منتدى ابناء ميت مسعود

:: أهلاً و سهلاً بكـ فيـ المنتدى
نورتنا بتواجدكـ
و عسى تكتملـ الصورة و ينالـ أعجابكـ أكثر
فتسجيلكـ لدينا يعنيـ أنـ المنتدى نالـ أستحسانكـ
نتمنى أنـ تجد لدينا ما يروقـ لكـ
و أنـ تفيد و تستفيد معنا ::
أهلاً و سهلاً بكـ ..


 
البوابة*الرئيسيةبحـثالمجموعاتمكتبة الصورالتسجيلقائمة الاعضاءس .و .جدخول
شاطر | 
 

 فقة السنة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:34 am

كراهة المغالاة في المهور : ومهما يكن من شئ فإن الاسلام يحرص على إتاحة فرص الزواج لاكثر عدد ممكن من الرجال والنساء ، ليستمتع كل بالحلال الطيب . ولا يتم ذلك إلا إذا كانت وسيلته مذللة ، وطريقته ميسرة . بحيث يقدر عليه الفقراء الذين يجهدهم بذل المال الكثير ، ولا سيما أنهم الاكثرية ، فكره الاسلام التغالي في المهور ، وأخبر أن المهر كلما كان قليلا كان الزواج مباركا ، وأن قلة المهر من يمن المرأة . فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن أعظم النكاح بركة . أيسره مؤنة " . وقال : " يمن المرأة خفة مهرها ، ويسر نكاحها ، وحسن خلقها . وشؤمها غلاء مهرها ، وعسر نكاحها ، وسوء خلقها " . وكثير من الناس جهل هذه التعاليم ، وحاد عنها وتعلق بعادات الجاهلية من التغالي في المهور ، ورفض التزويج إلا إذا دفع الزوج قدرا كبيرا من المال يرهقه ، ويضايقه ، كأن المرأة سلعة يساوم عليها ، ويتجر بها . وقد أدى ذلك إلى كثرة الشكوى ، وعانى الناس من أزمة الزواج التي أضرت بالرجال والنساء على السواء ، ونتج عنها كثير من الشرور والمفاسد ، وكسدت سوق الزواج ، وأصبح الحلال أصعب منالا من الحرام .

تعجيل المهر وتأجيله : يجوز تعجيل المهر وتأجيله ، أو تعجيل البعض ، وتأجيل البعض الاخر ، حسب عادات النساء ، وعرفهم . ويستحب تعجيل جزء منه ، لما روى ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم منع عليا أن يدخل بفاطمة حتى يعطيها شيئا . فقال : ما عندي شئ . فقال : فأين درعك الحطمية ؟ فأعطاه إياها . رواه أبو داود ، والنسائي ، والحاكم وصححه . وروى أبو داود ، وابن ماجه عن عائشة قالت : " أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أدخل امرأة على زوجها قبل أن يعطيها شيئا " . فهذا الحديث يدل على أنه يجوز دخول المرأة قبل أن يقدم لها شيئا من المهر . وحديث ابن عباس يدل على أن المنع كان على سبيل الندب . قال الاوزاعي : " كانوا يستحسنون ألا يدخل عليها حتى يقدم لها شيئا " وقال الزهري : " بلغنا في السنة ألا يدخل بامرأة حتى يقدم يكسو كسوة . ذلك مما عمل به المسلمون " . وللزوج أن يدخل على زوجته . وعليها أن تسلم نفسها إليه ، ولا تمتنع عليه ولو لم يعطها ما اشترط تعجيله لها من المهر - وإن كان يحكم لها به . قال ابن حزم : " ومن تزوج فسمى صداقا أو لم يسم فله الدخول بها أحبت أم كرهت مقضي لها بما سمى لها ، أحب أم كره ، ولا يمنع من أجل ذلك من الدخول بها ، لكن يقضى له عاجلا بالدخول ويقضى لها عليه حسب ما يوجد عنده من الصداق . فإن كان لم يسم لها شيئا قضي عليه بمهر مثلها ، إلا أن يتراضيا بأقل أو أكثر " . وقال أبو حنيفة : " إن له أن يدخل بها أحبت أم كرهت ، إن كان مهرها مؤجلا لانها هي التي رضيت بالتأجيل وهذا لا يسقط حقه . وإن كان معجلا كله أو بعضه لم يجز له أن يدخل بها حتى يؤذي إليها ما اشترط لها تعجيله ، ولها أن تمنع نفسها منه حتى يوفيها ما اتفقوا على تعجيله " . قال ابن المنذر : " أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم أن للمرأة أن تمتنع من دخول الزوج عليها حتى يعطيها مهرها " وقد ناقش صاحب المحلى هذا الرأي . فقال : " لا خلاف بين أحد من المسلمين في أنه من حين يعقد عليها الزوج فإنها زوجة له . فهو حلال لها ، وهي حلال له . فمن منعها منه حتى يعطيها الصداق أو غيره ، فقد حال بينه وبين امرأته ، بلا نص من الله تعالى ولا من رسوله صلى الله عليه وسلم " . لكن الحق ما قلنا : ألا يمنع حقه منها ولا تمنع هي حقها من صداقها ، لكن له الدخول عليها - أحبت أم كرهت - ويؤخذ مما يوجد له صداقها ، أحب أم كره . . وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم تصويب قول القائل : " أعط كل ذي حق حقه " .

متى يجب المهر المسمى كله : يجب المهر المسمى كله في إحدى الحالات الاتية : 1 - إذا حصل الدخول الحقيقي لقول الله تعالى : " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا . أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ؟ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا ؟ ! " ( 1 ) 2 - إذا مات أحد الزوجين قبل الدخول . وهو مجمع عليه . 3 - ويرى أبو حنيفة : أنه إذا اختلى بها خلوة صحيحة ، استحقت الصداق المسمى . وذلك بأن ينفرد الزوجان في مكان يأمنان فيه اطلاع أحد عليهما ، ولم يكن بأحد منهما مانع شرعي ، مثل أن يكون أحدهما صائما صيام فرض عليه ، أو تكون حائضا . أو مانع حسي ، مثل مرض أحدهما مرضا لا يستطيع معه الدخول الحقيقي ، أو مانع طبيعي بأن يكون معهما ثالث . واستدل أبو حنيفة بما رواه أبو عبيدة عن زائدة بن أبي أوفى ، قال : " قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه إذا أغلق الباب ، وأرخى الستر ، فقد وجب الصداق " . وروى وكيع عن نافع بن جبير قال : " كان أصحاب رسول الله يقولون : إذا أرخى الستر وأغلق الباب ، فقد وجب الصداق " . ولان التسليم المستحق وجد من جهتها فيستقر به البدل . وخالف في ذلك الشافعي ، ومالك وداود فقالوا : " لا يستقر المهر كله إلا بالوطء ( 2 ) ، ولا يجب بالخلوة الصحيحة إلا نصف المهر ، لقول الله تعالى " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ، فنصف ما فرضتم . ( 3 ) . أي ان نصف ما فرض من المهر يجب إذا وقع الطلاق قبل المسيس الذي هو الدخول الحقيقي . وفي حالة الخلوة لم يقع مسيس ، فلا يجب المهر كله . قال شريح : " لم أسمع الله ذكر في كتابه بابا ، ولا سترا . إذا زعم أنه لم يمسها فلها نصف الصداق " .

( هامش ) ( 1 ) سورة النساء آية 20 ، 21 . ( 2 ) إلا أن مالكا قال : إذا بنى عليها وطالت هذه الخلوة - فإن المهر يستقر وإن لم يطأ وحدده ابن قاسم من أتباعه بعام . ( 3 ) سورة البقرة آية 237 .

وروى سعيد بن منصور عن ابن عباس أنه كان يقول في رجل دخلت عليه امرأته ، ثم طلقها ، فزعم أنه لم يمسها : " عليه نصف الصداق " . وروى عبد الرزاق عنه قال : " لا يجب الصداق وافيا حتى يجامعها " .

وجوب المهر المسمى بالدخول في الزواج الفاسد : إذا عقد الرجل على المرأة ، ودخل بها ، ثم تبين فساد الزواج لسبب من الاسباب ، وجب المهر المسمى كله ، لما رواه أبو داود : أن بصرة بن أكثم تزوج امرأة بكرا في كسرها فدخل عليها ، فإذا هي حبلى فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : " لها الصداق بما استحللت من فرجها " وفرق بينهما . ففي هذا الحديث وجوب المهر المسمى في النكاح الفاسد كما أنه تضمن فساد النكاح وبطلانه إذا تزوجها فوجدها حبلى من الزنا .

الزواج بغير ذكر المهر : الزواج بغير ذكر المهر ، ويسمى " زواج التفويض " يصح في قول عامة أهل العلم ، لقول الله تعالى " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ( 1 ) " . ومعنى الاية : أنه لا إثم على من طلق زوجته قبل المسيس ، وقبل أن يفرض لها مهرا . فإذا تزوج بغير ذكر المهر ، واشترط أن لا مهر عليه فقيل : إن الزواج غير صحيح ، وإلى هذا ذهبت المالكية وابن حزم . قال : وأما لو اشترط فيه أن لا صداق ، فهو مفسوخ ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل شرط ليس في كتاب الله عزوجل فهو باطل " . وهذا شرط ليس في كتاب الله عزوجل فهو باطل ، بل في كتاب الله عزوجل إبطاله . قال الله تعالى : " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة " . فإذن هو باطل ، فالنكاح المذكور لم تنعقد صحته إلا على تصحيح ما لا يصح ، فهو نكاح لا صحة له . وذهبت الاحناف إلى القول بالجواز ، إذ المهر ليس ركنا ولا شرطا في عقد الزواج .

وجوب مهر المثل بالدخول أو بالموت قبله : وإذا دخل بها الزوج ، أو مات قبل الدخول بها ، في هذه الحال ، فللزوجة مهر المثل والميراث ، لما رواه أبو داود عن عبد الله بن مسعود أنه قال في مثل هذه المسألة : " أقول فيها برأيي - فإن كان صوابا فمن الله ، وإن كان خطأ فمني - : أرى لها صداق امرأة من نسائها : لاوكس ( 1 ) ، ولا شطط ، وعليها العدة ، ولها الميراث ، فقام معقل بن يسار ، فقال ، أشهد لقضيت فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع واشق . وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ، وأحمد ، وداود ، وأصح قولي الشافعي .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:34 am

مهر المثل : مهر المثل هو المهر الذي تستحقه المرأة ، مثل مهر من يماثلها وقت العقد في السن ، والجمال ، والمال ، والعقل ، والدين ، والبكارة ، والثيوبة ، والبلد ، وكل ما يختلف لاجله الصداق ، كوجود الولد أو عدم وجوده ، إذ أن قيمة المهر للمرأة تختلف عادة باختلاف هذه الصفات . والمعتبر في المماثلة من جهة عصبتها كأختها وعمتها وبنات أعمامها . وقال أحمد : هو معتبر بقراباتها من العصبات وغيرهم من ذوي أرحامها . وإذا لم توجد امرأة من أقرباتها من جهة الاب متصفة بأوصاف الزوجة التي نريد تقدير مهر المثل لها ، كان المعتبر مهر امرأة أجنبية من أسرة تماثل أسرة أبيها . زواج الصغيرة بأقل من مهر المثل : ذهب الشافعي ، وداود ، وابن حزم ، والصاحبان ، من الاحناف ، إلى أنه لا يجوز للاب أن يزوج ابنته الصغيرة بأقل من مهر مثلها ، ولا يلزمها

( هامش ) ( 1 ) لاوكس : لا نقص عن مهر نسائها ولا شطط ولا زيادة . (

حكم أبيها في ذلك ، وتبلغ إلى مهر مثلها ولا بد ، إذ أن المهر حق لها ، ولا حكم لابيها في مالها . . وقال أبو حنيفة : إذا زوج الاب ابنته الصغيرة ، ونقص من مهرها ، جاز ذلك عليها ، ولا يجوز ذلك لغير الاب والجد . تشطير المهر : يجب على الزوج نصف المهر إذا طلق زوجته قبل الدخول بها ، وكان قد فرض لها قدر الصداق ، لقوله تعالى : " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ، إلا أن يعفون ( 1 ) أو يعفو الذي بيده عقدة ( 2 ) النكاح ، وأن تعفوا أقرب للتقوى . ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير ( 3 ) " .

وجوب المتعة : إذا طلق الرجل زوجته قبل الدخول ، ولم يفرض لها صداقا ، وجب عليه المتعة تعويضا لها عما فاتها . وهذا نوع من التسريح الجميل ، والتسريح بإحسان ، قال الله تعالى : " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ( 4 ) " . وقد أجمع العلماء على أن التي لم يفرض لها ، ولم يدخل بها ، لا شئ لها غير المتعة . والمتعة تختلف باختلاف ثروة الرجل . وليس لها حد معين ، قال الله تعالى : " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة . ومتعوهن على

( هامش ) ( 1 ) يعفون : أي النساء المكلفات . ( 2 ) بيده عقده النكاح : هو الزوج وقيل هو الولي . ( 3 ) سورة البقرة الاية 237 . ( 4 ) سورة البقرة الاية : 229 .

الموسع ( 1 ) قدره ( 2 ) وعلى المقتر ( 3 ) قدره ، متاعا بالمعروف ( 4 ) حقا على المحسنين ( 5 ) .

سقوط المهر : ويسقط المهر كله عن الزوج ، فلا يجب عليه شئ للزوجة في كل فرقة كانت قبل الدخول من قبل المرأة ، كأن ارتدت عن الاسلام . أو فسخت العقد لاعساره ، أو عيبه ، أو فسخه هو بسبب عيبها ، أو بسبب خيار البلوغ . ولا يجب لها متعة ، لانها أتلفت المعوض قبل تسليمه ، فسقط البلد كله كالبائع يتلف المبيع قبل تسليمه . ويسقط المهر كذلك ، إذا أبرأته قبل الدخول بها أو وهبته له ، فإنه في هذه الحال يسقط بإسقاطها له . وهو حق خالص لها .

الزيادة على الصداق بعد العقد : قال أبو حنيفة : إن الزيادة على الصداق بعد العقد ثابتة إن دخل بالزوجة ، أو مات عنها ، فأما إن طلقها قبل الدخول ، فإنها لا تثبت ، وكان لها نصف المسمى فقط ( 6 ) . وقال مالك : الزيادة ثابتة إن دخل بها ، فإن طلقها قبل الدخول فلها نصفها مع نصف المسمى . وإن مات قبل الدخول وقبل القبض بطلت ، وكان لها المسمى بالعقد . وقال الشافعي : هي هبة مستأنفة . إن قبضها جازت وإن لم يقبضها بطلت . وقال أحمد : حكمها حكم الاصل .

مهر السر ومهر العلانية : إذا اتفق العاقدان في السر على مهر ، ثم تعاقدا في العلانية بأكثر منه .

( 1 ) الموسع : ذو السعة وهى البسطة والغنى . ( 2 ) قدره : طاقته . ( 3 ) المقتر الفقير قليل المال . ( 4 ) متاعا بالمعرو ف : المعروف ما يتعارف عليه الناس بينهم . ( 5 ) سورة البقرة الاية 236 . ( 6 ) هذا ما جرى عليه العمل .

ثم اختلفا إلى القضاء فبم يحكم القاضي . ؟ قال أبو يوسف : يحكم بما اتفقا عليه سرا ، لانه يمثل الارادة الحقيقية وهو مقصد العاقدين . وقيل : يحكم بمهر العلانية ، لانه هو المذكور في العقد ، وما كان سرا فعلمه إلى الله ، والحكم يتبع الظاهر . وهو مذهب أبي حنيفة ، ومحمد ، وظاهر قول أحمد في رواية الاثرم ، وقول الشعبي وابن أبي ليلى ، وأبي عبيد . قبض المهر : إذا كانت الزوجة صغيرة ، فللاب قبض صداقها ، لانه يلي مالها ، فكان له قبضه كثمن مبيعها . وإن لم يكن لها أب ولا جد ، فلوليها المالي قبض صداقها ، ويودعه في المحاكم الحسبية ، ولا يتصرف فيه إلا بإذن من المحكمة المختصة . أما صداق الثيب الكبيرة فلا يقبضه إلا بإذنها ، إذا كانت رشيدة ، لانها المتصرفة في مالها . والاب إذا قبض المهر بحضرتها ، اعتبر ذلك إجازة منها بالقبض إذا سكتت ، وتبرأ ذمة الزوج ، لان إذنها في قبض صداقها كثمن مبيعها . وفي البكر البالغة العاقلة : أن الاب لا يقبض صداقها إلا بإذنها إذا كانت رشيدة ( 1 ) ، كالثيب . وقيل : له قبضه بغير إذنها ، لانها العادة ، ولانها تشبه الصغيرة .

الجهاز الجهاز هو الاثاث الذي تعده الزوجة هي وأهلها ليكون معها في البيت ، إذا دخل بها الزوج . وقد جرى العرف ، على أن تقدم الزوجة ، وأهلها ، بإعداد الجهاز وتأثيث البيت . وهو أسلوب من أساليب إدخال السرور على الزوجة بمناسبة زفافها . وقد روى النسائي عن علي رضي الله عنه قال : " جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة في خميل ، وقربة ، ووسادة حشوها إذخر " . وهذا مجرد عرف جرى عليه الناس . وأما المسؤول عن إعداد البيت إعدادا شرعيا ، وتجهيز كل ما يحتاج له من الاثاث ، والفرش ، والادوات ، فهو الزوج ، والزوجة لا تسأل عن شئ من ذلك ، مهما كان مهرها ، حتى ولو كانت زيادة المهر من أجل الاثاث ، لان المهر إنما تستحقه الزوجة في مقابل الاستمتاع بها ، لا من أجل إعداد الجهاز لبيت الزوجية ، فالمهر حق خالص لها ، ليس لابيها ، ولا لزوجها ، ولا لاحد حق فيه . وقد رأى المالكية : أن المهر ليس حقا خالصا للزوجة ، ولهذا لا يجوز لها أن تنفق منه على نفسها ، ولا تقضي منه دينا عليها ، وإن كان للمحتاجة أن تنفق منه ، وتلتمس بالشئ القليل بالمعروف ، وأن تقضي منه الدين القليل كالدينار إذا كان المهر كثيرا . وإنما ليس لها شئ من ذلك الذي ذكرناه ، لان عليها أن تتجهز لزوجها بالمعروف ، أي بما جرت به العادة في جهاز مثلها لمثله بما قبضته من المهر قبل الدخول ، إن كان حالا ، أو بما تقبضه منه إذا كان مؤجلا ، وحل الاجل

( 1 ) الخميل : القطيفة ، وهي كل ثوب له خميل ووبر من أي شئ والاذخر نبت طيب الرائحة تحشى به الوسائد

قبل الدخول بها ، فإن تأخر قبض شئ من المهر حتى دخل زوجها بها ، لم يكن عليها أن تتجهز بشئ مما تقبضه من بعد إلا إذا كان ذلك مشروطا ، أو جرى به العرف . وقد استوحى واضعو مشروع قانون الاحوال الشخصية ، مذهب الامام مالك في هذه الناحية ، فقد جاء في المادة رقم 66 منه : " أن الزوجة تلتزم بتجهيز نفسها بما يتناسب وما تعجل من مهر قبل الدخول ، ما لم يتفق على غير ذلك ، فإذا لم يعجل شئ من المهر فلا تلتزم بالجهاز ، إلا بمقتضى الاتفاق أو العرف " ( 1 ) . والجهاز إذا اشترته الزوجة بمالها ، أو اشتراه لها أبوها فهو ملك خالص لها ، ولاحق للزوج ولا لغيره فيه ، ولها أن تمكن زوجها وضيوفه من الانتفاع به ، كما أن لها أن تمتنع عن التمكين من الانتفاع ، وإذا امتنعت لا تجبر عليه . وقال مالك : يجوز للزوج أن ينتفع بجهاز زوجته الانتفاع الذي جرى به العرف
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:35 am

النفقة المقصود بالنفقة هنا : توفير ما تحتاج إليه الزوجة من طعام ، ومسكن ، وخدمة ، ودواء ، وإن كانت غنية . وهي واجبة بالكتاب ، والسنة ، والاجماع . أما وجوبها بالكتاب : 1 - فلقول الله تعالى : " وعلى الولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف . ولا تكلف نفس إلا وسعها " ( 1 ) . والمراد بالمولود له : الاب . والرزق في هذا الحكم : الطعام الكافي : والكسوة . اللباس . والمعروف : المتعارف في عرف الشرع . من غير تفريط . ولا إفراط . 2 - وقوله سبحانه : " أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ، ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن ، وان كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن " ( 2 ) . 3 - وقوله تعالى : " لينفق ذو سعة من سعته ، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها " ( 3 ) .

وأما وجوبها بالسنة : 1 - فقد روى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع : " فاتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بكلمة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن ، وكسونهن بالمعروف " . 2 - وروى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها : أن هندا بنت عتبة قالت ، يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل شحيح ، وليس يعطيني وولدي إلا أن أخذت منه - وهو لا يعلم - قال : " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " . 3 - وعن معاوية القشيري رضي الله عنه قال : قلت : يارسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه ؟ قال : " تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ، ولا تضرب الوجه ، ولا تقبح ، ولا تهجر إلا في البيت " . وأما الاجماع : فقد قال ابن قدامة : اتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا بالغين ، إلا الناشز منهن . ذكر ابن المنذر وغيره . قال : وفيه ضرب من العبرة ، وهو أن المرأة محبوسة على الزوج يمنعها من النصرف والاكتساب . فلابد من أن يتفق عليها .

سبب وجوب النفقة : وإنما أوجب الشارع النفقة على الزوج لزوجته ، لان الزوجة بمقتضى عقد الزواج الصحيح تصبح مقصورة على زوجها ، ومحبوسة لحقه ، لاستدامة الاستمتاع بها ، ويجب عليها طاعته ، والقرار في بيته ، وتدبير منزله ، وحضانة الاطفال وتربية الاولاد ، وعليه نظير ذلك أن يقوم بكفايتها والانفاق عليها ، مادامت الزوجية بينهما قائمة ، ولم يوجد نشوز ، أو سبب يمنع من النفقة عملا بالاصل العام : " كل من احتبس لحق غيره ومنفعته ، فنفقته على من احتبس لاجله " .

شروط استحقاق النفقة : ويشترط لاستحقاق النفقة الشروط الاتية : 1 - أن يكون عقد الزواج صحيحا . 2 - أن تسلم نفسها إلى زوجها . 3 - أن تمكنه من الاستمتاع بها . 4 - ألا تمتنع من الانتقال حيث يريد الزوج ( 1 ) . 5 - أن يكونا من أهل الاستمتاع . فإذا لم يتوفر شرط من هذه الشروط ، فإن النفقة لا تجب : ذلك أن العقد إذا لم يكن صحيحا ، بل كان فاسدا ، فإنه يجب على الزوجين المفارقة ، دفعا للفساد . وكذلك إذا لم تسلم نفسها إلى زوجها ، أو لم تمكنه من الاستمتاع بها ، أو امتنعت من الانتقال إلى الجهة التي يريدها ، ففي هذه الحالات لا تجب النفقة حيث لم يتحقق الاحتباس الذي هو سببها ، كما لا يجب ثمن المبيع إذا امتنع البائع من تسليم المبيع ، أو سلم في موضع دون موضع . ولان النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة رضي الله عنها ودخلت عليه بعد سنتين ولم ينفق عليها إلا من حين دخلت عليه ، ولم يلتزم نفقتها لما مضى . وإذا أسلمت المرأة نفسها إلى الزوج ، وهي صغيرة لا يجامع مثلها ، فعند المالكية والصحيح من مذهب الشافعية أن النفقة لا تجب ، لانه لم يوجد التمكين التام من الاستمتاع . فلا تستحق العوض من النفقة . قالوا : وإن كانت كبيرة والزوج صغير فالصحيح أنها تجب ، لان التمكين وجد من جهتها ، وإنما تعذر الاستيفاء من جهته ، فوجبت النفقة كما لو سلمت إلى الزوج ، وهو كبير فهرب منها . والمفتى به عند الاحناف : أن الزوج إذا استبقى الصغيرة في بيته ، وأسكنها للاستئناس بها ، وجبت لها النفقة لرضاه هو بهذا الاحتباس الناقص . وإن لم يمسكها في بيته فلا نفقة لها ( 2 ) . وإذا سلمت الزوجة نفسها وهي مريضة مرضا يمنعها من مباشرة الزوج لها وجبت لها النفقة . وليس من حسن المعاشرة الزوجية ، ولا من المعروف الذي أمر الله به أن يكون المرض مفوتا ما وجب لها من النفقة .

( هامش ) ( 1 ) إلا إذا كان الزوج يريد الاضرار بها بالسفر ، أو لا تأمن على نفسها أو مالها . ( 2 ) هذا مذهب أبي يوسف ، أما مذهب أبي حنيفة ومحمد فهو مثل مذهب الشافعية لان احتباسها كعدمه حيث لا يوصل إلى الغرض المقصود من الزواج فلا تجب لها النفقة

ومثل المريضة الرتقاء ( 1 ) ، والنحيفة ( 2 ) ، والمعيبة بعيب يمنع من مباشرة الزوج لها . وكذلك إذا كان الزوج عنينا ، أو مجبوبا ( 3 ) ، أو خصيا ، أو مريضا مرضا يمنعه من مباشرة النساء ، أو حبس في دين أو جريمة ارتكبها ، لانه وجد التمكين من الاستمتاع من جهتها ، وما تعذر فهو من جهته ، وهو سبب لا تنسب فيه إلى التفريط ، وإنما هو الذي فوت حقه على نفسه . ولا تجب النفقة إذا انتقلت الزوجة من منزل الزوجية إلى منزل آخر بغير إذن الزوج بغير وجه شرعي ، أو سافرت بغير إذنه ، أو أحرمت بالحج بغير إذنه . فإن سافرت بإذنه ، أو أحرمت بإذنه ، أو خرج معها لم تسقط النفقة ، لانها لم تخرج عن طاعته وقبضته . وكذلك لا تجب لها النفقة إذا منعته من الدخول عليها في بيتها المقيم معها فيه ، ولم تكن طلبت منه الانتقال إلى غيره فامتنع . فإن كانت طلبت منه الانتقال فأيى ، فمنعته من الدخول ، فلا تسقط النفقة . وكذلك لا تجب النفقة إذا حبست الزوجة في جريمة ، أو في دين ، أو كان حبسها ظلما ، إلا إذا كان هو الذي حبسها في دين له عليها ، لانه هو الذي فوت حقه . وكذلك لو غصبها غاصب ، وحال بينها وبين زوجها ، فإنها لا تستحق النفقة مدة غصبها . وكذلك الزوجة المحترفة التي تخرج لحرفتها . إذا منعها زوجها فلم تمتنع ، لا تستحق النفقة . وكذلك إن منعت نفسها بصوم تطوعا أو باعتكاف تطوعا . ففي كل هذه الصور لا تستحق الزوجة النفقة ، لانها فوتت حتى الزوج في الاستمتاع بها بغير وجه شرعي . فلو كان تفويتها حقه لوجه شرعي ، لم تسقط النفقة . كما إذا أخرجت من طاعته ، لان المسكن غير شرعي أو لان الزوج غير أمين على نفسها . أو مالها .

( هامش ) ( 1 ) الرتقاء : التي سد فرجها . ( 2 ) النحيفة : الهزيلة . ( 3 ) المجبوب : المقطوع الذكر

المرأة تسلم دون زوجها : وإذا كان الزوجان كافرين ، وأسلمت المرأة بعد الدخول ولم يسلم الزوج ، لم تسقط النفقة ، لانه تعذر الاستمتاع بها من جهته ، وهو قادر على إزالته بأن يسلم ، فلم تسقط نفقتها ، كالمسلم إذا غاب عن زوجته . ارتداد الزوج لا يمنع النفقة : وإذا ارتد الزوج ، بعد الدخول ، لم تسقط نفقتها ، لان امتناع الوطء بسبب من جهته ، وهو قادر على إزالته بالعودة إلى الاسلام بخلاف ما إذا ارتدت الزوجة ، فان نفقتها تسقط ، لانها منعت الاستمتاع بمعصية من قبلها ، فتكون كالناشز . مذهب الظاهرية في سبب استحقاق النفقة : وللظاهرية رأي آخر في سبب وجوب النفقة . وهو الزوجية نفسها . فحيث وجدت الزوجية وجبت النفقة . وبنوا على مذهبهم هذا وجوب النفقة للصغيرة والناشز ، دون النظر إلى الشروط التي قال بها غيرهم من الفقهاء . قال ابن حزم : " وينفق الرجل على امرأته من حين يعقد نكاحها . دعى إلى البناء ، أم لم يدع . ولو أنها في المهد . ناشزا كانت أو غير ناشز : غنية كانت أو فقيرة . ذات أب أو يتيمة . بكرا كانت أو ثيبا . حرة كانت أو أمة . على قدر حاله ( 1 ) . قال : وقال أبو سليمان ، وأصحابه ، وسفيان الثوري : النفقة واجبة للصغيرة من حين العقد عليها . وأفتى الحكم بن عتيبة - في امرأة خرجت من بيت زوجها غاضبة - هل لها نفقة ؟ قال : نعم . قال : ولا يحفظ منع الناشز من النفقة عن أحد من الصحابة ، إنما هو شئ روي عن النخعي والشعبي ، وحماد بن أبي سليمان ، والحسن ، والزهري . وما نعلم لهم حجة ، إلا أنهم قالوا : النفقة بإزاء الجماع . فإذا منعت الجماع منعت النفقة . انتهى بتصرف قليل .

تقدير النفقة وأساسه : إذا كانت الزوجة مقيمة مع زوجها ، وكان هو قائما بالنفقة عليها ، ومتوليا إحضار ما فيه كفايتها ، من طعام ، وكسوة ، وغيرهما ، فليس للزوجة أن تطلب فرض النفقة ، حيث أن الزوج قائم بالواجب عليه . فإذا كان الزوج بخيلا لا يقوم بكفاية زوجته ، أو أنه تركها بلا نفقة ، بغير حق ، فلها أن تطلب فرض نفقة لها من الطعام ، والكسوة ، والمسكن . وللقاضي أن يقضي لها بالنفقة ، ويلزم الزوج بها متى ثبت لديه صحة دعواها . كما أن لها الحق أن تأخذ من ماله ما يكفيها بالمعروف ( 1 ) ، وإن لم يعلم الزوج ، إذ أنه منع الواجب عليه وهي مستحقة له ، وللمستحق أن يأخذ حقه بيده متى قدر عليه . وأصل ذلك ما رواه أحمد ، والبخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي . عن عائشة ، رضي الله عنها : أن هندأ قالت : يارسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح ، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي . إلا ما أخذت منه ، وهو لا يعلم ؟

فقال : " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " . وفي الحديث دلالة على أن النفقة تقدر بكفاية المرأة مع التقييد بالمعروف ، أي : المتعارف بين كل حهة باعتبار ما هو الغالب على أهلها ، وهذا يختلف باختلاف الازمنة ، والامكنة ، والاحوال ، والاشخاص . وقد رأى صاحب الروضة الندية : أن الكفاية بالنسبة للطعام تعم جميع ما تحتاج إليه الزوجة ، فيدخل فيه الفاكهة وما هو معتاد من التوسعة في الاعياد ، وسائر الاشياء التي قد صارت بالاستمرار عليها مألوفة ، بحيث يحصل التضرر بمفارقتها أو التضجر ، أو التكدر . قال : ويدخل فيه الادوية ونحوها ، وإليه يشير قوله تعالى : " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف . "

( هامش ) ( 1 ) إذا كانت رشيدة ولم تسرف في الاخذ ( . )
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:35 am

فإن هذا نص في نوع من أنواع النفقات : إن الواجب على من عليه النفقة رزق من عليه إنفاقه . والرزق يشمل ما ذكرناه . ثم ذكر رأي بعض الفقهاء في عدم وجوب ثمن الادوية ، وأجرة الطبيب ، لانه يراد لحفظ البدن ، كما لا يجب على المستأجر أجرة إصلاح ما انهدم من الدار . ورجح دخول العلاج في النفقة ، وأنه واجب فقال : وقال في الغيث : الحجة أن الدواء لحفظ الروح فأشبه النفقة . قال : وهو الحق لدخوله تحت عموم قوله صلى الله عليه وسلم : " ما يكفيك " . وتحت قوله تعالى : " رزقهن " . فإن الصيغة الاولى عامة باعتبار لفظ " ما " . والثانية عامة ، لانها مصدر مضاف . وهي من صيغ العموم . واختصاصه ببعض المستحقين لايمنع من الالحاق . قال : وبمجموع ما ذكرنا ، يقرر لك أن الواجب على من عليه النفقة لمن له النفقة ، هو ما يكفيه بالمعروف ، وليس المراد تفويض أمر ذلك إلى من له النفقة ، وأنه يأخذ ذلك بنفسه حتى يرد ما أورده السائل من خشية السرف في بعض الاحوال ، بل المراد تسليم ما يكفي على وجه لاسرف فيه ، بعد تبين مقدار ما يكفي بإخبار المخبرين ، أو تجريب المجربين . وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " بالمعروف ، أي : لا بغير المعروف وهو السرف والتقتير . نعم إذا كان الرجل لا يسلم ما يجب عليه من النفقة . جاز لنا الاذن لمن له النفقة بأن يأخذ ما يكفيه ، إذا كان من أهل الرشد ، لا إذا كان من أهل السرف والتبذير ، فإنه لا يجوز تمكينه من مال من عليه النفقة ، لان الله تعالى يقول : " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " . ثم قال : ولكن يجب علينا إذا كان من عليه النفقة متمردا ، ومن له النفقة ليس بذي رشد ، أن نجعل الاخذ إلى ولي من لارشد له ، أو إلى رجل عدل . انتهى . ومما يجب لها عليه من النفقة ما تحتاج إليه من المشط والصابون والدهن وسائر ما تتنظف به . وقالت الشافعية : أما الطيب فإن كان يراد لقطع السهوكة ( 1 ) ، لزمه لانه يراد للتنظيف ، وإن كان يراد للتلذذ والاستمتاع ، لم يلزمه ، لانه حق له ، فلا يجبر عليه . رأي الاحناف : أن النفقة غير مقدرة بالشرع ، وأنه يجب على الزوج لزوجته قدر ما يكفيها من الطعام ، والادام ، واللحم والخضر ، والفاكهة ، والزيت ، والسمن ، وسائر مالابد منه للحياة حسب المتعارف . وأن ذلك يختلف باختلاف الامكنة ، والازمنة ، والاحوال . كما يجب عليه كسوتها صيفا وشتاء . ورأوا تقدير نفقة الزوجة على زوجها بحسب حال الزوج يسرا أو عسرا مهما تكن حالة الزوجة ، لقول الله تعالى : " لينفق ذو سعة من سعته ، ومن قدر ( 1 ) عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ، سيجعل الله بعد عسر يسرا ( 2 ) " . وقوله سبحانه : " أسكنوهن من حيث سكنتم ، من وجدكم ( 4 ) " . مذهب الشافعية في تقدير النفقة : والشافعية لم يتركوا تقدير النفقة إلى ما فيه الكفاية ، بل قالوا : إنما هي مقدرة بالشرع ، وإن اتفقوا مع الاحناف في اعتبار حال الزوج يسرا أو عسرا ، وأن على الزوج الموسر وهو الذي يقدر على النفقة بماله وكسبه - في كل يوم مدين ، وأن على المعسر الذي لا يقدر على النفقة بمال ولا كسب مدا في كل يوم . وأن على المتوسط مدا ونصفا . واستدلوا لمذهبهم هذا بقول الله تعالى : " لينفق ذو سعة من سعته . ومن قدر عليه رزقه فينفق مما آتاه الله " . قالوا : ففرق بين الموسر والمعسر ، وأوجب على كل واحد منهما على

( 1 ) الرائحة الكريهة . ( 2 ) قدر : ضيق . ( 3 ) سورة الطلاق آية . ( 4 ) حسب قدرتكم وحالكم .

قدر حاله ، ولم يبين المقدار فوجب تقديره بالاجتهاد ، وأشبه ما تقاس عليه النفقة ، الطعام في الكفارة . لانه طعام يجب بالشرع لسد الجوعة . وأكثر ما يجب في الكفارة للمسكين مدان في فدية الاذى . وأقل ما يجب مد وهو في كفارة الجماع في رمضان . فإن كان متوسطا لزمه مد ونصف ، لانه لا يمكن إلحاقه بالموسر ، وهو دونه ، ولا بالمعسر وهو فوقه ، فجعل عليه مد ونصف . قالوا : ولو فتح باب الكفاية للنساء من غير تقدير لوقع التنازع ، لا إلى غاية . فتعيين ذلك التقدير اللائق بالمعروف . وهذا خلاف ما لابد منه في الطعام من الادام واللحم ، والفاكهة . وقالوا : يجب لها الكسوة ، مع مراعاة حال الزوج من اليسار والاعسار ، فلزوجة الموسر من الكسوة ، ما يلبس عادة في البلد من رفيع الثياب . ولامرأة المعسر الغليظ من القطن ، والكتان ، ونحوهما . ولامرأة المتوسط ما بينهما . ويجب لها مسكن على قدر يساره وإعساره وتوسطه ، مع تأثيث المسكن تأثيثا يتناسب مع حالته . وقالوا : إذا كان الزوج معسرا ، ينفق عليها أدنى ما يكفيها من الطعام ، والادام ، بالمعروف . ومن الكسوة أدنى ما يكفيها من الصيفية والشتوية . وإن كان متوسطا ، ينفق عليها أوسع من ذلك بالمعروف ومن الكسوة أرفع من ذلك ، كله بالمعروف . وإنما كانت النفقة والكسوة بالمعروف ، لان دفع الضرر عن الزوجة واجب ، وذلك بايجاب الوسط من الكفاية ، وهو تفسير المعروف .

العمل في المحاكم الان : وما ذهب إليه الشافعية وبعض الاحناف من رعاية حال الزوج المالية ، حين فرض النفقة ، هو ما جرى به العمل الان في المحاكم ، تطبيقا للمادة 16 من القانون رقم 25 لسنة 1929 ونصها : " تقدير نفقة الزجة على زوجها بحسب حال الزوج يسرا ، وعسرا ، مهما كانت حالة الزوجة " . وهذا هو العدل ، لانه يتفق مع الايتين المتقدمتين .

تقدير النفقة عينا أو نقدا : يصح أن يكون ما يفرض من النفقة من الخبز ، والادام والكسوة ، أصنافا معينة ، كما يصح أن تفرض قيمتها نقدا لتشتري به ما تحتاج إليه . ويصح أن تفرض النفقة سنوية ، أو شهرية ، أو أسبوعية ، أو يومية ، حسب ما هو ميسور للزوج . والذي يسري عليه العمل الان في المحاكم ، هو فرض بدل طعام الزوجة شهريا ، وبدل كسوتها عن ستة شهور باعتبار أنها تحتاج في السنة إلى كسوة للصيف ، وأخرى للشتاء . وبعض القضاة يفرض مبلغا شهريا للنفقة بأنواعها الثلاثة بدون تفصيل ، مراعيا أن يكون فيما يفرضه لها كفاية لطعامها ، وكسوتها ، وسكناها ، حسب حالة الزوج عسرا ويسرا .

تغير الاسعار أو تغير حال الزوج المالية : إذا تغيرت الاسعار عن وقت الفرض ، أو تغيرت حالة الزوج المالية ، فإما أن يكون هذا التغير في الاسعار إلى زيادة ، أو إلى نقص ، أو يكون تغير حالة الزوج المالية إلى ما هو أحسن ، أو أسوأ . ولا بد من رعاية كل حالة من هذه الحالات . فإن تغيرت الاسعار عن وقت الفرض إلى زيادة ، كان للزوجة أن تطالب بزيادة نفقتها . وإن تغيرت إلى نقص كان للزوج أن يطلب تخفيض النفقة . وإن تحسنت حالة الزوج المالية عما كان عليه حين تقدير النفقة ، كان للزوجة أن تطلب زيادة نفقتها . وإن تغيرت حالة الزوج المالية إلى أسوأ ، كان للزوج الحق في طلب تخفيض النفقة .

الخطأ في تقدير النفقة : إذا ظهر بعد تقدير النفقة أن التقدير كان خطأ لا يكفي الزوجة - حسب حالة الزوج - من العسر أو اليسر - كان من حق الزوجة المطالبة بإعادة النظر في التقدير ، وعلى القاضي أن يقدر لها ما يكفيها لطعامها ، وكسوتها ، مع ملاحظة حالة الزوج .

