسه من الدين أو نزوله عن الكفالة ، وله هذا النزول لانه من حقه . 2 - من حق المكفول له ( أي صاحب الدين ) فسخ عقد الكفالة من ناحية ، ولو لم يرض المدين المكفول عنه أو الكفيل . وليس هذا الفسخ للمكفول عنه ولا للكفيل .

المساقاة تعريفها : المساقاة مفاعلة من السقي ، وهذه المفاعلة على غير بابها . وسميت بهذه التسمية لان شجر أهل الحجاز أكثر حاجة إلى السقي لانها تسقى من الابار ، فسميت بهذه التسمية . وهي في الشرع دفع الشجر لمن يقوم بسقيه ويتعهده حتى يبلغ تمام نضجه نظير جزء معلوم من ثمره . فهي شركة زراعية على استثمار الشجر يكون فيها الشجر من جانب ، والعمل في الشجر من جانب ، والثمرة الحاصلة مشتركة بينهما بنسبة يتفق عليها المتعاقدان كالنصف والثلث ونحو ذلك . ويسمى العامل بالمساقي ، والطرف الاخر يسمى برب الشجر . والشجر يطلق على كل ما غرس ليبقى في الارض سنة فأكثر من كل ما ليس لقطعه مدة ونهاية معلومة ، سواء أكان مثمرا أم غير مثمر . وتكون المساقاة على غير المثمر نظير ما يأخذه المساقي من السعف والحطب ونحوها . مشروعيتها : والمساقاة مشروعة بالسنة ، وقد اتفق الفقهاء على جوازها للحاجة إليها ، ما عدا أبا حنيفة الذي رأى أنها لا تجوز . وقد استدل الجمهور من العلماء على جوازها بما يأتي : 1 - روى مسلم عن ابن عمر أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع . 2 - وروى البخاري أن الانصار قالت للنبي ، صلى الله عليه وسلم : اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل . قال : لا . فقالوا : تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة ؟ قالوا : سمعنا وأطعنا . أي أن الانصار أرادوا أن يشركوا معهم المهاجرين في النخيل فعرضوا ذلك على الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، فأبى ، فعرضوا أن يتولوا أمره ولهم الشطر فأجابهم . وفي نيل الاوطار : قال الحازمي : روي عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه ، وعبد الله بن مسعود وعمار بن ياسر وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى وابن شهاب الزهري ، ومن أهل الرأي أبو يوسف القاضي ، ومحمد بن الحسن ، فقالوا : تجوز المزارعة والمساقاة بجزء من الثمر أو الزرع قالوا : ويجوز العقد على المزارعة والمساقاة مجتمعين ، فتساقيه على النخل وتزارعه على الارض كما جري في خيبر . ويجوز العقد على كل واحدة منها منفردة .

أركانها : والمساقاة لها ركنان : 1 - الايجاب . 2 - القبول . وتنعقد بكل ما يدل عليها من القول أو الكتابة أو الاشارة ما دام ذلك صادرا ممن يجوز تصرفهم . شروطها : ويشترط في المساقاة الشروط الاتية : 1 - أن يكون الشجر المساقى عليه معلوما بالرؤية أو بالصفة التي لا يختلف معها ، لانه لا يصح العقد على مجهول . 2 - أن تكون مدتها معلومة ، لانها عقد لازم يشبه عقد الايجار ، وحتى ينتفي الغرر . وقال أبو يوسف ومحمد : إن بيان المدة ليس بشرط في المساقاة استحسانا ، لان وقت إدراك الثمر معلوم غالبا ولا يتفاوت تفاوتا يعتد به . وممن قال بعدم اشتراط هذا الشرط الظاهرية ، واستدلوا بما رواه مالك مرسلا ، أن الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، قال لليهود : " أقركم ما أقركم الله " . وعند الاحناف أنه متى انتهت مدة المساقاة قبل نضج الثمر تترك الاشجار للعامل ليعمل فيها بلا أجر إلى أن ينضج . 3 - أن يكون عقد المساقاة قبل بدو الصلاح ، لانها في هذه الحال تفتقر إلى عمل . أما بعد بدو الصلاح ، فمن الفقهاء من رأى أن المساقاة لا تجوز ، لانه لا ضرورة تدعو إليها . ولو وقعت ، لكانت إجارة لا مساقاة . ومنهم من جوزها في هذه الحال ، لانها إذا جازت قبل أن يخلق الله الثمر فهي بعد بدو الثمر أولى . 4 - أن يكون للعامل جزء مشاع معلوم من الثمرة ، أي يكون نصيبه معلوما بالجزئية : كالنصف والثلث ، فلو شرط له أو لصاحب الشجر نخلات معينة أو قدرا معينا بطلت . وقال في بداية المجتهد : واتفق القائلون بالمساقاة على أنه إن كانت النفقة كلها على رب الحائط ( 1 ) وليس على العامل إلا ما يعمل بيده أن ذلك لا يجوز ، لانها إجارة بما لم يخلق . ومتى فقد شرط من هذه الشروط انفسخ العقد وفسدت المساقاة ، فإن كان قد مضى فيها المساقي ونما الشجر أو الزرع بعمله فله أجر مثله ، ونماء الشجر أو الزرع لمالكه .

ما تجوز فيه المساقاة : اختلف الفقهاء فيما تجوز عليه المساقاة . فمنهم من قصرها على النخل كداود ، ومنه من زاد على النخل العنب كالشافعي ، ومنهم من توسع في هذا كالاحناف ، فعندهم تصح على الشجر والكروم والبقول وكل ما له أصول في الارض ليس لقلعها نهاية معلومة ، بل كلما جزت نبتت ، وذلك كالكراث والقصب الفارسي . وإذا لم تبين المدة وقع العقد على أول جز يحصل بعد العقد . وتصح أيضا على ما تتلاحق آحاده وتظهر شيئا فشيئا كالباذنجان . ولو دفع شخص لاخر رطبة انتهى جذاذها على أن يقوم

( هامش ) ( 1 ) الحائط : البستان .

بخدمتها وسقيها حتى يخرج بذرها ويكون بينهما أنصافا جاز ذلك بلا بيان المدة . وعند مالك أنها تجوز في كل أصل ثابت ، كالرمان والتين والزيتون وما أشبه ذلك من غير ضرورة ، وتكون في الاصول غير النابتة كالمقاثي والبطيخ مع عجز صاحبها عنها ، وكذلك الزرع . وعند الحنابلة تجوز المساقاة في كل ثمر مأكول . قال في المغني : وتصح المساقاة على البعلي من الشجر ، كما تجوز فيما يحتاج إلى سقي ، وبهذا قال مالك . قال : ولا نعلم فيه خلافا .

وظيفة المساقي : ووظيفة عامل المساقاة - كما قال النووي : أن عليه كل ما يحتاج إليه في إصلاح الثمر ، واستزادته مما يتكرر كل سنة : كالسقي وتنقية الانهار وإصلاح منابت الشجر وتلقيحه وتنحية الحشيش والقضبان عنه وحفظ الثمرة وجذاذها ونحو ذلك . وأما ما يقصد به حفظ الاصل ولا يتكرر كل سنة . كبناء الحيطان وحفر الانهار فعلى المالك .

عجزالعامل عن العمل : إذا وجد عذر يمنع العامل من العمل ، كأن يمرض أو تصيبه عاهة أو يسافر سفرا اضطراريا فإن المساقاة تفسخ . وهذا في حالة ما إذا كان الطرف الاخر قد اشترط عليه أن يعمل بنفسه . فإذا لم يكن قد اشترط عليه هذا الشرط فإن المساقاة لا تنفسخ بل على العامل أن يقيم غيره مقامه . وهذا عند الاحناف . وقال مالك : إذا عجز العامل وقد حل بيع الثمر لم يكن له أن يساقي غيره ، ووجب عليه أن يستأجر من يعمل . وإن لم يكن له شئ استؤجر من نصيبه من الثمر . وقال الشافعي : تنفسخ المساقاة بالعجز . موت أحد المتعاقدين : إذا مات أحد المتعاقدين فإن كان في الشجر ثمر لم يبد صلاحه فلرعاية مصلحة الطرفين يستمر العامل أو ورثته على العمل حتى ينضج الثمر ، ولو جبرا على صاحب الشجر أو ورثته ، لانه لا ضرر على أحد في ذلك ، وليس للعامل أجرة في المدة التي بين انفساخ العقد ونضج الثمر . وإذا امتنع العامل أو ورثته عن العمل بعد انتهاء المدة أو انفساخ العقد لا يجبرون عليه ، ولكنهم إذا أرادوا قطع الثمر قبل نضجه فلا يمكنون منه ، وإنما يكون الحق للمالك أو ورثته في أحد ثلاثة أشياء : 1 - الموافقة على قطع الثمر وقسمته حسب الاتفاق . 2 - إعطاء العامل أو ورثته من النقود قيمة ما يخص نصيبهم وهو مستحق القطع . 3 - الانفاق على الشجر حتى ينضج الثمر ثم الرجوع على المساقي أو ورثته بما أنفق أو يأخذ به ثمارا من نصيبه . وهذا مذهب الاحناف .

الجعالة ( ) تعريفها : الجعالة عقد على منفعة يظن حصولها ، كمن يلتزم بجعل ( 1 ) معين لمن يرد عليه متاعه الضائع ، أو دابته الشاردة ، أو يبني له هذا الحائط ، أو يحفر له هذه البئر حتى يصل إلى الماء ، أو يحفظ ابنه القرآن ، أو يعالج المريض حتى يبرأ ، أو يفوز في مسابقة كذا . . . الخ .

مشروعيتها : والاصل في مشروعيتها قول الله سبحانه : ( 2 )

( هامش ) الجعالة مثلثة الجيم . ( 1 ) الجعل . ما يعطى مقابل عمل . ( 2 ) سورة يوسف الاية رقم 72 .

ولمن جاء به حمل بعير ( 1 ) وأنا به زعيم " ( 2 ) . ولان الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، أجاز أخذ الجعل على الرقية بام القرآن كما تقدم في باب الاجارة . وقد أجيزت للضرورة ، ولهذا جاز فيها من الجهالة ما لم يجز في غيرها ، فإنه يجوز أن يكون العمل مجهولا . ولا يشترط في عقد الجعالة حضور المتعاقدين كغيره من العقود ، لقول الله تعالى : " ولمن جاء به حمل بعير " . والجعالة عقد من العقود الجائزة التي يجوز لاحد المتعاقدين فسخه . ومن حق المجعول له أن يفسخه قبل الشروع في العمل كما أن له أن يفسخه بعد الشروع إذا رضي بإسقاط حقه . أما الجاعل فليس له أن يفسخه إذا شرع المجعول له في العمل . وقد منعها بعض الفقهاء منهم ابن حزم ، قال في المحلى : " لا يجوز الحكم بالجعل على أحد . فمن قال لاخر : إن جئتني بعبدي الابق فلك علي دينار ، أو قال : إن فعلت ( هامش ) ( 1 ) البعير : الجمل . ( 2 ) الزعيم : الكفيل .

كذا وكذا فلك درهم ، أو ما أشبه ذلك ، فجاءه بذلك . أو هتف وأشهد على نفسه : من جاءني بكذا فله كذا فجاءه به ، لم يقض عليه بشئ ، ويستحب لو وفى بوعده . وكذلك من جاء بآبق فلا يقضى له بشئ ، سواء عرف بالمجئ بالاباق أو لم يعرف بذلك ، إلا أن يستأجره على طلبه مدة معروفة أو ليأتيه به من مكان معروف ، فيجب له ما استأجره به . وأوجب قوم الجعل وألزموه الجاعل واحتجوا بقول الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " ( 1 ) . وبقول يوسف عليه السلام : " قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم " ، وبحديث الذي رقى على قطيع من الغنم " . انتهى .

الشركة تعريفها : الشركة هي الاختلاط . ويعرفها الفقهاء بأنها عقد بين المتشاركين في رأس المال والربح ( 1 ) .

مشروعيتها : وهي مشروعة بالكتاب والسنة والاجماع . ففي الكتاب يقول الله سبحانه : " فهم شركاء في الثلث " ( 2 ) . وقوله سبحانه : " وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم " ( 1 ) ، والخلطاء هم الشركاء . وفي السنة يقول الرسول ، صلوات الله وسلامه عليه : إن الله تعالى يقول : " أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه . فإن خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما " ( 2 ) . رواه أبو داود عن أبي هريرة . وقال زيد : كنت أنا والبراء شريكين . رواه البخاري . وأجمع العلماء على هذا . ذكر ذلك ابن المنذر .

أقسامها : والشركة قسمان : القسم الاول : شركة أملاك . والقسم الثاني : شركة عقود . شركة الاملاك : وهي أن يتملك أكثر من شخص عينا من غير عقد . وهي إما أن تكون اختيارية أو جبرية : فالاختيارية ، مثل أن يوهب هبة أو يوصى لهما بشئ فيقبلا فيكون الموهوب والموصى به ملكا لهما على

( هامش ) ( 1 ) سورة " ص " ، الاية رقم 24 . ( 2 ) أي أن الله يبارك للشريكين في المال ويحفظه لهما ما لم تكن خيانة بينهما . فإذا خان أحدهما نزع البركة من المال

سبيل المشاركة . وكذلك إذا اشتريا شيئا لحسابهما فيكون المشترى شركة بينهما شركة ملك . والجبرية : هي التي تثبت لاكثر من شخص جبرا دون أن يكون فعل في إحداث الملكية كما في الميراث . فإن الشركة تثبت للورثة دون اختيار منهم ، وتكون شركة بينهم شركة ملك . حكم هذه الشركة : وحكم هذه الشركة أنه لا يجوز لاي شريك أن يتصرف في نصيب صاحبه بغير إذنه ، لانه لا ولاية لاحدهما في نصيب الاخر ، فكأنه أجنبي .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:19 am

شركة العقود : هي أن يعقد اثنان فأكثر عقدا على الاشتراك في المال وما نتج عنه من ربح . أنواعها : وأنواعها كما يلي : 1 - شركة العنان . 2 - شركة المفاوضة . 3 - شركة الابدان . 4 - شركة الوجوه . ركنها : وركنها الايجاب والقبول ، فيقول أحد الطرفين : شاركتك في كذا وكذا ، ويقول الثاني : قبلت .