دين النفقة يعتبر دينا صحيحا في ذمة الزوج : قلنا : إن نفقة الزوجة واجبة على زوجها ، متى توفرت الشروط التي تقدم ذكرها . ومتى وجبت النفقة على الزوج لزوجته ، لوجود سببها ، وتوفر شروطها ، ثم امتنع عن أدائها تصير دينا في ذمته . شأنها في هذا شأن الديون الثابتة ، التي التي لا تسقط إلا بالاداء أو الابراء . وإلى هذا ذهبت الشافعية ، وجرى عليه العمل منذ صدور قانون رقم 25 لسنة 1920 فقد جاء فيه : مادة 1 - تعتبر نفقة الزوجة التي سلمت نفسها لزوجها ، ولو حكما ، دينا في ذمته ، من وقت امتناع الزوج عن الانفاق مع وجوبه ، بلا توقف على قضاء قاض ، أو تراض بينهما ، ولا يسقط دينها إلا بالاداء أو الابراء . مادة 2 - المطلقة التي تستحق النفقة . تعتبر نفقتها دينا ، كما جاء في المادة السابقة . من تاريخ الطلاق . وقد جاء مع هذا القانون تعليمات من الجهة التي صدر عنها ( 1 ) . وهي : 1 - إن نفقة الزوجة . أو المطلقة ، لا يشترط لاعتبارها دينا في ذمة الزوج - القضاء ، أو الرضا - بل تعتبر دينا من وقت امتناع الزوج عن الانفاق ، مع وجوبه . 2 - إن دين النفقة من الديون الصحيحة ، وهي التي لا تسقط إلا بالاداء أو الابراء . ويترتب على هذين الحكمين : 1 - إن للزوجة ، أو المطلقة أن تطلب لها الحكم بالنفقة على زوجها ، عن مدة سابقة على الترافع ، ولو كانت أكثر من شهر ، إذا ادعت أن زوجها تركها من غير نفقة ، مع وجوب الانفاق عليها في هذه المدة ، طالت أم قصر ت . ومتى أثبت ذلك بطريق من طرق الاثبات . ولو كانت شهادة الاسكتشاف المنصوص عليها في المادة 178 من اللائحة حكم لها بما طلبت . 2 - أن دين النفقة لا يسقط بموت أحد الزوجين ، ولا بالطلاق - ولو خلعا - فللمطلقة مطلق الحق فيما تجمد لها من النفقة ، حال قيام الزوجية ، ما لم يكن عوضا لها عن الطلاق ، أو الخلع . 3 - أن النشوز الطارئ لا يسقط متجمد النفقة ، وإنما يمنع النشوز مطلقا من وجوبها مادامت الزوجة ، أو المعتدة ناشزا . وبعد صدور هذا القانون ، استغلته بعض الزوجات ، في ترك المطالبة بالنفقة ، حتى يتجمع منها مبلغ باهظ ، ثم يطالبن الزوج بالمتجمد كله ، مما يرهق الزوج ويثقل كاهله . فرؤي تدارك هذا الامر بما يرفع الضرر عن الازواج . وجاء في الفقرة 6 من المادة 99 من القانون رقم 78 لسنة 1931 بلائحة ترتيب المحاكم الشرعية ، ما نصه : " لا تسمع دعوى النفقة عن مدة ماضية ، لاكثر من ثلاث سنين ميلادية ، نهايتها تاريخ رفع الدعوى " . وجاء في المذكرة الايضاحية لهذا القانون ، بشأن هذه الفقرة ما نصه : " أما النفقة عن المدة الماضية فقد رؤي - أخذا بقاعدة تخصيص القضاء - ألا تسمع الدعوى بها لاكثر من ثلاث سنوات ميلادية . نهايتها تاريخ قيد الدعوى . ولما كان في إطلاق إجازة المطالبة بالنفقة المتجمدة عن مدة سابقة على رفع الدعوى - احتمال المطالبة بنفقة سنين عديدة ترهق الشخص الملزم بها . رؤي من العدل دفع صاحب الحق في النفقة إلى المطالبة بها ، أولا فأولا ، بحيث لا يتأخر أكثر من ثلاث سنوات ، وجعل ذلك عن طريق منع سماع الدعوى " . وليس في ذلك الحكم ضرر على صاحب الحق في النفقة ، إذ يمكنه المطالبة بها ، قبل مضي ثلاث سنوات ( 1 ) . ولا زال العمل مستمرا بهذا القانون إلى اليوم : الابراء من دين النفقة والمقاصة به : وإذا كانت النفقة التي تستحقها الزوجة على زوجها تعتبر دينا في ذمته ، من الوقت الذي امتنع فيه عن أدائها بغير حق شرعي - فإنه يصح للزوجة أن تبرئه من هذا الدين ، كله أو بعضه . ولو أبرأته مما يكون لها من النفقة في المستقبل لا يصح ، لانه لم يثبت دينا بعد ، والابراء لا يكون إلا من دين ثابت فعلا . ويستثنى من ذلك الابراء عن شهر واحد مستقبل ، أو عن سنة واحدة - إن كانت النفقة فرضت مشاهرة ، أو مسانهة . وإذا كانت النفقة معتبرة دينا صحيحا ، لا يسقط إلا بالاداء أو الابراء ، وكان للزوج دين في ذمتها ، وطلب أحدهما مقاصة الدينين ، أجيب إلى طلبه لاستواء الدينين في القوة . وللحنابلة رأي في المقاصة ، فهم يفرقون بين أن تكون المرأة موسرة ، أو معسرة ، فإن كانت موسرة ، فله أن يحتسب عليها بدينه مكان نفقتها ، لان من عليه حق فله أن يقضيه من أي أمواله شاء ، وهذا من ماله . وإن كانت معسرة لم يكن له ذلك ، لان قضاء الدين إنما يجب في الفاضل من قوته . ودين زوجها الذي هو عليها لا يفضل عنها ، ولان الله تعالى أمر بإنظار المعسر . فقال : " وإن كان ذوعسرة فنظرة إلى ميسرة " فيجب إنظاره بما عليها . تعجيل النفقه وطروء ما يمنع الاستحقاق : إذا عجل الزوج لزوجته نفقة مدة مستقبلة كشهر ، أو سنة مثلا ، ثم

( هامش ) ( 1 ) ويؤخذ على هذا القانون أن التحديد بثلاث سنين لم تعرف حكمته من جهة ، ولا دليل يمكن الاستناد إليه من جهة أخرى . على أن هذه المدة تعتبر مدة طويلة ، وقد ترهق الازواج ، ولهذا جاء في مشروع قانون الاحوال الشخصية المادة رقم 81 من أنه لا تسمع دعوى النفقة عن مدة تزيد عن سنة سابقة على الدعوى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:36 am

طرأ في أثناء المدة ما يجعلها لا تستحق النفقة ، بأن مات أحد الزوجين أو نشزت الزوجة ، فللزوج أن يسترد نفقة ما بقي من المدة التي لا تستحق نفقة عنها ، لانها أخذته جزاء احتباسها لحق الزوج ، ومتى فات الاحتباس بالموت أو النشوز ، فعليها أن ترد النفقة التي عجلت لها بالنسبة للمدة الباقية . وإلى هذا ذهب الامام الشافعي ومحمد بن الحسن ( 1 ) نفقة المعتدة : وللمعتدة الرجعية ، والمعتدة الحامل النفقة ، لقول الله سبحانه في الرجعيات : " أسكنوهن من حيث سكنتم ، من وجدكم " ( 2 ) . ولقوله في الحوامل : " وإن كن أولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ( 3 ) " . وهذه الاية تدل على وجوب النفقة لجامل - سواء أكانت في عدة الطلاق الرجعي ، أم البائن ، أو كانت عدتها عدة وفاة - أما البائنة فإن الفقهاء اختلفوا في وجوب النفقة لها ، إذا لم تكن حاملا على ثلاثة أقوال : 1 - أن لها السكنى ولا نفقة لها ، وهو قول مالك والشافعي ، واستدلوا بقول الله تعالى : " أسكنوهن من حيث سكنتم ، من وجدكم " . 2 - أن لها النفقة والسكنى ، وهو قول عمربن الخطاب ، وعمر بن عبد العزيز ، والثوري ، والاحناف ، واستدلوا على قولهم هذا بعموم قوله تعالى : " أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم " . فهذا نص في وجوب السكنى ، وحيثما وجبت السكنى شرعا وجبت النفقة ( هامش ) ( 1 ) يرى الامام أبو حنيفة وأبو يوسف أن الزوج لا يسترد شيئا مما يعجل من النفقة ، لانها وإن كانت جزاء احتباس ففيها شبه صلة وقد قبضتها الزوجة والصلة بين الزوجين لا رجوع فيها . لكون النفقة تابعة لوجوب الاسكان في الرجعية ، وفي الحامل ، وفي نفس الزوجية . وقد أنكر عمر وعائشة رضي الله عنهما على فاطمة بنت قيس الحديث الذي أوردته ، وقال عمر : لانترك كتاب الله ( 1 ) وسنة نبينا لقول امرأة ، لا ندري لعلها حفظت أم نسيت . وحين بلغ فاطمة ذلك قالت : " بيني وبينكم كتاب الله " . قال الله تعالى : " فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة ، واتقوا الله ربكم ، لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ، وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ، لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا " . فأي أمر يحدث بعد الثلاث ! . 3 - أنه لانفقة لها ولاسكنى ، وهو قول أحمد ، وداود ، وأبي ثور ، وحكي عن علي ، وابن عباس ، وجابر ، والحسن ، وعطاء ، والشعبي ، وابن أبي ليلى ، والاوزاعي ، والامامية . واستدلوا بما رواه البخاري ، ومسلم ، عن فاطمة بنت قيس قالت : " طلقني زوجي ثلاثا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجعل لي نفقة ولاسكنى " . وفي بعض الروايات : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنما السكنى والنفقة لمن لزوجها عليها الرجعة " . وروى أحمد ، ومسلم ، وأبو داود ، والنسائي : " أنه قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نفقة لك ، إلا أن تكوني حاملة " .

نفقة زوجة الغائب : جاء في القانون رقم ( 25 ) لسنة 1920 مادة ( 5 ) : " إذا كان الزوج غائبا غيبة قريبة ، فإن كان له مال ظاهر نفذ الحكم

( هامش ) ( 1 ) يريد قوله تعالى : " أسكنوهن من حيث سكنتم ، من وجدكم " ( عليه بالنفقة في ماله ، وإن لم يكن له مال ظاهر أعذر إليه القاضي بالطرق المعروفة وضرب له أجلا ، فإن لم يرسل ما تنفق فيه زوجته على نفسها ، طلق عليه القاضي بعد مضي الاجل . فإن كان بعيد الغيبة لا يسهل الوصول إليه ، إذ كان مجهول المحل ، أو كان مفقودا ، وثبت أنه لامال له تنفق منه الزوجة ، طلق عليه القاضي

الحقوق غير المادية . تقدم أن من حقوق الزوجة على زوجها منها ما هو مادي : وهو المهر والنفقة ، ومنها ما هو غير مادي وهو ما نذكره فيما يلي : ( 1 ) حسن معاشرتها : أول ما يجب على الزوج لزوجته إكرامها ، وحسن معاشرتها ، ومعاملتها بالمعروف ، وتقديم ما يمكن تقديمه إليها ، مما يؤلف قلبها ، فضلا عن تحمل ما يصدر منها والصبر عليه . يقول الله سبحانه : " وعاشروهن بالمعروف . فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ( 1 ) " . ومن مظاهر اكتمال الخلق ، ونمو الايمان أن يكون المرء رقيقا مع أهله ، يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه : " أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ، وخياركم خياركم لنسائهم " . وإكرام المرأة دليل الشخصية المتكاملة ، وإهانتها علامة على الخسة واللؤم . يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " ما أكرمهن إلا كريم ، وما أهانهن إلا لئيم " . ومن إكرامها التلطف معها ، ومداعبتها . وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتلطف مع عائشة رضي الله عنها فيسابقها ، تقول : سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسبقته على رجلي ، فلما حملت اللحم ( 2 ) ، سابقته فسبقني . فقال : " هذه بتلك السبقة " . رواه أحمد ، وأبو داود .

( هامش ) ( 1 ) سورة النساء آية 19 ( 2 ) أي امتلا جسمها

وروى أحمد ، وأصحاب السنن ، أنه صلى الله عليه وسلم قال : " كل شئ يلهو به ابن آدم ، فهو باطل ، إلا ثلاثا : رميه عن قوسه ، وتأديبه فرسه ، وملاعبته أهله ، فإنهن من الحق " . ومن إكرامها أن يرفعها إلى مستواه ، وأن يتجنب أذاها ، حتى ولو بالكلمة النابية . فعن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال : " قلت يا رسول الله : ما حق زوجة أحدنا عليه " ؟ قال : " أن تطعمها إذا طعمت ، وتكسوها إذا اكتسيت ، ولا تضرب الوجه ، ولا تقبح ، ولا تهجر إلا في البيت " . والمرأة لا يتصور فيها الكمال ، وعلى الانسان أن يتقبلها على ماهي عليه . يقول الرسول الله صلى الله عليه وسلم : " استوصوا بالنساء خيرا ، المرأة خلقت من ضلع أعوج وإن أعوج ما في الضلع أعلاه ، فإن ذهبت تقيمه كسرته ، وإن تركته لم يزل أعوج " . رواه البخاري ، ومسلم . وفي هذا إشارة إلى أن في خلق المرأة عوجا طبيعيا ، وأن محاولة إصلاحه غير ممكنة ، وأنه كالضلع المعوج المتقوس الذي لا يقبل التقويم . ومع ذلك فلابد من مصاحبتها على ماهي عليه ، ومعاملتها كأحسن ما تكون المعاملة ، وذلك لايمنع من تأديبها وإرشادها إلى الصواب إذا اعوجت في أي أمر من الامور . وقد يغضي الرجل عن مزايا الزوجة وفضائلها ، ويتجسد في نظره بعض ما يكره من خطالها ، فينصح الاسلام بوجوب الموازنة بين حسناتها وسيئاتها ، وأنه إذا رأى منها ما يكره - فإنه يرى منها ما يحب .

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم " : لا يفرك ( 1 ) مؤمن مؤمنة ، إن كره منها خلقا ، رضي منها خلقا آخر " . ( 2 ) صيانتها : ويجب على الزوج أن يصون زوجته ، ويحفظها من كل ما يخدش شرفها ،

( هامش ) ( 1 ) لا يفرك : لا يبغض

ويثلم عرضها ، ويمتهن كرامتها ، ويعرض سمعتها لقالة السوء ، وهذا من الغيرة التي يحبها الله . روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله يغار ، وإن المؤمن يغار ، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حرم عليه " . وروى عن ابن مسعود أنه صلوات الله وسلامه عليه قال : " ما أحد أغير من الله ، ومن غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وما أحد إليه المدح من الله ، ومن أجل ذلك أثنى على نفسه ، وما أحد أحب إليه العذر من الله ، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين " . وروى أيضا أن سعد بن عبادة قال : " لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح . فقال الرسول عليه الصلاة والسلام : " أتعجبون من غيرة سعد . لانا أغير منه ، والله أغير مني ، ومن أجل غيرة الله ، حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن " . وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة لا يدخلون الجنة : " العاق لوالديه ، والديوث ، ورجلة النساء " . رواه النسائي والجزار ، والحاكم ، وقال : صحيح الاسناد . وعن عمار بن ياسر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدا : الديوث ، والرجلة من النساء ، ومدمن الخمر . قالوا : يارسول الله : أما مدمن الخمر فقد عرفناه . فما الديوث ؟ قال : الذي لا يبالي من دخل على أهله . قلنا : فما الرجلة من النساء ؟ قال : التي تتشبه بالرجال " . رواه الطبراني . قال المنذري : ورواته ليس فيهم مجروح . وكما يجب على الرجل أن يغار على زوجته ، فإنه يطلب منه أن يعتدل في هذه الغيرة ، فلا يبالغ في إساءة الظن بها . ولا يسرف في تقصي كل حركاتها وسكناتها ولا يحصي جميع عيوبها ، فإن ذلك يفسد العلاقة الزوجية ، ويقطع ما أمر الله به أن يوصل ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه أبو داود ، والنسائي ، وابن حبان عن جابر بن عنبرة : " إن من الغيرة ما يحبه الله ، ومنها ما يبغضه الله ، ومن الخيلاء ما يحبه الله ، ومنها ما يبغضه الله ، فأما الغيرة التي يحبها الله : فالغيرة في الريبة ، والغيرة التي يبغضها الله : فالغيرة في غير ريبة ( 1 ) . والاختيال الذي يحبه الله اختيال الرجل بنفسه عند القتال ، وعند الصدمة ، والاختيال الذي يبغضه الله الاختيال في الباطل " . وقال علي كرم الله وجهه : لا تكثر الغيرة على أهلك ، فترامى بالسوء من أجلك . إتيان الرجل زوجته : قال ابن حزم : وفرض على الرجل أن يجامع امرأته ، التي هي زوجته ، وأدنى ذلك مرة في كل طهر ، إن قدر على ذلك . وإلا فهو عاص لله تعالى . برهان ذلك قوله عزوجل : " فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله ( 2 ) " . وذهب جمهور العلماء الى ما ذهب إليه ابن حزم من الوجوب على الرجل ذا لم يكن له عذر . وقال الشافعي : لا يجب عليه ، لانه حق له ، فلا يجب عليه كسائر الحقوق . ونص أحمد على أنه مقدر بأربعة أشهر ، لان الله قدره في حق المولي بهذه المدة ، فكذلك في حق غيره . وإذا سافر عن امرأته ، فإن لم يكن له عذر مانع من الرجوع ، فإن أحمد ذهب إلى توقيته بستة أشهر . وسئل : كم يغيب الرجل عن زوجته ؟ قال : ستة أشهر . يكتب إليه ، فإن أبى أن يرجع فرق الحاكم بينهما . وحجته ما رواه أبو حفص باسناده عن زيد بن أسلم قال : بينما عمربن الخطاب يحرس المدينة ، فمر بامرأة في بيتها وهي تقول : تطاول هذا الليل واسود جانبه وطال علي أن لا خليل ألاعبه

( هامش ) ( 1 ) الريبة الشك والظن ، وإنما كان ذلك بغيضا لانه من سوء الظن ، إن بعض الظن إثم . ( 2 ) سورة البقرة آية : 222
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:37 am

والله لولا خشية الله وحده لحرك من هذا السرير جوانبه ولكن ربي والحياء يكفيني وأكرم بعلي أن توطأ مراكبه فسأل عنها عمر ، فقيل له : هذه فلانة ، زوجها غائب في سبيل الله ، فأرسل إليها تكون معه ، وبعث إلى زوجها فأقفله ( 1 ) ، ثم دخل على حفصة ، فقال : يا بنية . كم تصبر المرأة عن زوجها ؟ . فقالت : سبحان الله ! مثلك يسأل مثلي عن هذا ؟ . فقال : لولا أني أريد النظر للمسلمين ما سألتك . قالت : خمسة أشهر . ستة أشهر . فوقت للناس في مغازيهم ستة أشهر . يسيرون شهرا ، ويقيمون أربعة أشهر ، ويسيرون راجعين شهرا . وقال الغزالي من الشافعية : وينبغي أن يأتيها في كل أربع ليال مرة ، فهو أعدل ، لان عدد النساء أربعة ، فجاز التأخير إلى هذا الحد . نعم ينبغي أن يزيد ، أو ينقص حسب حاجتها في التحصين ، فإن تحصينها واجب عليه ، وإن كان لا تثبت المطالبة بالوطء ، فذلك لعسر المطالبة والوفاء بها .

وعن محمد بن معن الغفاري قال : " أتت امرأة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالت : يا أمير المؤمنين : إن زوجي يصوم النهار ، ويقوم الليل ، وأنا أكره أن أشكوه - وهو يعمل بطاعة الله عزوجل - فقال لها : نعم الزوج زوجك ، فجعلت تكرر هذا القول ويكرر عليها الجواب . فقال له كعب الاسدي : يا أمير المؤمنين هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه ، فقال عمر : كما فهمت كلامها فاقض بينهما . فقال كعب : علي بزوجها ، فأتي به ، فقال له : إن امرأتك هذه تشكوك . قال : أفي طعام ، أو شراب ؟ و قال : لا ، فقالت المرأة : يا أيها القاضي الحكيم رشده ألهى خليلي عن فراشي مسجده زهده في مضجعي تعبده فاقض القضا ، كعب ، ولا ترده نهاره وليله ما يرقده فلست في أمر النساء أحمده فقال زوجها : زهدني في النساء وفي الحجل أني امرؤ أذهلني ما نزل

( هامش ) ( 1 ) أقفله : أرجعه

في سورة النحل وفي السبع الطول وفي كتاب الله تخويف جلل فقال كعب : إن لها عليك حقايا رجل نصيبها في أربع لمن عقل فأعطها ذاك ودع عنك العلل ثم قال : إن الله عزوجل قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع فلك ثلاثة أيام ولياليهن تعبد فيهن ربك ، فقال عمر : والله ما أدري من أي أمريك أعجب ؟ . أمن فهمك أمرهما ، أم من حكمك بينهما ؟ . اذهب فقد وليتك قضاء البصرة . وقد ثبت في السنة أن جماع الرجل زوجته من الصدقات التي يثيب الله عليها . روى مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " . . . ولك في جماع زوجتك أجر . قالوا يا رسول الله : أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال : أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر ! فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر " . ويستحب المداعبة ، والملاعبة ، والملاطفة ، والتقبيل ، والانتظار حتى تقضي المرأة حاجتها . روى أبو يعلى عن أنس بن مالك : أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " إذا جامع أحدكم أهله فليصدقها ، فإذا قضى حاجته قبل أن تقضي حاجتها فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها " وقد تقدم : " هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك " .

التستر عند الجماع : أمر الاسلام بستر العورة في كل حال إلا إذا اقتضى الامر كشفها . فعن بهزبن حكيم عن أبيه عن جده قال : قلت : " يا نبي الله : عوراتنا ما نأتي منها وما نذر ؟ قال : احفظ عورتك إلا من زوجتك ، أو ما ملكت يميتك . قلت : يارسول الله إذا كان القوم بعضهم في بعض ؟ قال : إن استطعت ألا يراها أحد فلا يراها . قال : قلت : إذا كان أحدنا خاليا ؟ قال : فالله أحق أن يستحيا من الناس " . رواه الترمذي ، وقال حديث حسن . وفي الحديث جواز كشف العورة عند الجماع ، ولكن مع ذلك لا ينبغي أن يتجرد الزوجان تجردا كاملا . فعن عتبة بن عبد السليمي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ، ولا يتجردا تجرد العيرين ( 1 ) " . رواه ابن ماجه . وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إياكم والتعري ، فإن معكم من لا يفارقكم ، إلا عند الغائط ، وحين يفضي الرجل إلى أهله ، فاستحيوهم وأكرموهم " . رواه الترمذي وقال حديث غريب . قالت عائشة : " لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم مني ، ولم أر منه " .

التسمية عند الجماع : يسن أن يسمي الانسان ويستعيذ عند الجماع . روى البخاري ومسلم وغيرهما ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لو أن أحدكم إذا أتى أهله ، قال : بسم الله ، اللهم جنبنا الشيطان ، وجنب الشيطان ما رزقنا . فإن قدر بينهما في ذلك ولد ، لن يضر ذلك الولد الشيطان أبدا " .

حرمة التكلم بما يجري بين الزوجين أثناء المباشرة : ذكر الجماع ، والتحدث به مخالف للمروءة ، ومن اللغو الذي لا فائدة فيه ، ولا حاجة إليه ، وينبغي للانسان أن يتنزه عنه ما لم يكن هناك ما يستدعي التكلم به . ففي الحديث الصحيح : " من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه " . وقد مدح الله المعرضين عن اللغو فقال : " والذين هم عن اللغو معرضون " . فإذا استدعى الامر التحدث به ودعت الحاجة إليه فلا بأس ، وقد ادعت امرأة أن زوجها عاجز عن إتيانها . فقال يا رسول الله : " إني لانفضها نفض الاديم " .

فإذا توسع الزوج أو الزوجة في ذكر تفاصيل المباشرة وأفشى ما يجري بينهما من قول أو فعل ، كان ذلك محرما . فعن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة : الرجل يفضي إلى المرأة ، وتفضي إليه ، ثم ينشر سرها " . رواه أحمد . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ، فلما سلم ، أقبل عليهم بوجهه فقال : " مجالسكم . هل منكم الرجل إذا أتى أهله أغلق بابه وأرخى ستره ، ثم يخرج فيحدث فيقول : فعلت بأهلي كذا وفعلت بأهلي كذا ؟ ! فسكتوا ، فأقبل على النساء ، فقال هل منكن من تحدث ؟ فجثت فتاة كعب على إحدى ركبتيها ، وتطاولت ليراها الرسول صلى الله عليه وسلم وليسمع كلامها ، فقالت : إي والله . إنهم يتحدثون، وإنهن ليتحدثن . فقال : هل تدرون ما مثل من فعل ذلك ؟ إن مثل من فعل ذلك مثل شيطان وشيطانة . لقي أحدهما صاحبه بالسكة ، فقضى حاجته منها والناس ينظرون إليه " . رواه أحمد ، وأبو داود . إتيان الرجل في غير المأتى : إتيان المرأة في دبرها تنفر منه الفطرة ، ويأباه الطبع ، ويحرمه الشرع . قال الله تعالى : " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ( 1 ) " . والحرث : موضع الغرس والزرع ، وهو هنا محل الولد ، إذ هو المزروع . فالامر بإتيان الحرث أمر بالاتيان في الفرج خاصة . قال ثعلب : إنما الارحام أرضون لنا محترثات فعلينا الزرع فيها وعلى الله النبات وهذا كقول الله : " فأتوهن من حيث أمركم الله ( 2 ) " وكقوله " أنى شئتم " أي كيف شئتم . وسبب نزول هذه الابة ما رواه البخاري ومسلم : " ان اليهود كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم تزعم أن الرجل إذا أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول ، وكان الانصار يتبعون اليهود في هذا ، فأنزل الله عزوجل : " نساؤكم حرث لكم ، فأتوا حرثكم أنى شئتم " . أي أنه لاحرج في إتيان النساء بأي كيفية ، مادام ذلك في الفرج ، وما دمتم تقصدون الحرث . وقد جاءت الاحاديث صريحة في النهي عن إتيان المرأة في دبرها . روى أحمد ، والترمذي ، وابن ماجه . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تأتوا النساء في أعجازهن . أو قال : في أدبارهن " . ورواته ثقات . وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي يأتي امرأته في دبرها " هي اللوطية الصغرى " . وعند أحمد وأصحاب السنن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ملعون من أتى امرأة في دبرها " . قال ابن تيمية : ومتى وطئها في الدبر ، وطاوعته عزرا جميعا ، وإلا فرق بينهما كما يفرق بين الفاجر ومن يفجر به .

العزل وتحديد النسل ( 1 ) : تقدم ان الاسلام يرغب في كثرة النسل . إذ أن ذلك مظهر من مظاهر القوة والمنعة بالنسبة للامم والشعوب . " وإنما العزة للكاثر " . ويجعل ذلك من أسباب مشروعية الزواج : " تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الامم يوم القيامة " . إلا أن الاسلام مع ذلك لايمنع في الظروف الخاصة من تحديد النسل باتخاذ دواء يمنع من الحمل ، أو بأي وسيلة أخرى من وسائل انجع .

( هامش ) ( 1 ) العزل : هو أن ينزع الرجل بعد الايلاج لينزل خارج الفرج منعا للحمل

فيباح التحديد في حالة ما إذا كان الرجل معيلا ( 1 ) لايستطيع القيام على تربية أبنائه التربية الصحيحة . وكذلك إذا كانت المرأة ضعيفة ، أو كانت موصولة الحمل ، أو كان الرجل فقيرا . ففي مثل هذه الحالات يباح تحديد النسل بل إن بعض العلماء رأى أن التحديد في هذه الحالات لا يكون مباحا فقط ، بل يكون مندوبا إليه . وألحق الامام الغزالي بهذه الحالات حالة ما إذا خافت المرأة على جمالها ، فمن حق الزوجين في هذه الحالة أن يمنعا النسل . بل ذهب كثير من أهل العلم إلى إباحته مطلقا واستدلوا لمذهبهم بما يأتي : 1 - روى البخاري ومسلم عن جابر قال : كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن ينزل . 2 - وروى مسلم عنه قال : كنا نعزل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا . وقال الشافعي رحمه الله : ونحن نروي عن عدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم رخصوا في ذلك ولم يروا به بأسا . وقال البيهقي : وقد روينا الرخصة فيه عن سعد بن أبي وقاص ، وأبي أيوب الانصاري ، وزيد بن ثابت ، وابن عباس ، وغيرهم . وهو مذهب مالك والشافعي وقد اتفق عمر وعلي رضي الله عنهما على أنها لا تكون موؤودة حتى تمر عليها التارات السبع . فروى القاضي أبو يعلى وغيره بإسناده عن عبيد بن رفاعة عن أبيه قال : جلس إلى عمر علي والزبير وسعد رضي الله عنهم في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتذاكروا العزل . فقالوا لا بأس به . فقال رجل : إنهم يزعمون أنها الموؤودة الصغرى . فقال على رضي الله عنه : لا تكون موؤودة حتى تمر عليها التارات السبع ، حتى تكون من سلالة من طين ، ثم تكون نطفة ، ثم تكون علقة ثم تكون مضغة . ثم تكون عظاما ثم تكون لحما ثم تكون خلقا آخر ، فقال عمر رضي الله عنه : صدقت أطال الله بقاءك ويرى أهل الظاهر أن منع الحمل حرام ، مستدلين بما ورته جذامة بنت وهب : أن أناسا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل ؟ فقال : " ذلك هو الواد الخفي " . وأجاب الامام الغزالي عن هذا فقال : " ورد في الصحيح أخبار صحيحة في الاباحة ، وقوله : " إنه الوأد الخفي " كقوله " الشرك الخفي " وذلك يوجب كراهيته كراهة لا تحريما . والمقصود بالكراهة خلاف الاولى ، كما يقال : يكره للقاعد في المسجد أن يقعد فارغا لا يشتغل بذكر أو صلاة ، وبعض الائمة كالاحناف يرون أنه يباح العزل إذا أذنت الزوجة ، ويكره من غير إذنها .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:37 am

حكم إسقاط الحمل : بعد استقرار النطفة في الرحم لا يحل إسقاط الجنين بعد مضي مائة وعشرين يوما ، فإنه حينئذ يكون اعتداء على نفس يستوجب العقوبة في الدنيا والاخرة ( 1 ) أما إسقاط الجنين ، أو إفساد اللقاح قبل مضي هذه المدة ، فإنه يباح إذا وجد ما يستدعي ذلك ، فإن لم يكن ثمة سبب حقيقي فإنه يكره . قال صاحب سبل السلام : " معالجة المرأة لاسقاط النطفة قبل نفخ الروح يتفرع جوازه وعدمه على الخلاف في العزل ، فمن أجازه أجاز المعالجة ، ومن حرمه حرم هذا بالاولى . ويلحق بهذا تعاطي المرأة ما يقطع الحبل من أصله ، انتهى . ويرى الامام الغزالي : أن الاجهاض جناية على موجود حاصل ، قال : ولها مراتب ، أن تقع النطفة في الرحم وتختلط بماء المرأة ، وتستعد لقبول الحياة ، وإفساد ذلك جناية ، فإن صارت مضغة وعلقة كانت الجناية أفحش وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ، ازدادت الجناية تفاحشا .

( هامش ) ( 1 ) عن عبد الله قال : حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق الصدوق : " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم ينفخ فيه الروح ويأمر بأربع كلمات : يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد

الايلاء تعريفه : الايلاء ( 1 ) في اللغة : الامتناع باليمين : وفي الشرع : الامتناع باليمين من وطء الزوجة . ويستوي في ذلك اليمين بالله ، أو الصوم ، أو الصدقة ، أو الحج ، أو الطلاق . وقد كان الرجل في الجاهلية يحلف على ألا يمس امرأته السنة ، والسنتين ، والاكثر من ذلك بقصد الاضرار بها ، فيتركها معلقة ، لاهي زوجة ، ولاهي مطلقة . فأراد الله سبحانه أن يضع حدا لهذا العمل الضار . فوقته بمدة أربعة أشهر ، يتروى فيها الرجل ، عله يرجع إلى رشده ، فإن رجع في تلك المدة ، أو في آخرها ، بأن حنث في اليمين ، ولامس زوجته ، وكفر عن يمينه فيها ، وإلا طلق . فقال : " للذين يؤلون من نسائهم تربص ( 2 ) أربعة أشهر . فإن فاءوا ( 3 ) فإن الله غفور رحيم . وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ( 4 ) " .

مدة الايلاء ( 5 ) : اتفق الفقهاء على أن من حلف ألا يمس زوجته أكثر من أربعة أشهر كان موليا . واختلفوا فيمن حلف ألا يمسها أربعة أشهر :

( هامش ) ( 1 ) آلى يولي إيلاء وإلية إذا حلف فهو مول . ( 2 ) التربص : الانتظار . ( 3 ) فاءوا : رجعوا . ( 4 ) سورة البقرة الاية : 227 . ( 5 ) تبدأ المدة من وقت اليمين .

فقال أبو حنيفة وأصحابه : يثبت له حكم الايلاء . وذهب الجمهور ومنهم الائمة الثلاثة : إلى أنه لا يثبت له حكم الايلاء ، لان الله جعل له مدة أربعة أشهر ، وبعد انقضائها : إما الفئ وإما الطلاق . حكم الايلاء : إذا حلف ألا يقرب زوجته ، فإن مسها في الاربعة الاشهر ، انتهى الايلاء ولزمته كفارة اليمين . إذا مضت المدة ولم يجامعها ، فيرى جمهور العلماء أن للزوجة أن تطالبه : إما بالوطء وإما بالطلاق . فإن امتنع عنهما فيرى مالك أن للحاكم أن يطلق عليه دفعا للضرر عن الزوجة . ويرى أحمد والشافعي وأهل الظاهر أن القاضي لا يطلق وإنما يضيق على الزوج ويحبسه حتى يطلقها بنفسه . وأما الاحناف فيرون أنه إذا مضت المدة ولم يجامعها فإنها تطلق طلقة بائنة بمجرد مضي المدة . ولا يكون للزوج حق المراجعة لانه أساء في استعمال حقه بامتناعه عن الوطء بغير عذر ، ففوت حق زوجته وصار بذلك ظالما لها . ويرى الامام مالك أن الزوج يلزمه حكم الايلاء إذا قصد الاضرار بترك الوطء وإن لم يحلف على ذلك ، لوقوع الضرر في هذه الحال كما هو واقع في حالة اليمين .

الطلاق الذي يقع بالايلاء : والطلاق الذي يقع بالايلاء طلاق بائن ، لانه لو كان رجعيا لامكن للزوج أن يجبرها على الرجعة ، لانها حق له ، وبذلك لا تتحقق مصلحة الزوجة ، ولا يزول عنها الضرر . وهذا مذهب أبي حنيفة . وذهب مالك والشافعي وسعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن إلى أنه طلاق رجعي ، لانه لم يقم دليل على أنه بائن ، ولانه طلاق زوجة مدخول بها من غير عوض ولا استيفاء عود . عدة الزوجة المولى منها : ذهب الجمهور إلى أن الزوجة المولى منها تعتد كسائر المطلقات لانها مطلقة ، وقال جابر بن زيد : لا تلزمها عدة إذا كانت قد حاضت في مدة الاربعة أشهر ثلاث حيض . قال ابن رشد : وقال بقوله طائفة ، وهو مروي عن ابن عباس ، وحجته : أن العدة إنما وضعت لبراءة الرحم . وهذه قد حصلت لها البراءة .

حق الزوج على زوجته من حق الزوج على زوجته أن تطيعه في غير معصية ، وأن تحفظه في نفسها وماله ، وأن تمتنع عن مقارفة أي شئ يضيق به الرجل ، فلا تعبس في وجهه ، ولا تبدو في صورة يكرهها ، وهذا من أعظم الحقوق . روى الحاكم عن عائشة قالت : " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أعظم حقا على المرأة ؟ قال : زوجها . قالت : فأي الناس أعظم حقا على الرجل ؟ قال : أمه " . ويؤكد رسول الله هذا الحق فيقول : " لو أمرت أحدا أن يسجد لاحد . لامرت المرأة أن تسجد لزوجها ، من عظم حقه عليها " . رواه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، وابن حبان . وقد وصف الله سبحانه الزوجات الصالحات فقال : " فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ( 1 ) " . والقانتات هن الطائعات ، والحافظات للغيب : أي اللائي يحفظن غيبة أزواجهن ، فلا يخنه في نفس أو مال . وهذا أسمى ما تكون عليه المرأة ، وبه تدوم الحياة الزوجية ، وتسعد . وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خير النساء من إذا نظرت إليها سرتك ، وإذا أمرتها أطاعتك ، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك " . ومحافظة الزوجة على هذا الخلق يعتبر جهادا في سبيل الله . روى ابن عباس رضي الله عنهما : أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله أنا وافدة النساء إليك : هذا الجهاد كتبه الله على الرجال ، فإن يصيبوا أجروا وإن قتلوا كانوا أحياء عند ربهم يرزقون . ونحن معشر النساء نقوم عليهم ، فما لنا

من ذلك ؟ فقال الرسول عليه الصلاة والسلام : " أبلغي من لقيت من النساء أن طاعة الزوج واعترافا بحقه يعدل ذلك . وقليل منكن من يفعله " . ومن عظم هذا الحق أن قرن الاسلام طاعة الزوج بإقامة الفرائض الدينية وطاعة الله ، فعن عبد الرحمن بن عوف ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا صلت المرأة خمسها ، وصامت شهرها وحفظت فرجها ، وأطاعت زوجها قيل لها ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئت " رواه أحمد والطبراني . وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيما امرأة ماتت ، وزوجها عنها راض ، دخلت الجنة " . وأكثر ما يدخل المرأة النار ، عصيانها لزوجها ، وكفرانها إحسانه إليها ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اطلعت في النار فإذا أكثر أهلها النساء . يكفرن العشير ، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ، ثم رأت منك شيئا قالت : ما رأيت منك خيرا قط " . رواه البخاري . وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجئ ، فبات غضبان ، لعنتها الملائكة حتى تصبح " . رواه أحمد والبخاري ومسلم . وحق الطاعة هذا مقيد بالمعروف . فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، فلو أمرها بمعصية وجب عليها أن تخالفه . ومن طاعتها لزوجها ألا تصوم نافلة إلا بإذنه ، وألا تحج تطوعا إلا بإذنه ، وألا تخرج من بيته إلا بإذنه . روى أبو داود الطيالسي ، عن عبد الله بن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " حق الزوج على زوجته ألا تمنعه نفسها ، ولو كان على ظهر قتب ( 1 ) وأن لا تصوم يوما واحدا إلا بإذنه ، إلا لفريضة ، فإن فعلت

( هامش ) ( 1 ) قتب : ظهر بعير .

أثمت ، ولم يتقبل منها ، وألا تعطي من بيتها شيئا إلا بإذنه ، فإن فعلت كان له الاجر ، وعليها الوزر ، وألا تخرج من بيته إلا بإذنه ، فإن فعلت لعنها الله وملائكة الغضب حتى تتوب أو ترجع ، وإن كان ظالما " .

عدم إدخال من يكره الزوج : ومن حق الزوج على زوجته أن لا تدخل أحدا بيته يكرهه إلا بإذنه . عن عمرو بن الاحوص الجشمي رضي الله عنه ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع يقول : بعد أن حمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ . ثم قال : " ألا ، واستوصوا بالنساء خيرا فإنما هن عوان ( 1 ) عندكم ليس تملكون منهن شيئا غير ذلك ، إلا أن يأتين بفاحشة مبينة . فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع ، واضربوهن ضربا غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا . ألا إن لكم على نسائكم حقا ، ولنسائكم عليكم حقا ، فحقكم عليهن ألا يوطئن فروشكم من تكرهونه ، ولا يأذن في بيوتكم من تكرهونه ، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن " . رواه ابن ماجه والترمذي ، وقال : حديث حسن صحيح .

خدمة المرأة زوجها : أساس العلاقة بين الزوج وزوجته هي المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات . وأصل ذلك قول الله تعالى : " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف ، وللرجال عليهن درجة ( 2 ) " . فالاية تعطي المرأة من الحقوق مثل ما للرجل عليها ، فكلما طولبت المرأة بشئ طولب الرجل بمثله . والاساس الذي وضعه الاسلام للتعامل بين الزوجين وتنظيم الحياة بينهما ، هو أساس فطري وطبيعي . فالرجل أقدر على العمل والكدح والكسب خارج المنزل ، والمرأة أقدر على تدبير المنزل ، وتربية الاولاد ، وتيسير أسباب الراحة

( هامش ) ( 1 ) عوان : بفتح العين وتخفيف الواو : أي أسيرات . ( 2 ) سورة البقرة الاية : 228 .

البيتية ، والطمأنينة المنزلية ، فيكلف الرجل ما هو مناسب له ، وتكلف المرأة ما هو من طبيعتها ، وبهذا ينتظم البيت من ناحية الداخل والخارج دون أن يجد أي واحد من الزوجين سببا من أسباب انقسام البيت على نفسه . وقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين على بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه وبين زوجته فاطمة رضي الله عنها ، فجعل على فاطمة خدمة البيت ، وجعل على علي العمل والكسب . روى البخاري ومسلم أن فاطمة رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى في يديها من الرحاء وتسأله خادمة . فقال : " ألا أدلكم على ما هو خير لكما مما سألتما : إذا أخذتما مضاجعكما فسبحا الله ثلاثا وثلاثين ، واحمدا ثلاثا وثلاثين ، وكبرا أربعا وثلاثين ، فهو خير لكما من خادم " . وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أنها قالت : كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله وكان له فرس فكنت أسوسه ، وكنت أحش له ، وأقوم عليه . وكانت تعلفه ، وتسقي الماء ، وتخرز الدلو ، وتعجن ، وتنقل النوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ . ففي هذين الحديثين ما يفيد بأن على المرأة أن تقوم بخدمة بيتها ، كما أن على الرجل أن يقوم بالانفاق عليها . وقد شكت السيدة فاطمة رضي الله عنها ما كانت تلقاه من خدمة ، فلم يقل الرسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي لا خدمة عليها وإنما هي عليك . وكذلك لما رأى خدمة أسماء لزوجها لم يقل لا خدمة عليها ، بل أقره على استخدامها . وأقر سائر أصحابه على خدمة أزواجهن . مع علمه بأن منهن الكارهة والراضية . قال ابن القيم : هذا أمر لا ريب فيه ، ولا يصح التفريق بين شريفة دنيئة ، وفقيرة وغنية . فهذه أشرف نساء العالمين كانت تخدم زوجها وجاءت الرسول صلى الله عليه وسلم تشكو إليه الخدمة ، فلم يشكها ( 1 ) .

( هامش ) ( 1 ) يشكها : أي لم يسمع شكايتها .

قال بعض علماء المالكية : ( 1 ) إن على الزوجة خدمة مسكنها ، فإن كانت شريفة المحل ليسار أبوة ، أو ترفه ، فعليها التدبير للمنزل وأمر الخادم ، وإن كانت متوسطة الحال ، فعليها أن تفرش الفراش ونحو ذلك . وإن كانت دون ذلك ، فعليها أن تقم البيت وتطبخ وتغسل ، وإن كانت من نساء الكرد والديلم والجبل كلفت ما يكلفه نساؤهم . وذلك أن الله تعالى قال : " ولهن مثل الذي عليهن ، بالمعروف ( 2 ) " . وقد جرى عرف المسلمين في بلدانهم في قديم الامر وحديثه بما ذكرنا . ألا ترى أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، كانوا يتكلفون الطحين والخبز والطبيخ وفرش الفراش ، وتقريب الطعام وأشباه ذلك ، ولا نعلم امرأة امتنعت عن ذلك ، ولا يسوغ لها الامتناع ، بل كانوا يضربون نساءهم إذا قصرن في ذلك ، ويأخذنهن بالخدمة . فلو لا أنها مستحقة لما طالبوهن . هذا هو المذهب الصحيح خلافا لما ذهب إليه مالك وأبو حنيفة والشافعي من عدم وجوب خدمة المرأة لزوجها ، وقالوا إن عقد الزواج إنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام وبذل المنافع . والاحاديث المذكورة تدل على التطوع ومكارم الاخلاق . تجاوز الصدق بين الزوجين : المحافظة على الانسجام في البيت ، وتقوية روابط الاسرة غاية من الغايات التي يستباح من أجل الحصول عليها تجاوز الصدق . روي أن ابن أبي عذرة الدؤلي - أيام خلافة عمر رضي الله عنه - كان يخلع النساء اللائي يتزوج بهن ، فطارت له في النساء من ذلك أحدوثة يكرهها ، فلما علم بذلك أخذ بيد عبد الله بن الارقم حتى أتى به إلا منزله ، ثم قال لامرأته : أنشدك بالله ( 3 ) هل تبغضينني ؟ قالت : لا تنشدني بالله .

قال : فإني أنشدك بالله . قالت : نعم . فقال لابن الارقم أتسمع ؟ ثم انطلقا حتى أتيا عمر رضي الله عنه فقال : إنكم لتحدثون أني أظلم النساء ، وأخلعهن ، فاسأل ابن الارقم ، فسأله فأخبره ، فأرسل إلى امرأة ابن أبي عذرة فجاءت هي وعمتها ، فقال : أنت التي تحدثين لزوجك أنك تبغضينه ؟ . فقالت : إني أول من تاب ، وراجع أمر الله تعالى ، إنه ناشدني فتحرجت أن أكذب . أفأكذب يا أمير المؤمنين ؟ قال : نعم فاكذبي ، فإن كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا تحدثه بذلك ، فإن أقل البيوت الذي يبني على الحب . ولكن الناس يتعاشرون بالاسلام والاحساب . وقد روى البخاري ومسلم عن أم كلثوم رضي الله عنها . أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

" ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا ، أو يقول خيرا " . قالت : ولم أسمعه يرخص في شئ مما يقول الناس إلا في ثلاث : يعني الحرب ، والاصلاح بين الناس ، وحديث الرجل امرأته ، والمرأة زوجها ، فهذا حديث صريح في إباحة بعض الكذب للمصلحة .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:38 am

إمساك الزوجة بمنزل الزوجية : من حق الزوج أن يمسك زوجته بمنزل الزوجية ، ويمنعها عن الخروج منه ( 1 ) إلا بإذنه ويشترط في المسكن أن يكون لائقا بها ، ومحققا لاستقرار المعيشة الزوجية ، وهذا المسكن ، يسمى بالمسكن الشرعي ، فإذا لم يكن المسكن لائقا بها ولا يمكنها من استيفاء الحقوق الزوجية المقصودة من الزواج ، فإنه لا يلزمها القرار فيه ، لان المسكن غير شرعي . ومثال ذلك ، ما إذا كان بالمسكن آخرون يمنعها وجودهم معها من المعاشرة الزوجية ، أو كان يلحقها بذلك ضرر ، أو تخشى على متاعها . وكذلك لو كان

( هامش ) ( 1 ) وهذا بخلاف زيارة أبويها فلها أن تزورهما كل أسبوع أو بحسب ما جرى به العرف ولو لم يأذن لها ، لان ذلك من صلة الرحم الواجبة ولها أن تمرض المريض منهما إذا لم يوجد من يمرضه ولو لم يرض زوجها لان ذلك واجب ولا يجوز أن يمنعها من الواجب .

المسكن خاليا من المرافق الضرورية ، أو كان بحال تستوحش منها الزوجة ، أو كان الجيران جيران سوء . الانتقال بالزوجة : من حق الزوج أن ينتقل وزوجته حيث يشاء لقول الله تعالى : " أسكنوهن من حيث سكنتم ، من وجدكم ، ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن ( 1 ) " . والنهي عن المضارة يقتضي ألا يكون القصد من الانتقال بالزوجة المضارة بها ، بل يجب أن يكون القصد هو المعايشة ، وما يقصد بالزواج ، فإن كان يقصد المضارة والتضييق عليها في طلبه نقلها كأن تهبه شيئا من المهر ، أو تترك شيئا من النفقة الواجبة عليه لها ، أو لا يكون مأمونا عليها ، فلها الحق في الامتناع . وللقاضي أن يحكم لها بعدم استجابتها له . وقيد الفقهاء استعمال هذا الحق أيضا بألا يكون في الانتقال بها خوف الضرر عليها . كأن يكون الطريق غير آمن ، أو يشق عليها مشقة جديدة لا تحتمل في العادة ، أو يخاف فيه من عدو . فإذا خافت الزوجة شيئا من ذلك فلها أن تمتنع عن السفر ، وقد جاء في إحدى المذكرات القضائية ما يلي : " ولما كانت مصلحة الزوجين من النقله وعدمها لا تتحدد ولا تضبط أطلقوها من غير بيان وجهها اعتمادا على فطنة القاضي وعدالته وحكمته . فإن من البين أن مجرد كون الزوج في شخصه مأمونا على زوجته لا يكفي لتحقق المصلحة في الاجبار على النقلة . بل لا بد من مراعاة أحوال أخرى ترجع إلى الزوج وإلى الزوجة . وإلى البلدان المنقول منها والمنتقل إليها . كأن يكون الباعث على الانتقال مصلحة يعتد بها ، فلما يمكن الحصول عليها بدون الاغتراب ، وكأن يكون الزوج قادرا على نفقات ارتحالها كأمثالها ، وفي يده فضل يغلب على الظن أنه لو اتجر فيه مثلا لربح ما يعدل نفقته ونفقة عياله ، أو صناعة فنية تقوم بمعاشه ومعاشهم . " وكأن يكون الطريق بين البلدين مأمونا على النفس والعرض والمال .

وكأن تكون الزوجة بحيث تقول على مشقة السفر من بلدها إلى المكان الذي يريد نقلها إليه . وكأن لا يكون المحل الذي يريد نقلها إليه بطبيعته منبعا للحميات ، والاوبئة ، والامراض . وكأن لا يكون الاختلاف بين البلدين في الحرارة والبرودة مثلا مما لا تحتمله الامزجة والطباع . وكأن تكون كرامة الزوجة في موضع نقلتها محفوظة ككرامتها في محلها الاصلي . وكأن لا يلحقها بسبب الانتقال ضرر مادي أو أدبي ، إلى كثير من الاعتبارات التي يجب ملاحظتها في مثل هذه الظروف وتختلف باختلاف الاشخاص والمواطن ولا تخفى عن القاضي الفطن " . وهذا من خير ما يقال تفصيلا في هذا الموضوع . اشتراط عدم خروج الزوجة من دارها : من تزوج امرأة ، وشرط لها ألا يخرجها من دارها أو لا يخرج بها إلى بلد غير بلدها فعليه الوفاء بهذا الشرط ، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " إن أحق الشروط أن توفوا به ، ما استحللتم به الفروج " رواه البخاري ، ومسلم ، وغيرهما عن عقبة بن عامر . وهذا مذهب أحمد ، وإسحاق بن راهويه ، والاوزاعي . وذهب غير هؤلاء من الفقهاء إلى أنه لا يلزمه الوفاء بهذا الشرط . وله نقلها عن دارها . وقالوا في الحديث : إن الشرط الواجب الوفاء به هو ما كان خاصا في المهر ، والحقوق الزوجية التي هي من مقتضى العقد دون غيرها مما لا يقتضيه . وقد تقدم في أول هذا المجلد الشروط في الزواج ، واختلاف العلماء فيه ، مفصلا .

منع الزوجة من العمل : فرق العلماء بين عمل الزوجة الذي يؤدي إلى تنقيص حق الزوج ، أو ضرره ، أو خروجها من بيته ، وبين العمل الذي لا ضرر فيه ، فمنعوا الاول . وأجازوا الثاني . قال ابن عابدين ، من فقهاء الاحناف : " والذي ينبغي تحريره أن يكون منعها من كل عمل يؤدي إلى تنقيص حقه ، أو ضرره ، أو إلى خروجها من بيته . أما العمل الذي لا ضرر فيه فلا وجه لمنعها منه وكذلك ليس له منعها من الخروج إذا كانت تحترف عملا هو من فروض الكفاية الخاصة بالمرأة مثل عمل القابلة " .

خروج المرأة لطلب العلم : إذا كان العلم الذي تطلبه المرأة مفروضا ( 1 ) عليها وجب على الزوج أن يعلمها إياه - إذا كان قادرا على التعليم - فإذا لم يفعل ، وجب عليها أن تخرج حيث العلماء ومجالس العلم ، لتتعلم أحكام دينها ولو من غير إذنه . أما إذا كانت الزوجة عالمة بما فرضه الله عليها من أحكام ، أو كان الزوج متفقها في دين الله ، وقام بتعليمها ، فلا حق لها في الخروج إلى طلب العلم إلا بأذنه .

تأديب الزوجة عند النشوز : قال الله تعالى : " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن ، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ( 2 )

نشوز الزوجة : هو عصيان الزوج وعدم طاعته أو امتناعها عن فراشه ، أو خروجها من بيته بغير إذنه . وعظتها تذكيرها بالله ، وتخويفها به ، وتنبيهها للواجب عليها من الطاعة وما لزوجها عليها من حق ، ولفت نظرها إلى ما يلحقها من الاثم بالمخالفة والعصيان ، وما يفوت من حقوقها من النفقة ، والكسوة . والهجر في المضجع : أي في الفراش ، وأما الهجر في الكلام فلا يجوز أكثر من ثلاثة أيام ، لما رواه أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام " . ولا تضرب الزوجة لاول نشوزها . والاية فيها إضمار وتقدير . أي : " واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن " .

( هامش ) ( 1 ) العلم الفرض : هو العلم بالعمل الذي فرضه الله لان كل ما فرض الله عمله فرض العلم به . ( 1 ) سورة النساء الاية : 34 .

فإن نشزن " فاهجروهن في المضاجع " ، فإن أصررن " فاضربوهن " . أي إذا لم ترتدع بالوعظ والهجر فله ضربها . يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " إن لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه . فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير مبرح " أي غير شديد . وعليه أن يجتنب الوجه ، والمواضع المخوفة ، لان المقصود التأديب . لا الاتلاف . روى أبو داود عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه قال : قلت يارسول الله : ما حق زوجة أحدنا عليه ؟ قال : " أن تطعمها إذا طعمت ، وتكسوها إذا اكتسيت ، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ، ولا تهجر إلا في البيت " .

تزين المرأة لزوجها : من المستحسن أن تتزين المرأه لزوجها بالكحل والخضاب والطيب ، ونحو ذلك من أنواع الزينة . روى أحمد عن كريمة بنت همام : " قالت لعائشة رضي الله عنها : ما تقولين يا أم المؤمنين في الحناء ؟ فقالت : كان حبيبي صلى الله عليه وسلم يعجبه لونه ، ويكره ريحه ، وليس بمحرم عليكن بين كل حيضتين ، أو عند كل حيضة " التبرج معناه : التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه وأصله الخروج من البرج ، وهو القصر ، ثم استعمل في خروج المرأة من الحشمة وإظهار مفاتنها وإبراز محاسنها .

التبرج في القرآن : وقد ورد التبرج في القرآن الكريم في موضعين : ( الموضع الاول ) في سورة النور . جاء فيه قول الله سبحانه : " والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة ، وأن يستعففن خير لهن ( 1 ) . " ( والموضع الثاني ) ورد في النهي عنه والتشنيع عليه في سورة الاحزاب ، في قوله سبحانه : " ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى " ( 2 ) .

منافاته للدين والمدنية : إن أهم ما يتميز به الانسان عن الحيوان اتخاذ الملابس وأدوات الزينة . يقول الله تعالى : " يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون " ( 3 ) . والملابس والزينة هما مظهران من مظاهر المدنية والحضارة ، والتجرد عنهما إنما هو ردة إلى الحيوانية ، وعودة إلى الحياة البدائية .

والحياة ، وهي تسير سيرها الطبيعي ، لا يمكن أن ترجع إلى الوراء ، إلا إذا حدثت لها نكسة تبدل آراءها ، وتغير أفكارها ، وتجعلها تعود القهقرى ناسية أو متناسية مكأسبها الحضارية ورقيها الانساني . وإذا كان اتخاذ الملابس لازما من لوازم الانسان الراقي ، فإنه بالنسبة للمرأة ألزم ، لانه هو الحفاظ الذي يحفظ عليها دينها وشرفها وعفافها وحياءها . وهذه الصفات ألصق بالمرأة ، وأولى بها من الرجل ، ومن ثم كانت الحشمة أولى بها وأحق . إن أعز ما تملكه المرأة ، الشرف ، والحياء ، والعفاف ، والمحافظة على هذه الفضائل محافظة على إنسانية المرأة في أسمى صورها ، وليس من صالح المرأة ، ولا من صالح المجتمع أن تتخلى المرأة عن الصيانة والاحتشام . ولا سيما وأن الغريزة الجنسية هي أعنف الغرائز وأشدها على الاطلاق . والتبذل مثير لهذه الغريزة ومطلق لها من عقالها . ووضع الحدود والقيود والسدود أمامها مما يخفف من حدتها ويطفئ من جذوتها ويهذبها تهذيبا جديرا بالانسان وكرامته ، ومن أجل هذا عني الاسلام عناية خاصة بملابس المرأة ، وتناول القرآن ملابس المرأة مفصلا لحدودها ، على غير عادة القرآن في تناوله المسائل الجزئية بالتفصيل ، فهو يقول : " يأيها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ، ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ( 1 ) " . وتوجيه الخطاب إلى نساء النبي وبناته ونساء المؤمنين دليل على أن جميع النساء مطالبات بتنفيذ هذا الامر ، دون استثناء واحدة منهن ، مهما بلغت من الطهر ، ولو كانت في طهارة بنات النبي عليه الصلاة والسلام وطهارة نسائه . ويولي القرآن هذا الامر عناية بالغة ويفصل ذلك تفصيلا ، فيبين ما يحل كشفه وما يجب ستره ، فيقول : " وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ، ولا يبدين زينتهن ، إلا ما ظهر منها ، وليضربن بخمرهن على جيوبهن ، ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن . . . الخ " الاية ( 1 ) . حتى ولو كانت المرأة عجوزا لا رغبة لها ولا رغبة فيها : يقول الله تعالى : " والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا ، فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة ، وأن يستعففن خير ( 2 ) لهن ( 3 ) " . ويهتم الاسلام بهذه القضية ، فيحدد السن التي تبدأ بها المرأة في الاحتشام ، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " يا أسماء : إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يرى منها إلا هذا وهذا . وأشار إلى وجهه وكفيه " . والمرأة فتنة ، ليس أضر على الرجال منها ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " إن المرأة إذا أقبلت أقبلت ومعها شيطان ، وإذا أدبرت أدبرت ومعها شيطان " . وتجرد المرأة من ملابسها وإبداء مفاتنها يسلبها أخص خصائصها من الحياء والشرف ويهبط بها عن مستواها الانساني . ولا يطهرها مما التصق بها من رجس سوى جهنم . يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " صنفان من أهل النار لم أرهما : رجال بأيديهم سياط كأذناب البقر ، ونساء كاسيات عاريات ، مائلات مميلات ، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها ، وإن ريحها ليشم من مسافة كذا وكذا " . وفي عهد النبوة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بعض مظاهر التبرج ، فيلفت نظر النساء إلى أن هذا فسق عن أمر الله ، ويردهن إلى الجادة المستقيمة ، ويحمل الاولياء والازواج تبعة هذا الانحراف ، وينذرهم بعذاب الله . 1 - عن موسى بن يسار رضي الله عنه قال : مرت بأبي هريرة امرأة ( هامش ) ( 1 ) سورة النور آية : 31 . ( 2 ) يستعففن : أي يستترن . ( ظ ) سورة النور آية : 60 .

وريحها تعصف ( 1 ) فقال لها أين تريدين ( 2 ) يا أمة الجبار ؟ قالت : إلى المسجد . قال : وتطيبت ؟ قالت : نعم . قال : فارجعي واغتسلي ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا يقبل الله صلاة من امرأة خرجت إلى المسجد وريحها تعصف حتى ترجع فتغتسل ( 3 ) " . وإنما أمرت بالغسل لذهاب رائحتها . 2 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيما امرأة أصابت بخورا ( 4 ) فلا تشهدن العشاء " . أي : الاخرة . رواه أبو داود والنسائي . 3 - وروى عن عائشة رضي الله عنها قالت : " بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد دخلت امرأة من مزينة ترفل ( 5 ) في زينة لها في المسجد . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا أيها الناس : انهوا ( 5 ) نساءكم عن لبس الزينة والتبختر في المسجد ، فإن بني اسرائيل لم يلعنوا حتى لبس نساؤهم الزينة وتبختروا في المسجد " ، رواه ابن ماجه . وكان عمر رضي الله عنه يخشى من هذه الفتنة العارمة ، فكان يطب لها قبل وقوعها ، وعلى قاعدة " الوقاية خير من العلاج " ، فقد روى عنه أنه كان يتعسس ذات ليلة فسمع امرأة تقول : هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم هل من سبيل إلى نصر بن حجاج فقال : أما في عهد عمر فلا . فلما أصبح استدعى نصر بن حجاج فوجده من أجمل الناس وجها ، فأمر بخلق شعره فازداد جمالا ، فنفاه إلى الشام

( هامش ) ( 1 ) يشتد طيبه ، من عصفت الريح عصفا وعصوفا . اشتدت ، فهي عاصف وعاصفة . ( 2 ) إلى أي مكان تذهبين يا مخلوقة القهار وأمته . ( 3 ) رواه ابن خزيمة في صحيحه قال الحافظ : إسناده متصل ورواته ثقات ، ورواه أبو داود وابن ماجه ، من طريق عاصم بن عبيد الله العمري . ( 4 ) عود الطيب أحرقنه . ( 5 ) المشي خيلاه . ( 6 ) امنعوهن وحذروهن
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:39 am

سبب هذا الانحراف : وقد سبب الجهل والتقليد الاعمى الانحراف عن هذا الخط المستقيم ، وجاء الاستعمار فنفخ فيه وأوصله إلى غايته ومداه ، فأصبح من المعتاد أن يجد المسلم المرأة المسلمة ، متبذلة ، عارضة مفاتنها ، خارجة في زينتها ، كاشفة عن صدرها ونحرها وظهرها وذراعها وساقها . ولا تجد أي غضاضة في قص شعرها ، بل تجد من الضروري وضع الاصباغ والمساحيق والتطيب بالطيب واختيار الملابس المغرية ، وأصبح " لموضات " الازياء مواسم خاصة يعرض فيها كل لون من ألوان الاغراء والاثارة . وتجد المرأة من مفاخرها ومن مظاهر رقيها أن ترتاد أماكن الفجور والفسق والمراقص والملاهي ، والمسارح والسينما ، والملاعب والاندية و القهاوي . وتبلغ منتهى هبوطها في المصايف وعلى البلاج . وأصبح من المألوف أن تعقد مسابقات الجمال تبرز فيها المرأة أمام الرجل ، ويوضع تحت الاختبار كل جزء من بدنها ، ويقاس كل عضو من أعضائها على مرأى ومسمع من المتفرجين والمفترجات ، والعابثين والعابثات . وللصحف وغيرها من أدوات الاعلام ، مجال واسع في تشجيع هذه السخافات ، والتغرير بالمرأة للوصول إلى المستوى الحيواني الرخيص ، كما أن لتجار الازياء دو خطيرا في هذا الاسفاف .

نتائج هذا الانحراف : وكان من نتائج هذا الانحراف أن كثر الفسق ، وانتشر الزنا ، وانهدم كيان الاسرة ، وأهملت الواجبات الدينية وتركت العناية بالاطفال ، واشتدت أزمة الزواج ، وأصبح الحرام أيسر حصبولا من الحلال . وبالجملة فقد أدى هذا التهتك إلى انحلال الاخلاق وتدمير الاداب التي اصطلح الناس عليها في جميع المذاهب والاديان . وقد بلغ هذا الانحراف حدا لم يكن يخطر على بال مسلم ، وتفنن دعاة التحلل والتفسخ ، واتخذوا أساليب للتجميل واستعمال الزينة ، ووضعوا لها منهجا وأعدوا معاهدا لتدريس هذه الاساليب . نشرت جريدة الاهرام تحت عنوان " مع المرأة " ما يلي " أول معهد لتدريس تصفيف شعر السيدات في الاسكندرية " " خبير ألماني يقوم بالتدريس في المعهد بعد شهر " . لاول مرة تقيم رابطة مصففي شعر السيدات في الاسكندرية معهدا لتصفيف شعر السيدات . أقيم المعهد من تبرعا ت أعضاء الرابطة ، تبرع أحدهم " بسشوار " وتبرع آخر ببعض المكاوي ودبابيس الشعر والفرش . . وهكذا تكون المعهد بعد أن استأجرت له الرابطة شقة صغيرة ليكون نواة معهد كبير في المستقبل . وقد أصدرت الرابطة " أمر تكليف " إلى جميع أعضائها " أصحاب المهنة " بالحضور لالقاء المحاضرات النظرية ، والقيام بالتجارب والدروس العملية أمام طلاب المعهد . افتتح المعهد صباح أمس في مقر الرابطة في كليوباتزه ، أحد أعضاء الرابطة بإلقاء محاضرة في كيفية قص الشعر ، وبعض الطرق في فن القص ، نم قام بعمل تسريحة جديدة لن تصميمه سماها " لشعلة " لاحدى " المنيكانات " وكان يشرح التسريحة وهو يقوم بها . سيد رس في المعهد فن تصفيف الشعر ، والصباغة ، والالوان ، والقص ، وتقليم الاظافر ، والمسياج ، والتدليك ، " يقول رئيس الرابطة في القاهرة وضيف رابطة الاسكندرية : إنه أنشأ مثل هذا المعهد في القاهرة منذ 5 أشهر ، وزغم قصر المدة أحرز العهد نتيجة مشرفة ، إذ أن الطلبة والطالبات يستفيدون من تبادل الافكار بين أعضاء الرابطة ، ومن عرض التسريحات وشرحها أمامهم ، مما يرفع مستوى المهنة ، كما استفادوا أيضا من حضور بعض الخبراء الالمان ومحاضراتهم العلمية والنظرية أمام الطلبة ، وسوف يحضر خبير ألماني إلى معهد الاسكندرية في الشهر القادم ، كما تعقد الرابطة في الشهر نفسه مسابقة للحصول على جائزة الجمهورية في فن تصفيف الشعر ، وستكون الدراسة في المعهد أسبوعية بصفة مبدئية " . انتهى ما نشر بالاهرام . هذا فضلا عن الاموال الطائلة التي تستهلك في شراء أدوات التجميل ، فقد بلغ عدد الصالونات في القاهرة وحدها ألف صالون لتصفيف وتجميل الشعر ، ويوزع في العام 10 ملايين قلم روج وعطر بودرة . ولم يقتصر هذا الفساد على ناحية دون ناحية ، بل تجاوزها إلى دور العلم ومعاهد التربية وكليات الجامعة . . . وكان المفروض أن تصان هذه الدور من الهبوط حتى تبقى لها حرمتها وكيانها المقدس ، فقد جاء في صحيفة أخبار اليوم بتاريخ 29 / 9 / 1962 ما يلي . " فتاة الجامعة لا تفرق بين حرم الجامعة وصالة عرض الازياء " في هذه الايام من كل عام ، عندما تعلن الجامعة عن افتتاح أبوابها . . . تبدأ الصحف والمجلات في الكتابة عن الفتاة الجامعية وتثار المناقشات حول زيها ومكياجها . . . فيطالب البعض بتوحيد زيها ، وينادي آخرون بمنعها من وضع المكياج ، قالت الكاتبة وأنا لا أؤيد هذه الاراء ، لايماني بأن اختيار الفتاة لازيائها ينمي من شخصيتها ، ويساعد على تكوين ذوقها . . . والفتيات في معظم جامعات الخارج لا ترتدين زيا موحدا . ولا يحرمن من وضع المكياج ، ولكني مع هذا لا ألوم كثيرا أصحاب هذه الاراء المتطرفة . . . فالفتاة الجامعية عندنا

تدفعهم إلى المطالبة بذلك ، لانها لا تعرف كيف تختار الزي والماكياج المناسبين لها كطالبة ، ولا تبذل أي مجهود في هذا السبيل . . . إنها لا تفرق كثيرا بين حرم الجامعة وصالة عرض الازياء ، أو الكرنفال . . . فهي تذهب إلى الجامعة في " عز الصباح " بفستان ضيق يكاد ضيقه يمنعها من الحركة ، مع الكعب العالي الذي ترتديه . . وعندما تغيره تستبدل به فستانا واسعا تحته أكثر من " جيبونة " تشل بدورها حركة صاحبتها ، وتجعلها أشبه بالاباجورة المتحركة ، وهي فوق هذا - إن نسيت كتبها ومجد محاضراتها - فهي لا تنسى أبدا الحلق ، والعقد ، والسوار ، والبروش ، الذي تحلى به أذنيها وصدرها وذراعيها وشعرها في غير تناسق أو ذوق . . . ثم مضت الكاتبة تقول : وهذا كله يرجع في رأيي إلى أن الفتاة الجامعية عندنا لا تأخذ الدراسة الجامعية مأخذ الجد . . فهي تضع فوقها زينتها وأناقتها والمفروض أن يكون العكس هو الصحيح ، في وقت نالت فيه ثقافة المرأة أعلى تقدير ! ليس معنى هذا أنني أطالب الفتاة الجامعية بإهمال ملابسها وزينتها . . . إنني أطالب بالاهتمام أولا بدروسها ، ثم بتخفيف ماكياج وجهها ، إن لم يكن مراعاة لحرم الجامعة ، فعلى الاقل مراعاة لبشرتها التي يفسدها كثرة الماكياج ، في سن تكون فضارة الوجه فيها أجمل بكثير من الماكياج المصطنع . . . ثم بعد ذلك أطالبها بالحد من استعمال الحلي ، وبارتداء الملابس البسيطة التي تناسب الفتاة الجامعية كالفستان " الشيزييه " و " التايير " ذي الخطوط البسيطة ، والفستان الذي تنسدل جوبته إلى أسفل ، في وسع خفيف لا يعرقل حركتها . . والجوب والبلوزة ، أو الجوب والبلوفر ، أو الجوب والجاكت - وأن ترعى في اختيارها لهذه الازياء الالوان الهادثة التي لا تثير " القيل والقال " بين زملائها الطلبة . . . " إنني أطالب الفتاة الجامعية باتباع هذه . . . وأطالب أولياء أمورها بضرورة الاشراف التام على ثياب بناتهم ، فالفتاة في العهد الجديد لم يعد هدفها الاول والاخير في الحياة جلب الانظار إليها " بالدندشة والشخلعة " . " إنها اليوم يجب أن تصقل بالثقافة والعلم والذوق السليم " . فلم يعد أقصى ما تصبو إليه هو مكتب سكرتيرة تجلس عليه لترد على تليفونات المدير ، وإنما المجال قد فتح أمامها وجلست إلى مكتب الوزارة . . . " هذا ما قالته إحدى الكاتبات في الاخبار ، وهي تعتب على بنات جنسها ، وتنعي عليهم هذا التصرف المعيب . وهذه الحالة قد أثارت اهتمام زائرات القاهرة من الجنبيات ، إذ لم تكن المرأة الغربية تفكر في مدى الانحدار الذي تردت فيه المرأة الشرقية . . . ففي " أهرام " 27 مارس 1962 جاء فيه في باب " مع المرأة " هذا العنوان : " المرأة الغربية غير راضية عن تقليد المرأة الشرقية لها " وجاء تحت هذا العنوان : " اهتمام المرأة العربية بالمودات الغربية ، وحرصها على تقليد المرأة الغربية في تصرفاتها ، وفي طباعها ، لا تستسيغه السائحات الغربيات اللائي يحضرن لزيارة القاهرة ، ولا يرفع من سمعتها في الخارج كما تظن ، أفصحت عن ذلك الرأي صحفية انجليزية زارت القاهرة أخيرا ، وكتبت مقالا في مجلتها تقول فيه : " لقد صدمت جدا بمجرد نزولي أرض المطار ، فقد كنت أتصور أنني سأقابل المرأة الشرقية بمعنى الكلمة ، ولا أقصد بهذا المرأة التي ترتدي الحجاب والحبرة ، وإنما المرأة الشرقية المتحضرة التي الازياء العملية التي تتسم بالطابع الشرقي ، وتتصرف بطريقة شرقية ، ولكنني لم أجد شيئا من هذا ، فالمرأة هناك ، هي نفسها المرأة التي تجدها عندما تنزل إلى أي مطار أوربي ، فالازياء هي نفسها بالحرف الواحد ، وتسريحات الشعر هي نفسها ، والماكياج هو نفسه ، حتى طريقة الكلام والمشية ، وفي بعض الاحيان اللغة : إما الفرنسية أو الانجليزية ! ! ! " وقد صدمني من المرأة الشرقية أنها تصورت أن التمدن والتحضر هو تقليد المرأة الغربية ونسيت أنها تستطيع أن تتطور وأن تتقدم كما شاءت ، مع الاحتفاظ بطابعها الشرقي الجميل " . وفي " جمهورية " السبت 9 يونيو 1962 نشر تحت هذا العنوان : " كاتبة أمريكية تقول : امنعوا الاختلاط ، وقيدوا حرية المرأة " . نقلت الصحيفة ، تحت هذا العنوان كلاما ثمينا صريحا ، وقد بدأت فقدمت الكاتبة الامريكية للقراء . فقالت : " غادرت القاهرة الصحفية الامريكية " هيلسيان ستانسبري " بعد أن أمضت عدة أسابيع ها هنا ، زارت خلالها المدارس ، والجامعات ، ومعسكرات الشباب والمؤسسات الاجتماعية ، ومراكز الاحداث ، والمرأة ، والاطفال وبعض الاسر في مختلف الاحياء ، وذلك في رحلة دراسية لبحث مشاكل الشباب والاسرة في المجتمع العربي . " وهيلسيان " صحفية متجولة ، تراسل أكثر من 250 صحيفة أمريكية ، ولها مقال يومي ، يقرأه الملايين ، ويتناول مشاكل الشباب تحت سن العشرين ، وعملت في الاذاعة والتيفزيون وفي الصحافة

أكثر من عشرين عاما ، وزارت جميع بلاد العالم ، وهي في الخامسة والخمسين من عمرها " . تقول الصحفية الامريكية بعد أن أمضت شهرا في الجمهورية العربية بعد أن قدمتها الجريدة هذا التقديم : " إن المجتمع العربي مجتمع كامل وسليم ، ومن الخليق بهذا المجتمع أن يتمسك بتقاليده التي تقيد الفتاة والشاب في حدود المعقول . وهذا المجتمع يختلف عن المجتمع الاوربي والامريكي ، فعندكم تقاليد موروثة تحتم تقييد المرأة ، وتحتم احترام الاب والام ، وتحتم أكثر من ذلك ، عدم الاباحية الغربية التي تهدد اليوم المجتمع والاسرة في أوربا وأمريكا . ولذلك فإن القيود التي يفرضها المجتمع العربي على الفتاة الصغيرة - وأقصد ما تحت سن العشرين - هذه القيود صالحة ونافعة ، لهذا أنصح بأن تتمسكوا بتقاليدكم وأخلاقكم ، وامنعوا الاختلاط وقيدوا حرية الفتاة ، بل ارجعوا إلى عصر الحجاب ، فهذا خير لكم من إباحة وانطلاق ومجون أوربا وأمريكا . امنعوا الاختلاط قبل سن العشرين ، فقد عانينا منه في أمريكا الكثير ، لقد أصبح المجتمع الامريكي مجتمعا معقدأ ، مليئا بكل صور الاباحية والخلاعة ، وإن ضحايا الاختلاط والحرية قبل سن العشرين ، يملاون السجون والارضفة والبارات والبيوت السرية . إن الحرية التي أعطيناها لفتياتنا وأبنائنا الصغار قد جعلت منهم عصابات أحداث وعصابات " جيمس دين " وعصابات للمخدرات ، والرقيق . إن الاختلاط والاباحية والحرية في المجتمع الاوربي والمريكي هدد الاسر ، وزلزل القيم والاخلاق ، فالفتاة الصغيرة تحت سن العشرين في المجتمع الحديث تخالط الشبان ، وترقص " تشاتشا " وتشرب الخمر والسجاير . وتتعاطى المخدرات باسم المدنية والحرية والاباحية . والعجيب في أوربا وأمريكا أن الفتاة الصغيرة تحت سن العشرين تلعب . تلهو تعاشر من تشاء تحت سمع عائلتها وبصرها ، بل وتتحدى والديها ومدرسيها والمشرفين عليها ، تتحداهم باسم الحرية والاختلاط ، تتحداهم باسم الاباحية والانطلاق ، تتزوج في دقائق . وتطلق بعد ساعات ! ! ولا يكلفها هذا أكثر من إمضاء وعشرين قرشا وعريس ليلة ، أو ليضع ليال ، وبعدها الطلاق . وربما الزواج فالطلاق مرة أخرى .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:39 am

" علاج هذا الوضع الشاذ : ولا مناص من وضع خطة حازمة للخلاص من هذه الموبقات ، وذلك باتخاذ ما يأتي : 1 - نشر الوعي الديني وتبصير الناس بخطورة الاندفاع في هذا التيار الشديد . 2 - المطالبة بسن قانون يحمي الاخلاق والاداب ، ومعاقبة من يخرج عليه بشدة وحزم . 3 - منع الصحف وجميع أدوات الاعلام من نشر الصور العارية ، ووضع رقابة على مصممي الازياء . 4 - منع مسابقات الجمال والرقص الفاجر ، وتحقير كل ما يتصل بهذا الامر . 5 - اختيار ملابس مناسبة أشبه بملابس الراهبات ، وتكليف كل من يشتغل بعمل رسمي بارتدائها . 6 - يبدأ كل فرد بنفسه ، ثم يدعو غيره . 7 - الاشادة بالفضيلة والحشمة والصيانة والتستر . 8 - العمل على شغل أوقات الفراغ حتى لا يبقى متسع من الوقت لمثل هذا العبث . 9 - اعتبار الزمن جزءا من العلاج ، إذ أنها تحتاج إلى وقت طويل .

دفع شبهة : ويحلو لبعض الناس أن يسايروا التيار ويمشوا مع الركب ، زاعمين أن ذلك تطور حتمي اقتضته ظروف المدنية الحديثة . ونحن لا نمنع أن يسير التطور في طريقه ، وأن يصل إلى مداه : ولكنا نخشى أن يفسر التطور على حساب الدين والاخلاق والاداب ، فإن الدين وما يتبعه من تعاليم خلقية وأدبية ، إنما هو من وحي الله ، شرعه لكل عصر ولكل زمان ومكان . . . فإذا كان التطور جائزا في أمور الدنيا ، وشئون الحياة ، فليس ذلك مما يجوز في دين الله . إن الدين نفسه هو الذي فتح للعقل الانساني آفاق الكون ، لينظر فيه ، وينتفع بما فيه من قوى وبركات . ويطور حياته لتصل إلى أقصى ما قدر له من تقدم ورقي . . . فثمة فرق كبير بين ما يقبل التطور وبين ما لا يقبله . . . والدين ليس لعبة تخضع للاهواء ، وتوجهها الشهوات والرغبات ( 1 ) .

تزين الرجل لزوجته : من المستحب أن يتزين الرجل لزوجته ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : إني لاتزين لامرأتي كما تتزين لي ، وما أحب أن أستنظف ( 2 ) كل حقي الذي لي عليها ، فتستوجب حقها الذي لها علي ، لان الله تعالى قال : " ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف " . قال القرطبي في قول ابن عباس هذا : قال العلماء : " أما زينة الرجال فعلى تفاوت أحوالهم ، فإنهم يعملون ذلك على الليق ( 3 ) والوفاق . فربما كانت زينة تليق في وقت ولا تليق في وقت ، وزينة تليق بالشباب ، وزينة تليق بالشيوخ ولا تليق بالشباب " . قال : " وكذلك في شأن الكسوة ، ففي هذا كله ابتغاء الحقوق ، فإنما يعمل اللائق والوفاق ، ليكون عند امرأته في زينة تسرها ، ويعفها عن غيره من الرجال " .

( هامش ) ( 1 ) أطلنا القول في هذا الموضوع : لاهميته ، ولانه إحدى المشكلات الاجتماعية التي تحتاج إلى المزيد من العناية . ( 2 ) أستنظف : آخذ الحق كله . ( 3 ) الليق : اللياقة والحذق .

قال : " وأما الطيب ، والسواك ، والخلال ، والرمي بالدرن ( 1 ) ، وفضول الشعر ، والتطهر ، وقلم الاظافر ، فهو بين موافق للجميع . والخضاب للشيوخ ، والخاتم للجميع من الشباب والشيوخ زينة ، وهو حلى الرجال . ثم عليه أن يتوخى أوقات حاجتها إلى الرجال فيعفها ، ويغنيها عن التطلع إلى غيره . . . وإن رأي الرجل من نفسه عجزا عن إقامة حقها في مضجعها ، أخذ من الادوية التي تزيد في باهه ، وتقوي شهوته حتى يعفها ( 2 ) .

( هامش ) ( 1 ) الدرن : الوسخ . ( 2 ) درج بعض الناس على تعاطي المخدرات كالحشيش والافيون وسواها واستناموا لها استنامة لا إفاقة منها وهم في الحقيقة جانون على أنفسهم وعائلاتهم جناية ليست وراءها جناية . ومن المؤسف أنهم يترخصون في هذا إشباعا لشهواتهم وخضوعا لاهوائهم وقد ذهب العلماء إلى أن الحشيش محرم وأن متعاطيه يستحق حد شارب الخمر وأن مستحله كافر مرتد عن الاسلام ، وإن زوجته تبين منه ، هذا فضلا عن إضعافه البدن فيفقد نشاطه ، وقوته .

حديث أم زرع - عن عائشة قالت : " جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن ، ( 1 ) وتعاقدن أن لا يكتمن من أحبار أزواجهن شيئا : قالت الاولى : زوجي لحم جمل غث ( 2 ) على رأس جبل ( 3 ) لا سهل ( 4 ) فيرتقى ( 5 ) ولا سمين فينتقل ( 6 ) . وقالت الثانية : زوجي لا أبث ( 7 ) خبره . إني أخاف أن لا أذره ( 8 ) .

( هامش ) ( . ) ذكر النسائي أن سبب هذا الحديث أن قالت عائشة : " فخرت بمال أبي في الجاهلية ، وكان ألف ألف أوقية . فقال النبي على الله عليه وسلم " اسكتي يا عائشة ، فإني كنت لك كأبي زرع لام زرع " . . وقيل سبب الحديث أن عائشة وفاطمة جرى بينهما كلام فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال : ما أنت بمنتهية يا حميراء عن ابنتي . إن مثلي ومثلك كأبي زرع مع أم زرع ، فقالت : يا رسول الله حدثنا عنهما . فقال : كانت قرية فيها إحدى عشرة امرأة ، وكان الرجال خلوفا ، فقلن ، تعلين نتذاكر أزواجنا بما فيهم ولا نكذب . . وقيل إن هذه القرية كانت باليمن . . . وقيل إنهن كن بمكة . . . وقيل : إنهن كن في الجاهلية . ( 1 ) أي الزمن أنفسهن عهدا وتعاقدن على الصدق . ( 2 ) هزيل يستكره . ( 3 ) أي كثير الضجر شديد الغلظة يصعب الرقي إليه كالجبل . ( 4 ) أي لا هو سهل ولا سمين ، شبهت شيئين بشيئين : شبهت زوجها باللحم الغث ، وشبهت سوء خلقه بالجبل العوعر ثم فسرت ما أجملت : لا الجبل سهل فلا يشق ارتقاؤه لاخذ اللحم ولو كان هزيلا ، لان الشئ المزهود فيه قد يؤخذ إذا وجد بغير نصب ، ولا اللحم سمين فيتحمل المشقة في صعود الجبل لاجل تحصيله . ( 5 ) وصف للجبل أي لا سهل فيرتقي إليه . ( 6 ) وصف للحم : أي أنه لهزاله لا يرغب أحد فهى ينتقل إليه أي أن زوجها شديد البخل سئ الخلق ميئوس منه . ( 7 ) أي لا أظهر حديثه الذي لا خير فيه . ( 8 ) أي أخاف أن لا أترك من خبره شيئا ، فلطوله وكثرته أكتفى بالاشارة إلى معايبه خشية أن يطول الخطب من طولها .

إن أذكره أذكر عجره ( 1 ) وبجره ( 2 ) . قالت الثالثة : زوجي العشنق ( 3 ) : إن أنطق أطلق ( 4 ) ، وإن أسكت أعلق . قالت الرابعة : زوجي كليل تهامة ( 5 ) ، لا حر ولا قر ، ولا مخافة ولا سآمة . قالت الخامسة : زوجي إن دخل فهد ( 6 ) ، وإن خرج أسد ( 7 ) ولا يسأل عما عهد ( 8 ) . قالت السادسة : زوجي إن أكل لف ( 9 ) ، وإن شرب اشتف ( 10 ) ، وإن اضطجع التف ( 11 ) ولا يولج الكف ليعلم البث ( 12 ) .

( هامش ) ( 1 ) العجر : تعقد العروق والعصب في الجسد . . . ( 2 ) والبجر مثلها إلا أنها تكون مختصة بالتي تكون في البطن . قال الخطابي : أرادت عيوبه الظاهرة وأسراره الكامنة ، ولعله كان مستور الظاهر ردئ الباطن ، وهي عنت أن زوجها كثير المعايب متعقد النفس عن المكارم . . . ( 3 ) المذموم الطول - أرادت أن لا منظرا بلا مخبر . وقيل هو السئ الخلق . ( 4 ) أي إن ذكرت عيوبه وبلغه ذلك طلقني ، وإن أسكت عنها فأنا عنده معلقة لا ذات زوج ولا مطلقة مع أنها متعلقة به وتحبه مع سوء خلقه . ( 5 ) تهامة بلاد حارة في معظم الزمان وليس فيها رياح باردة فيطيب الليل لاهلها بالنسبة لما كانوا فيه من أذى حرارتها . . فوصفت زوجها بجميل العشرة واعتدال الحال ، وسلامة الباطن ، فكأنها قالت لا أذى عنده ولا مكروه . . . وأنا آمنة منه فلا أخاف من شره . . . فليس سئ الخلق فأسأم من عشرته . فأنا لذيذة العيش عنه كلذة أهل تهامة بليلهم المعتدل . ( 6 ) شبهته بالفهد لانه يوصف بالحياء وقلة الشر وكثرة النوم والوثوب ، فهي وصفته بالغفلة عند دخول البيت على وجه المدح له . ( 7 ) أسد أي يصير بين الناس مثل الاسد فهي تريد أنه في البيت كالفهد في كثرة النوم والوثوب وفي خارجه كالاسد على الاعداء . ( 8 ) بمعنى أنه شديد الكرم كثير التغاضي لا يتفقد ما ذهب ما ماله فهو كثير التسامح . ( 9 ) المراد باللف الاكثار منه . فعنده نهم وشره . ( 10 ) الاشتفاف في الشرب عدم الابقاء على شئ من المشروب . ( 11 ) أي بكسائه وحده ، وانقبض عن أهله إعراضا فهي حزينة بذلك . ( 12 ) البث هو الحزن أي لا يمد يده ليعلم ما هي عليه من حزن فيزيله ، ويحتمل أن تكون أرادت أنه ينام نوم العاجز الفشل : أردات أنه لا يسأل عن الامر الذي تهتم به ، هو المباشرة الجنسية .

قالت السابعة : زوجي غياباء . أو عياياء ، طباقاء ( 1 ) ، كل داء له داء ( 2 ) شجك ( 3 ) أو قلك ( 4 ) أو جمع كلا لك ( 5 ) . قالت الثامنة : زوجي المس مس ( 6 ) أرنب ، والريح ريح زرنب ( 7 ) . قالت التاسعة : زوجي رفيع العماد ( 8 ) طويل النجاد ( 9 ) ، عظيم الرماد ( 10 ) قريب البيت من الناد ( 11 ) . قالت العاشرة : زوجي مالك وما مالك ؟ مالك خير من ذلك ، له إبل كثيرات المبارك ( 12 ) قليلات المسارح ( 13 ) وإذا سمعن صوت المزهر ( 14 ) أيقن أنهن هوالك ( 15 ) . قالت الحادية عشرة : زوجي أبو زرع ، فما أبو زرع ؟ ( 16 )
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:40 am

( 1 ) شك من راوي الحديث والعياباء الذي لا يضرب ، ولا يلقح من الابل ، وبالمعجمة ليس بشئ ، والطباقاء الاحمق . . أو هو الثقيل الصدر : فهي تصفه بأنه عاجز عن النساء ثقيل الصدر ( 2 ) أي كل داء تفرق في الناس فهو فيه . ( 3 ) شجك : أي جرحك في رأسك وجراحات الرأس تسمى شجاجة . ( 4 ) فلك : أي جرح جسدك . ( 5 ) أي أنه ضروب للنساء ، فإذا ضرب إما أن يكسر عظما ، أو يشج رأسا أو يجمعهما . ( 6 ) أي ناعم الجلد مثل الارنب . ( 7 ) الززنب نبت طيب الريح . ( 8 ) وصفته بعلو بيته وطوله ، فإن بيوت الاشراف كذلك يعلونها ويضربونها في المواضع المرتلعة ( 9 ) النجاد : حمالة السيف ، وهي تريد أنه أيضا شجاع . ( 10 ) كناية عن الكرم . ( 11 ) أي وضع بيته وسط الناس ليسهل لقاؤه ، وهو لا يحتجب عن الناس . ( 12 ) جمع مبرك وهو موضع نزول الابل . ( 13 ) الموضع الذي تطلق لترعى فهى أي لا تخرج إلى المرعى إلا قليلا استعدادا لنحهن للضيوف . ( 14 ) آلة من آلات الطرب والغناء وهو العود . ( 15 ) فإذا رأت الابل ذلك وسمعت ضرب العود أيقنت أنها هوالك ، وأنها ستذبح للضيوف . وقولها مالك وما مالك استفهامية تقال للتعظيم والتعجب . ( 16 ) أي أن شأنه عظيم .