حكمها : أجاز الاحناف كل نوع من أنواع الشركات السابقة متى توفر فيها الشروط التي ذكروها . والمالكية أجازوا كل الشركات ، ما عدا شركة الوجوه . والشافعية أبطلوها كلها ما عدا شركة العنان . والحنابلة أجازوها كلها ما عدا شركة المفاوضة . شركة العنان : ( 1 ) وهي أن يشترك اثنان في مال لهما على أن يتجرا فيه والربح بينهما ، ولا يشترط فيها المساواة في المال ولا في التصرف ولا في الربح . فيجوز أن يكون مال أحدهما أكثر من الاخر . ويجوز أن يكون أحدهما مسئولا دون شريكه . ويجوز أن يتساويا في الربح . كما يجوز أن يختلفا حسب الاتفاق بينهما . فإذا كان ثمة خسارة فتكون بنسبة رأس المال . شركة المفاوضة : ( 2 ) هي التعاقد بين اثنين أو أكثر على الاشتراك في عمل بالشروط الاتية :

( هامش ) ( 1 ) العنان بكسر العين وتفتح قال الفراء : اشتقاقها من عن الشئ إذا عرض ، فالشريكان كل واحد منها تعن شركة الاخر . وقيل هي مشتقة عناني الفرسين في التساوي . ( 2 ) المفاوضة : أي المساواة وسميت بهذه التسمية لاعتبار المساواة في رأس المال والربح والتصرف ، وقيل : هي من التفويض لان كل واحد يفوض شريكه في التصرف .

1 - التساوي في المال ، فلو كان أحد الشركاء أكثر مالا فإن الشركة لا تصح ( 1 ) . 2 - التساوي في التصرف ، فلا تصح الشركة بين الصبي والبالغ . 3 - التساوي في الدين ، فلا تنعقد بين مسلم وكافر . 4 - أن يكون كل واحد من الشركاء كفيلا عن الاخر فيما يجب عليه من شراء وبيع كما أنه وكيل عنه ، فلا يصح أن يكون تصرف أحد الشركاء أكثر من تصرف الاخر . فإذا تحققت المساواة في هذه النواحي كلها انعقدت الشركة وصار كل شريك وكيلا عن صاحبه وكفيلا عنه يطالب بعقده صاحبه ، ويسأل عن جميع تصرفاته . وقد أجازها الحنفية والمالكية ولم يجزها الشافعي ، وقال : " إذا لم تكن شركة المفاوضة باطلة فلا باطل أعرفه في الدنيا " لانها عقد لم يرد الشرع بمثله . وتحقق المساواة في هذه الشركة أمر عسير لما فيها من غرر وجهالة . وما ورد من

( هامش ) ( 1 ) فلو كان أحد الشركاء يملك 100 والاخر يملك دون ذلك فإن الشركة لا تصح ولو لم يكن ذلك مستعملا في التجارة

الحديث : " فاوضوا فإنه أعظم للبركة " وقوله : " إذا تفاوضتم فأحسنوا المفاوضة " فإنه لم يصح شئ من ذلك . وصفتها عند الامام مالك : هي أن يفوض كل واحد منهما إلى الاخر التصرف مع حضوره وغيبته ، وتكون يده كيده . ولا يكون شريكه إلا بما يعقدان الشركة عليه . ولا يشترط المفاوضة أن يتساوي المال ولا أن لا يبقي أحدهما مالا إلا ويدخله في الشركة .

شركة الوجوه : هي أن يشتري اثنان فاكثر من الناس دون أن يكون لهم رأس مال اعتمادا على جاههم وثقة التجار بهم ، على أن تكون الشركة بينهما في الربح ، فهي شركة على الذمم من غير صنعة ولا مال . وهي جائزة . عند الحنفية والحنابلة لانها عمل من الاعمال فيجوز أن تنعقد عليه الشركة ويصح تفاوت ملكيتهما في الشئ المشترى . وأما الربح فيكون بينهما على قدر نصيب كل منهما في الملك . وأبطلها الشافعية والمالكية ، لان الشركة إنما تتعلق بالمال أو العمل ، وهما هنا غير موجودين .

شركة الابدان : هي أن يتفق اثنان على أن يتقبلا عملا من الاعمال على أن تكون أجرة هذا العمل بينهما حسب الاتفاق . وكثيرا ما يحدث هذا بين النجارين والحدادين والحمالين والخياطين والصاغة وغيرهم من المحترفين . وتصح هذه الشركة سواء اتحدث حرفتها أم اختلفت " كنجار مع نجار أو نجار مع حداد " . وسواء عملا جميعا أو عمل أحدهما دون الاخر ، منفردين ومجتمعين . وتسمى هذه الشركة بشركة الاعمال أو الابدان أو الصنائع أو التقبل . ودليل جواز هذه الشركة ما رواه أبو عبيدة عن عبد الله قال : " اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نصيب يوم بدر ، قال : فجاء سعد بأسيرين ولم أجئ أنا وعمار بشئ " . رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه . ويرى الشافعي أن هذه الشركة باطلة ، لان الشركة عنده تختص بالاموال لا بالاعمال . وفي كتاب الروضة الندية كلام حسن في هذا الموضوع نورده فيما يلي : " واعلم أن هذه الاسامي التي وقعت في كتب الفروع لانواع من الشركة : كالمفاوضة ، والعنان ، والوجوه ، والابدان ، لم تكن أسماء شرعية ولا لغوية ، بل اصطلاحات حادثة متجددة ، ولا مانع للرجلين أن يخلطا ماليهما ويتجرا كما هو معنى المفاوضة المصطلح عليها ، لان للمالك أن يتصرف في ملكه كيف يشاء ما لم يستلزم ذلك التصرف محرما مما ورد الشرع بتحريمه ، وإنما الشأن في اشتراط استواء المالين وكونهما نقدا واشتراط العقد ، فهذا لم يرد ما يدل على اعتباره بل مجرد التراضي بجمع المالين والاتجار بهما كاف . وكذلك لا مانع من أن يشترك الرجلان في شراء شئ بحيث يكون لكل واحد منهما نصيب منه بقدر نصيبه من الثمن ، كما هو معنى شركة العنان اصطلاحا ، وقد كانت هذه الشركة ثابتة في أيام النبوة ودخل فيها جماعة من الصحابة فكانوا يشتركون في شراء شئ من الاشياء ويدفع كل واحد منهم نصيبا من قيمته يتولى الشراء أحدهما أو كلاهما . وأما اشتراط العقد والخلط فلم يرد ما يدل على اعتباره . وكذلك لا بأس أن يوكل أحد الرجلين الاخر أن يستدين له مالا ويتجر فيه ويشتركا في الربح كما هو معنى شركة الوجوه اصطلاحا . ولكن لا وجه لما ذكروه من الشروط . وكذلك لا بأس بأن يوكل أحد الرجلين الاخر في أن يعمل عنه عملا استؤجر عليه كما هو معنى شركة الابدان اصطلاحا . ولا معنى لا شتراط شروط في ذلك . والحاصل أن جميع هذه الانواع يكفي في الدخول فيها مجرد التراضي ، لان ما كان منها من التصرف في الملك فمناطه التراضي ولا يتحتم اعتبار غيره . وما كان منها من باب الوكالة أو الاجارة فيكفي فيه ما يكفي فيهما ، فما هذه الانواع التي نوعوها والشروط التي اشترطوها ؟ وأي دليل عقلي أو نقلي ألجأهم إلى ذلك ؟ فإن الامر أيسر من هذا التهويل والتطويل ، لان حاصل ما يستفاد من شركة : المفاوضة ، والعنان ، والوجوه ، أنه يجوز للرجل أن يشترك هو وآخر في شراء شئ وبيعه