أناس ( 1 ) من حلي أذني ( 2 ) ، وملا من شحم عضدي ( 3 ) وبجحني فبجحت ( 4 ) إلي نفسي ، وجدني في أهل غنيمه بشق ( 5 ) فجعلني في أهل صهيل ( 6 ) وأطيط ( 7 ) ودائس ( 8 ) ومنق ( 9 ) فعنده أقول فلا أقبح ( 10 ) ، وأرقد فأتصبح ( 11 ) . وأشرب فأتقمح ( 12 ) . أم أبي زرع . فما أم أبي زرع ؟ : عكومها ( 13 ) رداح ( 14 ) ، وبيتها فساح ( 15 ) . ابن أبي زرع . فما ابن أبي زرع ؟ . مضجعة كمسل ( 16 ) شطبة ،

( هامش ) ( 1 ) أناس ، أي حرك وأثقل . ( 2 ) المراد أنه ملا أذنيها من أقراط من ذهب ولؤلؤ . و 3 ) لم ترد العضد وحده ، وإنما أرادت الجسم كله ، وخصت العضد لانه أقرب ما يلي بصر الانسان من جسده أي كثرت نعمه عليها حتى سمن جمسها . ( 4 ) المراد أنه فرحها ففرحت ، وقيل عظمني فعظمت إلى نفسي . ( 5 ) بشق : أي بشظف وجهد ومنه قول الله تعالى : لم تكونوا بالغيه إلى بشق الانفس ) أي بعد جهد ومشقة . ( 6 ) صهيل : أي خيل . ( 7 ) أطيط : أي إبل ، وأصل الاطيط صوت أعواد المحامل ، ويطلق الاطيط على كل شئ نشأ عن ضغط . ( 8 ) المارد أن عندهم طعاما منتقى من الزرع الذي يداس في بيدره ليتميز الحب من السنبل . ( 9 ) المنق : الالة التي تميز الحب وتنقيه مثل المنخل والغربال . ( 10 ) أي لكثرة إكرامه لها وتدللها عليه لا يرد لها قولا ، ولا يقبح عليها ما تأتي به . ( 11 ) أي أنام الصبحة وهي نوم أول النهار ، فلا أوقظ ، إشارة إلى أن لها من يكفيها مؤنة بيتها ومهنة أهلها . ( 12 ) هو الشرب على مهل حتى تمتلئ ، وترتوي وهي تريد أنواع الاشربة من لبن وغير ذلك . ( 13 ) هي نمط تجعل المرأة فيها ذخيرتها ومتاعها - حقيبة - . ( 14 ) يقال للكتيبة الكبيرة رداح إذا كانت بطيئة السير ، ويقال للمرأة إذا كانت عظيمة الكفل ثقيلة الوردك رداح . أي أنها ثقيلة من ملئها . ( 15 ) فساح : واسع . والمعنى أنها وصفت أم زوجها بأنها كثيرة الالات والاثات والقماش واسعة المال كبيرة البيت ، والمرأة التي تكون على هذا الحال يكون ابنها صغيرا لم يطعن في السن غالبا فزوجها صغير . ( 16 ) أرادت بمسل الشطبة سيفا سل من غمده ، فمضجعه الذي ينام فيه في الصغر كقدر سل شطبة واحدة : وهي العود المحدود كالمسلة .

ويشبعه ذراع الجفرة ( 1 ) . بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع ؟ طوع أبيها وطوع أمها ( 2 ) ، ومل ء كسائها ( 3 ) وغيظ جارتها ( 4 ) جارية أبي زرع . فما جارية أبي زرع ؟ لا تبث ( 5 ) حديثنا تبثيثا ( 6 ) ، ولا تنقث ( 7 ) ميراثنا تنقيثا ( 8 ) ولا تملا بيتنا تقشيشا ( 9 ) . قالت خرج أبو زرع ، والاوطاب ( 10 ) تمخض ( 11 ) فلقي ( 12 ) امرأة معها ولدان لها كالفهدين ، يلقيان من تحت خصرها برمانتين ( 13 ) فطلقني ونكحها فنكحت بعده رجلا سريا ( 14 ) ركب شريا ( 15 )

( هامش ) ( 1 ) الجفرة : هي الانثى من ولد المعز إذا كان سن أربعة أشهر ، وفصل عن أمه وأخذ في الرعي فهي وصفت ابن زوجها بأنه خفيف الوطأة عليها ، فإذا دخل بيتها وقت القيلولة مثلا لم يضطجع إلا قدر ما يسل السيف من غمده ، وأنه لا يحتاج طعاما من عندها ، فلو طعم لا كتفي باليسير الذي يسد الرمق من المأكول والمشروب فهو ظريف لطيف . ( 2 ) أي أنها بارة بهما . ( 3 ) كناية عن كمال شخصها ونعمة جسمها . ( 4 ) أي أنها تغيظ جارتها لما ترى من نعم وخير ، والمراد بجارتها ضرتها أو المراد في الحقيقة شأن أغلب الجارت . ( 5 ) لا تبث أي لا تظهر . ( 6 ) أي لا تفش سرا . ( 7 ) أي لا تسرع فيه بالخيانة ولا تذهبه بالسرقة . أو تحسن صنع الطعام . ( 8 ) الميرة : هي الزاد وأصله ما يحصله البدوي من الخضر ويحمله إلى منزله . ( 9 ) أي مصلحة للبيت مهتمة بتنظيمه وتنظيفه . ( 10 ) جمع وطب وهو وعاء اللبن . ( 11 ) إخراج الزبد من اللبن والمراد أنه خرج من عندها مبكرا . ( 12 ) سبب رؤية أبي زرع للمرأة وهي على هذه الحالة أنها تعبت من مخض اللبن فاستلقت تستريح فرآها على هذه الحالة ، وسبب رغبته في إنكاحها أنهم كانوا يحبون نكاح المرأة المنجبة . ( 13 ) المراد بالرمانة ثديها ، وهذا دليل على أن المرأة كانت صغيرة السن وأن ولديها كانا يلعبان وهما في حضنها أو جنبها . ( 14 ) أي من سراة الناس أي شريفا . ( 15 ) فرسا عظيما خيرا ، والشرى هو الذي يمضي في السير بلا فتور .

وأخذ خطيا ( 1 ) وأراح ( 2 ) علي نعما ثريا ( 3 ) ، وأعطاني من كل رائحة زوجا ( 4 ) ، وقال كلي أم زرع وميري ( 5 ) أهلك . قالت فلو جمعت كل شي أعطانيه ما بلغ أصغر آنية ( 6 ) أبي زرع . قالت عائشة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كنت لك كأبي زرع لام زرع " ( 7 ) . رواه الشيخان والنسائي .

( هامش ) ( 1 ) هو الرمح . ( 2 ) أي أتى بها إلى المراح وهو موضع مبيت الحاشية ، وقيل معناه غزا فغنم فأتى بالنعم الكثيرة . ( 3 ) أي كثيرة . ( 4 ) المعنى أعطاني من كل شئ يذبح زوجا أي اثنين من كل شئ من الحيوان الذي يرعى . وأرادت كذلك كثرة ما أعطاها . ( 5 ) ميري أهلك . أي صليهم واسعي إليهم بالميرة وهي الطعام . ( 6 ) أي التي كان يطبخ فيها عند أبي زرع على الدوام والاستمرار من غير نفس ولا قطع . ( 7 ) في رواية بزيادة في آخره : إلا أنه طلقها وإني ألا أطلقك . وزاد النسائي في رواية : عائشة يا رسول الله : بل أنت خير من أبي زرع .

الخطبة قبل الزواج يستحب أن يقدم العاقد أو غيره بين يدي العقد خطبة . وأقلها : الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله . 1 - عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء ( 1 ) " . رواه أبو داود ، والترمذي وقال : حديث حسن غريب . 2 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله ، فهو أقطع " . رواه أبو داود وابن ماجه . أي أن كل أمر معتنى به ، ومحتاج إلى أن يلقي صاحبه باله له من الاهتمام به لا يبدأ بحمدالله فهو مقطوع من البركة . وليس المراد خصوص الحمد ، بل المقصود ذكر الله عزوجل ، ليتفق مع الروايات الاخرى . والافضل أن يخطب خطبة الحاجة . فعن عبد الله بن مسعود قال : " أوتي رسول الله صلى الله عليه وسلم جوامع الخير وخواتيمه ، أوقال فواتح الخير ، فعلمنا خطبة الصلاة ، وخطبة الحاجة ، خطبة الصلاة : التحيات لله والصلوات والطيبات . السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . وخطبة الحاجة : إن الحمدلله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا . من يهد الله فلامضل له ، ومن يضلل الله فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . . . ثم تصل خطبتك بثلاث آيات من كتاب الله :

( هامش ) ( 1 ) اليد التي أصابها الجذام .

1 - " يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ( 1 ) " . 2 - " يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء . واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيبا ( 2 ) " . 3 - " يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ( 3 ) " . رواه أصحاب السنن وهذا لفظ ابن ماجه : ولو لم يأت بالخطبة صح النكاح . فعن رجل بن بني سليم قال : خطبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم المرأة التي عرضت نفسها عليه ليتزوجها صلى الله عليه وسلم . فقال له : " زوجتكها بما معك من القرآن . " ولم يخطب حكمة ذلك : قال في حجة الله البالغة : " كان أهل الجاهلية يخطبون قبل العقد بما يرونه من ذكر فاخر قومهم ونحو ذلك . يتوسلون بذلك إلى ذكر المقصود والتنويه به ، وكان جريان الرسم بذلك مصلحة ، فإن الخطبة مبناها على التشهير . وجعل الشئ بمسمع ومرأى من الجمهور . والتشهير بما يراد وجوده في النكاح ليتميز من السفاح . . وأيضا فالخطبة لا تستعمل إلا في الامور المهمة . والاهتمام بالنكاح وجعله أمرا عظيما بينهم من أعظم المقاصد ، فأبقى النبي صلى الله عليه وسلم أصلها ، وغير وصفها . وذلك أنه ضم مع هذه المصالح مصلحة أخرى وهي : أنه ينبغي أن يضم في كل ارتفاق ذكر مناسب له ، وينوه في كل عمل بشعائر الله ، ليكون الدين الحق ناشرا أعلامه وراياته ، ظاهرا شعاره وأماراته ، فسن فيها أنواعا من الذكر كالحمد والاستعانة والاستغفار والتعوذ والتوكل والتشهد وآيات من القرآن . وأشار إلى هذه المصلحة بقوله : " وكل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الحذماء " . وقوله " كل كلام لا يبدأ فيه بحمدالله فهو أجذم " . وقال صلى الله عليه وسلم : " فصل ما بين الحلال والحرام الصوت والدف في النكاح " الدعاء بعد العقد يستحب الدعاء لكل واحد من الزوجين بالمأثور : 1 - فعن أبي هريرة : " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفأ الانسان أي إذا تزوج . قال : بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير " . 2 - وعن عائشة قالت : " تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم ، فأتتني أمي فأدخلتني الدار ، فإذا نسوة من الانصار في البيت ، فقلن : على الخير ، والبركة وعلى خير طائر " . رواه البخاري وأبو داود . 3 - وعن الحسن قال : تزوج عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه امرأة من بني جشم . فقالوا : بالرفاء والبنين . فقال : قولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بارك الله فيكم ، وبارك عليكم " رواه النسائي .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:41 am

اعلان الزواج يستحسن شرعا إعلان الزواج ، ليخرج بذلك عن نكاح السر المنهي عنه ، وإظهارا للفرح بما أحل الله من الطيبات . وإن ذلك عمل حقيق بأن يشتهر ، ليعلمه الخاص والعام ، والقريب والبعيد ، وليكون دعاية تشجع الذين يؤثرون العزوبة على الزواج ، فتروج سوق الزواج . والاعلان يكون بما جرت به العادة ، ودرج عليه عرف كل جماعة ، بشرط ألا يصحبه محظور نهى الشارع عنه كشرب الخمر ، أو اختلاط الرجال بالنساء ، ونحو ذلك . 1 - عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه الدفوف " . رواه أحمد ، والترمذي ، وحسنه . وليس من شك في أن جعله في المساجد أبلغ في إعلانه والاذاعة به ، إذ أن المساجد هي المجامع العامة للناس ، ولا سيما في العصور الاولى التي كانت المساجد فيه بمثابة المنتديات العامة . 2 - وروى الترمذي ، وحسنه ، والحاكم وصححه عن يحيى بن سليم قال : قلت لمحمد بن حاطب : تزوجت امرأتين ما كان في واحدة منهما صوت - يعني دفا - فقال محمد رضي الله عنه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فصل ما بين الحلال والحرام الصوت بالدف " .

الغناء عند الزواج ومما أباحه الاسلام وحبب فيه ، الغناء عند الزواج ، ترويحا للنفوس وتنشيطأ لها باللهو البرئ . ويجب أن يخلو من المجون ، والخلاعة ، والميوعة ، وفحش القول وهجره . 1 - فعن عامر بن سعد رضي الله عنه قال : دخلت على قرظة بن كعب ، وأبي مسعود الانصاري في عرس ، وإذا جوار يغنين ، فقلت : أنتما صاحبا رسول الله ، ومن أهل بدر - يفعل هذا عندكم ! ! فقالا : " إن شئت فاسمع معنا ، وإن شئت فاذهب ، قد رخص لنا في اللهو عند العرس " . رواه النسائي والحاكم وصححه . 2 - وزفت السيدة عائشة رضي الله عنها الفارعة بنت أسعد ، وسارت معها في زفافها إلى بيت زوجها - نبيط بن جابر الانصاري - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا عائشة ما كان معكم لهو ؟ فإن الانصار يعجبهم اللهو " رواه البخاري وأحمد وغيرهما . وفي بعض روايات هذا الحديث أنه قال : " فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف ، وتغني ؟ " . قالت عائشة : تقول ماذا يا رسول الله ؟ قال : تقول : أتيناكم أتيناكم - فحيونا نحييكم ولو لا الذهب الاحمر - ما حلت بواديكم ولولا الحنطة السمراء - ما سمنت عذاريكم وعن الربيع بنت معوذ قالت : جاء النبي صلى الله عليه وسلم حين بني ( 1 ) - بي - فجلس على فراشي ، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف . ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر ( 2 ) إذ قالت إحداهن : . . . . . . . . . . . . وفينا نبي يعلم ما في غد فقال : " دعي هذا وقولي بالذي كنت تقولين ( 3 ) " . رواه البخاري وأبو داود والترمذي .

( هامش ) ( 1 ) تزوجت . ( 2 ) يذكرن صفات الشجاعة والبأس وما تحلوا به من الكرام والمروءة . وكان أبوها معوذ وعماها عوف ، ومعاذ قتلوا في بدر . ( 3 ) نهاها عن ذلك لانه لا يعلم الغيب إلا الله ، وجاء في حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم قال : " لا يعلم ما في غد إلا الله سبحانه " رواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم .

وصايا الزوجة استحباب وصية الزوجة : قال أنس : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا زفوا امرأة على زوجها ، يأمرونها بخدمة الزوج ورعاية حقه . وصية الاب ابنته عند الزواج : وأوصى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب ابنته فقال : " إياك والغيرة ، فإنها مفتاح الطلاق " . وإياك وكثرة العتب ، فإنه يورث البغضاء " . " وعليك بالكحل فإنه أزين الزينة " . " وأطيب الطيب ، الماء " . وصية الزوج زوجته : وقال أبو الدرداء لامرأته : " إذا رأيتني غضبت فرضني . وإذا رأيتك غضبى رضيتك . وإلا لم نصطحب " . وقال أحد الازواج لزوجته " خذي العفو مني تستديمي مودتي ولا تنطقي في سورتي حين أغضب ولا تقريني نقرك الدف مرة فإنك لا تدرين كيف المغيب ولا تكثري الشكوى فتذهب بالقوى ويأباك قلبي ، والقلوب تقلب فإنى رأيت الحب في القلب والاذى إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب وصية الام ابنتها عند الزواج : خطب عمرو بن حجر ملك كندة ، أم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني ، ولما حان زفافها إليه خلت بها أمها أمامة بنت الحارث ، فأوصتها وصية ، تبين فيها أسس الحياة الزوجية السعيدة ، وما يجب عليها لزوجها فقالت : أي بنية : إن الوصية لو تركت لفضل أدب لتركت ذلك لك ، ولكنها تذكرة للغافل ، ومعونة للعاقل . ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها ، وشدة حاجتهما إليها - كنت أغنى الناس عنه ، ولكن النساء للرجال خلقن ، ولهن خلق الرجال . أي بنية : إنك فارقت الجو الذي منه خرجت ، وخلفت العش الذي فيه درجت ، إلى وكر لم تعرفيه ، وقرين لم تألفيه ، فأصبح بملكه عليك رقيبا ومليكا ، فكوني له أمة يكن لك عبدا وشيكا . واحفظي له خصالا عشرا ، يكن لك ذخرا . ( أما الاولى والثانية ) فالخشوع له بالقناعة ، وحسن السمع له والطاعة . ( وأما الثالثة والرابعة ) فالتفقد لمواضع عينه وأنفه ، فلا تقع عينه منك على قبيح ، ولا يشم منك ألا أطيب ريح . ( وأما الخامسة والسادسة ) فالتفقد لوقت منامه وطعامه . فإن تواتر الجوع ملهبة ، وتنغيص النوم مغضبة . ( وأما السابعة والثامنة ) فالاحتراس بماله والارعاء ( 1 ) على حشمه ( 2 ) وعياله ، وملاك ( 3 ) الامر في المال حسن التقدير ، وفي العيال حسن التدبير . ( وأما التاسعة والعاشرة ) فلا تعصين له أمرا ، ولا تفشين له سرا ، فإنك إن خالفت أمره أو غرت صدره ، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره . ثم إياك والفرح بين يديه إن كان مهتما ، والكآبة بين يديه إن كان فرحا

( هامش ) ( 1 ) الارعاء : الرعاية . ( 2 ) حشمه : خدمه . ( 3 ) ملاك : عماد .

الوليمة ( 1 ) تعريفها : الوليمة مأخوذة من الولم ، وهو الجمع ، لان الزوجين يجتمعان ، وهي الطعام في العرس خاصة . وفي القاموس : الوليمة طعام العرس ، أوكل طعام صنع لدعوة وغيرها . وأولم : صنعها .

( 2 ) حكمها : ذهب الجمهور من العلماء إلى أنها سنة مؤكدة . 1 - لقول الرسول صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن عوف : " أولم . ولو بشاة " . 2 - وعن أنس قال : " ما أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم على شئ من نسائه ، ما أولم على زينب : أولم بشاة " . رواه البخاري ومسلم . 3 - وعن بريدة قال : لما خطب علي فاطمة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنه لابد للعرس من وليمة " . رواه أحمد بسند لا بأس به كما قال الحافظ . 4 - قال أنس : " ما أولم رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة من نسائه ، ما أولم على زينب ، وجعل يبعثني فأدعو له الناس ، فأطعمهم خبزا ، ولحما ، حتى شبعوا . 5 - وروى البخاري أنه صلى الله عليه وسلم " أولم على بعص نسائه بمدين من شعير " . وهذا الاختلاف ليس مرجعه تفضيل بعض نسائه على بعض ، وإنما سببه اختلاف حالتي العسر واليسر .

( 3 ) وقتها : وقت الوليمة عند العقد أو عقبه ، أو عند الدخول أو عقبه . وهذا أمر يتوسع فيه حسب العرف والعادة . وعند البخاري أنه صلى الله عليه وسلم دعا

القوم بعد الدخول بزينب .

( 4 ) إجابة الداعي : إجابة الداعي إلى وليمة العرس واجبة على من دعي إليها ، لما فيها من إظهار الاهتمام به ، وإدخال السرور عليه ، وتطييب نفسه : 1 - عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها " . 2 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله " . 3 - وعنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : " لو دعيت إلى كراع لاجبت ، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت " . روى هذه الاحاديث البخاري . فإذا كانت الدعوة عامة غير معينة لشخص أو جماعة لم تجب الاجابة ، ولم تستحب . مثل أن يقول الداعي : أيها الناس أجيبوا إلى الوليمة دون تعيين ، أو ادع من لقيت . كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، قال أنس " : تزوج النبي صلى الله عليه وسلم فدخل بأهله ، فصنعت أمي أم سليم حيسا ( 1 ) ، فجعلته في تور ( 2 ) ، فقالت : يا أخي اذهب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبت به ، فقال : ضعه . ثم قال : ادع فلانا ، وفلانا ، ومن لقيت ، فدعوت من سمتى ومن لقيت " . رواه مسلم . وقيل : إن إجابة الداعي فرض كفاية .

( هامش ) ( 1 ) الحيس : تمر يخلط بسمن وأقط : أي كشك . ( 2 ) التور : إناء .

وقيل : إنها مستحبة . . والاول أظهر ، لان العصيان لا يطلق إلاعلى ترك الواجب . هذا بالنسبة لوليمة العرس . أما الاجابة إلى غير وليمة النكاح ، فهي مستحبة غير واجبة عند جمهور العلماء . وذهب بعض الشافعية إلى وجوب الاجابة مطلقا ، وزعم ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين ، لان في الاحاديث ما يشعر بالاجابة إلى كل دعوة سواء أكانت دعوة زواج ، أم غيره .

( 5 ) شروط وجوب إجابة الدعوة : قال الحافظ في الفتح : إن شروط وجوبها ما يأتي : 1 - أن يكون الداعي مكلفا حرا رشيدا . 2 - وألا يخص الاغنياء دون الفقراء . 3 - وألا يظهر قصد التودد لشخص لرغبة فيه ، أو لرهبة منه . 4 - وأن يكون الداعي مسلما على الاصح . 5 - وأن يختص باليوم الاول على المشهور . 6 - وألا يسبق ، فمن سبق تعينت الاجابة له ، دون الثاني . 7 - وألا يكون هناك ما يتأذى بحضوره من منكر وغيره . 8 - وألا يكون له عذر . قال البغوي : ومن كان له عذر ، أو كان الطريق بعيدا تلحقه المشقة فلا بأس أن يتخلف .

( 6 ) كراهة دعوة الاغنياء دون الفقراء : يكره أن يدعى إلى الوليمة الاغنياء دون الفقراء . فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " شر طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعى إليها من يأباها ، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله " . رواه مسلم . وروى البخاري أن أبا هريرة قال : شر الطعام طعام الوليمة : يدعى لها الاغنياء ، وتترك الفقراء . زواج غير المسلمين القاعدة العامة في زواج غير المسلمين : " إقرار ما يوافق الشرع منها إذا أسلموا " . إن أنكحة الكفار لم يتعرض لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كيف وقعت ، وهل صادفت الشروط المعتبرة في الاسلام فتصح ، أم لم تصادفها فتبطل ؟ . وإنما اعتبر حالها وقت إسلام الزوج ، فإن كان ممن يجوز له المقام مع امرأته أقرهما ، ولو كان في الجاهلية وقد وقع على غير شرطه من الولي والشهود وغير ذلك . وإن لم يكن ممن يجوز له الاستمرار لم يقر عليه ، كما لو أسلم وتحته ذات رحم محرم ، أو أختان ، أو أكثر ، فهذا هو الأصل الذي أصلته سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وما خالفه فلا يلتفت إليه ( 1 ) . الرجل يسلم وتحته أختان ، يخير في إمساك إحداهما وترك الاخرى : عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال : " أسلمت ، وعندي امرأتان أختان ، فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أطلق إحداهما " . رواه أحمد وأصحاب السنن والشافعي والدارقطني والبيهقي وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان . الرجل يسلم وعنده أكثر من أربع يختار أربعا منهن : عن ابن عمر قال : " أسلم غيلان الثقفي ، وتحته عشر نسوة في الجاهلية ، فأسلمن معه ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعا " . أخرجه أحمدو الترمذي وابن ماجه والشافعي ، وابن حبان والحاكم وصححاه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:41 am

إسلام أحد الزوجين دون الآخر : إذا تم العقد بين الزوجين قبل الاسلام ، ثم أسلم الزوجان فان كان العقد قد انعقد على من يصح العقد عليها في الاسلام ، فحكمه واضح فيما سبق . فإن أسلم أحد الزوجين دون الآخر : فإن كان الاسلام من المرأة انفسخ النكاح . وتجب عليها العدة ، فإن أسلم هو وهي في عدتها كان أحق بها ، لما ثبت أن عاتكة ابنة الوليد بن المغيرة أسلمت قبل زوجها صفوان بن أمية ، بنحو شهر ، ثم أسلم هو ، فأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم على نكاحه . قال ابن شهاب : ولم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزوجها كافر ، مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها ، إلا أن يقدم زوجها مهاجرا ، قبل أن تقضي عدتها ، وإنه لم يبلغنا أن امرأة فرق بينها وبين زوجها إذا قدم وهي في عدتها . وكذلك الحكم إذا أسلم بعد انقضاء العدة ولو طالت المدة فهما على نكاحهما الاول إذا اختارا ذلك ما لم تتزوج . وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على زوجها أبي العاص بنكاحها الاول بعد سنتين ولم يحدث شيئا ( 1 ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال : حديث حسن ليس بإسناده بأس وصححه الحاكم وهومن رواية ابن عباس . قال ابن القيم : " ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرق بين من أسلم وبين امرأته إذا لم تسلم معه ، بل متى أسلم الآخر . فالنكاح بحاله ما لم تتزوج . هذه هي سنته المعلومة ، قال الشافعي : أسلم أبو سفيان بن حرب بمر الظهران ، وهي وادي خزاعة ، وبخزاعة مسلمون قبل الفتح في دار الاسلام ، ورجع إلى مكة وهند بنت عتبة مقيمة على غير الاسلام ، فأخذت بلحيته وقالت : اقتلوا الشيخ الضال ، ثم أسلمت هند بعد إسلام أبي سفيان بأيام كثيرة ، وقد كانت كافرة مقيمة بدار ليست بدار إسلام ، وأبو سفيان ( هامش ) ( 1 ) في بعض الروايات : لم يحدث صداقا وفي بعضها : لم يحدث نكاحا أي عقدا جديدا .

بها مسلم وهند كافرة ، ثم أسلمت بعد انقضاء العدة واستقرا على النكاح الا أن عدتها لم تنقض حتى أسلمت . وكان كذلك حكيم بن حزام وإسلامه ، وأسلمت امرأة صفوان بن أمية ، وامرأة عكرمة بن أبي جهل بمكة ، وصارت دارها دار الاسلام ، وظهر حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة وهرب عكرمة إلى اليمن ، وهي دار حرب وصفوان يريد اليمن ، وهي دار حرب ، ثم رجع صفوان ألى مكة ، ومي دار الاسلام ، وشهد حنينا ، وهو كافر ، ثم أسلم فاستقرت عنده امرأته بالنكاح الاول ، وذلك أنه لم تنقض عدتها . وقد حفظ أهل العلم بالمغازي ، ان امرأة من الانصار كانت عند زوجها بمكة فأسلمت وهاجرت إلى المدينة ، فقدم زوجها وهي في العدة فاستقر على النكاح . انتهى . قال صاحب الروضة الندبة بعد ما نقل هذا الكلام : أقول : إن إسلام المرأة مع بقاء زوجها في الكفر ليس بمنزلة الطلاق . إذ لو كان كذلك لم يكن له عليها سبيل بعد انقضاء عدتها إلا برضاها مع تجديد العقد ، فالحاصل أن المرأة المسلمة إن حاضت ؟ الاسلام ، ثم طهرت ، كان لها أن تتزوج بمن شاءت ، فإذا تزوجت لم يبق للاول عليها سبيل إذا أسلم . وإن لم تتزوج كانت تحت عقد زوجها الاول ، ولا يعتبر تجديد عقد ولا تراض . هذا ما تقتضيه الادلة وإن خالف أقوال الناس ، وهكذا الحكم في ارتداد أحد الزوجين ، فإنه إذا عاد المرتد إلى الاسلام كان حكمه حكم إسلام من كان باقيا على الكفر .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:42 am

الطلاق



( 1 ) تعريفه : الطلاق : مأخوذ من الاطلاق ، وهو الارسال والترك . تقول : أطلقت الاسير ، إذا حللت قيده وأرسلته . وفي الشرع : حل رابطة الزواج ، وإنهاء العلاقة الزوجية .

( 2 ) كراهته : إن استقرار الحياة الزوجية غاية من الغايات التي يحرص عليها الاسلام . وعقد الزواج إنما يعقد للدوام والتأبيد إلى أن تنتهي الحياة ، ليتسنى للزوجين أن يجعلا من البيت مهدا يأويان إليه ، وينعمان في ظلاله الوارفة ، وليتمكنا من تنشئة أولادهما تنشئة صالحة . ومن أجل هذا كانت الصلة بين الزوجين من أقدس الصلات وأوثقها . وليس أدل على قدسيتها من أن الله سبحانه سمى العهد بين الزوج وزوجته بالميثاق الغليظ ، فقال : " وأخذن منكم ميثاقا غليظا ( 1 ) " . وإذا كانت العلاقة بين الزوجين هكذا موثقة مؤكدة ، فإنه لا ينبغي الاخلال بها ، ولاالتهوين من شأنها . وكل أمر من شأنه أن يوهن من هذه الصلة ، ويضعف من شأنها ، فهو بغيض إلى الاسلام ، لفوات المنافع وذهاب مصالح كل من الزوجين . فعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أبغض الحلال إلى الله - عزوجل - الطلاق ( 2 ) . " وأي إنسان أراد أن يفسد ما بين الزوجين من علاقة فهو في نظر الاسلام خارج عنه ، وليس له شرف الانتساب إليه .

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " ليس منا من خبب ( 1 ) امرأة على زوجها ( 2 ) " . وقد يحدث أن بعض النسوة يحاول أن يستأثر بالزوج ويحل محل زوجته ، والاسلام ينهى عن ذلك أشد النهي . فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ( 3 ) ولتنكح ، فإنما لها ما قدر لها " . والزوجة التي تطلب الطلاق من غر سبب ولا مقتض ، حرام عليها رائحة الجنة . فعن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أيما امرأة سألت زوجها طلاقا من غير بأس ، فحرام عليها رائحة الجنة ( 4 ) " .

( 3 ) حكمه : اختلفت آراء الفقهاء في حكم ( 5 ) الطلاق ، والاصح من هذه الآراء ، رأي الذين ذهبوا إلى حظره إلا لحاجة ، وهم الاحناف والحنابلة . واستدلوا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " لعن الله كل ذواق ، مطلاق " . ولان في الطلاق كفرا لنعمة الله ، فإن الزواج نعمة من نعمه ، وكفران النعمة حرام . فلا يحل إلا لضرورة . ومن هذه الضرورة التي تبيحه أن يرتاب الرجل في سلوك زوجته . أو أن يستقر في قلبه عدم اشتهائها ، فإن الله مقلب القلوب ، فإن لم تكن هناك حاجة تدعو إلى الطلاق يكون حينئذ محض كفران نعمة الله ، وسوء أدب من الزوج ، فيكون مكروها محظورا . وللحنابلة تفصيل حسن ، نجمله فيما يلي :

( 1 ) خبب : أفسد . ( 2 ) رواه أبو داود والنسائي . ( 3 ) أي لتخلي عصمة أختها من الزواج ولتحظى بزوجها . ولها أن تتزوج زوجا آخر . ( 4 ) رواه أصحاب السنن وحسنه الترمذي . ( 5 ) أي الوصف الشرعي له

فعندهم قد يكون الطلاق واجبا ، وقد يكون محرما ، وقد يكون مباحا ، وقد يكون مندوبا إليه . فأما الطلاق الواجب : فهو طلاق الحكمين في الشقاق بين الزوجين ، إذا رأيا أن الطلاق هو الوسيلة لقطع الشقاق . وكذلك طلاق المولي بعد التربص ، مدة أربعة أشهر لقول الله تعالى : " للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم . وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ( 1 ) " .

وأما الطلاق المحرم : فهو الطلاق من غير حاجة إليه ، وإنما كان حراما ، لانه ضرر بنفس الزوج ، وضرر بزوجته ، وإعدام للمصلحة الحاصلة لهما من غير حاجة إليه . فكان حراما ، مثل إتلاف المال ، ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " لا ضرر ولا ضرار " . وفي رواية أخرى أن هذا النوع من الطلاق مكروه لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " أبغض الحلال إلى الله الطلاق " . وفي لفظ : " ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق " ( 2 ) وإنما يكون مبغوضا من غير حاجة إليه - وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم حلالا - ولانه مزيل للنكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها ، فيكون مكروها . وأما الطلاق المباح : فإنما يكون عند الحاجة إليه ، لسوء خلق المرأة ، وسوء عشرتها ، والتضرر بها ، من غير حصول الغرض منها . وأم المندوب إليه : فهو الطلاق يكون عند تفريط المرأة في حقوق الله الواجبة عليها ، مثل الصلاة ونحوها ، ولا يمكنه إجبارها عليها ، أو تكون غير عفيفة . قال الامام أحمد رضي الله عنه لا ينبغي له إمساكها ، وذلك لان فيه نقصأ لدينه ، ولا يأمن إفساد ه‍ لفراشه ، وإلحاقها به ولدا ليس هو منه ، ولا بأس بالتضييق عليها في هذه الحال ، لتفتدي منه ، قال الله تعالى : " ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ( 1 ) " . قال ابن قدامه : ويحتمل أن الطلاق في هذين الموضعين واجب . قال : ومن المندوب إليه ، الطلاق في حال الشقاق . وفي الحال التي تخرج المرأة إلى المخالعة لتزيل عنها الضرر . قال ابن سينا في كتاب الشفاء : " ينبغي أن يكون إلى الفرقة سبيل ما ، وألا يسد ذلك من كل وجه ، لان حسم أسباب التوصل إلى الفرقة بالكلية يقتضي وجوها من الضرر والخلل . منها : أن من الطبائع ما لا يألف بعض الطبائع ، فكلما اجتهد في الجمع بينهما زاد الشر ، والنبو ( أي الخلاف ) وتنغصت المعايش . ومنها : أن من الناس من يمنى ( أي يصاب ) بزوج غير كف ء . ولا حسن المذاهب في العشرة ، أو بغيض تعافه الطبيعة ، فيصير ذلك داعية إلى الرغبة في غيره ، إذ الشهوة طبيعة ، ربما أدى ذلك إلى وجوه من الفساد ، وربما كان المتزاوجان لا يتعاونان على النسل ، فإذا بدلا بزوجين آخرين تعاونا فيه ، فيجب أن يكون إلى المفارقة سبيل ، ولكنه يجب أن يكون مشددا فيه " .

الطلاق عند اليهود ( 2 ) : الذي دون في الشريعة عند اليهود وجرى عليه العمل أن الطلاق يباح بغير عذر ، كرغبة الرجل بالتزوج بأجمل من امرأته ، ولكنه لا يحسن بدون عذر ، والاعذار عندهم قسمان : ( الاول ) عيوب الخلقة ، ومنها : العمش ، والحول ، والبخر ، والحدب ، والعرج ، والعقم . ( الثاني ) وعيوب الاخلاق . ! وذكروا منها : الوقاحة ، والثرثرة ، والوساخة ، والشكاسة ، والعناد ، والاسراف ، والنهمة ، والبطنة ، والتأنق في المطاعم ، والفخفخة ، والزنا أقوى الاعذار عندهم ، فيكفي فيه الاشاعة ، وإن لم تثبت ، إلا أن المسيح عليه السلام لم يقر منها إلا علة الزنا ،

( هامش ) ( 1 ) النساء الآية 19 : أي لا تمسكوهن لتضيقوا عليهن . ( 2 ) من كتاب " نداء للجنس اللطيف " . وأما المرأة فليس لها أن تطلب الطلاق مهما تكن عيوب زوجها ، ولو ثبت عليه الزنا ثبوتا .

الطلاق في المذاهب المسيحية : ترجع جميع المذاهب المسيحية التي تعنقها أمم الغرب المسيحي إلى ثلاثة مذاهب : 1 - المذهب الكاثوليكي . 2 - " الارثوذكسي . 3 - " البروتوستنتي . فالمذهب الكاثوليكي ، يحرم الطلاق تحريما باتا ، ولا يبيح فصم الزواج لاي سبب مهما عظم شأنه ، وحتى الخيانة الزوجية نفسها لاتعد في نظره مبررا للطلاق ، وكل ما يبيحه في حالة الخيانة الزوجية ، هو التفرقة الجسمية ، بين شخصي الزوجين ، مع اعتبار الزوجية قائمة بينهما من الناحية الشرعية ، فلا يجوز لواحد منهما في أثناء هذه الفرقة أن يعقد زواجه على شخص آخر ، لان ذلك يعتبر تعددا للزوجات ، والديانة المسيحية لا تبيح التعدد بحال . وتعتمد الكاثوليكية في مذهبها هذا على ما جاء في إنجيل مرقص على لسان المسيح ، إذ يقول : . . . " 8 ويكون الاثنان جسدا واحدا ، إذن ليسا بعد اثنين ، بل جسد واحد ، 9 فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان ( 1 ) " . والمذهبان المسيحيان الآخران ، الارثوذكسي ، والبروتوستنتي ، يبيحان الطلاق في بعض حالات محدودة ، من أهمها الخيانة الزوجية ، ولكنهما يحرمان على الرجل والمرأة كليهما أن يتزوجا بعد ذلك ، وتعتمد المذاهب المسيحية التي تبيح الطلاق في حالة الخيانة الزوجية على ما ورد في إنجيل متى ، على لسان المسيح ، إذ يقول : " من طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني ( 2 ) " .

/ وتعتمد المذاهب المسيحية في تحريمها الزواج على المطلق والمطلقة على ما ورد في إنجيل مرقص إذ يقول : ( من طلق امرأته ، وتزوج بأخرى يزني عليها ، وإن طلقت امرأة زوجها ، وتزوجت بآخر تزني ) .

الطلاق في الجاهلية : قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها : " كان الرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها ، وهي امرأته إذا راجعها وهي في العدة ، وإن طلقها مائة مرة ، أو أكثر ، حتى قال رجل لامرأته : والله لا أطلقك فتبيني مني ، ولا آويك أبدا ، قالت : وكيف ذلك ؟ قال : أطلقك ، فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك ، فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة ، فأخبرتها ، فسكتت حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل القرآن : " الطلاق مرتان . فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ( 1 ) " . قالت عائشة : فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا ، من كان طلق ، ومن لم يكن طلق " . رواه الترمذي . الطلاق من حق الرجل وحده جعل الاسلام الطلاق من حق الرجل وحده ( 2 ) ، لانه أحرص على بقاء الزوجية التي أنفق في سبيلها من المال ، ما يحتاج إلى انفاق مثله ، أو أكثر منه ، إذا طلق وأراد عقد زواج آخر . وعليه أن يعطي المطلقة مؤخر المهر ، ومتعة الطلاق ، وأن ينفق عليها في مدة العدة . ولانه بذلك ، وبمقتضى عقله ومزاجه يكون أصبر على ما يكره من المرأة ، فلا يسارع إلى الطلاق لكل غضبة يغضبها ، أو سيئة منها يشق عليه احتمالها ، والمرأة أسرع منه غضبا ، وأقل احتمالا ، وليس عليها من تبعات الطلاق ونفقاته مثل ما عليه ، فهي أجدر بالمبادرة إلى حل عقدة الزوجية ، لادنى الاسباب ، أو لما لا يعد سببا صحيحا إن أعطي لها هذا الحق . والدليل على صحة هذا التعليل الاخير ، أن الافرنج لما جعلوا طلب الطلاق حقا للرجال والنساء على السواء ، كثر الطلاق عندهم ، فصار أضعاف ما عند المسلمين .

من يقع منه الطلاق . اتفق العلماء على أن الزوج ، العاقل ، البالغ ، المختار هو الذي يجوز له أن يطلق ، وأن طلاقه يقع . فإذا كان مجنونا ، أو صبيا أو مكرها ، فإن طلاقه يعتبر لغوا لو صدر منه ، لان الطلاق تصرف من التصرفات التي لها آثارها ونتائجها في حياة الزوجين ، ولابد من أن يكون المطلق كامل الاهلية ، حتى تصح تصرفاته . وإنما تكمل الاهلية بالعقل والبلوغ ، والاختيار ، وفي هذا يروي أصحاب السنن ، عن علي كرم الله وجهه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم ( 1 ) ، وعن المجنون حتى يعقل " . وعن أبي هريرة عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : " كل طلاق جائز ، إلا طلاق المغلوب على عقله " . رواه الترمذي والبخاري موقوفا . وقال ابن عباس رضي الله عنه - فيمن يكرهه اللصوص فيطلق - فليس بشئ ، رواه البخاري . وللعلماء آراء مختلفة في المسائل الآتية نجملها فيما يلي : 1 - طلاق المكره . 2 - طلاق السكران . 3 - طلاق الهازل . 4 - طلاق الغضبان . 5 - طلاق الغافل والساهي . 6 - طلاق المدهوش .

( 1 ) طلاق المكره : المكره لا إرادة له ولا اختيار ، والارادة والاختيار هي أساس التكليف ، فإذا انتفيا ، انتفى التكليف ، واعتبر المكره غير مسؤول عن تصرفاته ، لانه مسلوب الارادة ، وهوفي الواقع ينفذ إرادة المكره . فمن أكره على النطق بكلمة الكفر ، لا يكفر بذلك لقول الله تعالى : " إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ( 1 ) " . ومن أكره على الاسلام لا يصبح مسلما ، ومن أكره على الطلاق لا يقع طلاقه . روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " . أخرجه ابن ماجه ، وابن حبان ، والدارقطني ، والطبراني ، والحاكم ، وحسنه النووي . وإلى هذا ذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وداود من فقهاء الامصار ، وبه قال عمربن الخطاب ، وابنه عبد الله ، وعلي بن أبي طالب ، وابن عباس . وقال أبو حنيفة وأصحابه : طلاق المكره واقع ، ولا حجة لهم فيما ذهبوا إليه ، فضلا عن مخالفتهم لجمهور الصحابة .

( 2 ) طلاق السكران : ذهب جمهور الفقهاء إلى أن طلاق السكران يقع ، لانه المتسبب بإدخال الفساد على عقله بإرادته . وقال قوم : لا يقع وإنه لغو لا عبرة به ، لانه هو والمجنون سواء ، إذ أن كلامنهما فاقد العقل الذي هو مناط التكليف ، ولان الله سبحانه يقول : " يأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ( 2 ) " . فجعل سبحانه قول السكران غيرمعتدبه ، لانه لا يعلم ما يقول . وثبت عن عثمان أنه كان لا يرى طلاق السكران وذهب بعض أهل العلم أنه لا يخالف عثمان في ذلك احد من الصحابة . وهو مذهب يحيى بن سعيد الانصاري ، وحميد بن عبد الرحمن وربيعة ، والليث بن سعد ، وعبد الله بن الحسين ، وإسحاق بن راهويه ، وأبي ثور ، والشافعي في أحد فوليه واختاره المزني من الشافعية وهو إحدى الروايات عن أحمد ، وهي التي استقر عليها مذهبه ، وهو مذهب أهل الظاهر كلهم ، واختاره من الحنفية أبو جعفر الطحاوي وأبو الحسن الكرخي . قال الشوكاني : إن السكران الذي لا يعقل لاحكم لطلاقه لعدم المناط الذي تدور عليه الاحكام ، وقد عين الشارع عقوبته فليس لنا أن نجاوزها برأينا ، ونقول يقع طلاقه عقوبة له ، فيجمع له بين غرمين . وقد جرى العمل أخيرا في المحاكم بهذا المذهب ، فقد جاء في المرسوم بقانون برقم 25 / لسنة 1929 في المادة الاولى منه : ( لا يقع طلاق السكران والمكره ) .

( 3 ) طلاق الغضبان : والغضبان الذي لا يتصور ما يقول ، ولا يدري ما يصدر عنه ، لا يقع طلاقه لانه مسلوب الارادة . روى أحمد وأبو داود ، وابن ماجه ، والحاكم وصححه ، عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا طلاق ولا عتاق في إغلاق " . وفسر الاغلاق بالغضب ، وفسر بالاكراه ، وفسربالجنون . وقال ابن تيمية كما في زاد المعاد : حقيقة الاغلاق أن يغلق على الرجل قلبه فلا يقصد الكلام أو لا يعلم به كأنه انغلق عليه قصده وإرادته . قال : ويدخل في ذلك طلاق المكره ، والمجنون ، ومن زال عقله بسكر أو غضب ، وكل ما لاقصد له ، ولا معرفة له بما قال
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:43 am

والغضب على ثلاثة أقسام : 1 - ما يزيل العقل فلا يشعر صاحبه بما قال ، وهذا لا يقع طلاقه بلا نزاع . 2 - ما يكون في مبادئه بحيث لايمنع صاحبه من تصور ما يقول وقصده ، فهذا يقع طلاقه . 3 - أن يستحكم ويشتد به فلا يزيل عقله بالكلية ، ولكنه يحول بينه وبين نيته بحيث يندم على ما فرط منه إذا زاد ، فهذا محل نظر . وعدم الوقوع في هذه الحالة قوي متجه .

( 4 ) طلاق الهازل ( 1 ) والمخطئ : يرى جمهور الفقهاء أن طلاق الهازل يقع ، كما أن نكاحه يصح ، لما رواه أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه ، والترمذي وحسنه ، والحاكم وصححه ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاث جدهن جد ، وهزلهن جد : النكاح والطلاق والرجعة " . وهذا الحديث وإن كان في إسناده عبد الله بن حبيب ، وهو مختلف فيه ، فإنه قد تقوى بأحاديث أخرى . وذهب بعض أهل العلم إلى عدم وقوع طلاق الهازل . منهم : الباقر ، والصادق ، والناصر . وهو قول في مذهب أحمد ومالك ، إذ أن هؤلاء يشترطون لوقوع الطلاق الرضا بالنطق اللساني ، والعلم بمعناه ، وإرادة مقتضاه ، فإذا انتفت النية والقصد ، اعتبر اليمين لغوا ، لقول الله تعالى : " وإن عزموا الطلاق ، فإن الله سميع عليم ( 2 ) " . وإنما العزم ما عزم العازم على فعله ، ويقتضي ذلك إرادة جازمة بفعل المعزوم عليه ، أو تركه ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " إنما الاعمال بالنيات " . والطلاق عمل مفتقر إلى النية ، والهازل لا عزم له ولانية . وروى البخاري عن ابن عباس : " " إنما الطلاق عن وطر ( 3 ) " . أما طلاق المخطئ ، وهو من أراد التكلم بغير الطلاق فسبق لسانه إليه .

( هامش ) ( 1 ) الهازل : هو الذي يتكلم من غير قصد للحقيقة ، بل على وجه اللعب ونقيضه الجاد ، مأخوذ من الجسد . ( 2 ) سورة البقرة آية : 27 . ( 3 ) قال الحافظ : أي أنه لا ينبغي للرجل أن يطلق امرأته إلا عند الحاجة كالنشوز . وقال ابن القيم : أي عن غرض من المطلق في وقوعه - رسالة الطلاق : ص 57 .

فقد رأى فقهاء الاحناف : أنه يعامل به قضاء ، وأما ديانة فيما بينه وبين ربه فلا يقع عليه طلاقه وزوجته حلال له .

( 5 ) طلاق الغافل والساهي : ومثل المخطئ ، والهازل ، الغافل ، والساهي ، والفرق بين المخطئ والهازل ، أن طلاق الهازل يقع قضاء وديانة ، عند من يرى ذلك ، وطلاق المخطئ يقع قضاء فقط ، وذلك أن الطلاق ليس محلا للهزل ولا للعب .

( 6 ) طلاق المدهوش : المدهوش الذي لا يدري ما يقول ، بسبب صدمة أصابته فأذهبت عقله وأطاحت بنفكيره ، لا يقع طلاقه ، كما لا يقع طلاق المجنون ، والمعتوه ، والمغمى عليه ، ومن اختل عقله لكبر أو مرض ، أو مصيبة فاجأته .

من يقع عليها الطلاق لا يقع الطلاق على المرأة إلا إذا كان محلا له ، وإنما تكون محلا له في الصور الآتية : 1 - إذا كانت الزوجية قائمة بينها وبين زوجها حقيقة . 2 - إذا كانت معتدة من طلاق رجعي ، أو معتدة من طلاق بائن بينونة صغرى ، لان الزوجية فيها تين الحالتين تعتبر قائمة حكما حتى تنتهي العدة . 3 - إذا كانت المرأة في العدة الحاصلة بالفرقة التي تعتبر طلاقا . كأن تكون الفرقة بسبب إباء الزوج الاسلام إذا أسلمت زوجته . أو كانت بسبب الايلاء فإن الفرقة في هاتين الصورتين تعتبر طلاقا عند الاحناف . 4 - إذا كانت المرأة معتدة من فرقة اعتبرت فسخا لم ينقض العقد من أساسه ولم يزل الحل . كالفرقة بردة الزوجة ، لان الفسخ في هذه الحالة إنما لطارئ طرأ يمنع بقاء العقد بعد أن وقع صحيحا .

من لا يقع عليها الطلاق قلنا : إن الطلاق لا يقع على المرأة إلا إذا كانت محلا له . فإذا لم تكن محلا له فلا يقع عليها الطلاق . فالمعتدة من فسخ الزواج بسبب عدم الكفاءة أو لنقص المهر عن مهر المثل ، أو لخيار البلوغ ، أو لظهور فساد العقد بسبب فقد شرط من شروط صحته ، لا يقع عليها الطلاق ، لان العقد في هذه الحالات قد نقض من أصله ، فلم يبق له وجود في العدة . فلو قال الرجل لامرأته : أنت طالق وهي في هذه الحالة - فقوله لغو لا يترتب عليه أي أثر . وكذلك لا يقع الطلاق على المطلقة قبل الدخول وقبل الخلوة بها خلوة صحيحة ، لان العلاقة الزوجية بينهما قد انتهت ، وأصبحت أجنبية بمجرد صدور الطلاق ، فلا تكون محلا للطلاق بعد ذلك . لانها ليست زوجته ولا معتدته . فلو قال لزوجته غير المدخول بها حقيقة أو حكما : أنت طالق . . . أنت طالق . . . أنت طالق ، وقعت بالاولى فقط طلقة بائنة ، لان الزوجية فائمة . أما الثانية ، والثالثة ، فهما لغو لا يقع بهما شئ ، لانهما صادفتاها وهي ليست زوجته ولامعتدته ، حيث لا عدة لغير المدخول بها ( 1 ) " . وكذلك لا يقع الطلاق على أجنبية لم تربطها بالمطلق زوجية سابقة . فلو قال لامرأة لم يسبق له الزواج بها : " أنت طالق يكون كلامه لغوا لاأثر له ، وكذلك الحكم فيمن طلقت وانتهت عدتها ، لانها بانتهاء العدة تصبح أجنبية عنه . ومثل ذلك المعتدة من طلاق ثلاث ، لانها بعد الطلاق الثلاث تكون قد بانت منه بينونة كبرى ، فلا يكون للطلاق معنى

( هامش ) ( 1 ) وهذا مذهب أبي حنيفة ، والشافعي : وقال مالك . . . إذا قال لغير المدخول بها : أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق ، ثلاثا . فهي نسق . " أي متابعة وراء بعضها " قال يكون ثلاثة تشبيها لتكرار اللفظ بالعد كأنه قال . . . " أنت طالق ثلاثا " وقال في بداية المجتهد ، فمن شبه تكرار اللفظ بلفظه بالعدد أعني بقوله " طلقتك ثلاثا " قال : " يقع الطلاق ثلاثا " ومن رأى أنه باللفظة الواحدة قد بانت منه . قال " لا يقع " وهذا بخلاف المدخول بها .

الطلاق قبل الزواج لا يقع الطلاق إذا علقه على التزوج بأجنبية ، كأن يقول : " إن تزوجت فلانة فهي طالق ، لما رواه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لانذر لابن آدم فيما لا يملك ، ولا عتق له فيما لا يملك ، ولاطلاق له فيما لا يملك " . قال الترمذي : حديث حسن ، وهو أحسن شئ روي في هذا الباب ، وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم . وروي ذلك عن علي بن أبي طالب ، كرم الله وجهه ، وابن عباس ، وجابر بن يزيد ، وغير واحد من فقهاء التابعين ، وبه يقول الشافعي . وقال أبو حنيفة ، في الطلاق المعلق : إنه يقع إذا حصل الشرط ، سواء عمم المطلق جميع النساء ، أم خصص . وقال مالك و أصحابه : إن عمم جميع النساء لم يلزمه ، وإن خصص لزمه . ومثال التعميم أن يقول : إن تزوجت أي أمرأة فهي طالق . ومثال التخصيص : أن يقول : إن تزوجت فلانة - وذكر امرأة بعينها - فهي طالق

ما يقع به الطلاق يقع الطلاق بكل ما يدل على إنهاء العلاقة الزوجية ، سواء أكان ذلك باللفظ ، أم بالكتابة إلى الزوجة ، أم بالاشارة من الاخرس ، أو بإرسال رسول .

الطلاق باللفظ : واللفظ قد يكون صريحا ، وقد يكون كناية ، فالصريح : هو الذي يفهم من معنى الكلام عند التلفظ به ، مثل : أنت طالق ومطلقة ، وكل ما اشتق من لفظ الطلاق . وقال الشافعي رضي الله عنه : ألفاظ الطلاق الصريحة ثلاثة : الطلاق ، والفراق ، والسراح ، وهي المذكورة في القرآن الكريم . وقال بعض أهل الظاهر : لا يقع الطلاق إلا بهذه الثلاث ، لان الشرع إنما ورد بهذه الالفاظ الثلاثة ، وهي عبادة ، ومن شروطها اللفظ فوجب الاقتصار على اللفظ الشرعي الوارد فيها ( 1 ) .

والكناية : ما يحتمل الطلاق وغيره ، مثل : أنت بائن ، فهو يحتمل البينونة ( 2 ) عن الزواج ، كما يحتمل البينونة عن الشر . ومثل : أمرك بيدك ، فإنها تحتمل تمليكها عصمتها . كما تحتمل تمليكها حرية التصرف . ومثل : أنت علي حرام ، فهي تحتمل حرمة المتعة بها ، وتحتمل حرمة إيذائها .

والصريح : يقع به الطلاق من غير احتياج إلى نية تبين المراد منه ، لظهور دلالته ووضوح معناه . ويشترط في وقوع الطلاق الصريح : أن يكون لفظه مضافا إلى الزوجة ، كأن يقول : زوجتي طالق ، أو أنت طالق . أما الكناية فلا يقع بها الطلاق إلا بالنية ، فلو قال الناطق بلفظ الصريح : لم أرد الطلاق ولم أقصده ، وإنما أردت معنى آخر ، لا يصدق قضاء ، ويقع طلاقه . ولو قال الناطق بالكناية : لم أنو الطلاق ، بل نويت معنى آخر ، يصدق قضاء ، ولا يقع طلاقه ، لاحتمال اللفظ معنى الطلاق وغيره ، والذي يعين المراد هو النية ، والقصد ، وهذا مذهب مالك ، والشافعي ، لحديث عائشة رضيا لله عنها ، عند البخاري وغيره . " أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودنا منها ، قالت : أعوذ بالله منك ، فقال لها : " عذت بعظيم ، الحقي بأهلك " وفي الصحيحين وغيرهما في حديث تخلف كعب بن مالك لما قيل له : " رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يأمرك أن تعتزل امرأتك ، فقال : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ ! قال : بل اعتزلها . فلا تقربنها ، فقال لامرأته : الحقي بأهلك " .

( هامش ) ( 1 ) بداية المجتهد ج‍ 2 ص 70 . ( 2 ) إذ أن البينونة معناها البعد والمفارقة .

فأفاد الحديثان ، أن هذه اللفظة تكون طلاقا مع القصد ، ولا تكون طلاقا مع عدمه . وقد جرى عليه العمل الآن ، حيث جاء في القانون رقم 25 لسنة 1929 في المادة الرابعة منه : "
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:43 am

كنايات الطلاق : وهي ما تحتمل الطلاق أو غيره لا يقع بها الطلاق إلا بالنية " . أما مذهب الاحناف : فإنه يرى أن كنايات الطلاق يقع بها الطلاق بالنية ، وأنه يقع بها أيضا الطلاق بدلالة الحال . ولم يأخذ القانون ، بمذهب الاحناف في الاكتفاء بدلالة الحال ، بل اشترط أن ينوي المطلق بالكناية الطلاق . هل تحريم المرأة يقع طلاقا ؟ إذا حرم الرجل امرأته ، فإما أن يريد بالتحريم تحريم العين ، أو يريد الطلاق بلفظ التحريم غير قاصد لمعنى اللفظ ، بل قصد التسريح : ففي الحالة الاولى ، لا يقع الطلاق ، لما أخرجه الترمذي عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : ( آلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من نسائه ، فجعل الحرام ( 1 ) حلالا . وجعل في اليمين كفارة ) . وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قال : ( إذا حرم الرجل امرأته ، فهي يمين يكفرها . ثم قال : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) . وأخرج النسائي عنه : " أنه أتاه رجل فقال : إني جعلت امرأتي علي حراما فقال : كذبت ، ليست عليك حرام ، ثم تلا هذه الآية : " يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك . تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور

( هامش ) ( 1 ) جعل الشئ الذي حرمه حلالا بعد تحريمه .

رحيم . قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ( 1 ) " . عليك أغلظ الكفارة : عتق رقبة " . وفي الحالة الثانية : يقع الطلاق ، لان لفظ التحريم كناية كسائر الكنايات . الحلف بأيمان المسلمين من حلف بأيمان المسلمين ثم حنث ، فإنه يلزمه كفارة يمين عند الشافعية ، ولا يلزمه طلاق ولاغيره . ولم يرد عن مالك فيه شئ وإنما الخلاف فيه للمتأخرين من المالكيه فقيل : يلزمه الاستغفار فقط ، والمشهور المفتى به عندهم : أنه يلزمه كل ما اعتيد الحلف به من المسلمين . وقد جرى العرف في مصر أن يكون الحلف المعتاد بالله وبالطلاق ، وعليه فيلزم من حلف بأيمان المسلمين ثم حنث كفارة يمين وبت من يملك عصمتها ولا يلزمه مشي إلى مكة ولا صيام ، كما كان في العصور الاولى ، لعدم من يحلف بذلك الآن ، وقال الابهري : يلزمه الاستغفار فقط ، وقيل : يلزمه كفارة يمين كما يرى الشافعية . وهذا الخلاف عند المالكية إذا لم ينو طلاقا ، فإن نوى طلاقا وحنث لزمه اليمين عندهم . ونحن نرى ترجيح رأي الابهري وأن من حلف بذلك لا يلزمه إلا أن يستغفر له

الطلاق بالكتابة . والكتابة يقع بها الطلاق ، ولو كان الكاتب قادرا على النطق ، فكما أن للزوج أن يطلق زوجته باللفظ ، فله أن يكتب إليها الطلاق . واشترط الفقهاء : أن تكون الكتابة مستبينة مرسومة . ومعنى كونها مستبينة : أي بينة واضحة بحيث تقرأ في صحيفة ونحوها . ومعنى كونها مرسومة : أي مكتوبة بعنوان الزوجة بأن يكتب إليها : يا فلانة ، أنت طالق ، فإذا لم يوجه الكتابة إليها بأن كتب على ورقة : أنت

( هامش ) ( 1 ) هذه الآية مصرحة بأن التحريم يمين .

طالق ، أو زوجتي طالق ، فلا يقع الطلاق إلا بالنية ، لاحتمال أنه كتب هذه العبارة من غير أن يقصد إلى الطلاق . وإنما كتبها لتحسين خطه مثلا .

اشارة الاخرس الاشارة بالنسبة للاخرس أداة تفهيم ، ولذا تقوم مقام اللفظ في إيقاع الطلاق إذا أشار إشارة تدل على قصده في إنهاء العلاقة الزوجية . واشترط بعض الفقهاء ألا يكون عارفا الكتابة ولاقادرا عليها . فإذا كان عارفا بالكتابة وقادرا عليها ، فلا تكفي الاشارة ، لان الكتابة أدل على المقصود ، فلا يعدل عنها إلى الاشارة إلا لضرورة العجز عنها .

ارسال رسول ويصح الطلاق بإرسال رسول ليبلغ الزوجة الغائبة بأنها مطلقة ، والرسول يقوم في هذه الحالة مقام المطلق ويمضي طلاقه . الاشهاد على الطلاق ذهب جمهور الفقهاء من السلف والخلف إلى أن الطلاق يقع بدون إشهاد ، لان الطلاق من حقوق الرجل ( 1 ) ، ولايحتاج إلى بينة كي يباشر ، حقه ، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولاعن الصحابة ، ما يدل على مشروعية الاشهاد .

( هامش ) ( 1 ) الطلاق حق من حقوق الزوج ، وقد جعله الله بيده ولم يجعل الله لغيره حقا فيه . قال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن " . وقال : " إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف " . قال ابن القيم : فجعل الطلاق لمن نكح لان له الامساك وهو الرجعة . وعن ابن عباس قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله : سيدي زوجني أمته ، وهو يريد أن يفرق بيي وبينها ، قال : فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فقال : يا أيها الناس : ما بال أحدكم يزوج عبده أمته ثم يريد أن يفرق بينهما : إنما الطلاق لمن أخذ بالساق " . رواه ابن ماجه . وقد تقدمت حكمة ذلك .

وخالف في ذلك فقهاء الشيعة الامامية فقالوا : إن الاشهاد شرط في صحة الطلاق ، واستدلوا بقول الله سبحانه في سورة الطلاق : " وأشهدوا ذوي عدل منكم ، وأقيموا الشهادة لله " . فذكر الطبرسي : أن الظاهر أنه أمر بالاشهاد على الطلاق ، وأنه مروي عن أئمة أهل البيت رضوان الله عليهم أجمعين ، وأنه للوجوب وشرط في صحة الطلاق ( 1 ) : من ذهب إلى وجوب الاشهاد على الطلاق وعدم وقوعه بدون بينة : وممن ذهب إلى وجوب الاشهاد واشتراطه لصحته من الصحابة : أمير لمؤمنين علي بن أبي طالب ، وعمران بن حصين ، رضي الله عنهما ، ومن التابعين : الامام محمد الباقر ، والامام جعفر الصادق ، وبنوهما أئمة آل البيت رضوان الله عليهم ، وكذلك عطاء ، وابن جريج ، وابن سيرين رحمهم الله " ففي جواهر الكلام " عن علي رضي الله عنه ، أنه قال لمن سأله عن طلاق : " أشهدت رجلين عدلين كما أمر الله عزوجل ؟ قال : لا ، قال اذهب فليس طلاقك بطلاق " . وروى أبو داود في سننه عن عمران بن حصين رضي الله عنه ، أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ، ثم يقع بها ، ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال : " طلقت لغير سنة ، وراجعت لغير سنة ، أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ، ولا تعد " . وقد تقرر في الاصول : أن قول الصحابي ، من السنة كذا ، في حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه ولم على الصحيح ، لان مطلق ذلك إنما ينصرف بظاهرة إلى من يجب اتباع سنته ، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولان مقصود الصحابي بيان الشرع لا اللغة والعادة كما بسط في موضعه . وأخرج الحافظ السيوطي في الدر المنثور في تفسير آية : " فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ، وأشهدوا ذوي عدل منكم " . وعن عبد الرزاق عن ابن سيرين أن رجلا سأل عمران بن حصين ، عن رجل طلق ولم يشهد ، وراجع ولم يشهد . قال : بئس ما صنع ، طلق لبدعة ، وراجع لغير سنة ، فليشهد على طلاقه وعلى مراجعته ، وليستغفر الله . فإنكار ذلك من عمران ، رضي الله عنه ، والتهويل فيه وأمره بالاستغفار لعده إياه معصية ، ما هو إلا لوجوب الاشهاد عنده ، رضي الله عنه كما هو ظاهر . وفي كتاب " الوسائل " عن الامام أبي جعفر الباقر ، عليه رضوان الله ، قال : الطلاق الذي أمر الله عز وجل به في كتابه ، والذي سن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن يخلي الرجل عن المرأة ، إذا حاضت وطهرت من محيضها ، أشهد رجلين عدلين على تطليقه ، وهي طاهر من غير جماع ، وهو أحق برجعتها ما لم تنقض ثلاثة قروء ، وكل طلاق ما خلا هذا فباطل ، ليس بطلاق . وقال جعفر الصادق رضي الله عنه : من طلق بغير شهود فليس بشئ قال السيد المرتضى في كتاب " الانتصار " : حجة الامامية في القول : بأن شهادة عدلين شرط في وقوع الطلاق ، ومتى فقد لم يقع الطلاق . لقوله تعالى : " وأشهدوا ذوي عدل منكم " . فأمر تعالى بالاشهاد ، وظاهر الامر في عرف الشرع يقتضى الوجوب ، وحمل ما ظاهره الوجوب على الاستحباب خروج عن عرف الشرع بلا دليل . وأخرج السيوطي في " الدر المنثور " عن عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء ، قال : النكاح بالشهود ، والطلاق بالشهود ، والمراجعة بالشهود . وروى الامام ابن كثير في تفسيره عن ابن جريج : أن عطاء كان يقول في قوله تعالى : " وأشهدوا ذوي عدل منكم " . قال : لا يجوز في نكاح ولا طلاق ولا إرجاع إلا شاهدا عدل ، كما قال الله عز وجل ، إلا من عذر . فقوله : لا يجوز ، صريح في وجوب الاشهاد على الطلاق عنده ، رضي الله عنه ، لمساواته له بالنكاح ، ومعلوم ما اشترط فيه من البينة . إذا تبين لك ، أن وجوب الاشهاد على الطلاق ، هو مذهب هؤلاء الصحابة والتابعين المذكورين ، تعلم أن دعوى الاجماع على ندبه المأثورة في بعض كتب الفقه ، مراد بها الاجماع المذهبي لا الاجماع الاصولي الذي حده - كما في " المستصفى " - اتفاق أمة محمد ، صلى الله عليه وسلم ، خاصة على أمر من الامور الدينية ، لانتقاضه ، بخلاف من ذكر من الصحابة والتابعين ، ومن بعدهم من المجتهدين . وتبين مما نقلناه قبل عن السيوطي وابن كثير : أن وجوب الاشهاد لم ينفرد به علماء آل البيت عليهم السلام ، كما نقله السيد مرتضى في كتاب " الانتصار " ، بل هو مذهب عطاء وابن سيرين ، وابن جريج ، كما أسلفنا .

التنجيز والتعليق صيغة الطلاق : إما أن تكون منجزة ، وإما أن تكون معلقة ، وإما أن تكون مضافة إلى مستقبل . فالمنجزة : هي الصيغة التي ليست معلقة على شرط ، ولا مضافة إلى زمن مستقبل ، بل قصد بها من أصدرها وقوع الطلاق في الحال ، كأن يقول الزوج لزوجته : أنت طالق . وحكم هذا الطلاق ، أنه يقع في الحال متى صدر من أهله ، وصادف محلا له . وأما المعلق : وهو ما جعل الزوج فيه حصول الطلاق معلقا على شرط ، مثل أن يقول الزوج لزوجته : إن ذهبت إلى مكان كذا ، فأنت طالق . ويشترط في صحة التعليق ،
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:52 am

ووقوع الطالق به ثلاثة شروط : ( الاول ) أن يكون على أمر معدوم ، ويمكن أن يوجد بعد ، فإن كان على أمر موجود فعلا ، حين صدور الصيغة مثل أن يقول : إن طلع النهار فأنت طالق ، والواقع أن النهار قد طلع فعلا - كان ذلك تنجيزا وإن جاء في صورة التعليق . فإن كان تعليقا على أمر مستحيل كان لغوا ، مثل إن دخل الجمل في سم الخياط فأنت طالق . ( الثاني ) أن تكون المرأة حين صدور العقد محلا للطلاق بأن تكون في عصمته . ( الثالث ) أن تكون كذلك حين حصول المعلق عليه .

والتعليق قسمان : ( القسم الاول ) يقصد به ما يقصد من القسم للحمل على الفعل أو الترك أو تأكيد الخبر ، ويسمى التعليق القسمي ، مثل أن يقول لزوجته : إن خرجت فأنت طالق ، مريدا بذلك منعها من الخروج إذا خرجت ، لا إيقاع الطلاق . ( القسم الثاني ) ويكون القصد منه إيقاع الطلاق عند حصول الشرط . ويسمى التعليق الشرطي ، مثل أن يقول لزوجته : ( إن أبرأتني من مؤخر صداقك فأنت طالق ) . وهذا التعليق بنوعيه واقع عند جمهور العلماء . ويرى ابن حزم أنه غير واقع . وفصل ابن تيمية وابن القيم ، فقالا : إن الطلاق المعلق الذي فيه معنى اليمين غير واقع . وتجب فيه كفارة اليمين إذا حصل المحلوف عليه . وهي إطعام عشرة مساكين ، أو كسوتهم ، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام . وقالا في الطلاق الشرطي : إنه واقع عند حصول المعلق عليه . قال ابن تيمية : والالفاظ التي يتكلم بها الناس في الطلاق ثلاثة أنواع : ( الاول ) صيغة التنجيز والارسال ، كقوله : أنت طالق فهذا يقع به الطلاق ، وليس بحلف ، ولا كفارة فيه اتفاقا . ( الثاني ) صيغة تعليق ، كقوله : الطلاق يلزمني لافعلن هذا ، فهذا يمين باتفاق أهل اللغة ، واتفاق طوائف العلماء ، واتفاق العامة . ( الثالث ) صيغة تعليق كقوله : إن فعلت كذا فامرأتي طالق ، فهذا إن قصد به اليمين ، وهو يكره وقوع الطلاق كما يكره الانتقال عن دينه فهو يمين ، حكمه حكم الاول ، الذي هو صيغة القسم باتفاق الفقهاء . وإن كان يريد وقوع الجزاء عند الشرط لم يكن حالفا ، كقوله : إن أعطيتني ألفا فأنت طالق ، وإذا زنيت فأنت طالق ، وقصد إيقاع الطلاق عند وقوع الفاحشة ، لا مجرد الحلف عليها ، فهذا ليس بيمين ، ولا كفارة في هذا عند أحد من الفقهاء فيما علمناه ، بل يقع به الطلاق . إذا وجد الشرط .

وأما ما يقصد به الحض ، أو المنع ، أو التصديق ، أو التكذيب ، بالتزامه عند المخالفة ما يكره وقوعه ، سواء كان بصيغة القسم ، أو الجزاء ، فهو يمين عند جميع الخق من العرب وغيرهم .

وإن كان يمينا فليس لليمين إلا حكمان : إما أن تكون منعقدة فتكفر ، وإما أن لا تكون منعقدة ، كالحلف بالمخلوقات فلا تكفر ، وأما أن تكون يمينا منعقدة محترمة غير مكفرة ، فهذا حكم ليس في كتاب الله ، ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولا يقوم عليه دليل . ما عليه العمل الان : وما جرى عليه العمل الان في الطلاق المعلق هو ما تضمنته المادة الثانية من القانون رقم 25 لسنة 1929 ونصها : ( لا يقع الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شئ أو تركه لا غير ) . وجاء في المذكرة الايضاحية لهذا المادة : " إن المشرع أخذ في إلغاء اليمين بالطلاق برأي بعض علماء الحنفية والمالكية والشافعية ، وإنه أخذ في إلغاء المعلق الذي في معنى اليمين برأي علي بن أبي طالب ، كرم الله وجهه ، وشريح القاضي ، وداود الظاهري وأصحابه " .

وأما الصيغة المضافة إلى مستقبل : فهي ما اقترنت بزمن ، بقصد وقوع الطلاق فيه ، متى جاء ، مثل أن يقول الزوج لزوجته : أنت طالق غدا ، أو إلى رأس السنة ، فإن الطلاق يقع في الغد أو عند رأس السنة إذا كانت المرأة في مكله عند حلول الوقت الذي أضاف الطلاق إليه . وإذا قال لزوجته : أنت طالق إلى سنة . قال أبو حنيفة ومالك : تطلق في الحال . وقال الشافعي ، وأحمد : لا يقع الطلاق حتى تنسلخ السنة . وقال ابن حزم : من قال : إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق . أو ذكر وقتا فلا تكون طالقا بذلك . لا الان . ولا إذا جاء رأس الشهر . برهان ذلك : أنه لم يأت قرآن ولا سنة بوقوع الطارى بذلك ، وقد علمنا الله الطلاق على المدخول بها ، وفي غير المدخول بها ، وليس هذا فيما علمنا . " ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه " . وأيضا ، فإن كان كل طلاق لا يقع حين إيقاعه ، فمن المحال أن يقع بعد ذلك في حين لم يوقعه فيه . الطلاق السني والبدعي ينقسم الطلاق إلى طلاق سي ، وطلاق بدعي .

طلاق السنة : فطلاق السنة : هو الواقع على الوجه الذي ندب إليه الشرع ، وهو أن يطلق الزوج المدخول بها طلقة واحدة ، في طهر لم يمسسها فيه ، لقول الله تعالى : " الطلاق مرتان ، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " أي أن الطلاق المشروع يكون مرة يعقبها رجعة ، ثم مرة ثانية يعقبها رجعة كذلك ، ثم إن المطلق بعد ذلك له الخيار ، بين أن يمسكها بمعروف ، أو يفارقها بإحسان . ويقول الله تعالى : " يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن " . أي إذا أردتم تطليق النساء ، فطلقوهن مستقبلات العدة ، وإنما تستقبل المطلقة العدة إذا طلقها بعد أن تطهر من حيض ، أو نفاس ، وقبل أن يمسها . وحكمة ذلك أن المرأة إذا طلقت وهي حائض لم تكن في هذا الوقت مستقبلة العدة ، فتطول عليها العدة . لان بقية الحيض لا يحسب منها وفيه إضرار بها . وإن طلقت في طهر مسها فيه ، فإنها لا تعرف هل حملت أو لم تحمل ، فلا تدري بم تعتد ، أتعتد بالاقراء أم بوضع الحمل ؟ وعن نافع بن عبد الله بن عمر رضي الله عنه : " أنه طلق امرأته وهي حائض ، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم . " مره فليراجعها ، ثم ليمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر ، ثم إن شاء أمسك بعد ذلك ، وإن شاء طلق قبل أن يمس ، فتلك العدة التي أمر الله سبحانه أن تطلق لها النساء " . وفي رواية : أن ابن عمر رضي الله عنه ، طلق امرأة له ، وهي حائض ، تطليقة ، فذكر ذلك عمر للنبي صلى الله عليه وسلم . فقال : " مره فليراجعها ، ثم ليطلقها إذا طهرت ، أو وهي حامل " . أخرجه النسائي ومسلم وابن ماجه وأبو داود . وظاهر هذه الرواية أن الطلاق في الطهر الذي يعقب الحيضة التي وقع فيها الطلاق يكون طلاق سنة ، لا بدعة . وهذا مذهب أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أحمد ، وأحد الوجهين عن الشافعي ، واستدلوا بظاهر الحديث وبأن المنع إنما كان لاجل الحيض ، فإذا طهرت زال موجب التحريم . فجاز الطلاق في ذلك الطهر كما يجوز في غيره من الاطهار . ولكن الرواية الاولى التي فيها " ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر " متضمنة لزيادة يجب العمل بها قال صاحب الروضة الندية : " وهي أيضا في الصحيحين " . فكانت أرجح من وجهين . وهذا مذهب أحمد في إحدى الروايتين عنه . والشافعي في الوجه الاخر ، وأبي يوسف ومحمد .

الطلاق البدعي : أما الطلاق البدعي ، فهو الطلاق المخالف للمشروع : كأن يطلقها ثلاثا بكلمة واحدة ، أو يطلقها ثلاثا متفرقات في مجلس واحد ، كأن يقول : أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق . أو يطلقها في حيض أو نفاس ، أو في طهر جامعها فيه .

وأجمع العلماء على أن الطلاق البدعي حرام ، وأن فاعله آثم . وذهب جمهور العلماء إلى أنه يقع ، واستدلوا بالادلة الاتية : 1 - أن الطلاق البدعي ، مندرج تحت الايات العامة . 2 - تصريح ابن عمر رضي الله عنه ، لما طلق امرأته وهي حائض ، وأمر الرسول الله صلى الله عليه وسلم بمراجعتها ، بأنها حسبت تلك الطلقة . وذهب بعض العلماء ( 1 ) إلى أن الطلق البدعي لا يقع ( 2 ) . ومنعوا اندراجه تحت العمومات ، لانه ليس من الطلاق الذي أذن الله به ، بل هو من الطلاق الذي أمر الله بخلافه . فقال : " فطلقوهن لعدتهن " . وقال صلى الله عليه وسلم لابن عمر رضي الله عنه : " مره فليراجعها " وصح أنه غضب عندما بلغه ذلك ، وهو لا يغضب مما أحله الله . وأما قول ابن عمر : إنها حسبت ، فلم يبين من الحاسب لها ، بل أخرج عند أحمد وأبو داود والنسائي : " أنه طلق امرأته وهي حائض . فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يرها شيئا . " وإسناد هذه الرواية صحيح ، ولم يأت من تكلم عليها بطائل . وهي مصرحة بأن الذي لم يرها شيئا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم . فلا يعارضها قول ابن عمر رضي الله عنه . لان الحجة في روايته لا في رأيه . وأما الرواية بلفظ " مره فليراجعها " ويعتد بتطليقة . فهذه لو صحت لكانت حجة ظاهرة ولكنها لم تصح كما جزم به ابن القيم في الهدي . وقد روى في ذلك روايات في أسانيدها مجاهيل وكذابون ، لا تثبت الحجة بشئ منها . والحاصل : ان الاتفاق كائن على أن الطلاق المخالف لطلاق السنة يقال له : طلاق بدعة . وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم : " أن كل بدعة ضلالة " .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:53 am

( هامش ) ( 1 ) منهم ابن علية ، من السلف . وابن تيمية وابن حزم وابن القيم . ( 2 ) هذا ملخص ما قاله صاحب الروضة الندبة ج 7 ص 49 .

ولا خلاف أيضا ، أن هذا الطلاق مخالف لما شرعه الله في كتابه ، وبيسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر - وما خالف ما شرعه الله ورسوله ، فهو رد ، لحديث عائشة رضي الله عنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " هو حديث متفق عليه . فمن زعم أن هذه البدعة ، يلزم حكمها ، وأن هذا الامر الذي ليس من أمره صلى الله عليه وسلم ، يقع من فاعله ومقيد به ، لا يقبل منه ذلك إلا بدليل . من ذهب إلى أن طلاق البدعة لا يقع : وذهب إلى هذا : 1 - عبد الله بن معمر . 2 - سعيد بن المسيب . 3 - طاووس : من أصحاب ابن عباس . وبه قال خلاس بن عمرو ، وأبو قلابة من التابعين . وهو اختيار الامام ابن عقيل من أئمة الحنابلة وأئمة آل البيت . والظاهرية وأحد الوجهين في مذهب الامام أحمد ، واختاره ابن تيمية . طلاق الحامل : يجوز طلاق الحامل في أي وقت شاء . لما أخرجه مسلم ، والنسائي ، وأبو داود ، وابن ماجه : أن ابن عمر طلق امرأة له وهي حائض تطليقة ، فذكر ذلك عمر للنبي ، صلى الله عليه وسلم : فقال : " مره فليراجعها ، ثم ليطلقها إذا طهرت ، أو وهي حامل " . وإلى هذا ذهب العلماء . إلا أن الاحناف اختلفوا فيها : فقال أبو حنيفة وأبو يوسف : يجعل بين وقوع التطليقتين شهرا حتى يستوفي الطلقات الثلاث . وقال محمد وزفر : لا يوقع عليها وهي حامل أكثر من تطليقة واحدة ويتركها حتى تضع حملها : ثم يوقع سائر التطليقات ( 1 ) .

طلاق الايسة ، والصغيرة والمنقطعة الحيض : طلاق هؤلاء إنما يكون للسنة إذا كان طلاق واحدا ، ولا يشترط له شرط آخر ، غير ذلك . عدد الطلقات وإذا دخل الزوج بزوجته ملك عليها ثلاث طلقات . واتفق العلماء على انه على الزوج أن يطلقها ثلاثا بلفظ واحد . أو بألفاظ متتابعة في طهر واحد . وعللوا ذلك بأنه إذا أوقع الطلقات الثلاث ، فقد سد باب التلافي والتدارك عند الندم ، وعارض الشارع ، لانه جعل الطلاق متعددا لمعنى التدارك عند الندم ، وفلا عن ذلك ، فإن المطلق ثلاثا قد أضر بالمرأة من حيث أبطل محليتها بطلاقه هذا . وقد روى النسائي من حديث محمود بن لبيد قال : " أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته بثلاث تطليقات جميعا ، فقام غضبان . فقال : أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ، حتى قام رجل فقال : يا رسول الله : أفلا أقتلة " . قال ابن القيم في إغاثة اللهفان : ( فجعله لاعبا بكتاب الله ) لكونه خالف وجه الطلاق وأراد به غير ما أراد الله به ، فإنه تعالى أراد أن يطلق طلاقا يملك فيه رد المرأة إذا شاء ، فطلق طلاقا يريد به ألا يملك فيه ردها . وأيضا فإن إيقاع الثلاث دفعة مخالف لقول الله تعالى : ( الطلاق مرتان ) . والمرتان والمرات في لغة القرآن والسنة ، بل ولغة العرب ، بل ولغة سائر الامم ، لما كان مرة بعد مرة . فإذا جمع المرتين والمرات في مرة واحدة فقد تعدى حدود الله تعالى ، وما دل عليه كتابه . فكيف إذا أراد باللفظ الذي رتب عليه الشارع حكما ضد ما قصده الشارع ؟ . ا ه‍ . وإذا كانوا قد اتفقوا على الحرمة ، فإنهم اختلفوا فيما إذا طلقها ثلاثا بلفظ واحد . هل يقع أم لا ؟ . وإذا كان يقع فهل يقع واحدة أم ثلاثا ؟ . فذهب جمهور العلماء إلى أنه يقع ( 1 ) . ويرى بعضهم عدم وقوعه ، والذين رأوا وقوعه ، اختلفوا : فقال بعضهم : إنه يقع ثلاثا . وقال بعضهم : يقع واحدة فقط . وفرق بعضهم فقال : إن كانت المطلقة مدخولا بها وقع الثلاث ، وإن لم تكن مدخولا بها فواحدة . استدل القائلون بأنه يقع ثلاثا بالادلة الاتية : 1 - قول الله تعالى : " فإن طلقها ، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " . 2 - قول الله تعالى : " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة . " 3 - وقول الله تعالى : " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء . " فظواهر هذه الايات تبين صحة إيقاع الواحدة والثنتين والثلاث . لانها لم تفرق بين إيقاعه واحدة أو ثنتين ، أو ثلاثا . 4 - وقول الله تعالى : " الطلاق مرتان ، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " . فظاهر هذه الاية جواز إطلاق الثلاث ، أو الثنتين دفعة أن مفرقة ، ووقوعه . 5 - حديث سهل بن سعد ، قال : ( لما لا عن أخو بني عجلان امرأته ، قال : يا رسول الله ظلمتها إلى أمسكتها : هي الطلاق ، هي الطلاق ، هي الطلاق ) . رواه أحمد . 6 - وعن الحسن قال : حدثنا عبد الله بن عمر ، أنه طلق امرأته تطليقة ، وهي حائض ، ثم أراد أن يتبعها بتطليقتين أخريين عند القرأين فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال يا ابن عمر :

( 1 ) وإذا قال للمدخول بها : أنت طالق . أنت طالق . أنت طالق ، فهي واحدة إن نوى التكرار أو لم ينو شيئا ، وهي ثلاث إن نوى الثلاث وأن كل واحدة غير الاخرى ، وهذا عند من يرى أنه واقع . وتقدم الخلاف في ذلك

ما هكذا أمرك الله تعالى ! . إنك قد أخطأت السنة . والسنة أن تستقبل الطهر فتطلق لكل قرء . وقال : فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فراجعتها . ثم قال : إذا هي طهرت فطلق عند ذلك أو أمسك . فقلت يا رسول الله : ارئيت لو طلقتها ثلاثا ، أكان يحل لي أن أراجعها ؟ . قال : لا . كانت تبين منك ( وتكون مقصية ) . رواه الدارقطني . 7 - وأخرج عبد الرزاق في مصنفه عن عبادة بن الصامت ، قال : طلق جدي امرأة له ألف تطليقة ، فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك ، فقال له النبي : " ما اتقى الله جدك ، أما ثلاث فله . وأما تسعمائة وسبع وتسعون فعدوان وظلم . إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له " وفي رواية : " إن أباك لم يتق الله فيجعل له مخرجا . بانت منه بثلاث على غير السنة ، وتسعمائة وسبع وتسعون ، إثم في عنقه " . 8 - وفي حديث ركانة : أن النبي صلى الله عليه وسلم استحلفه أنه ما أراد إلا واحدة : وذلك يدل على أنه لو أراد الثلاث لوقع . وهذا مذهب جمهور التابعين وكثير من الصحابة ، وأئمة المذاهب الاربعة . أما الذين قالوا بأنه يقع واحدة : فقد استدلوا بالادلة الاتية : ( أولا ) ما رواه مسلم : أن أبا الصهباء قال لان عباس : ( ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر ، وصدرا من خلافة عمر ؟ قال : نعم ) . وروي عنه أيضا قال : كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر ، وسنتين من خلافة عمر ، طلاق الثلاث واحدة . فقال عمر بن الخطاب : إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة ( 1 ) . فلو أمضيناه عليهم ؟ فأمضاه عليهم . أي أنهم كانوا يوقعون طلقة بدل إيقاع الناس الان ثلاث تطليقات . ( ثانيا ) عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( طلق ركانة امرأته ثلاثا في مجلس واحد . فحزن عليها حزنا شديدا . فسأله رسول الله صلى

( هامش ) ( 1 ) أناة : مهلة وبقية استمتاع لانتظار المراجعة .