ويكون الربح بينهما على مقدار نصيب كل واحد منهما من الثمن ، وهذا شئ واحد واضح المعنى يفهمه العامي فضلا عن . العالم ، ويفتي بجوازه المقصر فضلا عن الكامل ، وهو أعم من أن يستوي ما يدفعه كل واحد منهما من الثمن أو يختلف ، وأعم من أن يكون المدفوع نقدا أو عرضا ، وأعم من أن يكون ما اتجرا به جميع مال كل واحد منهما أو بعضه ، وأعم من أن يكون المتولي للبيع والشراء أحدهما أو كل واحد منهما . وهب أنهم جعلوا لكل قسم من هذا الاقسام - التي هي في الاصل شئ واحد - اسما يخصه ، فلا مشاحة في الاصطلاحات ، لكن ما معنى اعتبارهم لتلك العبارات ، وتكلفهم لتلك الشروط ، وتطويل المسافة على طالب العلم وإتعابه بتدوين ما لا طائل تحته ؟ وأنت لو سألت حراثا أو بقالا عن : جواز الاشتراك في شراء الشئ وفي ربحه ، لم يصعب عليه أن يقول : نعم . ولو قلت له : هل يجوز العنان أو الوجوه أو الابدان ؟ لحار في فهم معاني هذه الالفاظ . بل قد شاهدنا كثيرا من المتبحرين في علم الفروع يلتبس عليه الكثير من تفاصيل هذه الانواع ويتلعثم إن أراد تمييز بعضها من بعض . اللهم إلا أن يكون قريب عهد بحفظ مختصر من مختصرات الفقه ، فربما يسهل عليه ما يهتدى به إلى ذلك . وليس المجتهد من وسع دائرة الاراء العاطلة عن الدليل ، وقبل كل ما يقف عليه من قال وقيل ، فإن ذلك هو دأب أسراء التقليد ، بل المجتهد من قرر الصواب ، وأبطل الباطل ، وفحص في كل مسألة عن وجوه الدلائل ، ولم يحل بينه وبين الصدع بالحق مخالفة من يخالفه ممن يعظم في صدور المقصرين ، فالحق لا يعرف بالرجال . ولهذا المقصد سلكنا في هذه الابحاث مسالك لا يعرف قدرها إلا من صفى فهمه عن التعصبات ، وأخلص ذهنه عن الاعتقادات المألوفات . والله المستعان " . ا ه‍ .

شركة الحيوان : ويرى ابن القيم جواز المشاركة في الحيوان بأن تكون العين مملوكة لشخص ويقوم الاخر على تربيتها على أن يكون الربح بينهما حسب الاتفاق . قال في إعلام الموقعين : تجوز المغارسة عندنا على شجر الجوز وغيره ، بأن يدفع إليه أرضه ويقول : اغرسها من الاشجار كذا وكذا ، والغرس بيننا نصفان ، وهذا كما يجوز أن يدفع إليه ماله يتجر فيه والربح بينهما نصفان ، وكما يدفع إليه أرضه يزرعها والزرع بينهما ، وكما يدفع إليه شجره يقوم عليه والثمر بينهما ، وكما يدفع إليه بقره أو غنمه أو إبله يقوم عليها والدر والنسل بينهما ، وكما يدفع إليه زيتونه يعصره والزيت بينهما ، وكما يدفع إليه دابته يعمل عليها والاجرة بينهما ، وكما يدفع إليه فرسه يغزو عليها وسهمها بينهما ، وكما يدفع إليه قناة يستنبط ماءها والماء بينهما ، ونظائر ذلك ، فكل ذلك شركة صحيحة قد دل على جوازها النص والقياس واتفاق الصحابة ومصالح الناس ، وليس فيها ما يوجب تحريمها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ، ولا مصلحة ولا معنى صحيح يوجب فسادها ، والذين منعوا ذلك عذرهم أنهم ظنوا ذلك كله من باب الاجارة ، فالعوض مجهول فيفسد . ثم منهم من أجاز المساقاة والمزارعة للنص الوارد فيها والمضاربة للاجماع دون ما عدا ذلك ، ومنه من خص الجواز بالمضاربة ، ومنهم من جوز بعض أنواع المساقاة والمزارعة ، ومنه من منع الجواز فيما إذا كان بعض الاصل يرجع إلى العامل كقفيز الطحان وجوزه فيما إذا رجعت إليه الثمرة مع بقاء الاصل كالدر والنسل ، والصواب جواز ذلك كله ، وهو مقتضى أصول الشريعة وقواعدها ، فإنه من باب المشاركة التي يكون العامل فيها شريك المالك : هذا بماله وهذا بعمله ، وما رزق الله فهو بينهما ، وهذا عند طائفة من أصحابنا أولى بالجواز من الاجارة ، حتى قال شيخ الاسلام : هذه المشاركات أحل من الاجارة . قال : لان المستاجر يدفع ماله وقد يحصل له مقصوده وقد لا يحصل ، فيفوز المؤجر بالمال والمستأجر على الخطر ، إذا قد يكمل الزرع وقد لا يكمل ، بخلاف المشاركة ، فإن الشريكين في الفوز وعدمه على السواء ، إن رزق الله الفائدة كانت بينهما ، وإن منعها استويا في الحرمان ، وهذا غاية العدل ، فلا تاتي الشريعة بحل الاجارة وتحريم هذه المشاركات . وقد أقر النبي ، صلى الله عليه وسلم ، المضاربة على ما كانت عليه قبل الاسلام ، فضارب أصحابه في حياته وبعد موته ، وأجمعت عليها الامة ، ودفع خيبر إلى اليهود يقومون عليها ويعمرونها من أموالهم بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع ، وهذا كانه رأي عين ، ثم لم ينسخه ولا ينه عنه ولا امتنع منه خلفاؤه الراشدون وأصحابه بعده ، بل كانوا يفعلون ذلك بأراضيهم وأموالهم ، يدفعونها إلى من يقوم عليها بجزء مما يخرج منها ، وهم مشغولون بالجهاد وغيره ، ولم ينقل عن رجل واحد منهم المنع ، إلا فيما منع منه النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : فلا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله ، والله ورسوله لم يحرم شيئا من ذلك ، وكثير من الفقهاء يمنعون ذلك ، فإذا بلي الرجل بمن يحتج في التحريم بأنه هكذا في الكتاب وهكذا قالوا ، ولا يدله من فعل ذلك ، إذ لا تقوم مصلحة الامة إلا به ، فله أن يحتال على ذلك بكل حيلة تؤدي إليه ، فإنها حيل تؤدي إلى فعل ما أباحه الله ورسوله ولم يحرمه على الامة . بعض صور من الشركات الجائزة : أورد ابن قدامة بعض صور من الشركات الجائزة ، فقال في المغني : " فإن كان لقصار أداة ولاخر بيت ، فاشتركا على أن يعملا بأداة هذا في بيت هذا والكسب بينهما ، جاز ، والاجرة على ما شرطاه ، لان الشركة وقعت على عملهما والعمل يستحق به الربح في الشركة ، والالة والبيت لا يستحق بهما شئ لانهما يستعملان في العمل المشترك ، فصارا كالدابتين اللتين أجراهما لحمل الشئ الذي تقبلا حملا . وإن فسدت الشركة قسم ما حصل لهما على قدر أجر عملهما وأجر الدار والالة ، وإن كانت لاحدهما آلة وليس للاخر شئ ، أو لاحدهما بيت وليس للاخر شئ ، فاتفقا على أن يعملا بالالة أو في البيت والاجرة بينهما ، جاز لما ذكرناه . قال : وإن دفع رجل دابته إلى آخر ليعمل عليها وما يرزق الله بينهما نصفين أو أثلاثا أو كيفما شرطا ، صح ، نص عليه في رواية الاثرم ومحمد بن أبي حرب وأحمد بن سعيد ، ونقل عن الاوزاعي ما يدل على هذا . وكره ذلك الحسن والنخعي . وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي : لا يصح ، والربح كله لرب الدابة لان الحمل الذي يستحق به العوض منها وللعامل أجر مثله ، لان هذا ليس من أقسام الشركة ، إلا أن تكون المضاربة ، ولا تصح المضاربة بالعروض ، ولان المضاربة تكون بالتجارة في الاعيان وهذه لا يجوز بيعها ولا إخراجها عن ملك مالكها . وقال القاضي : يتخرج أن لا يصح ، بناء على أن المضاربة بالعروض لا تصح ، فعلى هذا : إن كان أجر الدابة بعينها فالاجر لمالكها ، وإن تقبل حمل شئ فحمله عليها أو حمل عليها شيئا مباحا فباعه ، فالاجرة والثمن له ، وعليه أجرة مثلها لمالكها . ولنا انها عين تنمى بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها ، كالدراهم والدنانير ، وكالشجر في المساقاة والارض في المزارعة . وقولهم إنه ليس من أقسام الشركة ولا هو مضاربة ، قلنا : نعم ، لكنه يشبه المساقاة والمزارعة ، فإنه دفع لعين المال إلى من يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها . وبهذا يتبين أن تخريجها على المضاربة بالعرض فاسد ، فإن المضاربة إنما تكون بالتجارة والتصرف في رقبة المال ، وهذا بخلافه . قال : ونقل أبو داود عن أحمد فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة : أرجو ألا يكون به بأس . قال إسحاق ابن إبراهيم قال أبو عبد الله : إذا كان على النصف والربع فهو جائز ، وبه قال الاوزاعي . قال : وقالوا ( 1 ) لو دفع شبكة إلى الصياد ليصيد بها السمك بينهما نصفين فالصيد كله للصياد ولصاحب الشبكة أجر مثلها . وقياس ما نقل عن أحمد صحة الشركة وما رزق بينهما على ما شرطا ، لانها عين تنمى بالعمل فيها فصح دفعها ببعض نمائها كالارض " ( انتهى ) .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:20 am