الله عليه وسلم ، كيف طلقتها ؟ قال : ثلاثا . فقال : في مجلس واحد ؟ قال : نعم . قال : فإنما تلك واحدة . فأرجعها إن شئت . فراجعها ) . رواه أحمد وأبو داود . وقال ابن تيمية ج‍ 3 ص 22 فتاوى : وليس في الادلة الشرعية " الكتاب ، والسنة ، والاجماع ، والقياس " ما يوجب لزوم الثلاثة له ، ونكاحه ثابت بيقين ، وامرأته محرمة على الغير بيقين ، وفي إلزامه بالثلاث إباحتها للغير مع تحريمها عليه ، وذريعة إلى نكاح التحليل الذي حرمه الله ورسوله ، ونكاح التحليل لم يكن ظاهرا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وخلفائه ، ولم ينقل قط أن امرأة أعيدت بعد الطلقة الثالثة على عهدهم إلى زوجها بنكاح تحليل . بل لعن النبي صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له . إلى أن قال : وبالجملة فما شرعة النبي صلى الله عليه وسلم لامته شرعا لازم ، لا يمكن تغييره ، فإنه لا يمكن نسخ بعد رسول الله . وقال تلميذه ابن القيم : قد صح عنه صلى الله عليه وسلم أن الثلاث كانت واحدة في عهده ، وعهد أبي بكر رضي الله عنه ، وصدرا من خلافة عمر رضي الله عنه ، وغاية ما يقدر مع بعده أن الصحابة كانوا على ذلك ، ولم يبلغه ، وهذا وإن كان كالمستحيل ، فإنه يدل على أنهم كانوا يفتون في حياته وحياة الصديق بذلك ، وقد أفتى هو صلى الله عليه وسلم . فهذه فتواه وعمل أصحابه كأنه أخذ باليد ، ولا معارض لذلك . ورأى عمر رضي الله تعالى عنه ، أن يحمل الناس على إنفاذ الثلاث عقوبة وزجرا لهم - لئلا يرسلوها جملة - وهذا اجتهاد منه رضي الله عنه . غايته أن يكون سائغا لمصلحة رآها . ولا يجوز ترك ما أفتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان عليه أصحابه في عهده وعهد خليفته . فإذا ظهرت الحقائق . فليقل أمرؤ ما شاء . وبالله التوفيق . وقال الشوكاني : وقد حكى ذلك صاحب البحر عن أبي موسى ، ورواية عن علي عليه السلام ، وابن عباس ، وطاووس ، وعطاء ، وجابر ، وابن زيد ، والهادي ، والقاسم ، والباقر ، وأحمد بن عيسى ، وعبد الله بن موسى بن عبد الله ، ورواية عن زيد بن علي . وإليه ذهب جماعة من المتأخرين . منهم : ابن تيمية ، وابن القيم ، وجماعة من المحققين ، وقد نقله ابن مغيث في كتاب الوثائق عن محمد بن وضاح ، ونقل الفتوى بذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة كمحمد بن بقي ومحمد بن عبد السلام وغيرهما . ونقله ابن المنذر عن أصحاب ابن عيسى . كعطاء ، وطاووس ، وعمر ، وابن دينار ، وحكاه ابن مغيث أيضا في ذلك الكتاب عن علي رضي الله عنه ، وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير . وهذا هو المذهب الذي جرى عليه العمل أخيرا في المحاكم . فقد جاء في المادة 3 من القانون رقم 25 لسنة 1929 ما يلي : ( الطلاق المقترن بعدد - لفظا ، أو إشارة - لا يقع واحدة ) . ( 1 ) أما حجة القائلين بعدم وقوع الطلاق مطلقا : أنه طلاق بدعي ، والطلاق البدعي لا يقع عند هؤلاء ، ويعتبر لغوا . وهذا المذهب يحكى عن بعض التابعين . وهو مروي عن ابن علية ، وهشام ابن الحكم ، وبه قال أبو عبيدة ، وبعض أهل الظاهر ، وهو مذهب الباقر ، والصادق ، والناصر ، وسائر من يقول بأن الطلاق البدعي لا يقع . لان الثلاث بلفظ واحد أو ألفاظ متتابعة من جملته . وأما الذين فرقوا بين المطلقة المدخول بها وغير المدخول بها فهم جماعة من أصحاب ابن عباس وإسحاق بن راهويه . طلاق البتة قال الترمذي : وقد اختلف أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم في طلاق ألبتة ، فروي عن عمر بن الخطاب : أنه جعل ألبتة واحدة . وروي عن علي : أنه جعلها ثلاثا ، وقال بعض أهل العلم : فيه نية الرجل . إن نوى واحدة فواحدة ، وإن نوى ثلاثا فثلاث . وإن نوى

( هامش ) ( 1 ) وجاء في المذكرة التفسيرية للمشروع : أن الداعي لاختيار القول بالوقوع واحدة الحرص على سعادة الاسرة ، والاخذ بالناس عن مسألة المحلل التي صارت وصمة في جبين الشريعة المطهرة مع أن الدين براء منها . فقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له ، وكذلك الاخذ بهم من طرق الحيل التي يتلمسونها للتخلص من الطلاق الثلاث وما هي بمنطبقة على أصول الدين .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:54 am

ثنتين لم تكن إلا واحدة . وهو قول الثوري وأهل الكوفة . وقال مالك بن أنس : في البتة إن كان قد دخل بها فهي ثلاث تطليقات . وقال الشافعي : إن نوى واحدة فواحدة يملك الرجعة . وإن نوى ثنتين فثنتان . وإن نوى ثلاثا فثلاث . الطلاق الرجعي والبائن الطلاق إما رجعي وإما بائن ، والبائن إما أن يكون بائنا بينونة صغرى ، أو بينونة كبرى . ولكل أحكام تخصه نذكرها فيما يلي :

الطلاق الرجعي : هو الطلاق الذي يوقعه الزوج على زوجته التي دخل بها حقيقة ، إيقاعا مجردا عن أن يكون في مقابلة مال ، ولم يكن مسبوقا بطلة أصلا ، أو كان مسبوقا بطلقة واحدة . ولا فرق في ذلك بين أن يكون الطلاق صريحا أو كناية . فإذا لم يكن الزوج دخل بزوجته دخولا حقيقيا ، أو طلقها على مال ، أو كان الطلاق مكملا للثلاث ، كان الطلاق بائنا . جاء في المادة ( 5 ) من القانون رقم 25 لسنة 1929 . ( كل طلاق يقع رجعيا إلا المكمل للثلاث ، والطلاق قبل الدخول . والطلاق على مال ، وما نص على كونه بائنا في هذا القانون ، والقانون نمرة 24 لسنة 1920 م ) . والطلاق الذي نص على أن يكون بائنا في هذين القانونين هو ما كان بسبب العيب في الزوج ، أو لغيبته ، أو حبسه أو للضرر . والاصل في ذلك قول الله سبحانه : " الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " ( 1 ) .

أي أن الطلاق الذي شرعه الله يكون مرة بعد مرة . وأنه يجوز للزوج أن يمسك زوجته بعد الطلقة الاولى بالمعروف ، كما يجوز له ذلك بعد الطلقة الثانية ، والامساك بالمعروف معناه مراجعتها ، وردها إلى النكاح ومعاشرتها بالحسنى ولا يكون له هذا الحق إلا إذا كان الطلاق رجعيا . ويقول الله سبحانه . " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الاخر ، وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ( 1 ) " . وفي الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لعمر : مره فليراجعها . . . متفق عليه . أما استثناء الحالات الثلاث من الطلاق الرجعي فثابت بالقرآن الكريم كما هو مبين فيما يلي : فالطلاق المكمل للثلاث يبين المرأة ويحرمها على الزوج ، ولا يحل له مراجعتها حتى تنكح زوجا آخر ، نكاحا لا يقصد به التحليل ( 2 ) . قال الله تعالى : " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " . أي فإن طلقها الطلقة الثالثة بعد طلقتين فلا تحل له من بعد الطلاق المكمل للثلاث حتى تتزوج غيره زواجا صحيحا . والطلاق قبل الدخول يبينها كذلك . لان المطلقة في هذه الحالات لا عدة عليها . والمراجعة إنما تكون في العدة . وحيث انتفت العدة انتفت المراجعة . قال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها . فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا " ( 3 ) . والمطلقة قبل الدخول ، وبعد الخلوة ، بائنة . ووجوب العدة عليها نوع من الاحتياط لا لاجل المراجعة . والطلاق على مال من أجل أن تفتدي المرأة نفسها وتخلص من الزوج

( هامش ) ( 1 ) سورة البقرة آية 227 - أحق بردهن : أي أحق برجعتهن . ( 2 ) انظر فصل التحليل في أول هذا المجلد . ( 3 ) الاحزاب آية 49 .

بائن ، لانها أعطت المال نظير عوض ، وهو خلاص عصمتها ، ولايكون الخلاص إلا إذا كان الطلاق بائنا ، قال الله تعالى : " فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به ( 1 ) . "

حكم الطلاق الرجعي : الطلاق الرجعي لايمنع الاستمتاع بالزوجة لانه لا يرفع عقد الزواج ، ولا يزيل الملك ، ولا يؤثر في الحل ، فهو وإن انعقد سببا للفرقة ، إلا أنه لا يترتب عليه أثره ما دامت المطلقة في العدة . وإنما يظهر أثره بعد انقضاء العدة دون مراجعة . فإذا انقضت العدة ولم يراجعها ، بانت منه ، وإذا كان ذلك كذلك ، فإن الطلاق الرجعي لايمنع من الاستمتاع بالزوجة ، وإذا مات أحدهما ورثه الآخر ما دامت العدة لم تنقض وانفقتها واجبة عليه ، ويلحقها طلاقه وظهاره وإيلاؤه . ولا يحل بالطلاق الرجعي المؤجل من المهر لاحد الاجلين : الموت أو الطلاق . وإنما يحل مؤخر الصداق بانقضاء العدة . والرجعة حق للزوج مدة العدة . وهو حق أثبته الشارع له ، ولهذا لا يملك إسقاطه . فلو قال : لا رجعة لي كان له حق الرجوع عنه ، وحق مراجعتها ، يقول الله تعالى : " وبعولتهن أحق بردهن في ذلك " ( 2 ) . وإذا كانت الرجعة حقا له فلا يشترط رضا الزوجة ولاعلمها ، ولا تحتاج إلى ولي ، فجعل الحق للازواج لقول الله : " وبعولتهن أحق بردهن " كما لا يشترط الاشهاد عليها . وإن كان ذلك مستحبا ، خشية إنكار الزوجة فيما بعد ، أنه راجعها ، لقوله تعالى : " وأشهدوا ذوي عدل منكم " . وتصح المراجعة بالقول . مثل أن يقول : راجعتك ، وبالفعل ، مثل الجماع ، ودواعيه ، مثل القبلة ، والمباشرة بشهوة . يرى الشافعي أن المراجعة لا تكون إلا بالقول الصريح للقادر عليه ، ولا

( هامش ) ( 1 ) البقرة آية 229 . ( 2 ) أي أن أزواجهن أحق بارجاعهن إلى عصمتهن في وقت التربص وانتظار انقضاء العدة " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " .

تصح بالوطء ودواعيه من القبلة والمباشرة بشهوة . وحجة الشافعي ، أن الطلاق يزيل النكاح . وقال ابن حزم رضي الله عنه : فإن وطتها لم يكن بذلك مراجعا لها حتى يلفظ بالرجعة ويشهد ، ويعلمها بذلك ، قبل تمام عدتها . فإن راجع ولم يشهد . فليس مراجعا لقول الله تعالى : " فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف ، وأشهدوا ذوي عدل منكم ( 1 ) " . فرق عزوجل بين المراجعة . والطلاق ، والاشهاد . فلا يجوز إفراد بعض ذلك عن بعض . وكأن من طلق ولم يشهد بذوي عدل . أو راجع ولم يشهد بذوي عدل متعديا لحدود الله تعالى . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهورد " انتهى . وأخرج أبو داود وابن ماجه والبيهقي ، والطبراني عن عمران بن حصين : " أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ، ولم يشهد على طلاقها ، ولا على رجعتها فقال : طلقت لغير سنة . وراجعت لغير سنة ، أشهد على طلاقها . وعلى رجعتها . ولا تعد " . حجة الشافعي أن الطلاق يزيل النكاح : قال الشوكاني : والظاهر ما ذهب إليه الاولون ، لان العدة مدة خيار ، والاختيار يصح بالقول وبالفعل ، وأيضا ظاهر قوله تعالى : وبعولتهن أحق بردهن " . وقوله صلى الله عليه وسلم " مره فليراجعها " أنها تجوز المراجعة بالفعل لانه لم يخص قولا من فعل ، ومن ادعى الاختصاص فعليه الدليل ( 2 ) .

ما يجوز للزوج أن يطلع عليه من المطلقة الرجعية : قال أبو حنيفة : لا بأس أن تتزين المطلقة الرجعية لزوجها وتتطيب له وتتشوف وتلبس الحلي وتبدي البنان والكحل ولا يدخل عليها إلا أن تعلم بدخوله بقول أو حركة من تنحنح أو خفق نعل . وقال الشافعي : هي محرمة على مطلقها تحريما مبتوتا . وقال مالك : لا يخلو معها ولا يدخل عليها إلا بإذنها ، ولا ينظر إلى شعرها ، ولا بأس أن يأكل معها إذا كان معها غيرها . وحكى ابن القاسم أنه رجع عن إباحة الاكل معها . الطلاق الرجعي ينقص عدد الطلقات : والطلاق الرجعي ينقص عدد الطلقات التي يملكها الرجل على زوجته . فإن كانت الطلقة الاولى احتسبت وبقيت له طلقتان . وإن كانت الثانية احتسبت وبقيت له طلقة واحدة ، ومراجعتها لا تمحو هذا الاثر ، بل لو تركت حتى انقضت عدتها من غير مراجعة ، وتزوجت زوجا آخر ثم عادت إلى زوجها الاول عادت إليه بما بقي من عدد الطلقات ، ولا يهدم الزوج الثاني ما وقع من الطلاق ( 1 ) ، لما روي أن عمر رضي الله عنه سئل عمن طلق امرأته طلقتين وانقضت عدتها فتزوجت غيره وفارقها ثم تزوجها الاول . فقال : هي عنده بما بقي من الطلاق ، وهذا مروي عن علي وزيد ومعاذ ، وعبد الله بن عمرو ، وسعيد بن المسيب ، والحسن البصري رضي الله عنهم .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:54 am

الطلاق البائن : تقدم القول بأن الطلاق البائن هو الطلاق المكمل للثلاث والطلاق قبل الدخول ، والطلاق على مال . قال ابن رشد في بداية المجتهد : وأما الطلاق البائن فإنهم اتفقوا على أن البينونة إنما توجد للطلاق من قبل عدم الدخول - ومن قبل عدد التطليقات - ومن قبل العوض في الخلع ، على اختلاف فيما بينهم في الخلع ، أهو طلاق أم فسخ ، واتفقوا على أن العدد الذي يوجب البينونة في طلاق الحر ثلاث تطليقات . إذا وقعن مفترقات لقوله تعالى : ( الطلاق مرتان : الآية ) . واختلفوا إذا وقعت الثلاث في اللفظ دون الفعل بكلمة واحدة ( 2 ) . اه‍ . (ويرى ابن حزم : أن الطلاق البائن : هو الطلاق المكمل للثلاث ، أو الطلاق قبل الدخول لاغير ، قال : وما وجدنا ، قط ، في دين الاسلام عن الله تعالى ولاعن رسوله صلى الله عليه وسلم طلاقا بائنا لا رجعة فيه إلا الثلاث مجموعة ، أو مفرقة ، أو التي لم يطأها ، ولا مزيد ، وأما ما عدا ذلك فآراء لاحجة فيها . اه‍ ( 1 ) وأضافت قوانين الاحوال الشخصية ، أن مما يلحق الطلاق البائن : الطلاق بسبب عيب الزوج ، أو بسبب غيبته ، أو حبسه أو للضرر . أقسامه : وهو ينقسم إلى بائن بينونة صغرى : وهو ماكان بما دون الثلاث ، وبائن بينونة كبرى : وهوالمكمل للثلاث .

حكم البائن بينونة صغرى : الطلاق البائن بينونة صغرى يزيل قيد الزوجية بمجرد صدوره ، وإذا كان مزيلا للرابطة الزوجية فإن المطلقة تصير أجنبية عن زوجها . فلا يحل له الاستمتاع بها ، ولا يرث أحدهما الآخر إذا مات قبل انتهاء العدة أو بعدها ، ويحل بالطلاق البائن موعد مؤخر الصداق المؤجل إلى أبعد الاجلين الموت أو الطلاق . وللزوج أن يعيد المطلقة طلاقا بائنا بينونة صغرى إلى عصمته بعقد ومهر جديدين ، دون أن تتزوج زوجا آخر ، وإذا أعادها عادت إليه بما بقي له من الطقات ، فإذا كان طلقها واحدة من قبل فإنه يملك عليها طلقتين بعد العودة إلى عصمته ، وإذا كان طلقتها طلقتين لا يملك عليها إلا طلقة واحدة .

حكم الطلاق البائن بينونة كبرى : الطلاق البائن بينونة كبرى يزيل قيد الزوجية مثل البائن بينونة صغرى ، ويأخذ جميع أحكامه ، إلا أنه لا يحل للرجل أن يعيد من أبانها بينونة كبرى إلى عصمته إلابعد أن تنكح زوجا آخر نكاحا صحيحا . ويدخل بها دون إرادة التحليل . يقول الله تعالى : " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " . أي فإن طلقها الطلقة الثالثة ، فلا تحل لزوجها الاول إلا بعد أن تتزوج آخر . لقول رسول الله لامرأة رفاعة : " لا . حتى تذوقي ( 1 ) عسيلته ويذوق عسيلتك " ( 2 ) مسألة الهدم : من المتفق عليه أن المبانة بينونة كبرى إذا تزوجت ، ثم طلقت وعادت إلى زوجها الاول بعد انقضاء عدتها تعود إليه بحل جديد ، ويملك عليها ثلاث طلقات ، لان الزوج الثاني أنهى الحل الاول . فإذا عادت بعقد جديد أنشأ هذا العقد حلا جديدا . أما المبانة بينونة صغرى إذا تزوجت بآخر بعد انقضاء عدتها ثم طلقت منه ، ورجعت إلى زوجها الاول ، تكون مثل المبانة بينونة كبرى فتعود إليه بحل جديد ويملك عليها ثلاث طلقات . عند أبي حنيفة ، وأبو يوسف . وقال محمد ( 3 ) تعود إليه بما بقي من عدد الطلقات ، فتكون مثل ما إذا طلقها طلاقا رجعيا أو عقد عليها عقدا جديدا بعد أن بانت منه بينونة صغرى . وسميت هذه المسألة بمسألة الهدم : أي هل الزوج الثاني يهدم ما دون الثلاث من الطلاقات . كما يهدم الثلاث أو لا يهدم . ؟ !

طلاق المريض مرض الموت لم يثبت في الكتاب ولا في السنة الصريحة حكم الطلاق المريض مرض الموت . إلا أنه قد ثبت عن الصحابة أن سيدنا عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته " تماضر " طلاقا مكملا للثلاث في مرضه الذي مات فيه ، فحكم لها سيدنا عثمان بميراثها منه ، وقال : " ما اتهمته - أي بأنه لم يتهمه بالفرار من

( هامش ) ( 1 ) أي لا تعودي إلى زوجك الاول حتى يصيبك فتاوقي عسيلته ويذوق عسيلتك . ( 2 ) رواه البخاري ومسلم . ( 3 ) ورأيه مرجوح في المذهب .

حقها في الميراث - ولكن أردت السنة " . ولهذا ورد أن ابن عوف نفسه قال : " ما طلقتها ضرارا ولا فرارا " . يعني أنه لا ينكر ميراثها منه . وكذلك حدث أن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه طلق امرأته " أم البنين " بنت عيينة بن حصن الفزاري وهو محاصر في داره ، فلما قتل جاءت إلى سيدنا علي وأخبرته بذلك . فقضى لها بميراثها منه . قال : " تركها حتى إذا أشرف على الموت فارقها ! " . وعلى ذلك اختلف الفقهاء في طلاق المريض مرض الموت . فقالت الاحناف : إذا طلق المريض امرأته طلاقا بائنا فمات من هذا المرض ورثته . . . وإن مات بعد انقضاء العدة فلا ميراث لها . وكذلك الحكم فيما إذا بارز رجلا أو قدم ليقتل في قصاص أو رجم ، إن مات في ذلك الوجه أو قتل . وإن طلقها ثلاثا بأمرها أو قال لها : اختاري ، فاختارت نفسها ، أو اختلعت منه ثم مات وهي في العدة لم ترثه . اه‍ . والفرق بين الصورتين : أن الطلاق في الصورة الاولى صدر من المريض وهو يشعر بأنه إنما طلقها ليمنعها حقها في الميراث فيعامل بنقيض قصده ، ويثبت لها حقها الذي أراد أن يمنعها منه . ولهذا يطلق على هذا الطلاق طلاق الفار . وأما الطلاق في الصورة الثانية فلا يتصور فيه الفرار ، لانها هي التي أمرت بالطلاق أو اختارته ورضيته ، وكذلك الحكم فيمن كان محصورا أو في صف القتال . فطلق امرأته طلاقا بائنا . وقال أحمد وابن أبي ليلى : لها الميراث بعد انقضاء عدتها ما لم تتزوج بغيره . وقال مالك والليث : لها الميراث ، سواء أكانت في العدة أم لم تكن ، وسواء تزوجت أم لم تتزوج . وقال الشافعي : لا ترث . قال في بداية المجتهد : وسبب الخلاف : اختلافهم في وجوب العمل بسد الذرائع ، وذلك أنه لما كان المريض يتهم في أن يكون إنما طلق في مرضه زوجته ليقطع حظها من الميراث ، فمن قال بسد الذرائع أوجب ميراثها ، ومن لم يقل بسد الذرائع ولحظ وجوب الطلاق لم يوجب لها ميراثا . وذلك أن هذه الطائفة تقول : إن كان الطلاق قد وقع فيجب أن يقع بجميع أحكامه . لانهم قالوا : إنه لا يرثها إن ماتت ، وإن كان لم يقع فالزوجية باقية بجميع أحكامها . ولابد لخصومهم من أحد الجوابين ، لانه يعسر أن يقال : إن في الشرع نوعا من الطلاق ، توجد له بعض أحكام الطلاق وبعض أحكام الزوجية . وأعسر من ذلك القول بالفرق بين أن يصح أو لا يصح : لان هذا يكون طلاقا موقوف الحكم ، إلى أن يصح أو لا يصح ، وهذا كله مما يعسر القول به في الشرع . ولكن إنما أنس القائلون به : أنه فتوى عثمان وعمر حتى زعمت المالكية أنه إجماع الصحابة . ولا معنى لقولهم ، فإن الخلاف فيه عن ابن الزبير مشهور . وأما من رأى أنها ترث في العدة . فلان العدة عنده من بعض أحكام الزوجية ، وكأنه شبهها بالمطلقة الرجعية ، وروي هذا القول عن عمر وعن عائشة . وأما من اشترط في توريثها ما لم تتزوج ، فإنه لحظ في ذلك إجماع المسلمين على أن المرأة الواحدة لا ترث من زوجين ، ولكون التهمة هي العلة عند الذين أوجبوا الميراث . قال : واختلفوا إذا طلبت هي الطلاق أو ملكها الزوج أمرها فطلقت نفسها ، فقال أبو حنيفة لا ترث أصلا . وفرق الاوزاعي بين التمليك والطلاق ، فقال : ليس لها الميراث في التمليك ، ولها في الطلاق . وسوى مالك في ذلك كله حتى قال : إن ماتت لا يرثها ، وترثه هو إن مات ، وهذا مخالف للاصول جدا . اه‍ ( 1 ) . قال ابن حزم : " طلاق المريض كطلاق الصحيح ، ولافرق . مات من ذلك المرض أو لم يمت . فإن كان طلاق المريض ثلاثا ، أو آخر ثلاث ، أو قبل أن يطأها ، فمات أو ماتت قبل تمام العدة ، أو بعدها ، أو كان طلاقا رجعيا فلم يرتجعها حتى مات أو ماتت بعد تمام العدة ، فلا نرثه في شئ من ذلك كله . ولا يرثها أصلا ، وكذلك طلاق الصحيح للمريضة ، وطلاق المريض للمريضة ، ولافرق ، وكذلك طلاق الموقوف للقتل ، والحامل المثقلة ، وهذا مكان اختلف الناس فيه ( 1 ) .

التفويض والتوكيل في الطلاق الطلاق حق من حقوق الزوج ، فله أن يطلق زوجته بنفسه ، وله أن يفوضها في تطليق نفسها ، وله أن يوكل غيره في التطليق . ولك من التفويض والتوكيل لا يسقط حقه ولا يمنعه من استعماله متى شاء ، وخالف في ذلك الظاهرية ، فقالوا : إنه لا يجوز للزوج أن يفوض زوجته تطليق نفسها ، أو يوكل غيره في تطليقها . قال ابن حزم : ومن جعل إلى امرأته أن تطلق نفسها لم يلزمه ذلك ولا تكون طالقا ، طلقت نفسها أو لم تطلق ، لان الله تعالى جعل الطلاق للرجال لا للنساء .

صيغ التفويض : وصيغ التفويض هي : 1 - اختاري نفسك . 2 - أمرك بيدك . 3 - طلقي نفسك إن شئت . وقد اختلف الفقهاء في كل صيغة من هذه الصيغ وذهبوا مذاهب متعددة نجملها فيما يلي : ( 1 ) اختاري نفسك : ذهب الفقهاء إلى وقوع الطلاق بهذه الصيغة : لان الشرع جعلها من صيغ الطلاق ، وفي ذلك يقول الله تعالى : " يا أيها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا . وإن كنتن تردن الله ورسوله والدارالآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما " ( 1 ) . ولما نزلت هذه الآية دخل الرسول صلى الله عليه وسلم على عائشة فقال لها : " إني ذاكر لك أمرا من الله على لسان رسوله ، فلا تعجلي حتى تستأمري أبويك " ، قالت : وما هذا يا رسول الله ؟ فتلا عليها الآية . قالت : فيك يا رسول الله أستأمر أبوي ؟ . . . بل أريد الله ورسوله ، والدار الآخرة ، وأسألك ألا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت . قال : لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها . إن الله لم يبعثني . . . . الخ ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثلما فعلت عائشة ، فكلهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة . روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها قالت : " خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه . فلم يعد ذلك شيئا " . وفي لفظ لمسلم : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير نساءه فلم يكن طلاقا " . وفي هذا دلالة على أنهن لو أخترن أنفسهن : كان ذلك طلاقا . وأن هذا اللفظ يستعمل في الطلاق ( 2 ) . ولم يختلف في ذلك أحد من الفقهاء . بينما اختلفوا فيما يقع إذا اختارت المرأة نفسها : فقال بعضهم إنه يقع طلقة واحدة رجعية . وهو مروي عن عمر وابن مسعود وابن عباس . وهو قول عمر بن عبد العزيز ، وابن أبي ليلى ، وسفيان ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . وقال بعضهم : إذااختارت نفسها يقع واحدة بائنة ، وهو مروي عن

( هامش ) ( 1 ) سورة الاحزاب آية 29 . ( 2 ) أهل الظاهر يرون أن معنى ذلك أنهن لو اخترن أنفسهن طلقهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لا أنهن كن يطلقن بنفس اختيار الطلاق .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:55 am

علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وبه قال الاحناف . وقال مالك بن أنس : إن اختارت نفسها فهي ثلاث ، وإن اختارت زوجها يكون واحدة . ويشترط الاحناف في وقوع الطلاق بهذه الصيغة ذكر النفس في كلامه أو في كلامها ، فلو قال لها : اختاري ، فقالت اخترت ، فهو باطل لا يقع بها شئ . ( 2 ) أمرك بيدك ( 1 ) : إذا قال الرجل لزوجته أمرك بيدك ، فطلقت نفسها ، فهي طلقة واحدة ، عند عمر ، وعبد الله بن مسعود . وهو مذهب سفيان ، والشافعي ، وأحمد . روي أنه جاء بن مسعود رجل فقال : كان بيني وبين امرأتي بعص ما يكون بين الناس . فقالت : لو أن الذي بيدك من أمري بيدي . لعلمت كيف أصنع . قال : فإن الذي بيدي من أمرك بيدك . قالت : فأنت طالق ثلاثا . قال : أراها واحدة وأنت أحق بها مادامت في عدتها . وسألقى أمير المؤمنين عمر ، ثم لقيه فقص عليه القصة . فقال صنع الله بالرجال وفعل . يعمدون إلى ما جعل الله في أيديهم . فيجعلونه بأيدي النساء . بفيها التراب . ماذا قلت فيها ؟ قال : قلت أراها واحدة . وهو أحق بها . قال : وأنا أرى ذلك ، ولو رأيت غير ذلك علمت أنك لم تصب ( 2 ) . وقال الاحناف : يقع طلقة واحدة بائنة ، لان تمليكه أمرها لها يقتضي زوال سلطانه عنها ، وإذا قبلت ذلك بالاختيار وجب أن يزول عنها ، ولا يحصل ذلك مع بقاء الرجعة . هل المعتبر نية الزوج أم نية الزوجة ؟ : ذهب الشافعي إلى أن المعتبر هو نية الزوج . فإن نوى واحدة فواحدة ، وإن نوى ثلاثا فثلاث . وله أن يناكرها في الطلاق نفسه ، وفي العدد : في الخيار أو التمليك .

( هامش ) ( 1 ) أي أمرك الذي بيدي ، وهو الطلاق ، جعلته بيدك . ( 2 ) بداية المجتهد ص 67 ص 2 .

وذهب غيره إلى أنها إن نوت أكثر من واحدة وقع ما نوت ، لانها تملك الثلاثة بالتصريح ، فتملكها بالكناية كالزوج . فإن طلقت نفسها ثلاثا ، وقال الزوج لم أجعل لها إلا واحدة ، لم يلتفت إلى قوله . والقضاء ما قضت ، وهذا مذهب عثمان ، وابن عمر ، وابن عباس ، وقال عمر وابن مسعود : تقع طلقة واحدة كما سبق في قصة عبد الله بن مسعود . هل جعل الامر باليد مقيد بالمجلس ؟ أم هو على التراخي : قال ابن قدامة في المغني : ومتى جعل أمر امرأته بيدها فهو بيدها أبدا لا يتقيد بذلك المجلس . روي ذلك عن علي رضي الله عنه ، وبه قال أبو ثور ، وابن المنذر ، والحكم . وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي : هو مقصور على المجلس ، ولا طلاق لها بعد مفارقته ، لانه تخيير لها فكان مقصورا على المجلس كقوله : اختاري . ورجح الرأي الاول لقول علي رضي الله عنه في رجل جعل أمر امرأته بيدها . قال : هو لها حتى تكل . قال : ولا نعرف له في الصحابة مخالفا ، فيكون إجماعا . ولانه نوع توكيل في الطلاق . فكان على التراخي كما لو جعله لاجنبي . رجوع الزوج : قال : فإن رجع الزوج فيما جعل إليها أو قال : فسخت ما جعلت إليك بطل . وبذلك قال عطاء ، ومجاهد ، والشعبي ، والنخعي ، والاوزاعي ، وإسحاق . وقال الزهري ، والثوري ، ومالك ، وأصحاب الرأي : ليس له الرجوع لانه ملكها ذلك ، فلم يملك الرجوع . قال : وإن وطئها الزوج ، كان رجوعا ، لانه نوع توكيل . والتصرف فيما وكل فيه يبطل الوكالة . وإن ردت المرأة ما جعل إليها بطل كما تبطل الوكالة بفسخ التوكيل ( 1 ) . ( 3 ) طلقي نفسك إن شئت : قالت الاحناف : " من قال لامرأته طلقي نفسك ، ولا نية له ، أو نوى طلقة واحدة فقالت : طلقت نفسي ، فهي واحدة رجعية . وإن طلقت نفسها ثلاثا ، وقد أراد الزوج ذلك ، وقعن عليها ، وإن قال لها طلقي نفسك ، فقالت أبنت نفسي ، طلقت ، وإن قالت قد اخترت نفسي لم تطلق ، وإن قال لها : طلقي نفسك متى شئت . فلها أن تطلق نفسها في المجلس وبعده . وإذا قال لرجل : طلق امرأتي ، فله أن يطلقها في المجلس وبعده . ولو قال لرجل طلقها إن شئت ، فله أن يطلقها في المجلس خاصة . التوكيل : إذا جعل أمر امرأته بيد غيره صح . وحكمه حكم ما لو جعله بيدها ، في أنه بيده في المجلس وبعده . ووافق الشافعي على هذا في حق غيرها لانه توكيل ، وسواء قال : أمر امرأتي بيدك ، أو قال : جعلت لك الخيار في طلاق امرأتي ، أو قال طلق امرأتي . وقال أصحاب أبي حنيفة : ذلك مقصور على المجلس لانه نوع تخيير أشبه ما لو قال اختاري . قال صاحب المغني : ولنا أنه توكيل مطلق : فكان على التراخي : كالتوكيل في البيع ، وإذا ثبت هذا فإن له أن يطلقها ما لم يفسخ أو يطأها ، وله أن يطلق واحدة وثلاثا ، كالمرأة ، وليس له أن يجعل الامر إلا بيد من يجوز توكيله وهو العاقل . فأما الطفل والمجنون ، فلا يصح أن يجعل الامر بأيديهم فإن فعل فطلق واحد منهم لم يقع طلاقه . وقال أصحاب الرأي : يصح ( 2 ) .

التعميم ( 1 ) والتقييد في هذه الصيغ : هذه الصيغ قد تكون مطلقة ، بأن يجعل أمرها بيدها ، أو أن تختار نفسها دون تقييد بشئ يزيد على الصيغة . وفي هذه الحالة للزوجة أن تطلق نفسها في مجلس التفويض فقط إن كانت حاضرة فيه ، وإن كانت غائبة عنه كان لها ذلك الحق في مجلس علمها به فقط ، حتى لو انتهى أو تغير مجلس التفويض أو مجلس العلم ، ولم تطلق نفسها لم يكن لها هذا الحق بعد ذلك ، لان الصيغة مطلقة ، فتنصرف إلى المجلس ، فإذا فات فلا تملكه . وهذا الحكم في حالة ما إذا لم تقم قرينة تدل على تعميم التفويض ، كأن يكون هذا التفويض حين عقد الزواج ، لانه لا يعقل أن يقصد المفوض تمليكها تطليق نفسها في نفس مجلس زوجها ، فالصيغة تفيد التعميم بدلالة الحال . وقد صدر من بعض الحاكم الشرعية المصرية الجزئية حكم بني على أن التفويض إذا كان في حين عقد الزواج وبصيغة مطلقة ، لا يتقيد بالمجلس ، وللزوجة أن تطلق نفسها متى شاءت ، وإلا خلا التفويض من الفائدة ، وأيد هذا الحكم استئنافيا . وقد تكون هذه الصيغ عامة . كأن يقول لها اختاري نفسك متى شئت ، أو أمرك بيدك كلما أردت ، وفي هذه الحال لها أن تطلق نفسها في أي وقت ، لانه ملكها حق تطليق نفسها ملكا عاما ، فلها أن تستعمل هذا الحق فتطلق نفسها في أي وقت . وقد تكون هذه الصيغ مؤقتة بوقت معين ، كأن يجعل أمرها بيدها مدة سنة ، وفي هذه الحال للزوجة أن تطلق نفسها في الوقت المعين فقط ، وأما بعد مضيه فلا حق لها في التطليق .

التفويض ( 2 ) حين العقد وبعده : ويجوز التفويض حين عقد الزواج أو بعده ، إلا أنه يشترط فيه حين عقد الزواج عند الاحناف أن يكون البادئ به هو الزوجة ، مثل أن تقول المرأة للرجل : زوجت نفسي منك على أن يكون أمري بيدي أطلق نفسي كلما أريد . فيقول لها : قبلت ، فبهذا القبول يتم الزواج ، ويصح التطليق ، ويكون لها الحق في أن تطلق نفسها كلما أرادت ، لان قبوله ينصرف إلى الزواج ثم إلى التفويض .

أما إذا كان البادئ بالايجاب المقترن بالتفويض هو الزوج كأن يقول رجل لامرأته : تزوجتك على أن تكون عصمتك بيدك تطلقين نفسك كلما أردت . فتقول : قبلت ، فبهذا يتم الزواج ولا يصح التفويض ، ولا يكون للزوجة الحق في أن تطلق نفسها . والفرق بين الصورتين أنه في الصورة الاولى ، قبل الزوج التفويض بعد تمام العقد ، فيكون قد ملك التطليق بعد أن ملكه بتمام عقد الزواج . أما في الثانية ، فإن ملك التطليق قبل أن يملكه لانه ملكه قبل تمام عقد الزواج إذ لم يصدر إلا الايجاب وحده . الحالات التي يطلق فيها القاضي الحالات التي يطلق فيها القاضي صدر بها قانون سنة 1920 وسنة 1929 ، وهي مستمدة من اجتهاد الفقهاء ، حيث لم يرد بها نص صحيح صريح ، وقد روعي فيها التيسير على الناس تجنبا للحرج ، وتمشيا مع روح الاسلام السمحة . جاء في القانون رقم 25 لسنة 1920 النص على التطليق لعدم النفقة ، والتطليق للعيب . وجاء في القانون رقم 25 سنة 1929 النص على التطليق للضرر ، والتطليق لغيبة الزوج بلا عذر ، والتطليق لحبسه . ونورد فيما يلي حكم كل ، مع مواد القانون الخاصة به ما عدا حكم التطليق للعيب ، فقد تقدم الكلام عليه في أول هذا المجلد . التطليق لعدم النفقة : ذهب الامام مالك والشافعي وأحمد إلى جواز التفريق لعدم النفقة ( 1 ) بحكم

( هامش ) ( 1 ) أي المقصود بالنفقة الضرورية من الغذاء والكساء والسكنى في أدنى صورها . والمقصود

القاضي إذا طلبته الزوجة ( 1 ) ، وليس له مال ظاهر ، واستدلوا لمذهبهم هذا بما يأتي : 1 - أن الزوج مكلف بأن يمسك زوجته بالمعروف أو يسرحها ويطلقها بإحسان ، لقول الله سبحانه : " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " . ولا شك أن عدم النفقة ينافي الامساك بمعروف . 2 - أن الله تعالى يقول : " ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا " . والرسول : يقول : " لا ضرر ولا ضرار " . وأي إضرار ينزل بالمرأة أكثر من ترك الانفاق عليها . وإن على القاضي أن يزيل هذا الضرر . 3 - وإذا كان من المقرر أن يفرق القاضي من أجل الغيب بالزوج فإن عدم الانفاق يعد أشد إيذاءا للزوجة وظلما لها من وجود عيب بالزوج ، فكان التفريق لعدم الانفاق أولى . وذهب الاحناف إلى عدم جواز التفريق لعدم الانفاق سواء أكان السبب مجرد الامتناع ام الاعسار والعجز عنها ودليلهم في هذا : 1 - أن الله سبحانه قال : " لينفق ذو سعة من سعته ، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسرا يسرا " ( 2 ) . وقد سئل الامام الزهري عن رجل عاجز عن نفقة زوجته : أيفرق بينهما ؟ قال : تستأني به ، ولا يفرق بينهما ، وتلا الآية السابقة . 2 - أن الصحابة كان منهم الموسر والمعسر ، ولم يعرف عن أحد منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين رجل وامرأته ، بسبب عدم النفقة لفقره وإعساره . 3 - وقد سأل نساء النبي صلى الله عليه وسلم النبي ما ليس عنده ، فاعتزلهن

( هامش ) بعدم النفقة في الحاضر والمستقبل ، أما في الماضي فانه لا يقتضي المطالبة بالتفريق ولا تجاب إليه المرأة إذا طلبته بل تكون النفقة دينا في الذمة " وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة " . ( 1 ) فان كان له مال ظاهر فانه لا يفرق بينه وبين زوجته وينفذ حكم النفقة فيه . ( 2 ) سورة الطلاق آية 7
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:55 am

شهرا ، وكان ذلك عقوبة لهن ، وإذا كانت المطالبة بما لا يملك الزوج تستحق العقاب ، فأولى أن يكون طلب التفريق عند الاعسار ظلما لا يلتفت إليه 4 - قالوا : وإذا كان الامتناع عن الانفاق مع القدرة عليه ظلما ، فإن الوسيلة في رفع هذا الظلم هي بيع ماله للانفاق منه ، أو حبسه حتى ينفق عليها ، ولا يتعين التفريق لدفع هذا الظلم مادام هناك وسائل أخرى ، وإذا كان كذلك فالقاضي لا يفرق بهذا السبب لان التفريق أبغض الحلال إلى الله من الزوج صاحب الحق ، فكيف يلجأ القاضي إليه مع أنه غير متعين ، وليس هو السبيل الوحيدة لرفع الظلم . هذا إذا كان قادرا على الانفاق ، فإن كان معسرا فإنه لم يقع منه ظلم لان الله لا يكلف نفسا إلا ما آتاها . مادة ( 5 ) : إذا كان الزوج غائبا غيبة قريبة ، فإن كان له مال ظاهر نفذ الحكم عليه بالنفقة في ماله ، وإن لم يكن له مال ظاهر أعذر إليه القاضي بالطرق المعروفة ، وضرب له أجلا ، فإن لم يرسل ما تنفق منه زوجته على نفسها ، أو لم يحضر للانفاق عليها ، طلق عليه القاضي بعد مضي الاجل . فإذا كان بعيد الغيبة لا يسهل الوصول إليه ، أو كان مجهول المحل ، أو كان مفقودا ، وثبت أنه لا مال له تنفق منه الزوجة ، طلق عليه القاضي . وتسري أحكام هذه المادة على المسبحون الذي يعسر بالنفقة . مادة ( 6 ) : تطليق القاضي لعدم الانفاق يقع رجعيا ، وللزوج أن يراجع زوجته إذا ثبت إيساره واستعد للانفاق في أثناء العدة فإذا لم يثبت إيساره ولم يستعد للانفاق لم تصح الرجعة .

التطليق للضرر : ذهب الامام مالك ( 1 ) : أن للزوجة أن تطلب من القاضي التفريق إذا ادعت إضرار الزوج بها إضرارا لا يستطاع معه دوام العشرة بين أمثالهما ، مثل : ضربها ، أو سبها ، أو إيذائها بأي نوع من أنواع الايذاء الذي لا يطاق ،

( هامش ) ( 1 ) ومثله مذهب أحمد ، وخالف في ذلك أبو حنيفة والشافعي ، فلم يذهبا إلى التفريق بسبب الضرر ، لامكان إزالته بالتعزير وعدم إجبارها على طاعته .

أو إكراهها على منكر من القول أو الفعل . فإذا ثبتت دعواها لدى القاضي ببينة الزوجة ، أو اعتراف الزوج ، وكان الايذاء مما لا يطاق معه دوام العشرة بين أمثالهما وعجز القاضي عن الاصلاح بينهما طلقها طلقة بائنة . وإذا عجزت عن البينة ، أو لم يقر الزوج رفضت دعواها . فإذا تكررت منها الشكوى . وطلبت التفريق ، ولم يثبت لدى المحكمة صدق دعواها ، عين القاضي حكمين بشرط أن يكونا رجلين عدلين راشدين ، لها خبرة بحالهما ، وقدرة على الاصلاح بينهما . ويحسن أن يكونا من أهلهما إن أمكن . وإلا فمن غيرهم ، ويجب عليهما تعرف أسباب الشقاق بين الزوجين ، والاصلاح بينهما بقدر الامكان ، فإن عجزا عن الاصلاح وكانت الاساءة من الزوجين ، أو من الزوج ، أو لم تتبين الحقائق ، قررا التفريق بينهما بطلقة بائنة ( 1 ) وإن كانت الاساءة من الزوجة فلا يفرق بينهما بالطلاق . وإنما يفرق بينهما بالخلع . وإن لم يتفق الحكمان على رأي أمرهما القاضي بإعادة التحقيق والبحث فإن لم يتفقا على رأي استبدلهما بغيرهما . وعلى الحكمين أن يرفعا إلى القاضي ما يستقر عليه رأيهما . يجب عليه أن ينفذ حكمهما . وأصل ذلك كله قول الله سبحانه : " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها ، إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما " ( 2 ) ، والله تعالى يقول أيضا : " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " وقد فات الامساك بمعروف ، فتعين التسريح بإحسان والرسول عليه الصلاة والسلام يقول : " لاضرر ولا ضرار " .

( هامش ) ( 1 ) ذهب أبو حنيفة وأحمد والشافعي - في أحد قوليه - إلى أنه ليس للحكمين أن يطلقا إلا أن يجعل الزوج ذلك إليهما . وقال مالك والشافعي : إن رأيا الاصلاح بعوض أو بغير عوض جاز ، وإن رأيا الخلع جاز ، وإن رأى الذي من قبل الزوج الطلاق طلق ، ولا يحتاج إلى إذن الزوج في الطلاق ، وهذا مبني على أنهما حكمان لا وكيلان . ( 2 ) النساء آية 35 .

وجاء في قانون رقم 25 لسنة 1929 . ( مادة 6 ) : " إذا ادعت الزوجة إضرار الزوج بها بما لا يستطاع معه دوام العشرة بين أمثالهما ، يجوز لها أن تطلب من القاضي التفريق ، وحينئذ يطلقها القاضي طلقة بائنة إذا ثبت الضرر وعجز عن الاصلاح بينهما . فإذا رفض الطلب ثم تكررت الشكوى ، ولم يثبت الضرر ، بعث القاضي حكمين وقضى على الوجه المبين بالمواد " 7 ، 8 ، 9 ، 10 ، 11 " . مادة ( 7 ) : " يشترط في الحكمين أن يكونا رجلين عدلين من أهل الزوجين إن أمكن ، وإلا فمن غيرهم ، ممن له خبرة بحالهما ، وقدرة على الاصلاح بينهما . مادة ( 8 ) : على الحكمين أن يتعرفا أسباب الشقاق بين الزوجين ويبذلا جهدهما في الاصلاح ، فإن أمكن على طريقة معينة قرراها . مادة ( 9 ) : إذا عجز الحكمان عن الاصلاح وكانت الاساءة من الزوج أو منهما ، أو جهل الحال قررا التفريق بطلقة بائنة . مادة ( 10 ) : إذا اختلف الحكمان أمرهما القاضي بمعاودة البحث فان استمر الخلاف بينهما حكم غيرهما . على الحكمين أن يرفعا إلى القاضي ما يقررانه ، وعلى القاضي أن يحكم بمقتضاه .

التطليق لغيبة الزوج : التطليق لغيبة الزوج هو مذهب مالك وأحمد ( 1 ) ، دفعا للضرر عن المرأة ، فللمرأة أن تطلب التفريق إذا غاب عنها زوجها ولو كان له مال تنفق منه ، بشرط : 1 - أن يكون غياب الزوج عن زوجته لغير عذر مقبول . 2 - أن تتضرر بغيابه . 3 - أن تكون الغيبة في بلد غير الذي تقيم فيه . 4 - أن تمر سنة تتضرر فيها الزوجة .

( هامش ) ( 1 ) مالك يرى أنه طلاق بائن وأحمد يرى أنه فسخ .

فإن كان غيابه عن زوجته بعذر مقبول : كغيابه لطلب العلم ، أو ممارسة التجارة ، أو لكونه موظفا خارج البلد ، أو مجندا في مكان ناء ، فإن ذلك لا يجيز طلب التفريق ، وكذلك إذا كانت الغيبة في البلد الذي تقيم فيه . وكذلك لها الحق في أن تطلب التفريق للضرر الواقع عليها لبعد زوجها عنها لا لغيابه . ولابد من مرور سنة يتحقق فيها الضرر بالزوجة وتشعر فيها بالوحشة ، ويخشى فيها على نفسها من الوقوع فيما حرم الله . والتقدير بسنة قول عند الامام مالك ( 1 ) . وقيل : ثلاث سنين ، ويرى أحمد : أن أدنى مدة يجوز أن تطلب التفريق بعدها ستة أشهر ، لانها أقصى مدة تستطيع المرأة فيها الصبر عن غياب زوجها كما تقدم ذلك في فصل سابق ، واستفتاء عمر وفتوى حفصة رضي الله عنهما .

التطليق لحبس الزوج : ومما يدخل في هذا الباب - عند مالك وأحمد - التطليق لحبس الزوج ، لان حبسه يوقع بالزوجة الضرر ، لبعده عنها . فإذا صدر الحكم بالسجن لمدة ثلاث سنين ، أو أكثر ، وكان الحكم نهائيا ، ونفذ على الزوج ، ومضت سنة فأكثر من تاريخ تنفيذه ، فللزوجة أن تطلب من القاضي الطلاق لوقوع الضرر بها بسبب بعده عنها . فإذا ثبت ذلك طلقها القاضي طلقة بائنة عند مالك ، ويعتبر ذلك فسخا عند أحمد . قال ابن تيمية : وعلى هذا فالقول في امرأة الاسير والمحبوس ونحوهما ممن تعذر انتفاع امرأته به ، كالقول في امرأته المفقود بالاجماع . وجاء في القانون مادة ( 12 ) : " إذا غاب الزوج سنة فأكثر بلا عذر مقبول ، جاز لزوجته أن تطلب إلى القاضي تطليقها بائنا إذا تضررت من بعده عنها ، ولو كان له مال تستطيع الانفاق منه " . مادة ( 13 ) : " إن أمكن وصول الرسائل إلى الغائب ضرب له القاضي أجلا و أعذر إليه ، بأنه يطلقها عليه إن لم يحضر للاقامة معها أو ينقلها إليه أو يطلقها . فإذا انقضى الاجل ، ولم يفعل ، ولم يبد عذرا مقبولا ، فرق القاضي بينهما بتطليقة بائنة ، وإن لم يمكن وصول الرسائل إلى الغائب طلقها القاضي عليه بلا إعذار وضرب أجل " . مادة ( 14 ) : " لزوجة المحبوس المحكوم عليه نهائيا بعقوبة مقيدة للحرية مدة ثلاث سنين فأكثر ، أن تطلب للقاضي بعد مضي سنة من حبسه التطليق عليه بائنا للضرر ولو كان له مال تستطيع الانفاق منه . أما التفريق للعيب فقد تقدم القول فيه في فصل سابق .

الخلع الحياة الزوجية لا تقوم إلا على السكن ، والمودة ، والرحمة ، وحسن المعاشرة ، وأداء كل من الزوجين ما عليه من حقوق . وقد يحدث أن يكره الرجل زوجته ، أو تكره هي زوجها . والاسلام في هذه الحال يوصي بالصبر والاحتمال ، وينصح بعلاج ما عسى أن يكون من أسباب الكراهية ، قال الله تعالى : " وعاشروهن بالمعروف ، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ، ويجعل الله فيه خيرا كثيرا " ( 1 ) . وفي الحديث الصحيح : " لا يفرك مؤمن مؤمنة ، إن كره منها خلقا رضي منها خلقا آخر " . إلا أن البغض قد يتضاعف ، ويشتد الشقاق ، ويصعب العلاج ، وينفد الصبر ، ويذهب ما أسس عليه البيت من السكن والمودة ، والرحمة ، وأداء الحقوق . وتصبح الحياة الزوجية غير قابلة للاصلاح ، وحينئذ يرخص الاسلام بالعلاج الوحيد الذي لابد منه . فإن كانت الكراهية من جهة الرجل ، فبيده الطلاق ، وهو حق من حقوقه ، وله أن يستعمله في حدود ما شرع الله . وان كانت الكراهية من جهة المرأة ، فقد أباح لها الاسلام أن تتخلص من الزوجية بطريق الخلع ، بأن تعطي الزوج ما كان أخذ ت منه باسم الزوجية لينهي علاقته بها . وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى : " ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ، إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله ، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به " ( 2 ) . وفي أخذ الزوج الفدية عدل وإنصاف ، إذ أنه هو الذي أعطاها المهر وبذل تكاليف الزواج ، والزفاف ، وأنفق عليها ، وهي التي قابلت هذا كله بالجحود ، وطلبت الفراق ، فكان من النصفة أن ترد عليه ما أخذت . وإن كانت الكراهية منهما معا : فإن طلب الزوج التفريق فبيده الطلاق وعليه تبعاته ، وإن طلبت الزوجة الفرقة ، فبيدها الخلع وعليها تبعاته كذلك . قيل إن الخلع وقع في الجاهلية . ذلك أن عامر بن الظرب زوج ابنته ابن أخيه ، عامر بن الحارث ، فلما دخلت عليه ، نفرت منه ، فشكا إلى أبيها ، فقال : : لا أجمع عليك فراق أهلك ومالك وقد خلعتها منك بما أعطيتها .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:56 am

تعريفه : والخلع الذي أباحه الاسلام مأخوذ من خلع الثوب إذا أزاله ، لان المرأة لباس الرجل ، والرجل لباس لها . قال الله تعالى : " هن لباس لكم ، وأنتم لباس لهن " ( 1 ) . ويسمى الفداء ، لان المرأة تفتدي نفسها بما تبذله لزوجها . وقد عرفه الفقهاء بأنه " فراق الرجل زوجته يبدل يحصل له " . والاصل فيه ما رواه البخاري ، والنسائي ، عن ابن عباس . قال : " جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ما أعتب عليه في خلق ولادين ( 1 ) ولكني أكره الكفر في الاسلام . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتردين عليه حديقته ؟ قالت : نعم . فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم . اقبل الحديقة وطلقها تطليقة " .

ألفاظ الخلع : والفقهاء يرون أنه لابد في الخلع من أن يكون بلفظ الخلع أو بلفظ مشتق منه . أو لفظ يؤدي معناه . مثل المبارأة والفدية . فإذا لم يكن بلفظ الخلع ولا

( 1 ) سورة البقرة آية 187 . ( 2 ) أي أنها لا تريد مفارقته لسوء خلقه ، ولا لنقصان دينه ، ولكن كانت تكرهه لدمامته ، وهي تكره أن تحملها الكراهية على التقصير فيما يجب له من حق ، والمقصود بالكفر كفران العشير .

بلفظ فيه معناه . كأن يقول لها : أنت طالق في مقابل مبلغ كذا ، وقبلت ، كان طلاقا على مال ولم يكن خلعا . وناقش ابن القيم هذا الرأي فقال : " ومن نظر إلى حقائق العقود ومقاصدها دون ألفاظها : يعد الخلع فسخا بأي لفظ كان ، حتى بلفظ الطلاق " . وهذا أحد الوجهين لاصحاب أحمد . وهو إختيار شيخ الاسلام ابن تيمية ، ونقل عن ابن عباس . ثم قال ابن تيمية : " ومن اعتبر الالفاظ ووقف معها واعتبرها في أحكام العقود جعله " بلفظ الطلاق طلاقا " . ثم قال ابن القيم مرجحا هذا الرأي . وقواعد الفقه وأصوله تشهد أن المرعي في العقود حقائقها ومعانيها ، لا صورها وألفاظها . ومما يدل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم - أمر ثابت بن قيس أن يطلق امرأته في الخلع تطليقة ، ومع هذا أمرها أن تعتد بحيضة وهذا صريح في أنه فسخ ، ولو وقع بلفظ الطلاق . وأيضا فإنه سبحانه علق عليه أحكام الفدية بكونه فدية ومعلوم أن الفدية لا تختص بلفظ ، ولم يعين الله سبحانه لها لفظا معينا . وطلاق الفداء طلاق مقيد ، ولا يدخل تحت أحكام الطلاق المطلق . كما لا يدخل تحتها في ثبوت الرجعة والاعتداد بثلاثة قروء بالسنة الثابتة ( 1 ) " .

العوض في الخلع : الخلع - كما سبق - إزالة ملك النكاح في مقابل مال . فالعوض جزء أساسي من مفهوم الخلع . فإذا لما يتحقق العوض لا يتحقق الخلع . فإذا قال الزوج لزوجته : خالعتك ، وسكت . لم يكن ذلك خلعا ، ثم إنه إن نوى الطلاق ، كان طلاقا رجعيا . وإن لم ينو شيئا لم يقع به شئ ، لانه من ألفاظ الكتابة التي تفتقر إلى النية . كل ما جاز أن يكون مهرا جاز أن يكون عوضا في الخلع : ذهبت الشافعية إلى أنه لافرق في جواز الخلع ، بين أن يخالع على الصداق ، أو على بعضه ، أو على مال آخر ، سواء كان أقل من الصداق أم أكثر . ولافرق بين العين ، والدين والمنفعة . وضابطه أن " كل ما جاز أن يكون صداقا جاز أن يكون عوضا في الخلع " لعموم قوله تعالى : " فلا جناح عليهما فيما افتدت به " . ولانه عقد على بضع فأشبه النكاح . ويشترط في عوض الخلع أن يكون معلوما متمولا ، مع سائر شروط الاعواض ، كالقدرة على التسليم ، استقرار الملك وغير ذلك ، لان الخلع عقد معاوضة ، فأشبه البيع والصداق ، وهذا صحيح في الخلع الصحيح . أما الخلع الفاسد فلا يشترط العلم به ، فلو خالعها على مجهول ، كثوب غير معين ، أو على حمل هذه الدابة ، أو خالعها بشرط فاسد . كشرط ألا ينفق عليها وهي حامل ، أو لاسكنى لها ، أو خالعها بألف إلى أجل مجهول ونحو ذلك - بانت منه بمهر المثل . أما حصول الفرقة ، فلان الخلع ، إما فسخ أو طلاق ، فإن كان فسخا فالنكاح لا يفسد بفساد العوض ، فكذا فسخه ، إذ الفسوخ تحكي العقود . وإن كان طلاقا ، فالطلاق يحصل بلا عوض ، وماله حصول بلا عوض فيحسن مع فساد العوض ، كالنكاح ، بل أولى ، ولقوة الطلاق وسرايته . أما الرجوع إلى مهر المثل ، فلان قضية فساد العوض ارتداد العوض الآخر . والبضع لا يرتد بعد حصول الفرقة ، فوجب رد بدله . ويقاس بما ذكرنا ما يشبهه ، لان ما لم يكن ركنا في شئ لا يضر الجهل به كالصداق . ومن صور ذلك ما لو خالعها على ما في كفها ، ولم يعلم ، فإنها تبين منه بمهر المثل . فإن لم يكن في كفها شئ . ففي الوسيط أنه يقع طلاقا رجعيا ، والذي نقله غيره أنه يقع بائنا بمهر المثل . أما المالكية فقالوا : يجوز الخلع بالغرر كجنين ببطن بقرة أو غيره ، فلو نفق ( 1 ) الحمل فلا شئ له ، وبانت . وجاز بغير موصوف ، وبثمرة لم يبد صلاحها ، وبإسقاط حضانتها لولده . وينتقل الحق له . وإذا خالعها بشئ حرام . كخمر ، أو مسروق علم به ، فلا شئ له ، وبانت ، وأريق الخمر ، ورد المسروق لربه ، ولا يلزم الزوجة شئ بدل ذلك ، حيث كان الزوج عالما بالحرمة ، علمت هي أم لا . أما لو علمت هي بالحرمة دونه فلا يلزمه الخلع . الزيادة في الخلع على ما أخذت الزوجة من الزوج : ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجوز أن يأخذ الزوج من الزوجة زيادة على ما أخذت منه ، لقول الله تعالى : " فلا جناح عليهما فيما افتدت به ( 2 ) " . وهذا عام يتناول القليل والكثير . روى البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال : " كانت أختي تحت رجل من الانصار ، فارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أتردين حديقته ؟ قالت : وأزيد عليها ، فردت عليه حديقته وزادته ( 3 ) " . ويرى بعض العلماء : أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ منها أكثر مما أخذت منه ، لما رواه الدارقطني بإسناد صحيح : " أن أبا الزبير قال : إنه كان أصدقها حديقة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أتردين عليه حديقته التي أعطاك . قالت : نعم وزيادة . فقال النبي صلى الله وسلم : أما الزيادة فلا ، ولكن حديقته . قالت : نعم " . وأصل الخلاف في هذه المسألة الخلاف في تخصيص عموم الكتاب بالاحاديث الآحادية فمن رأى أن عموم الكتاب يخصص بأحاديث الآحاد : قال لا تجوز الزيادة ، ومن ذهب إلى أن عموم الكتاب لا يخصص بأحاديث الآحاد ، رأى جواز الزيادة . وفي " بداية المجتهد " قال : " فمن شبهه بسائر الاعواض في المعاملات ، رأى أن القدر فيه راجع إلى الرضا ، ومن أخذ بظاهر الحديث لم يجز أكثر من ذلك ، فكأنه رآه من باب أخذ المال بغير حق " .

الخلع دون مقتض : والخلع إنما يجوز إذا كان هناك سبب يقتضيه . كأن يكون الرجل معيبا في خلقه ، أو سيئا في خلقه ، أو لايؤدي للزوجة حقها ، وأن تخاف المرأة ألا تقيم حدود الله ، فيما يجب عليها من حسن الصحبة ، وجميل المعاشرة . كما هو ظاهر الآية . فإن لم يكن ثمة سبب يقتضيه فهو محظور ، لما رواه أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة : ( المختلعات هن المنافقات ) . وقد رأى العلماء الكراهة .

الخلع بتراضي الزوجين : والخلع يكون بتراضي الزوج والزوجة ، فإذا لم يتم التراضي منهما فللقاضي إلزام الزوج بالخلع ، لان ثابتا وزوجته رفعا أمرهما للنبي صلى الله عليه وسلم ، وألزمه الرسول بأن يقبل الحديقة ، ويطلق . كما تقدم في الحديث . الشقاق من قبل الزوجة كاف في الخلع : قال الشوكاني : وظاهر أحاديث الباب أن مجرد وجود الشقاق من قبل المرأة كاف في جواز الخلع . واختار ابن المنذر أنه لا يجوز حتى يقع الشقاق منهما جميعا ، وتمسك بظاهر الآية . وبذلك قال طاووس ، والشعبي وجماعة من التابعين . . وأجاب عن ذلك جماعة ، منهم الطبري : بأن المراد ، أنها إذا لم تقم بحقوق الزوج كان ذلك مقتضيا لبغض الزوج لها ، فنسبت المخالفة إليها لذلك . ويؤيد عدم اعتبار ذلك من جهة الزوج أنه صلى الله عليه وسلم لم يستفسر ثابتا عن كراهته لها عند إعلانها بالكراهة له .

حرمة الاساءة إلى الزوجة لتختلع : يحرم على الرجل أن يؤذي زوجته بمنع بعض حقوقها . حتى تضجر وتختلع نفسها . فإن فعل ذلك فالخلع باطل ، والبدل مردود ، ولو حكم به قضاء . وإنما حرم ذلك حتى لا يجتمع على المرأة فراق الزوج والغرامة المالية ، وقال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن ( 1 ) لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ( 2 ) " . ولقوله سبحانه : " وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ، وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ( 3 ) " . ويرى بعض العلماء نفاذ الخلع في هذه الحال مع حرمة العضل . وأما الامام مالك فيرى أن الخلع ينفذ على أنه طلاق ، ويجب على الزوج أن يرد البدل الذي أخذه من زوجته جواز الخلع في الطهر والحيض : يجوز الخلع في الطهر والحيض ، ولا يتقيد وقوعه بوقت : لان الله سبحانه أطلقه ولم يقيده بزمن دون زمن . قال الله تعالى : " فلا جناح عليهما فيما افتدت به ( 4 ) " . ولان الرسول عليه الصلاة والسلام أطلق الحكم في الخلع بالنسبة لامرأة ثابت بن قيس ، من غير بحث ، ولااستفصال عن حال الزوجة ، وليس الحيض بأمر نادر الوجود بالنسبة للنساء . قال الشافعي : " ترك الاستفصال في قضايا الاحوال مع قيام الاحتمال

( هامش ) العضل : التضييق والمنع .

ينزل منزلة العموم في المقال . والنبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل هل هي حائض أم لا ؟ ولان المنهي عنه الطلاق في الحيض : من أجل ألا تطول عليها العدة . وهي - هنا - التي طلبت الفراق ، واختلعت نفسها ورضيت بالتطويل .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:57 am

الخلع بين الزوج وأجنبي : يجوز أن يتفق أحد الاشخاص مع الزوج على أن يخلع الزوج زوجته ، ويتعهد هذا الشخص الاجنبي بدفع بدل الخلع للزوج ، وتقع الفرقة ، ويلتزم الاجنبي بدفع البدل للزوج . ولا يتوقف الخلع في هذه الصورة على رضا الزوجة لان الزوج يملك إيقاع الطلاق من نفسه بغير رضا زوجته ، والبدل يجب على من التزم به . وقال أبو ثور : لا يصح لانه سفه ، فإنه يبذل عوضا في مقابلة ما لا منفعة له فيه ، فإن الملك لا يحصل له . وقيده بعض علماء المالكية ، بأن يقصد به تحقيق مصلحة أو درء مفسدة ، فإن قصد به الاضرار بالزوجة فلا يصح . ففي " مواهب الجليل " : " ينبغي أن يقيد المذهب بما إذا كان الغرض من التزام الاجنبي ذلك للزوج ، حصول مصلحة ، أو درء مفسدة ترجع إلى ذلك الاجنبي ، مما لا يقصد به إضرار المرأة " . وأما ما يفعله أهل الزمان في بلدنا من التزام أجنبي ذلك وليس قصده إلا إسقاط النفقة الواجبة في العدة للمطلقة على مطلقها - فلا ينبغي أن يختلف في المنع ابتداء . وفي انتفاع المطلق بذلك بعد وقوعه نظر . الخلع يجعل أمر المرأة بيدها : ذهب الجمهور ، ومنهم الائمة الاربعة ، إلى أن الرجل إذا خالع امرأته ملكت نفسها وكان أمرها إليها ، ولا رجعة له عليها ، لانها بذلت المال لتتخلص من الزوجية ، ولو كان يملك رجعتها لم يحصل للمرأة الافتداء من الزوج بما بذلته له . وحتى لو رد عليها ما أخذ منها ، وقبلت - ليس له أن يرتجعها في العدة ، لانها قد بانت منه بنفس الخلع . روي عن ابن المسيب والزهري : أنه إن شاء أن يراجعها فليرد عليها ما أخذه منها في العدة ، وليشهد على رجعته . جواز تزوجها برضاها : ويجوز للزوج أن يتزوجها برضاها في عدتها ، ويعقد عليها عقدا جديدا . خلع الصغيرة المميزة ( 1 ) : ذهب الاحناف إلى أنه إذا كانت الزوجة صغيرة مميزة وخالعت زوجها ، وقع عليها طلاق رجعي ولا يلزمها المال . أما وقوع الطلاق . فلان عبارة الزوج معناها تعليق الطلاق على قبولها ، وقد صح التعليق لصدوره من أهله ، ووجد المعلق عليها ، وهو القبول ممن هي أهل له ، لان الاهلية للقبول تكون بالتمييز - وهي هنا صغيرة مميزة - ومتى وجد المعلق عليه وقع الطلاق المعلق . وأما عدم لزوم المال : فلانها صغيرة ليست أهلا للتبرع ، إذ يشترط في الاهلية للتبرع : العقل والبلوغ ، وعدم الحجر لسفه أو مرض . وأما كون الطلاق رجعيا : فلانه لما لم يصح التزام المال ، كان طلاقا مجردا لا يقابله شئ من المال ، فيقع رجعيا .

خلع الصغيرة غير المميزة : وأما الصغيرة غير المميزة فلا يقع خلعها طلاقا أصلا ، لعدم وجود المعلق عليه ، وهو القبول ممن هو أهله . خلع المحجور عليها ( 2 ) : قالوا : وإذا كانت الزوجة محجورا عليها لسفه وخالعها زوجها على مال

وقبلت ، لا يلزمها المال ، ويقع عليها الطلاق الرجعي ، مثل الصغيرة المميزة في أنها ليست أهلا للتبرع ، ولكنها أهل للقبول .

الخلع بين ولي الصغيرة وزوجها : وإذا جرى الخلع بين ولي الصغيرة وزوجها ، بأن قال زوج الصغيرة لابيها : خالعت ابنتك على مهرها ، أو على مائة جنيه من مالها ، ولم يضمن الاب البدل له . وقال : قبلت ، طلقت ، ولا يلزمها المال ولا يلزم أباها . أما وقوع الطلاق فلان الطلاق المعلق يقع متى وجد المعلق عليه ، وهو هنا قبول الاب ، وقد وجد . أما عدم لزوجها المال ، فلانها ليست أهلا لالتزام التبرعات . وأما عدم لزوم أبيها المال ، فلانه لم يلتزمه بالضمان ، ولا إلزام بدون التزام . ولهذا إذا ضمنه لزمه . وقيل : لا يقع الطلاق في هذه الحال لان المعلق عليه قبول دفع البدل . وهو لم يتحقق . وهذا القول ظاهر ، ولكن العمل بالقول الاول .

خلع المريضة : لا خلاف بين العلماء في جواز الخلع من المريضة ، مرض الموت . فلها أن تخالع زوجها . كما للصحيحة سواء بسواء . إلا أنهم اختلفوا في القدر الذي يجب أن تبذله للزوج مخافة أن تكون راغبة في محاباة الزوج على حساب الورثة . فقال الامام مالك : يجب أن يكون بقدر ميراثه منها . فإن زاد على إرثه منها تحرم الزيادة ويجب ردها ، وينفذ الطلاق . ولا توارث بينهما إذا كان الزوج صحيحا . وعند الحنابلة : مثل ما عند مالك ، في أنه إذا خالعت بميراثه منها فما دونه صح ولا رجوع فيه ، وإن خالعته بزيادة بطلت هذه الزيادة . وقال الشافعي : لو اختلعت منه بقدر مهر مثلها جاز . وإن زاد على ذلك كانت الزيادة من الثلث وتعتبر تبرعا . . أما الاحناف : فقد صححوا خلعها بشرط ألا يزيد عن الثلث مما تملك . وأنها متبرعة ، والتبرع في مرض الموت وصية ، والوصية لا تنفذ إلا من الثلث للاجنبي ، والزوج صار بالخلع أجنبيا . قالوا : وإذا ماتت هذه المخالعة المريضة وهي في العدة . لا يستحق زوجها إلا أقل هذه الامور ، بدل الخلع ، وثلث تركتها ، وميراثه منها . لانه قد تتواطأ الزوجة مع زوجها في مرض موتها وتسمي له بدل خلع باهظا ، يزيد عما يستحقه بالميراث . فلاجل الاحتياط لحقوق ورثتها ، وردا لقصد المتواطأ عليه . قلنا : إنها إذا ماتت في العدة لا تأخذ إلا أقل الاشياء الثلاثة . فإن برئت من مرضها ولم تمت منه ، فله جميع البدل المسمى ، لانه تبين أن تصرفها لم يكن في مرض الموت . أما إذا ماتت بعد انقضاء عدتها فله بدل الخلع المتفق عليه ، بشرط ألا يزيد عن ثلث تركتها ، لانه في حكم الوصية . والذي عليه العمل الان في المحاكم بعد صدور قانون الوصية سنة 1946 : أن للزوج الاقل من بدل الخلع ، وثلث التركة التي خلفتها زوجته ، سواء أكانت وفاتها في العدة أم بعد انتهائها ، إذ أن هذا القانون أجاز الوصية للوارث ، وغير الوارث - ونص على نفاذها فيما لا يزيد عن الثلث بدون توقف على إجازة أحد . وعلى هذا ، فلا يكون هناك حاجة إلى فرض محاباة زوجها بأكثر من نصيبه ومنعها من ذلك . هل الخلع طلاق أم فسخ : ذهب جمهور العلماء إلى أن الخلع طلاق بائن ، لما تقدم في الحديث من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خذ الحديقة وطلقها تطليقة " . ولان الفسوخ إنما هي التي تقتضي الفرقة الغالبة للزوج في الفراق ، مما ليس يرجع إلى اختياره . وهذا راجع إلى الاختيار ، فليس بفسخ . وذهب بعض العلماء ، منهم أحمد ، وداود من الفقهاء ، وابن عباس ، وعثمان ، وابن عمر من الصحابة : إلى أنه فسخ . لان الله تعالى ذكر في كتابه الطلاق ، فقال : " الطلاق مرتان " . ثم ذكر الافتداء . ثم قال : " فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره " ( 1 ) . فلو كان الافتداء طلاقا لكان الطلاق الذي لا تحل له فيه إلا بعد زواج ، هو الطلاق الرابع . ويجوز هؤلاء أن الفسوخ تقع بالتراضي ، قياسا على فسوخ البيع كما في الاقالة ( 2 ) . قال ابن القيم : والذي يدل على أنه ليس بطلاق أنه سبحانه وتعالى رتب الطلاق بعد الدخول الذي لا يستوف عدده ثلاثة أحكام ، كلها منتفية عن الخلع : ( الاول ) أن الزوج أحق بالرجعة فيه . ( الثاني ) أنه محسوب من الثلاث ، فلا تحل بعد استيفاء العدد ، إلا بعد دخول زوج وإصابته . ( الثالث ) أن العدة فيه ثلاثة قروء . وقد ثبت بالنص والاجماع أنه لا رجعة في الخلع ، وثبت بالسنة وأقوال الصحابة أن العدة فيه حيضة واحدة ( 3 ) ، وثبت بالنص جوازه بعد طلقتين ، ووقوع ثالثة بعدها . وهذا ظاهر جدا في كونه ليس بطلاق . وثمرة هذا الخلاف تظهر في الاعتداد بالطلاق . فمن رأى أنه طلاق ، احتسبه طلقة بائنة . ومن رأى أنه فسخ لم يحتسبه ، فمن طلق امرأته تطليقتين ثم خالعها ، ثم أراد أن يتزوجها فله ذلك ، وإن لم تنكح زوجا غيره ، لانه ليس له غير تطليقتين . والخلع لغو . ومن جعل الخلع طلاقا قال : لم يجز له أن يرتجعها حتى تنكح زوجا غيره ، لانه بالخلع كملت الثلاث . هل يلحق المختلعة طلاق ؟ : المختلعة لا يلحقها طلاق ، سواء قلنا بأن الخلع طلاق أو فسخ ، وكلاهما

( هامش ) ( 1 ) سورة البقرة آية 230 . ( 2 ) بداية المجتهد ص 65 ج‍ 2 . ( 3 ) قال الخطابي : هذا أقوى دليل لمن قال : إن الخلع فسخ وليس بطلاق ، إذ لو كان طلاقا لم يكتف بحيضة للعدة

يصير المرأة أجنبية عن زوجها . وإذا صارت أجنبية عنه ، فإنه لا يلحقها الطلاق . وقال أبو حنيفة : المختلعة يلحقها الطلاق ، ولذلك لا يجوز عنده أن ينكح مع المبتوتة أختها . عدة المختلعة : ثبت من السنة أن المختلعة تعتد بحيضة . ففي قصة ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : " خذ الذي لها عليك وخل سبيلها . قال : نعم . فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعتد بحيضة واحدة وتلحق بأهلها " . رواه النسائي بإسناد رجاله ثقاة . وإلى هذا ذهب عثمان ، وابن عباس ، وأصح الروايتين عن أحمد ، وهو مذهب إسحق بن راهويه ، واختاره شيخ الاسلام ابن تيمية وقال : من نظر هذا القول وجده مقتضى قواعد الشريعة : فإن العدة إنما جعلت ثلاث حيض ، ليطول زمن الرجعة ، ويتروى الزوج ويتمكن من الرجعة في مدة العدة ، فإذا لم تكن عليها رجعة فالمقصود براءة رحمها من الحمل ، وذلك يكفي فيه حيضة كالاستبراء . وقال ابن القيم : هذا مذهب أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، وعبد الله ابن عمر ، والربيع بنت معوذ ، وعمها وهو من كبار الصحابة رضي الله عنهم ، فهؤلاء الاربعة من الصحابة لا يعرف لهم مخالف منهم ، كما رواه الليث بن سعد ، عن نافع مولى ابن عمر : أنه سمع الربيع بنت معوذ بن عفراء ، وهي تخبر عبد الله بن عمر ، أنها اختلعت من زوجها على عهد عثمان بن عفان . فجاء عمها إلى عثمان ، فقال له : إن ابنة معوذ اختلعت من زوجها اليوم ، أفتنتقل ؟ فقال عثمان : لتنتقل ، ولا ميراث بينهما . ولا عدة عليها . إلا أنها لا تنكح حتى تحيض حيضة . خشية أن يكون بها حبل . فقال عبد الله بن عمر : فعثمان خيرنا وأعلمنا . ونقل عن أبي جعفر النحاس في كتاب - الناسخ والمنسوخ - أن هذا إجماع من الصحابة . . ومذهب الجمهور من العلماء أن المختلعة عدتها ثلاث حيض إن كانت ممن يحيض .

نشوز الرجل إذا خافت المرأة نشوز زوجها وإعراضة عنها إما لمرضها أو لكبر سنها ، أو لدمامة وجهها ، فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما ، ولو كان في الصلح تنازل الزوجة عن بعض حقوقها ترضية لزوجها . لقول الله سبحانه : " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا ، والصلح خير ( 1 ) " . وروى البخاري عن عائشة قالت في هذه الرواية : " هي المرأة تكون عند الرجل ، لا يستكثر منها ، فيريد طلاقها ، ويتزوج عليها ، تقول : أمسكني ، ولا تطلقني ، وتزوج غيري ، فأنت في حل من النفقة علي والقسمة لي " . روى أبو داود عن عائشة أن سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت ( 2 ) أن يفارقها رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت : " يارسول الله يومي لعائشة " فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت : في ذلك أنزل الله جل ثناؤه ، وفي أشباهها . أراه قال : " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا " . قال في المغني : ومتى صالحته على ترك شئ من قسمتها أو نفقتها ، أو على ذلك كله جاز . . فإن رجعت فلها ذلك . قال أحمد في الرجل يغيب عن امرأته فيقول لها : إن رضيت على هذا ، وإلا فأنت أعلم ، فتقول : قد رضيت ، فهو جائز ، فإن شاءت رجعت .

الشقاق بين الزوجين : إذا وقع الشقاق بين الزوجين واستحكم العداء وخيف من الفرقة وتعرضت

( هامش ) ( 1 ) سورة النساء آية 128 . ( 2 ) فرقت : خافت .

الحياة الزوجية للانهيار بعث الحاكم حكمين لينظرا في أمرهما ، ويفعلا ما فيه المصلحة من إبقاء الحياة للزوجية أو إنهائها . يقول الله سبحانه : " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها " . ويشترط أن يكون الحكمان عاقلين بالغين عدلين مسلمين . ولا يشترط أن يكونا من أهلهما ، فإن كانا من غير أهلهما جاز ، والامر في الاية للندب ، لانهما أرفق من جانب وأدرى بما يحدث ، وأعلم بالحال من جانب آخر . وللحكمين أن يفعلا ما فيه المصلحة من الابقاء أو الانهاء دون الحاجة إلى رضا الزوجين أو توكيلهما . وهذا رأي علي ، وابن عباس ، وأبي سلمة بن عبد الرحمن ، والشعبي ، والنخعي ، وسعيد بن جبير ، ومالك ، والاوزاعي ، وإسحاق ، وابن المنذر . وقد تقدم ذلك في فصل سابق ( 1 )

( هامش ) ( 1 ) أما نشوز المرأة فقد سبق الكلام عليه في فصل " تأديب الرجل زوجته " .

الظهار تعريفه : الظهار مشتق من الظهر ، وهو قول الرجل لزوجته : أنت علي كظهر أمي . قال في الفتح : " وإنما خص الظهر بذلك دون سائر الاعضاء ، لانه محل الركوب غالبا ، ولذلك سمي المركوب ظهرا ، فشبهت المرأة بذلك . لانها مركوب الرجل " . والظهار كان طلاقا في الجاهلية ، فأبطل الاسلام هذا الحكم ، وجعل الظهر محرما للمرأة حتى يكفر زوجها . فلو ظاهر الرجل يريد الطلاق ، كان ظهارا ، ولو طلق يريد ظهارا كان طلاقا ، فلو قال : " أنت علي كظهر أمي " ، وعنى به الطلاق لم يكن طلاقا ، وكان ظهارا لا تطلق به المرأة . قال ابن القيم : " وهذا لان الظهار كان طلاقا في الجاهلية ، فنسخ ، فلم يجز أن يعاد إلى الحكم المنسوخ ، وأيضا أن أوس بن الصامت إنما نوى به الطلاق على ما كان عليه ، وأجرى عليه حكم الظهار دون الطلاق ، وأيضا فإنه صريح في حكمه ، فلم يجز جعله كناية في الحكم الذي أبطله الله بشرعه ، وقضاء الله أحق ، وحكم الله أوجب " اه‍ . وقد أجمع العلماء على حرمته ، فلا يجوز الاقدام عليه لقول الله تعالى : " الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم ، إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ، وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ، وإن الله لعفو غفور " ( 1 ) . وأصل ذلك ما ثبت في السنن أن أوس بن الصامت ظاهر من زوجته خولة بنت مالك بن ثعلبة ، وهي التي جادلت فيه رسول الله صلى الله عليه

( هامش ) ( 1 ) سورة المجادلة : آية 2
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:57 am

وسلم واشتكت إلى الله ، وسمع الله شكواها من فوق سبع سموات . فقالت : " يا رسول الله ؟ إن أوس بن الصامت تزوجني ، وأنا شابة مرغوب في ، فلما خلا سني ، ونثرت بطني ، جعلني كأمة عنده . فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما عندي في أمرك شئ " . فقالت : " اللهم إني أشكو إليك " . وروي أنها قالت : " ان لي صبية صغارا ، ان ضمهم إليه ضاعوا . وإن ضممتهم إلي جاعوا " : فنزل القرآن . . وقالت عائشة : الحمد لله الذي وسع سمعه الاصوات ، لقد جاءت خولة بنت ثعلبة تشكو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنا في كسر البيت ، يخفي علي بعض كلامها ، فأنزل الله عزوجل : " قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله ، والله يسمع تحاور كما ، إن الله سميع بصير " ( 1 ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " ليعتق رقبة . قالت : لا يجد ! قال : فيصوم شهرين متتابعين . قالت : يارسول الله إنه شيخ كبير ، ما به من صيام . قال : فليطعم ستين مسكينا . قالت : ما عنده من شئ يتصدق به . قال : سأعينه بعرق من تمر ! قالت : وأنا أعينه بعرق آخر ؟ قال : أحسنت ، فأطعمي عنه ستين مسكينا ، وارجعي إلى ابن عمك " . وفي السنن أن سلمة بن صخر البياضي ، ظاهر من امرأته مدة شهر رمضان ، تم واقعها ليلة قبل انسلاخه . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أنت بذاك يا سلمة . قال : قلت : أنا بذاك ( 2 ) يارسول الله ؟ - مرتين - وأنا صابر لامر الله ، فاحكم في بما أراك الله . قال : حرر رقبة . قلت : والذي بعثك بالحق نبيا ما أملك رقبة غيرها ، وضربت صفحة رقبتي ، قال فصم شهرين

( هامش ) ( 1 ) سورة المجادلة آية 1 . ( 2 ) أي أنت الملم بذاك والمرتكب له .

متتابعين . قلت : فهل أصبت الذي أصبت إلا في الصيام ؟ . . قال : فأطعم وسقا من تمر ستين مسكينا . قلت : : والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشين ( 1 ) ، ما لنا طعام قال : فانطلق إلى صدقة بني زريق فليدفعها إليك ، فأطعم ستين مسكينا وسقا من تمر ، وكل أنت وعيالك بقيتها . قال : فرحت إلى قومي ، فقلت : وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ، ووجدت عند رسول الله السعة وحسن الرأي ، وقد أمر لي بصدقتكم " . هل الظهار مختص بالام ؟ ذهب الجمهور إلى أن الظهار يختص بالام ، كما ورد في القرآن ، وكما جاء في السنة . فلو قال لزوجته : أنت علي كظهر أمي كان مظاهرا ، ولو قال لها : أنت علي كظهر أختي لم يكن ذلك ظهارا . وذهب البعض ، منهم الاحناف ، والاوزاعي والثوري والشافعي في أحد قوليه ، وزيد بن علي ، إلى أنه يقاس على الام جميع المحارم ( 2 ) . فالظهار عندهم هو تشبيه الرجل زوجته في التحريم بإحدى المحرمات عليه على وجه التأييد بالنسب أو المصاهرة أو الرضاع ، إذ العلة هي التحريم المؤبد . ومن قال لامرأته : إنها أختي أو أمي على سبيل الكرامة والتوقير فإنه لا يكون مظاهرا . من يكون منه الظهار : والظهار لا يكون إلا من الزوج العاقل البالغ المسلم لزوجة قد انعقد زواجها انعقادا صحيحا نافذا .

الظهار المؤقت : الظهار المؤقت هو إذا ظاهر من امرأته إلى مدة . مثل أن يقول لها : " أنت

( هامش ) ( 1 ) أي بتنا مقفرين لا طعام لنا . ( 2 ) قال الائمة الثلاثة ، ورواية عن أحمد : إذا قالت المرأة لزوجها : أنت علي كظهر أمي . فانه لا كفارة عليها ، وقال أحمد في الرواية الاخرى - وهي أظهرهما - يجب عليها الكفارة إذا وطئها ، وهي التي اختارها الخرقي .

علي كظهر أمي إلى الليل " ثم أصابها قبل انقضاء تلك المدة . وحكمه أنه ظهار كالمطلق . قال الخطابي : واختلفوا فيه إذا بر فلم يحنث : فقال مالك وابن أبي ليل : إذا قال لامرأته : " أنت علي كظهر أمي إلى الليل " لزمته الكفارة وإن لم يقربها . وقال أكثر أهل العلم : لا شئ عليه إن لم يقربها . قال : وللشافعي في الظهار المؤقت قولان : أحدهما أنه ليس بظهار .

أثر الظهار : إذا ظاهر الرجل من امرأته ، وصح الظهار ترتب عليه أثران : ( الاثر الاول ) حرمة إتيان الزوجة حتى يكفر كفارة الظهار ، لقول الله سبحانه : " من قبل أن يتماسا " . وكما يحرم المسيس ، فإنه يحرم كذلك مقدماته ، من التقبيل والمعانقة ونحو ذلك ، وهذا عند جمهور العلماء . وذهب بعض أهل العلم ( 1 ) إلى أن المحرم هو الوطء فقط ، لان المسيس كناية عن الجماع . ( والاثر الثاني ) وجوب الكفارة بالعود . وما هو العود ؟ ، اختلف العلماء في العود . ما هو ؟ فقال قتادة ، وسعيد بن جبير ، وأبو حنيفة ، وأصحابه : " إنه إرادة المسيس لما حرم بالظهار " لانه إذا أراد فقد عاد من عزم ؟ إلى عزم الفعل ، سواء فعل أم لا . وقال الشافعي : بل هو إمساكها بعد الظهار وقتا يسع الطلاق ، ولم يطلق إذ تشبيهها بالام يقتضي إبانتها ، وإمساكها نقيضه ، فإذا أمسكها فقد عاد فيما قال ، لان العود للقول مخالفته . وقال مالك وأحمد : بل هو العزم على الوطء فقط ، وإن لم يطأ .

( هامش ) ( 1 ) هذا رأي الثوري ، وأحد قولي الشافعي .