شركات التأمين : أفتى فضيلة الشيخ أحمد ابراهيم بعدم جواز عقود التأمين على الحياة ، فقال : إن حقيقة الامر في عقود التأمين على الحياة هو عدم صحتها ، ولبيان ذلك أقول : إن عاقد التأمين مع الشركة إذا أوفى الاقساط حال حياته كان له أن يسترد من الشركة كل المبلغ الذي دفعه مقسطا مع الربح الذي اتفق عليه مع الشركة . فأين هذا من عقد المضاربة الجائزة شرعا ؟ . فعقد المضاربة : أن يعطي زيد بكرا مائة جنيه ( مثلا ) ليتجر بها بكر على أن يكون الربح بينهما مشتركا بنسبة كذا على حسب ما يتفقان ، لرب المال النصف وللمضارب الذي هو العامل النصف . الاول في مقابلة ماله ، والثاني في مقابلة عمله . أو يكون للاول الثلثان وللثاني الثلث أو العكس . وهكذا . فشرط صحة المضاربة الاساسي أن يأخذ رب المال حقه مما تربحه التجارة بماله بعمل المضارب . فإذا لم تكسب التجارة ولم تخسر سلم لرب المال رأس ماله ولا شئ له ولا للمضارب بعد ذلك لعدم الربح ، عملا بحكم المضاربة . وإذا خسرت التجارة كانت الخسارة على رب المال من رأس ماله دون المضارب ، ولاشئ للمضارب في مقابل عمله لانه في هذه الحالة شريك وليس بأجير . أما إذا شرط رب المال على المضارب أن يأخذ رب المال مقدارا معينا فوق رأس ماله بصرف النظر عن كون التجارة كسبت أو خسرت ، فهذا شرط فاسد ، لانه يؤدي إلى قطع الشركة في الربح ، وهذا مخالف لحكم المضاربة ، أو إلى التزام المضارب بدفع مبلغ من ماله الخاص لرب المال . وهذا من باب أكل أموال الناس بالباطل . ثم إذا فسدت المضاربة بالشرط الذي ذكرته آنفا وهو الموجود في عقد التأمين ، وربحت التجارة ، كان الربح كله لرب المال . وأما المضارب فاء على رب المال أجر مثل عمله بالغا ما بلغ ، على رواية الاصل لمحمد ( رحمه الله ) لانه انقلب أجيرا بفساد المضاربة وخرج عن كونه شريكا . وعلى قول أبي يوسف المفتى به يكون للعامل أجر مثل ( 1 ) عمله دون أن يتجاوز المتفق عليه في العقد . وذلك لان المضاربة إذا كانت صحيحة لم يكن للعامل إلا المتفق عليه مع الربح . فإذا فسد العقد فلا ينبغي أن يستفيد المضارب من العقد الفاسد أكثر مما يستفيده من العقد الصحيح . وقول محمد في الاصل هو القياس . وقول أبي يوسف استحسان ، للمعنى الذي قلنا . هذه هي المضاربة الشرعية ، وهذه هي أحكامها . . . فهل يندرج عقد التأمين تحت المضاربة الصحيحة ؟ . الجواب : لا . وإذن هو يندرج تحت المضاربة الفاسدة . وحكمها شرعا هو ما أسمعتك هنا ، وهو مخالف لحكم عقد التأمين قانونا . ولا يمكن أن يقال إن الشركة تتبرع للمؤمن بما

( هامش ) ( 1 ) أجر المثل : هو الاجر الذي قدره أهل الحبرة المنزهين عن الهوى والتحيز ، ويكون اختيارهم بموافقة المتعاقدين أو باختيار الحاكم .

التزمته . لان طبيعة عقد التأمين قانونا أنه من عقود المعاوضة الاحتمالية . وإذا قيل إن ما يدفعه المؤمن للشركة يعتبر قرضا يسترده مع أرباحه إذا كان حيا ، فهذا قرض جر نفعا . وهو حرام . وهذا هو الرب المنهي عنه . وبالجملة فالموضوع على أي وجه قلبته وجدته لا ينطبق على عقد يصححه الشرع الاسلامي . وهذا الذي قدمناه هو فيما إذا بقي المؤمن على حياته حيا بعد توفيته ما التزمه على نفسه من الاقساط ، أما إذا مات قبل إيفاء جميع الاقساط ، وقد يموت بعد دفع قسط واحد فقط ، وقد يكون الباقي مبلغا عظيما جدا ، لان مبلغ التأمين على الحياة موكول تقديره إلى طرفي العقد على ما هو معلوم ، فإذا أدت الشركة المتفق عليه كاملا لورثته أو لمن جعل له المؤمن ولاية قبض ما التزمت به الشركة بعد موته ، ففي مقابل أي شئ دفعت الشركة هذا المبلغ ؟ . أليست هذه مخاطرة ومغامرة ؟ وإذا لم يكن هذا من صميم المغامرة ، ففي أي شئ المغامرة إذن . . . ؟ وهل يتصور أن يجيز شرع يحرم أكل أموال الناس بالباطل أن يكون موت شخص مصدرا لان يجني ورثته أو من يقوم مقامه بعد موته ربحا اتفق عليه قبل موته مع آخر مجازف يؤديه بعد موت الاول إلى هؤلاء ؟ مع العلم بأنه يجوز الاتفاق على أي مبلغ ، بالغا قدره ما بلغ ؟ ومتى كانت حياة الانسان وموته محلا للتجارة ، ومن الاشياء التي تقوم بالمال غير الواقف مقداره عند أي حد ، بل يوكل ذلك إلى تقدير العاقدين ؟ على أن المغامرة حاصلة أيضا من ناحية أخرى . فإن المؤمن له ، بعد أن يوفي جميع ما التزمه من الاقساط يكون له كذا . وإن مات قبل أن يوفيها كلها يكون لورثته كذا . أليس هذا قمارا ومخاطرة ؟ حيث لا علم له ولا للشركة بما سيكون من الامرين على التعيين . . . الصلح تعريفه : الصلح في اللغة : قطع المنازعة . وفي الشرع : عقد ينهي الخصومة بين المتخاصمين . ويسمى كل واحد من المتعاقدين مصالحا . ويسمى الحق المتنازع فيه ، مصالحا عنه . وما يسمى يؤديه أحدهما لخصمه قطعا للنزاع : مصالحا عليه أو بدل الصلح .

مشروعيته . والصلح مشروع بالكتاب والسنة والاجماع من أجل أن يحل الوفاق محل الشقاق ، ولكي يقضي على البغضاء بين المتنازعين . ففي الكتاب يقول الله سبحانه وتعالى : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين ( 1 ) " . وفي السنة يروي أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وابن حيان عن عمرو بن عوف أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " الصلح جائز بين المسلمين ، إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما " . وزاد الترمذي : " والمسلمون على شروطهم " ثم قال : هذا حديث حسن صحيح . وقال عمر ، ، رضي الله عنه : " ردوا الخصوم حتى يصطلحوا ، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن " . وقد أجمع المسلمون على مشروعية الصلح بين الخصوم .

أركانه : وأركان الصلح : الايجاب والقبول بكل لفظ ينبئ عن المصالحة ، كأن يقول المدعى عليه : " صالحتك على المائة التي لك عندي على خمسين " . ويقول الاخر : " قبلت " . ونحو ذلك . ومتى تم الصلح أصبح عقدا لازما للمتعاقدين ، فلا يصح لاحدهما أن يستقل بفسخه بدون رضا الاخر ، وبمقتضى العقد يملك المدعي بدل الصلح ولا يملك المدعى عليه استرداده وتسقط دعوى المدعي فلا تسمع منه مرة أخرى .

شروطه : من شروط الصلح ما يرجع إلى المصالح ، ومنها ما يرجع إلى المصالح به ، ومنها ما يرجع إلى المصالح عنه . شروط المصالح : يشترط في المصالح أن يكون ممن يصح تبرعه ، فلو كان المصالح ممن لا يصح تبرعه مثل : المجنون أو الصبي أو ولي اليتيم أو ناظر الوقف ، فإن صلحه لا يصح لانه تبرع ، وهم لا يملكونه . ويصح صلح الصبي المميز وولي اليتيم وناظر الوقف إذا كان فيه نفع للصبي أو لليتيم أو للوقف ، مثل أن يكون هناك دين على آخر وليس ثمة أدلة على ثبوت هذا الدين ، فيصالح المدين على أخذ بعض دينه وترك البعض الاخر .

شروط المصالح به : 1 - أن يكون مالا متقوما مقدور التسليم ، أو يكون منفعة . 2 - أن يكون معلوما علما نافيا للجهالة الفاحشة المؤدية إلى النزاع إن كان يحتاج إلى التسلم والتسليم . قال الاحناف : فإن كان لا يحتاج إلى التسليم والتسلم فإنه لا يشترط العلم به ، كما إذا ادعى كل من رجلين على صاحبه شيئا ، ثم تصالحا على أن يجعل كل منهما حقه بدل صلح عما للاخر . ورجح الشوكاني جواز الصلح بالمجهول عن المعلوم . فعن أم سلمة ، رضي الله عنها ، قالت : " جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فإ مواريث بينهما قد درست ( 1 ) ليس بينهما بينة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إنكم تختصمون إلى رسول الله ، وإنما أنا بشر ( 2 )

( هامش ) ( 1 ) درست : أي قدم عليها العهد حتى ذهبت معالمها . ( 2 ) بشر : يطلق على الواحد وعلى الجمع . ولعل بعضكم ألحن ( 1 ) بحجته من بعض . وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطاما ( 2 ) في عنقه يوم القيامة . فبكى الرجلان وقال كل واحد منهما : حقي لاخي . فقال رسول الله ، صلى الله عليه وآله وسلم : أما إذا قلتما فاذهبا فاقتسما ثم توخيا ( 3 ) الحق . ثم استهما ( 4 ) ثم ليحلل ( 5 ) كل واحد منكما صاحبه " . رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه . وفي رواية لابي داود : " وإنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه " . قال الشوكاني : وفيه دليل على أنه يصح الابراء عن المجهول ، لان

( هامش ) ( 1 ) ألحن : أبلغ . ( 2 ) إسطاما : الحديدة التي تحرك بها النار . ( 3 ) توخيا : اقصدا . ( 4 ) استهما : أي ليأخذ كل واحد منكما ما تخرجه القرعة بعد القسمة . ( 5 ) ثم ليحلل : أي ليسأل كل واحد صاحبه أن يجعله في حل من قبله بإبراء ذمته . الذي في ذمة كل واحد ههنا غير معلوم . وفيه أيضا صحة الصلح بمعلوم عن المجهول . ولكن لا بد مع ذلك من التحليل ( 1 ) . وحكي في البحر عن الناصر والشافعي أنه لا يصح الصلح بمعلوم عن مجهول . انتهى .

شروط المصالح عنه " الحق المتنازع فيه " . ويشترط في المصالح عنه الشروط الاتية : 1 - أن يكون مالا متقوما أو يكون منفعة ، ولا يشترط العلم به لانه لا يحتاج فيه إلى التسليم . " فعن جابر أن أباه قتل يوم أحد شهيدا وعليه دين ، فاشتد الغرماء في حقوقهم ، قال : فأتيت النبي ، صلى الله عليه وسلم ، فسألهم أن يقبلوا ثمرة حائطي ( 2 ) ويحلوا أبي ، فأبوا ، فلم يعطهم النبي ، صلى الله عليه وسلم حائطي ، وقال : سنغدو عليك ، فغدا علينا حين أصبح ، فطاف في النخل ودعا في ثمرها بالبركة . فجذذتها ( 3 ) فقضيتهم وبقي لنا من ثمرها " .

( هامش ) ( 1 ) أي بشرط أن يحل كل من المتصالحين صاحبه . ( 2 ) الحائط : البستان . ( 3 ) قطعتها

وفي لفظ " أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود . فاستنظره جابر فأبى أن ينظره ، فكلم جابر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يشفع له إليه ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكلم اليهودي ليأخذ ثمرة نخله بالذي له فأبى ، فدخل النبي ، صلى الله عليه وسلم ، النخل فمشى فيها ثم قال لجابر : جذ له فأوف له الذي له ، فجذه بعد ما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوفاه ثلاثين وسقا وفضلت سبعة عشر وسقا " رواه البخاري . قال الشوكاني : وفيه جواز الصلح عن معلوم بمجهول . 2 - أن يكون حقا من حقوق العباد يجوز الاعتياض عنه ولو كان غير مال كالقصاص . أما حقوق الله فلا صلح عنها . فلو صالح الزاني أو السارق أو شارب الخمر من أمسكه ليرفع أمر إلى الحاكم على مال ليطلق سراحه فإن الصلح لا يجوز ، لانه لا يصح أخذ العوض في مقابلته . ويعتبر أخذ العوض في هذه الحال رشوة . وكذلك لا يصح الصلح عن حد القذف لانه شرع للزجر وردع الناس عن الوقوع في الاعراض ، فهو وإن كان فيه حق للعبد ولكن حق الله فيه أغلب . ولو صالح الشاهد على مال ليكتم الشهادة عليه بحق لله تعالى أو بحق لادمي فإن الصلح غير صحيح لحرمة كتمان الشهادة . قال تعالى : " ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه " ( 1 ) . وقال ، جل شأنه :

" وأقيموا الشهادة لله " ( 2 ) . ولا يصح الصلح على ترك الشفعة . كما إذا صالح المشتري الشفيع على شئ ليترك الشفعة فالصلح باطل ، لان الشفعة شرعت لازالة ضرر الشركة ولم تشرع من أجل استفادة المال ، وكذلك لا يصح الصلح على دعوى الزوجية . أقسام الصلح : الصلح إما أن يكون صلحا عن إقرار ، أو صلحا عن إنكار ، أو صلحا عن سكوت .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   السبت أبريل 12, 2008 2:24 am

الصلح عن إقرار : والصلح عن إقرار : هو أن يدعي إنسان على غيره دينا أو عينا أو منفعة فيقر المدعى عليه بالدعوى ثم يتصالحا على أن يأخذ المدعي من المدعى عليه شيئا لان الانسان لا يمنع من إسقاط حقه أو بعضه . قال أحمد رضي الله عنه ، ولو شفع فيه شافع لم يأثم ، لان النبي ، صلى الله عليه وسلم كلم غرماء جابر فوضعوا عنه الشطر . وكلم كعب بن مالك فوضع عن غريمه الشطر . يشير الامام أحمد إلى ما رواه النسائي وغيره عن كعب بن مالك أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في المسجد فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وهو في بيته ، فخرج إليهما وكشف سجف حجرته فنادى : يا كعب . قال : لبيك يا رسول الله . قال : ضع من دينك هذا . وأومأ إلى الشطر . قال : لقد فعلت يا رسول الله . قال : قم فاقضه " . ثم إن المدعى عليه إن اعترف بنقد وصالح على نقد فإن هذا يعتبر صرفا ويعتبر فيه شروطه ، وإن اعترف بنقد وصالح على عروض أو بالعكس فهذا بيع يثبت فيه أحكامه كلها . وإن اعترف بنقد أو عرض وصالح على منفعة كسكنى دار وخدمة فهذه إجارة تثبت فيها أحكامها ، وإذا استحق المصالح عنه ، الحق المتنازع فيه ، كان من حق المدعى عليه أن يسترد بدل الصلح لانه ما دفعه إلا ليسلم له ما في يده . وإذا استحق البدل رجع المدعي على المدعى عليه لانه ما ترك المدعى إلا ليسلم له البدل .

الصلح عن إنكار : والصلح عن إنكار : هو أن يدعي شخص على آخر عينا أو دينا أو منفعة فينكر ما ادعاه ثم يتصالحا . الصلح عن سكوت : والصلح عن سكوت : هو أن يدعي شخص على آخر ما ذكر فيسكت المدعى عليه ، فلا يقر ولا ينكر . حكم الصلح عن إنكار وسكوت : وقد ذهب الجمهور من العلماء إلى جواز الصلح عن الانكار والسكوت . وقال الامام الشافعي وابن حزم : لا يجوز إلا الصلح عن إقرار . لان الصلح يستدعي حقا ثابتا ولم يوجد في حال الانكار والسكوت . أما في حال الانكار فلان الحق لا يثبت إلا بالدعوى وهي معارضة بالانكار ، ومع التعارض لا يثبت الحق . وأما في حال السكوت فلان الساكت يعتبر منكرا حكما حتى تسمع عليه البينة . وبذل كل منهما المال لدفع الخصومة غير صحيح . لان الخصومة باطلة ، فيكون البذل في معنى الرشوة ، وهي ممنوعة شرعا لقول الله تعالى : " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالاثم وأنتم تعلمون " ( 1 ) . وقد توسط بعض العلماء فلم يمنعه بإطلاق ولم يبحه بإطلاق . فقال : والاولى أن يقال : إن كان المدعي يعلم أن له حقا عند خصمه جاز له قبض ما صولح عليه . وإن كان خصمه منكرا وإن كان يدعي باطلا فإنه يحرم عليه الدعوى ، وأخذ ما صولح به . والمدعى عليه إن كان عنده حق يعلمه ، وإنما ينكر لغرض وجب عليه تسليم ما صولح عليه . وإن كان يعلم أنه ليس عنده حق جاز له إعطاء جزء من ماله في دفع شجار غريمه وأذيته . وحرم على المدعي أخذه . وبهذا تجتمع الادلة : فلا يقال الصلح على الانكار لا يصح ، ولا أنه يصح على الاطلاق . بل يفصل فيه ( 2 ) والذين أجازوا الصلح عن إنكار أو سكوت قالوا : إن حكمه يكون في حق المدعي معاوضة عن حقه . وفي حق المدعى عليه افتداء ليمينه وقطعا للخصومة عن نفسه . ويترتب على هذا أن بدل الصلح إذا كان عينا كان في معنى البيع ، فتجري عليه جميع أحكامه . وإن كان منفعة كان في معنى الاجارة فتجري عليه أحكامها . وأما المصالح عنه فإنه لا يكون كذلك لانه في مقابلة انقطاع الخصومة وليس عوضا عن مال ، ومتى استحق بدل الصلح رجع المدعي بالخصومة على المدعى عليه ، لانه لم يترك الدعوى إلا ليسلم له البدل . ومتى استحق المصالح عنه رجع المدعى عليه على المدعي لانه لم يدفع البدل إلا ليسلم له المدعى ، فإذا استحق لم يتم مقصوده ، فيرجع على المدعي .

الصلح عن دين المؤجل ببعضه حالا : ولو صالح عن الدين المؤجل ببعضه حالا لم يصح عند الحنابلة وابن حزم . قال ابن حزم في المحلي : " ولا يجوز في الصلح الذي يكون فيه إبراء من البعض شرط تأجيل أصلا ، لانه شرط ليس في كتاب الله . فهو باطل . ولكنه يكون حالا في الذمة ينظره به ما شاء بلا شرط ، لانه فعل خير " . وكرهه ابن المسيب والقاسم ومالك والشافعي وأبو حنيفة . وروي عن ابن عباس ، وابن سيرين والنخعي : أنه لا باس به .

القضاء

بسم الله الرحمن الرحيم القضاء العدل هو الغاية من رسالات الله : إن العدل قيمة من القيم الاسلامية العليا . ذلك أن إقامة الحق والعدل هي التي تشيع الطمأنينة ، وتنشر الامن ، وتشد علاقات الافراد بعضهم ببعض ، وتقوي الثقة بين الحاكم والمحكوم ، وتنمي الثروة ، وتزيد في الرخاء ، وتدعم الاوضاع ، فلا تتعرض لخلخلة أو اضطراب ، ويمضي كل من الحاكم والمحكوم إلى غايته في العمل ، والانتاج ، وخدمة البلاد ، دون أن يقف في طريقه ما يعطل نشاطه ، أو يعوقه عن النهوض . وإنما يتحقق العدل بإيصال كل حق إلى مستحقه والحكم بمقتضى ما شرع الله من أحكام ويتجنب الهوى بالقسمة بين الناس بالسوية . وما كانت مهمة رسل الله إلا القيام بهذا الامر وانفاذه . وما كانت وظيفة أتباع الرسل إلا السير على هذا النهج كي تبقى النبوة تمد الناس بظلها الظليل " لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط " ( 1 ) . القضاء ( 2 ) في الاسلام : ومن أهم الوسائل التي يتحقق بها القسط وتحفظ الحقوق وتصان الدماء والاعراض والاموال هي إقامة النظام القضائي الذي فرضه الاسلام وجعله جزءا من تعاليمه وركيزة من ركائزه التي لابد منها ولاغنى عنها . وكان أول من تولى هذه الوظيفة في الاسلام الرسول صلى الله عليه وسلم فقد جاء في المعاهدة التي تمت بعد الهجرة بين المسلمين واليهود وغيرهم : " إنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو شجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عزوجل وإلى محمد رسول الله " .

( هامش ) ( 1 ) سورة الحديد الاية رقم 24 . ( 2 ) القضاء في اللغة : إتمام الشئ قولا وفعلا . وفي الشرع : الفصل بين الناس في الخصومات حسما للخلاف وقطعا للنزاع بمقتضى الاحكام التي شرعها الله

وقد أمره الله عزوجل أن يحكم بما أنزل فقال : " إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما . واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما " . . . الخ ( 1 ) . وتولى قضاء مكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد كما تولى علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - قضاء اليمن . روى أهل السنن وغيرهم أن عليا لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيا قال : يارسول الله ، بعثتني بينهم وأنا شاب لا أدري ما القضاء . قال : فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدري وقال : " اللهم أهده وثبت لسانه " . قال علي : فوالذي فلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين " . وعن علي كرم الله وجهه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " يا علي إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض بينهما حتى تسمع من الاخر ، كما سمعت من الاول فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء "

( 1 ) فيم يكون القضاء : والقضاء يكون في جميع الحقوق سواء أكانت حقوقا لله أم حقوقا للادميين . وقد أفاد ابن خلدون " أن منصب القضاء استقر آخر الامر على أن يجمع مع الفصل بين الخصوم استيفاء بعض الحقوق العامة للمسلمين بالنظر في أحوال المحجور عليهم من المجانين واليتام والمفلسين وأهل السفه . وفي وصايا المسلمين وأوقافهم وتزويج الايامى عند فقد أوليائهن على رأي من يراه . والنظر في مصالح الطرقات والابنية وتصفح الشهود والامناء والنواب واستيفاء العلم والخبرة فيهم بالعدالة والجراح ليحصل له الوثوق بهم . وصارت هذه كلها من متعلقات وظيفته وتوابع ولايته " ا . ه‍ . منزلة القضاء : والقضاء فرض كفاية لدفع التظالم وفصل التخاصم ويجب على الحاكم أن ينصب للناس قاضيا ومن أبي أجبره عليه . وإذا كان الانسان في جهة لا يصلح للقضاء غيره تعين عليه ووجب عليه الدخول فيه . وقد رغب الاسلام في الحكم بين الناس بالحق وجعله من الغبطة : روى البخاري عن عبد الله بن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " لاحسد ( 1 ) إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق . ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس " .

ووعد القاضي العادل بالجنة : فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة ، ومن غلب جوره عدله فله النار " ( 2 ) . وعن عبد الله بن أبي أوفى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله مع القاضي ما لم يجر فإذا جار تخلى الله عنه ولزمه الشيطان " ( 3 ) .

( هامش ) ( 1 ) المقصود بالحسد هنا الغبطة . وهي أن يتمى الانسان أن يكون له مثل ما لغيره . ( 2 ) رواه أبو داود ( 3 ) رواه ابن ماجه والترمذي وحسنه

أما ما جاء من الاحاديث في التحذير من الدخول في القضاء مثل ما رواه سعيد المغبري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين " ( 1 ) . ( أي فقد تعرض لذبح نفسه وإهلاكها بتوليه القضاء ) . فإنها ترجع إلى الاشخاص الذين لاعلم لهم بالحق ولا قدرة لهم على الصدع به ولا يتمكنون من ضبط أنفسهم ولا كبح جماحها ومنعها من الميل إلى الهوى . والذي يرشد إلى هذا حديث أبي ذر - رضي الله عنه - قال : قلت يا رسول الله : ألا تستعملني ؟ قال : فضرب بيده على منكبي ثم قال : يا أبا ذر إنك ضعيف . وإنها أمانة ( 2 ) وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها ، وأدى الذي عليه فيها " ( 3 ) . وعن أبي موسى الاشعري قال : دخلت على النبي

( هامش ) ( 1 ) رواه أبو داود والترمذي وقال حسن غريب من هذا الوجه . ( 2 ) أي أنها تكليف شاق يستلزم القيام بحقوق الناس على الوجه الذي يحقق كل مطالبهم . ( 3 ) رواه مسلم

صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي فقال أحدهما : يارسول الله أمرنا على بعض ما ولاك الله عزوجل . وقال الاخر مثل ذلك فقال : إنا والله لانولي هذا العمل أحدا يسأله أو أحدا يحرص عليه " . وعن أنس ( 1 ) رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من ابتغى القضاء ، وسأل فيه شفعاء وكل إلى نفسه ، ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكا يسدده " ( 2 ) . والخوف من العجز عن القيام بالقضاء على الوجه الاكمل هو السبب في امتناع بعض الائمة عن الدخول في القضاء . ومن طريف ما يروى في هذا : أن حياة بن شريح دعي إلى أن يتولى قضاء مصر . فلما عرض عليه الامير امتنع فدعا له بالسيف . فلما رأى ذلك أخرج مفتاحا كان معه وقال : هذا مفتاح بيتي ولقد اشتقت إلى لقاء ربي . فلما رأى الامير عزيمته تركه .

من يصلح للقضاء : ولا يقضي بين الناس إلا من كان عالما بالكتاب والسنة فقيها في دين الله قادرا على التفرقة بين الصواب والخطأ . بريئا من الجور بعيدا عن الهوى . وقد اشترط الفقهاء في القاضي أن يبلغ درجة الاجتهاد ( 1 ) فيكون عالما بآيات الاحكام وأحاديثها ، عالما بأقوال السلف ما أجمعوا عليه وما اختلفوا فيه ، عالما باللغة وعالما بالقياس ، وأن يكون مكلفا ذكرا عدلا سميعا بصيرا ناطقا . وهذه الشروط تعتبر حسب الامكان ويجب تولية الامثل فالامثل . فلا يصح قضاء المقلد ولا الكافر ولا الصغير ولا المجنون ولا الفاسق ولا المرأة ( 2 ) لحديث أبي بكرة قال : لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس ملكوا عليهم بنت كسرى قال : " لن يفلح

( هامش ) ( 1 ) هذا هو الذي ذهب إليه الشافعي وهو قول عند المالكية والقول الاخر أنه مستحب . ولم يشترط أبو حنيفة هذا الشرط . ( 2 ) جوز أبو حنيفة للمرأة أن تكون قاضية في الاموال . وقال الطبري : يجوز للمرأة أن تكون قاضيا في كل شئ . قال في نيل الاوطار - قال في الفتح : " وقد اتفقوا على اشتراط الذكورة في القاضي الاعند الحنفية . واستثنوا الحدود . وأطلق ابن جرير . ويؤيد ما قاله الجمهور أن القضاء يحتاج إلى كمال الرأي ورأي المرأة ناقص ولاسيما في محافل الرجال
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
 

فقة السنة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 5 من اصل 6انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6  الصفحة التالية

 مواضيع مماثلة

-
» مذكرات السنة الخامسة ابتدائي ‏
» فروض مادة العربية لتلاميذ السنة 7 أساسي
» مجموعة كبيرة من امتحانات السنة الرابعة إبتدائي
» قراءة و كتابة و أناشيد السنة الثانية ابتدائي
» كل مايخص السنة الرابعة متوسط من تحضير ودروس

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى ابناء ميت مسعود ::  ::  :: -