وقال داود ، وشعبة ، وأهل الظاهر : بل إعادة لفظ الظهار . فالكفارة لا تجب عندهم إلا بالظهار المعاد ، لا المبتدأ . المسيس قبل التكفير : إذا مس الرجل زوجته قبل التكفير فإن ذلك يحرم ، كما تقدم بيانه ، والكفارة لا تسقط ولا تتضاعف ، بل تبقى كما هي ، كفارة واحدة . قال الصلت بن دينار : سألت عشرة من الفقهاء عن المظاهر يجامع قبل أن يكفر ؟ فقالوا : كفارة واحدة . ما هي الكفارة : والكفارة هي : عتق رقبة ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ، فإن لم يستطع ، فإطعام ستين مسكينا . لقول الله سبحانه : " والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ، ذلكم توعظون به ، والله بما تعملون خبير . فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا ، فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ( 1 ) " . وقد روعي في كفارة الظهار التشديد ، محافظة على العلاقة الزوجية ، ومنعا من ظلم المرأة . فإن الرجل إذا رأى أن الكفارة يثقل عليه الوفاء بها ، احترم العلاقة الزوجية ، وامتنع عن ظلم زوجته .

الفسخ فسخ العقد : نقضه ، وحل الرابطة التي تربط بين الزوجين ، وقد يكون الفسخ بسبب خلل وقع في العقد ، أو بسبب طارئ عليه يمنع بقاءه . مثال الفسخ بسبب الخلل الواقع في العقد : 1 - إذا تم العقد وتبين أن الزوجة التي عقد عليها أخته من الرضاع ، فسخ العقد . 2 - إذا عقد غير الاب والجد للصغير أو الصغيرة ، ثم بلغ الصغير أو الصغيرة ، فمن حق كل منهما أن يختار البقاء على الزوجية أو إنهاءها ، ويسمى هذا خيار البلوغ ، فإذا اختار إنهاء الحياة الزوجية كان ذلك فسخا للعقد .

مثال الفسخ الطارئ على العقد : 1 - إذا ارتد أحد الزوجين عن الاسلام ولم يعد إليه ، فسخ العقد بسبب الردة الطارئة . 2 - إذا أسلم الزوج وأبت زوجته أن تسلم ، وكانت مشركة ، فإن العقد حينئذ يفسخ . بخلاف ما إذا كانت كتابية فإن العقد يبقى صحيحا كما هو ، إذ أنه يصح العقد على الكتابية ابتداء . والفرقة الحاصلة بالفسخ غير الفرقة الحاصلة بالطلاق ، إذ أن الطلاق ينقسم إلى طلاق رجعي وطلاق بائن . والرجعي لا ينهي الحياة الزوجية في الحال ، والبائن ينهيها في الحال . أما الفسخ ، سواء أكان بسبب طارئ على العقد ، أم بسبب خلل فيه ، فإنه ينهي العلاقة الزوجية في الحال . ومن جهة أخرى . فإن الفرقة بالطلاق تنقص عدد الطلقات ، فإذا طلق الرجل زوجته طلقة رجعية ، ثم راجعها وهي في عدتها ، أو عقد عليها بعد انقضاء العدة عقدا جديدا ، فإنه تحسب عليه تلك الطلقة ، ولا يملك عليها بعد ذلك إلا طلقتين . وأما الفرقة بسبب الفسخ فلا ينقص بها عدد الطلقات ، فلو فسخ العقد بسبب خيار البلوغ ، ثم عاد الزوجان وتزوجا ملك عليها ثلاث طلقات . وقد أراد فقهاء الاحناف أن يضعوا ضابطا عاما لتمييز الفرقة التي هي طلاق ، من الفرقة التي هي فسخ ، فقالوا : إن كل فرقة تكون من الزوج ، ولا يتصور أن تكون من الزوجة فهي طلاق . وكل فرقة تكون من الزوجة لا بسبب من الزوج ، أو تكون من الزوج ويتصور أن تكون من الزوجة فهي فسخ .

الفسخ بقضاء القاضي : من الحالات ما يكون سبب الفسخ فيها جليا لا يحتاج إلى قضاء القاضي ، كما إذا تبين للزوجين أنهما أخوان من الرضاع ، وحينئذ يجب على الزوجين أن يفسخا العقد من تلقاء أنفسهما . ومن الحالات ما يكون سبب الفسخ خفيا غير جلي ، فيحتاج إلى قضاء القاضي ، ويتوقف عليه ، كالفسخ بإباء الزوجة المشركة الاسلام إذا أسلم زوجها ، لانها ربما لا تمتنع فلا يفسخ العقد .

اللعان تعريفه : اللعان مأخوذ من اللعن ، لان الملاعن يقول في الخامسة : " أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين " . وقيل هو الابعاد . وسمي المتلاعنان بذلك ، لما يعقب اللعان من الاثم والابعاد ، ولان أحدهما كاذب ، فيكون ملعونا . وقيل : لان كل واحد منهما يبعد عن صاحبه بتأييد التحريم .

وحقيقته : أن يحلف الرجل - إذا رمى امرأته بالزنا أربع مرات إنه لمن الصادقين ، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ، وأن تحلف المرأة عند تكذيبه أربع مرات ، إنه لمن الكاذبين ، والخامسة أن عليها غضب الله إن كان من الصادقين . مشروعيته : إذا رمى الرجل امرأته بالزنا ، ولم تقر هي بذلك ، ولم يرجع عنه رميه . فقد شرع الله لهما اللعان ( 1 ) . روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما : " أن هلال ( 2 ) بن أمية قذف امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " البينة ، أو حد في ظهرك . فقال : يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة ؟ ! . فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " البينة ، وإلا حد في ظهرك " . فقال : والذي بعثك بالحق إلي لصادق ، ولينزلن الله ما يبرئ ظهرى من

( هامش ) ( 1 ) كان ذلك في شهر شعبان سنة 59 ه‍ وقيل : كان في السنة التي توفي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم . ( 2 ) كان أول رجل لا عن في الاسلام .

الحد ، فنزل جبريل عليه السلام وأنزل عليه قوله تعالى : " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ، فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين . والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين . والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين " ( 1 ) . فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم إليها ، فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله يعلم ( 2 ) أن أحد كما كاذب . فهل منكما تائب ؟ " فشهدت . فلما كانت عند الخامسة وقفوها ( 3 ) ، وقالوا إنها الموجبة ( 4 ) . قال ابن عباس رضي الله عنهما : فتلكأت ونكصت ، حتى ظننا أنها ترجع . ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم ، فمضت . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أبصروها ، فإن جاءت به أكحل العينين ( 5 ) ، سابغ الاليتين ، خدلج الساقين ، فهو لشريك بن سحماء " . فجاءت به كذلك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لو لا ما مضى ( 6 ) من كتاب الله كان لي ولها شأن . " قال صاحب بداية المجتهد : وأما من طريق المعنى . فلما كان الفراش موجبا للحوق النسب ، كان للناس ضرورة إلى طريق ينفونه به إذا تحققوا فساده . وتلك الطريق هي اللعان . فاللعان حكم ثابت بالكتاب والسنة والقياس والاجماع . إذ لا خلاف في ذلك عامة .

( هامش ) ( 1 ) سورة النور : الايات 6 - 9 ( 2 ) هذا دليل على أن الزوج إذا قذف امرأته ، وعجز عن إقامة البينة وجب عليه حد القاذف ، وإذا وقع اللعان سقط الحد عنه . ( 3 ) فيه استحباب تقديم الوعظ للزوجين قبل اللعان لما سيأتي . ( 4 ) أشاروا عليها بالوقوف عن تمام اللعان فتلكأت وكادت تعترف ولكنها لم ترض بفضيحة قومها . وفي هذا دليل على أن مجرد التلكؤ لا يعمل به . ( 5 ) في هذا دليل على أن المرأة كانت حاملا وقت اللعان ، والاكحل الذي أجفانه سوداء كأن فيها كحلا . وسابغ الاليتين : أي عظيمهما ، وخدلج : ممتلئ . ( 6 ) لو لا ما مضى من كتاب الله ، أي أن اللعان يرفع الحد عن المرأة . ولو لا ذلك لاقام الرسول صلى الله عليه وسلم الحد .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:58 am

متى يكون اللعان ؟ ويكون اللعان في صورتين : ( الصورة الاولى ) أن يرمي الرجل امرأته بالزنا ، ولم يكن له أربعة شهود يشهدون عليها بما رماها به . ( الصورة الثانية ) أن ينفي حملها منه . وإنما يجوز في الصورة الاول إذا تحقق من زناها ، كأن رآها تزني ، أو أقرت هي ، ووقع في نفسه صدقها . والاولى في هذه الحال أن يطلقها ولا يلاعنها . فإذا لم يتحقق من زناها ، فإنه لا يجوز له أن يرميها به . ويكون نفي الحمل في حالة ما إذا ادعى أنه لم يطأها أصلا من حين العقد عليها ، أو ادعى أنها أتت به لاقل من ستة أشهر بعد الوطء ، أو لاكثر من سنة من وقت الوطء . . الحاكم هو الذي يقضى باللعان : ولا بد من الحاكم عند اللعان . وينبغي له أن يذكر المرأة ويعظها ، بمثل ما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ، وصححه ابن حبان والحاكم : " أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم ، فليست من الله في شئ ، ولن يدخلها الله الجنة ، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه ، احتجب الله منه وفضحه على رؤوس الاولين والاخرين " . اشتراط العقل والبلوغ : وكما يشترط في اللعان ، الحاكم ، يشترط العقل والبلوغ في كل من المتلاعنين ، وهذا أمر مجمع عليه .

اللعان بعد إقامة الشهود : وإذا أقام الزوج الشهود على الزنا فهل له أن يلاعن ؟ قال أبو حنيفة وداود : لا يلاعن ، لان اللعان إنما جعل عوضا عن الشهود ، لقوله تعالى : " والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ( 1 ) " . وقال مالك والشافعي : له أن يلاعن ، لان الشهود لا تأثير لهم في دفع الفراش . هل اللعان يمين أم شهادة ؟ يرى الامام مالك والشافعي وجمهور العلماء أن اللعان يمين ، وإن كان يسمى شهادة فإن أحدا لا يشهد لنفسه ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض روايات حديث ابن عباس : " لو لا الايمان لكان لي ولها شأن " . وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه شهادة ، واستدلوا بقول الله تعالى " فشهادة أحد هم أربع شهادات بالله " وبحديث ابن عباس المتقدم . وفيه : " فجاء هلال فشهد ، ثم قامت فشهدت " . والذين رأوا أنه يمين ، قالوا : انه يصح اللعان بين كل زوجين حرين كانا أو عبدين ، أو أحدهما ، أو عدلين ، أو فاسقين ، أو أحدهما . والذين ذهبوا إلى أنه شهادة . قالوا : لا يصح إلا بين زوجين يكونان من أهل الشهادة ، وذلك بأن يكونا حرين مسلمين . فأما العبدان ، أو المحدودان في القذف ، فلا يجوم لعانهما . وكذلك إن كان أحدهما من أهل الشهادة والاخر ليس من أهلها . قال ابن القيم : والصحيح أن لعانهم يجمع الوصفين اليمين والشهادة ، فهو شهادة مؤكدة بالقسم والتكرار ، ويمين مغلظة بلفظ الشهادة والتكرار ، لاقتضاء الحال تأكيد الامر ، ولهذا اعتبر فيه من التأكيد عشرة أنواع : ( أحدها ) ذكر لفظ الشهادة . ( الثاني ) ذكر القسم أسماء الرب سبحانه ، وأجمعها لمعاني أسمائه الحسنى ، وهو اسم الله جل ذكره . ( الثالث ) تأكيد الجواب بما يؤكد به المقسم عليه من أن واللام ،

وإتيانه باسم الفاعل الذي هو صادق وكاذب ، دون الفعل الذي هو صدق وكذب . ( الرابع ) تكرار ذلك أربع مرات . ( الخامس ) دعاؤه على نفسه في الخامسة بلعنة الله إن كان من الكاذبين . ( السادس ) إخباره عند الخامسة أنها الموجبة لعذاب الله وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الاخرة . ( السابع ) جعل لعانه مقتضى لحصول العذاب عليها ، وهو إما الحد أو الحبس ، وجعل لعانها دارئا للعذاب عنها . ( الثامن ) أن هذا اللعان يوجب العذاب على أحدهما ، إما في الدنيا ، وإما في الاخرة . ( التاسع ) التفريق بين المتلاعنين وخراب بيتهما وكسرهما بالفراق . ( العاشر ) تأييد تلك الفرقة ودوام التحريم بينهما . فلما كان شأن هذا اللعان هذا الشأن جعل يمينا مقرونا بالشهادة ، وشهادة مقرونة باليمين ، وجعل الملتعن - لقبول قوله - كالشاهد فإن نكلت المرأة مضت شهادته وحدت وأفادت شهادته . ويمينه شيئين : سقوط الحد عنه ووجوبه عليها ، وإن التعنت الممرأة وعارضت لعانه بلعان آخر منها ، أفاد لعانه سقوط الحد عنه دون وجوبه عليها ، فكان شهادة ويمينا بالنسبة إليها دونها ، لانه إن كان يمينا محضة ، فهي لا تحد بمجرد حلفه ، وإن كان شهادة فلا تحد بمجرد شهادته عليها وحده ، فإذا انضم إلى ذلك نكولها قوي جانب الشهادة واليمين في حقه بتأكده ونكولها ، فكان دليلا " ظاهرا على صدقه ، فأسقط الحد عنه وأوجبه عليها ، وهذا أحسن ما يكون من الحكم . " ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون " ( 1 ) وقد ظهر بهذا أنه يمين فيها معنى الشهادة ، وشهادة فيها معنى اليمين .

لعان الاعمى والاخرس : لم يختلف أحد في جواز لعان الاعمى ، واختلفوا في الاخرس . فقال مالك والشافعي : يلاعن الاخرس إذا فهم عنه . وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يلاعن ، لانه ليس من أهل الشهادة . من يبدأ بالملاعنة ؟ : اتفق العلماء على أن السنة في اللعان تقديم الرجل فيشهد قبل المرأة . فقال الشافعي وغيره : هو واجب ، فإذا لاعنت المرأة قبله ، فإن لعانها لا يعتد به . وحجتهم أن اللعان يشرع لدفع الحد عن الرجل . فلو بدئ بالمرأة لكان دفعا لامر لم يثبت . وذهب أبو حنيفة ومالك : إلى أنه لو وقع الابتداء بالمرأة صح واعتد به . وحجتهم أن الله سبحانه عطف في القرآن بالواو ، والواو لا تقتضي الترتيب بل هي المطلق الجمع .

النكول ( 1 ) عن اللعان : النكول عن اللعان ، إما أن يكون من الزوج أو من الزوجة ، فإن نكل الزوج فعليه حد القذف . لقول الله تعالى :

" والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ( 2 ) " . فإذا لم يشهد فهو مثل الاجنبي في القذف ، ولما تقدم من قول الرسول صلى الله عليه وسلم : " البينة أو حد في ظهرك " وهذا مذهب الائمة الثلاثة . وقال أبو حنيفة : لا حد عليه . ويحبس حتى يلاعن أو يكذب نفسه . فإن كذب نفسه وجب عليه حد القذف . فإذا نكلت الزوجة : أقيم عليها حد الزنا عند مالك والشافعي .

( هامش ) ( 1 ) النكول : الامتناع . ( 2 ) سورة النور آية 6

وقال أبو حنيفة : لا تحد ، وحبست حتى تلاعن أن تقر بالزنا ، وإن صدقته أقيم عليها الحد . واستدل أبو حنيفة رضي الله عنه بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : زنا بعد إحصان ، أو كفر بعد إيمان ، أو قتل نفس بغير نفس " . ولان سفك الدماء بالنكول حكم ترده الاصول ، فإنه إذا كان كثير من الفقهاء لا يوجبون غرم المال بالنكول . فكان بالاحرى ألا يجب بذلك سفك الدماء . قال ابن رشد : وبالجملة . فقاعدة الدماء مبناها في الشرع على أنها لا تراق إلا بالبينة العادلة ، بالاعتراف ، ومن الواجب ألا تخصص هذه القاعدة بالاسم المشترك . فأبو حنيفة في هذه المسألة أولى بالصواب إن شاء الله . وقد اعترف أبو المعالي في كتابه " البرهان " بقوة أبي حنيفة في هذه المسألة ، وهو شافعي . التفريق بين المتلاعنين : إذا تلاعن الزوجان وقعت الفرقة بينهما على سبيل التأكيد ولا يرتفع التحريم بينهما بحال . فعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا " . وعن علي وابن مسعود قالا : " مضت السنة ألا يجتمع المتلاعنان " . رواهما الدارقطني . ولانه قد وقع بينهما من التباغض والتقاطع ما أوجب القطيعة بينهما بصفة دائمة ، لان أساس الحياة الزوجية السكن ، والمودة ، والرحمة ، وهؤلاء قد فقدوا هذا الاساس ، وكانت عقوبتهما الفرقة المؤبدة . واختلف الفقهاء فيما إذا كذب الرجل نفسه ، فقال الجمهور : إنما لا يجتمعان أبدا ، وللاحاديث السابقة ، وقال أبو حنيفة : إذا كذب نفسه جلد الحد ، وجاز له أن يعقد عليها من جديد ، واستدل أبو حنيفة بأنه إذا كذب نفسه ، فقد بطل حكم اللعان ، فكما يلحق به الولد ، كذلك ترد الزوجة عليه ، وذلك أن السبب الموجب للتحريم إنما هو الجهل بتعيين صدق أحدهما . مع القطع بأن أحدهما كاذب ، وإذا انكشف ارتفع التحريم . متى تقع الفرقة ؟ تقع الفرقة إذا فرغ المتلاعنان من اللعان ، وهذا عند مالك . وقال الشافعي : تقع بعد أن يكمل الزوج لعانه . وقال أبو حنيفة ، وأحمد ، والثوري : لا تقع إلا بحكم الحاكم هل الفرقة طلاق أم فسخ ؟ يرى جمهور العلماء أن الفرقة الحاصلة باللعان فسخ . ويرى أبو حنيفة أنها طلاق بائن ، لان سببها من جانب الرجل ، ولا يتصور أو تكون من جانب المرأة ، وكل فرقة كانت كذلك تكون طلاقا لا فسخا ، فالفرقة هنا مثل فرقة العنين ، إذا كانت بحكم الحاكم . وأما الذين ذهبوا إلى الرأي الاول فدليلهم تأبيد التحريم ، فأشبه ذات المحرم ، وهؤلاء يرون أن الفسخ باللعان يمنع المرأة من استحقاقها النفقة في مدة العدة ، وكذلك السكنى ، لان النفقة والسكنى إنما يستحقان في عدة الطلاق لا في عدة الفسخ ، ويؤيد هذا ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما في قصة الملاعنة أن النبي صلى الله عليه وسلم " قضى ألا قوت لها ولا سكنى : من أجل أنهما يتصرفان من غير طلاق ولا متوفى عنها " . رواه أحمد وأبو داود . إلحاق الولد بأمه : إذا نفى الرجل ابنه ، وتم اللعان بنفيه له . انتفى نسبه من أبيه وسقطت نفقته عنه ، وانتفى التوارث بينهما ، ولحق بأمه ، فهي ترثه وهو يرثها ، لما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، قال : " قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ولد المتلاعنين أنه يرث أمه وترثه أمه ، ومن رماها به جلد ثمانين " . أخرجه أحمد . ويؤيد هذا الحديث الادلة الدالة على أن الولد للفراش . ولا فراش هنا : لنفي الزوج إياه . وأما من رماها به اعتبر قاذفا ، وجلد ثمانين جلدة ، لان الملاعنة داخلة في المحصنات ، ولم يثبت عليها ما يخالف ذلك ، فيجب على من رماها بابنها حد القذف ، ومن قذف ولدها يجب حده ، كمن قذف أمه سواء بسواء . وهذا بالنسبة للاحكام التي تلزمه . أما بالنسبة للاحكام التي شرعها الله للكافة . فإنه يعامل كأنه ابنه من باب الاحتياط فلا يعطيه زكاة ماله ، ولو قتله لاقصاص عليه ، وتثبت المحرمية بينه وبين أولاده ، ولا تجوز شهادة كل منهما للاخر ، ولا يعد مجهول النسب ، فلا يصح أن يدعيه غيره ، وإذا كذب نفسه ثبت نسب الولد منه ، ويزول كل أثر للعان بالنسبة للولد .

العدة ( 1 ) تعريفها : العدة : مأخوذة من العد والاحصاء : أي ما تحصيه المرأة وتعده من الايام والاقراء . وهي اسم للمدة التي تنتظر فيها المرأة وتمتنع عن التزويج بعد وفاة زوجها ، أو فراقه لها ( 1 ) . وكانت العدة معروفة في الجاهلية . وكانوا لا يكادون يتركونها . فلما جاء الاسلام أقرها لما فيها من مصالح . وأجمع العلماء على وجوبها ، لقول الله تعالى : " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " ( 2 ) . وقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس : " اعتدي في بيت أم مكتوم " .

( 2 ) حكمة مشروعيتها : ا - معرفة براءة الرحم حتى لا تختلط الانساب بعضها ببعض . ب - تهيئة فرصة للزوجين لاعادة الحياة الزوجية إن رأيا أن الخير في ذلك . ح‍ - التنويه بفخامة أمر النكاح حيث لم يكن أمرا ينتظم إلا بجمع الرجال ، ولا ينفك إلا بانتظار طويل . ولو لا ذلك لكان بمنزلة لعب الصبيان ينظم ثم يفك في الساعة . د - أن مصالح النكاح لا تتم حتى يوطنا أنفسهما على إدامة هذا العقد ظاهرا ، فإن حدث حادث يوجب فك النظام لم يكن بد من تحقيق صورة الادامة في الجملة بأن تتربص مدة تجد لتربصها بالا ، وتقاسى لها عناء ( 3 ) .

( 1 ) احتساب العدة يبدأ من حين وجود سببها ، وهو الطلاق أو الوفاة . ( 2 ) سورة البقرة 228 ( 3 ) من " حجة الله البالغة "

أنواع العدة : 1 - عدة المرأة التي تحيض ، وهي ثلاث حيض . 2 - عدة المرأة التي يئست من الحيض وهي ثلاثة أشهر . 3 - عدة المرأة التي مات عنها زوجها ، وهي أربعة أشهر وعشرا ، ما لم تكن حاملا . 4 - عدة الحامل حتى تضع حملها . وهذا إجمال نفصله فيما يلي : الزوجة إما أن تكون مدخولا بها أو غير مدخول بها . عدة غير المدخول بها : والزوجة غير المدخول بها إن طلقت فلا عدة عليها لقول الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن ( 1 ) فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ( 2 ) " . فإن كانت غير مدخول بها ، وقد مات عنها زوجها فعليها العدة ، كما لو كان قد دخل بها ، لقوله تعالى : " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " ( 3 ) . وإنما وجبت العدة عليها وإن لم يدخل بها وفاء للزوج المتوفى ومراعاة لحقه . عدة المدخول بها ( 4 ) : وأما المدخول بها ، فإما أن تكون من ذوات الحيض ، أو من غير ذوات الحيض :

( هامش ) ( 1 ) المس : الدخول . ( 2 ) سورة الاحزاب : آية 49 . ( 3 ) سورة البقرة : الاية 234 ، وحكمة التحديد بهذه المدة لانها التي تكمل فيها خلقة الولد وينفخ فيه الروح بعد مضي 120 يوما ، وهي زيادة على أربع أشهر لنقصان الاهلة فجبر الكسر إلى العقد على طريق الاحتياط ، وذكر العشر مؤنثا لارادة الليالي . والمراد مع أيامها عند الجمهور . فلا تحل حتى تدخل الليلة الحادية عشرة . ( 4 ) يرى الاحناف والحنابلة والخلفاء الراشدون أن المقصود بالدخول الدخول حقيقة أو حكما
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 7:59 am

عدة الحائض : فإن كانت من ذوات الحيض فعدتها ثلاثة قروء ، لقول الله تعالى : " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " . والقروء جمع قرء . والقرء : الحيض . ورجح ذلك ابن القيم ، فقال : إن لفظ القرء لم يستعمل في كلام الشارع إلا للحيض . ولم يجئ عنه في موضع واحد استعماله للطهر . فحمله في الاية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى ، بل يتعين . فإنه قد قال صلى الله عليه وسلم للمستحاضة : " دعي الصلاة أيام إقرائك " وهو صلى الله عليه وسلم المعبر عن الله ، وبلغة قومه نزل القرآن . فإذا أورد المشترك في كلامه على أحد معنييه ، وجب حمله في سائر كلامه عليه إذا لم يثبت إرادة الاخر في شئ من كلامه البتة . ويصير هو لغة القرآن التي خوطبنا بها ، وإن كان له معنى آخر في كلام غيره ، وإذا ثبت استعمال الشارع للقرء في الحيض علم أن هذا لغته ، فيتعين حمله عليها في كلامه . ويدل على ذلك ما في سياق الاية من قوله تعالى : " ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن " . وهذا هو الحيض والحمل عند عامة المفسرين . والمخلوق في الرحم إنما هو الحيض الوجودي . وبهذا قال السلف والخلف ، ولم يقل أحد إنه الطهر . وأيضا فقد قال سبحانه : " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر . واللائي لم يحضن وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن ( 1 ) " . فجعل كل شهر بإزاء حيضة وعلق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر والحيض . وقال في موضع آخر قوله تعالى : " فطلقوهن لعدتهن " . معناه : لاستقبال عدتهن ، لا فيها ، وإذا كانت العدة التي يطلق لها

( هامش ) أي أن الخلوة الصحيحة تعتبر دخولا تجب بها العدة ، وعند الشافعي في المذهب الجديد أن الخلوة لا تجب بها العدة . ( 1 ) سورة الطلاق آية 4

النساء مستقبلة بعد الطلاق ، فالمستقبل بعدها إنما هو الحيض ، فإن الطاهر لا تستقبل الطهر ، إذ هي فيه ، وإنما تستقبل الحيض بعد حالها التي هي فيها ( 1 ) .

أقل مدة للاعتداد بالاقراء : قالت الشافعية : وأقل ما يمكن أن تعتد فيه الحرة بالاقراء : إثنان وثلاثون يوما وساعة ، وذلك بأن يطلقها في الطهر ويبقى من الطهر بعد الطلاق ساعة فتكون تلك الساعة قرءا ، ثم تحيض يوما ، ثم تطهر خمسة عشر يوما ، وهو القرء الثاني ، ثم تحيض يوما ، ثم تطهر خمسة عشر يوما ، وهو القرء الثالث . فإذا طعنت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها . وأما أبو حنيفة فأقل مدة عنده ستون يوما ، وعند صاحبيه تسعة وثلاثون يوما . فهي تبدأ عند الامام أبي حنيفة بالحيض عشرة أيام ، وهي أكثر مدته ، ثم بالطهر خمسة عشر يوما ، ثم بالحيض عشرة والطهر خمسة عشر ، ثم بالحيضة الثالثة ، ومدتها عشرة أيام ، فيكون المجموع ستين يوما ، فإذا مضت هذه المدة وادعت أن عدتها انتهت صدقت بيمينها ، وصارت حلالا لزوج آخر . أما الصاحبان فيحسبان لكل حيضة ثلاثة أيام ، وهي أقل مدته ، ويحسبان لكل من الطهرين المتخللين للحيضات الثلاث خمسة عشر يوما ، فيكون المجموع 39 يوما ( 2 ) .

عدة غير الحائض : وإن كانت من غير ذوات الحيض ، فعدتها ثلاثة أشهر ، ويصدق ذلك على الصغيرة التي لم تبلغ ، والكبيرة التي لا تحيض سواء أكان الحيض لم يسبق لها ، أو انقطع حيضها بعد وجوده . لقول الله تعالى : " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ، واللائي لم يحضن وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن ( 3 ) " .روى ابن أبي هاشم في تفسيره عن عمر بن سالم عن أبي بن كعب ، قال : قلت : يا رسول الله : إن أناسا بالمدينة يقولون في عدد النساء ، ما لم يذكر الله في القرآن ، الصغار والكبار وأولات الاحمال ، فأنزل الله سبحانه في هذه السورة : " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ، واللائي لم يحضن وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن " . فأجل إحداهن أن تضع حملها ، فإذا وضعت فقد قضت عدتها . ولفظ جرير ، قلت يا رسول الله إن ناسا من أهل المدينة لما نزلت هذه الاية التي في البقرة في عدة النساء قالوا : لقد بقي من عدد النساء عدد لم يذكرن في القرآن : الصغار والكبار التي قد انقطع عنها الحيض وذوات الحمل قال : فأنزلت التي في النساء القصرى : " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم " . وعن سعيد بن جبير في قوله " واللائي يئسن من المحيض من نسائكم " يعني الايسة العجوز التي لا تحيض ، أو المرأة التي قعدت من الحيضة ، فليست هذه من القروء في شئ . وفي قوله " إن ارتبتم " في الاية ، يعني إن شككتم ، " فعدتهن ثلاثة أشهر " ، وعن مجاهد : إن ارتبتم ولم تعلموا عدة التي قعدت عن الحيض ، أو التي لم تحض فعدتهن ثلاثة أشهر . فقوله تعالى " إن ارتبتم " يعني إن سألتم عن حكمهن ولم تعلموا حكمهن وشككتم فيه فقد بينه الله لكم . حكم المرأة الحائض إذا لم تر الحيض : إذا طلقت المرأة وهي من ذوات الاقراء . ثم إنها لم تر الحيض في عادتها ، ولم تدر ما سببه ، فإنها تعتد سنة : تتربص مدة تسعة أشهر لتعلم براءة رحمها ، لان هذه المدة هي غالب مدة الحمل ، فإذا لم يبن الحمل فيها ، علم براءة الرحم ظاهرا ، ثم تعتد بعد ذلك عدة الايسات ثلاثة أشهر ، وهذا ما قضى به عمر رضي الله عنه . قال الشافعي : هذا قضاء عمر بين المهاجرين والانصار ، لا ينكره منهم منكر علمناه .

سن اليأس : اختلف العلماء في سن اليأس . فقال بعضهم : إنها خمسون ، وقال آخرون : إنها ستون ، والحق أن ذلك يختلف باختلاف النساء . قال شيخ الاسلام ابن تيمية : اليأس مختلف باختلاف النساء ، وليس له حد يتفق عليه النساء . والمراد بالاية أن إياس كل امرأة من نفسها ، لان اليأس ضد الرجاء . فإذا كانت المرأة قد يئست من المحيض ولم ترجه ، فهي آيسة وإن كان لها أربعون أو نحوها ، وغيرها لا تيأس منه وإن كان لها خمسون ( 1 ) .

عدة الحامل : وعدة الحامل تنتهي بوضع الحمل ، سواء أكانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها ، لقول الله تعالى : " وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن ( 2 ) " قال في زاد المعاد : ودل قوله سبحانه : " أجلهن أن يضعن حملهن " على أنها إذا كانت حاملا بتو أمين لم تنقض العدة حتى تضعهما جميعا . ودلت على أن من عليها الاستبراء فعدتها وضع الحمل أيضا . ودلت على أن العدة تنقضي بوضعه على أي صفة كان ، حيا أو ميتا ، تام الخلقة أو ناقصها ، نفخ فيه الروح أو لم ينفخ . عن سبيعة الاسلمية أنها كانت تحت سعد بن حواله وهو ممن شهد بدرا ، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل فلم تنشب ( 3 ) أن وضعت حملها بعد وفاته ، فلما تعلت ( 4 ) من نفاسها تجملت للخطاب ، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك - رجل من بني عبد الدار - فقال لها : مالي أراك متجملة ، لعلك ترتجين ( 5 ) النكاح ؟ إنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرا ، قالت سبيعة : فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فأفتاني بأني

( هامش ) ( 1 ) ص 206 ج‍ 4 زاد المعاد ( 2 ) سورة الطلاق آية 4 . ( 3 ) ننشب : نلبث . ( 4 ) طهرت من دمها . ( 5 ) تطلبين

قد حللت حين وضعت حملي ، وأمرني بالتزوج إن بدالي . وقال ابن شهاب : ولا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت ، وإن كانت في دمها ، غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر . أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه . والعلماء يجعلون قول الله تعالى : " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ( 1 ) " خاصة بعدد الحوائل ( 2 ) ، ويجعلون قول الله تعالى في سورة الطلاق : " وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن " في عدد الحوامل فليست الاية الثانية معارضة للاولى . عدة المتوفى عنها زوجها : والمتوفى عنها زوجها عدتها أربعة أشهر وعشرا ، ما لم تكن حاملا ، لقول الله تعالى : " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ، يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا " . وإن طلق امرأته طلاقا رجعيا ، ثم مات عنها وهي في العدة اعتدت بعد الوفاة ، لانه توفي عنها وهي زوجته .

عدة المستحاضة : المستحاضة تعتد بالحيض . ثم إن كانت لها عادة فعليها أن تراعي عادتها في الحيض والطهر ، فإذا مضت ثلاث حيض انتهت العدة ، وإن كانت آيسة انتهت عدتها بثلاثة أشهر . وجوب العدة في غير الزواج الصحيح : من وطئ امرأة بشبهة وجبت عليها العدة ، لان وطء الشبهة كالوطء في النكاح في النسب ، فكان كالوطء في النكاح في إيجاب العدة . وكذلك تجب العدة في زواج فاسد إذا تحقق الدخول ( 3 ) . ومن زنى بامرأة لم تجب عليها

( هامش ) ( 1 ) سورة البقرة آية 234 . ( 2 ) الحوائل : غير الحوامل . ( 3 ) قالت الظاهرية : لا تجب العدة في النكاح الفاسد ، ولو بعد الدخول ، لعدم دليل على إيجابها من الكتاب والسنة

العدة ، لان العدة لحفظ النسب ، والزاني لايلحقه نسب ، وهو رأي الاحناف والشافعية والثوري ، وهو رأي أبي بكر وعمر . وقال مالك وأحمد : عليها العدة ، وهل عدتها ثلاث حيض أو حيضة تستبرى بها ؟ روايتان عن أحمد . تحول العدة من الحيض إلى العدة بالاشهر : إذا طلق الرجل زوجته وهي من ذوات الحيض ، ثم مات وهي في العدة ، فإن كان الطلاق رجعيا ، فإن عليها أن تعتد عدة الوفاة ، وهي أربعة أشهر وعشرا ، لانها لا تزال زوجة له ، ولان الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجة ، ولذلك يثبت التوارث بينهما إذا توفي أحدهما وهي في العدة . وإن كان الطلاق بائنا فإنها تكمل عدة الطلاق بالحيض ولا تتحول العدة إلى عدة الوفاة ، وذلك لانقطاع الزوجية بين الزوجين من وقت الطلاق ، لان الطلاق البائن يزيل الزوجية ، فتكون الوفاة حدثت وهو غير زوج ، ولذلك لا يرث أحدهما صاحبه إذا توفي أحدهما وهي في العدة إلا إذا اعتبر فارا .

طلاق الفار : وطلاق الفار أن يطلق المريض مرض الموت امرأته طلاقا بائنا بغير رضاها ، ثم يموت وهي في العدة ، فإنه يعتبر في هذه الحال فارا من الميراث ، ولهذا قال مالك " ترث ولو مات بعد انقضاء عدتها وبعد نكاح زوج آخر ، معاملة له بنقيض قصده . ويرى أبو حنيفة ومحمد أن الحكم في هذه الحال يتغير ، فتكون عدتها أطول الاجلين : عدة الطلاق أو عدة الوفاة ، فإن كانت عدة الطلاق أطول ، اعتدت بها ، وإن كانت عدة الوفاة هي الاطول ، كانت هي العدة . أي إذا انقضت الحيضات الثلاث في أكثر من أربعة أشهر وعشر اعتدت بها ، وإن كانت الاربعة أشهر وعشر أكثر من مدة الحيضات الثلاث اعتدت بها . وذلك كي لا تحرم المرأة من حقها في الميراث الذي أراد الزوج الفرار منه بالطلاق . وعند أبي يوسف أن المطلقة في هذه الحال تعتد عدة الطلاق وإن كانت مدتها أقل من أربعة أشهر وعشر . ويرى الشافعي في أظهر قوليه : أنها لا ترث كالمطلقة طلاقا بائنا في الصحة . وحجته أن الزوجية قد انتهت بالطلاق قبل الموت فقد زال السبب في الميراث . ولا عبرة بمظنة الفرار ، لان الاحكام الشرعية تناط بالاسباب الظاهرة لا بالنيات الخفية . واتفقوا على أنه إن أبانها في مرضه فماتت المرأة فلا ميراث له . وكذلك تتحول العدة من الحيض إلى الاشهر في حق من حاضت حيضة أو حيضتين ثم يئست من الحيض فإنها حينئذ يجب عليها أن تعتد بثلاثة أشهر ، لان إكمال العدة بالحيض غير ممكن ، لانقطاعه ، ويمكن إكمالها باستئنافها بالشهور والشهور بدل عن الحيض . تحول العدة من الاشهر إلى الحيض : إذا شرعت المرأة في العدة بالشهور لصغرها أو لبلوغها سن الاياس ثم حاضت ، لزمها الانتقال إلى الحيض . لان الشهور بدل عن الحيض فلا يجوز الاعتداد بها مع وجود أصلها . وإن انقضت عدتها بالشهور ، ثم حاضت ، لم يلزمها الاستئناف للعدة بالاقراء ، لان هذا حدث بعد انقضاء العدة . وإن شرعت في العدة بالاقراء أو الاشهر ، ثم ظهر لها حمل من الزوج ، فإن العدة تتحول إلى وضع الحمل ، والحمل دليل على براءة الرحم من جهة القطع .

انقضاء العدة : إذا كانت المرأة حاملا فإن عدتها تنقضي بوضع الحمل ، وإذا كانت العدة بالاشهر ، فإنها تحتسب من وقت ( 1 ) الفرقة أو الوفاة حتى تستكمل ثلاثة

( هامش ) ( 1 ) مذهب مالك والشافعي أن الطلاق إن وقع في أثناء الشهر اعتدت بقيته ، ثم اعتدت شهرين ، بالاهلة ، ثم اعتدت من الشهر الثالث تمام ثلاثين يوما . وقال أبو حنيفة : تحتسب بقية الاول وتعتد من الرابع بقدر ما فاتها من الاول تاما كان أم ناقصا

أشهر أو أربعة أشهر وعشرا ، وإذا كانت بالحيض فإنها تنقضي بثلاث حيضات وذلك يعرف من جهة المرأة نفسها ( 1 )

لزوم المعتدة بيت الزوجية : يجب على المعتدة أن تلزم بيت الزوجية حتى تنقضي عدتها ، ولا يحل لها أن تخرج منه ، ولا يحل لزوجها أن يخرجها منه ، ولو وقع الطلاق أن حصلت الفرقة وهي غير موجودة في بيت الزوجية وجب عليها أن تعود إليه بمجرد علمها : يقول الله تعالى : " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ( 2 ) ، وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه " ( 3 ) . وعن الفريعة بنت مالك بن سنان - وهي أخت أبي سعيد الخدري : أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة ، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا ( 4 ) ، حتى إذا كانوا بطرف القدوم ( 5 ) لحقهم فقتلوه ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي فإني لم يتركني في مسكن يملكه ولانفقة ؟ ، قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم ، قالت : فخرجت حتى إذا كنت في

( هامش ) ( 1 ) كانت بعض النساء تكذب وتدعي أن عدتها لم تنقض وأنها لم تر الحيضات الثلاث لتطول العدة ولتتمكن من أخذ النفقة مدة طويلة ، وكان ذلك مثارا لشكوى الرجال ، فتدارك القانون رقم 25 لسنة 1929 هذه الحال ، فجاء في المادة 17 منه ما نصه : " لا تسمع الدعوى لنفقة عدة لمدة تزيد على سنة من تاريخ الطلاق " . وجاء في المذكرة لايضاحية لهذه المادة : " فقطعا لهذه الادعاءات الباطلة ، وبناء على ما قرره الاطباء من أن أكثر مدة الحمل سنة وضعت الفقرة الاولى من المادة 17 ومنعت المعتدة من دعواها نفقة العدة لاكثر من سنة من تاريخ الطلاق ، فتقرر بذلك مدة استحقاق النفقة ، وليس معناه تحديد مدة العدة شرعا ، فان مدة العدة ثلاث حيضات " . ( 2 ) سورة الطلاق الاية 1 . ( 3 ) قال ابن عباس : الفاحشة المبينة أن تبذو على أهل زوجها فإذا بذت على الاهل حل إخراجها . ( 4 ) هربوا . ( 5 ) موضع على ستة أميال من المدينة

الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمربي فدعيت له فقال : كيف قلت ؟ فرددت عليه القصة التي ذكرت من شأن زوجي ، فقال : امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله . قالت : فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا . قالت : فلما كان عثمان بن عفان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته ، فأتبعه وقضى به . رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال حسن صحيح . وكان عمر يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء ويمنعهن الحج . ويستثنى من ذلك المرأة البدوية إذا توفي عنها زوجها فإنها ترتحل مع أهلها إذ اكان أهلها من أهل الارتحال . وخالف في ذلك عائشة وابن عباس وجابر بن زيد والحسن وعطاء ، وروي عن علي وجابر . فقد كانت عائشة تفتي المتوفى عنها زوجها بالخروج في عدتها وخرجت بأختها أم كلثوم ، حين قتل عنها طلحة بن عبد الله إلى مكة في عمرة . وقال عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج قال أخبرني عطاء عن ابن عباس أنه قال : إنما قال الله عزوجل : تعتد أربعة أشهر وعشرا ، ولم يقل تعتد في بيتها ، فتعتد حيث شاءت . وروى أبو داود عن ابن عباس أيضا قال : نسخت هذه الاية عدتها عند أهله ، وسكتت في وصيتها ، وإن شاءت خرجت ، لقول الله تعالى : " فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن ( 1 ) " قال عطاء : ثم جاء الميراث فنسخ السكنى تعتد حيث شاءت . اختلاف الفقهاء في خروج المرأة في العدة : وقد اختلف الفقهاء في خروج المرأة في العدة . فذهب الاحناف إلى أنه لا يجوز للمطلقة الرجعية ولا للبائن الخروج من بيتها ليلا ولانهارا . وأما المتوفى عنها زوجها فتخرج نهارا وبعض الليل ، ولكن لا تبيت إلا في منزلها . قالوا : والفرق بينهما أن المطلقة نفقتها في مال زوجها ، فلا يجوز لها الخروج كالزوجة ، بخلاف المتوفى عنها زوجها فإنها لانفقة لها ، فلابد أن تخرج بالنهار لاصلاح حالها . قالوا : وعليها أن تعتد في المنزل الذي يضاف إليها بالسكنى حال وقوع الفرقة . وقالوا : فإن كان نصيبها من دار الميت لا يكفيها ، أو أخرجها الورثة من نصيبهم انتقلت ، لان هذا عذر ، والكون في بيتها عبادة ، والعبادة تسقط بالعذر ، وعندهم : ان عجزت عن كراء البيت الذي هي فيه لكثرته ، فلها أن تنتقل إلى بيت أقل كراء منه . وهذا من كلامهم يدل على أن أجرة المسكن عليها . وإنما تسقط السكنى عنها لعجزها عن أجرته ، ولهذا صرحوا بأنها تسكن في نصيبها من التركة إن كفاها . وهذا لانه لاسكنى عندهم للمتوفى عنها زوجها - حاملا كانت أو حائلا - ( 1 ) وإنما عليها أن تلزم مسكنها الذي توفي زوجها وهي فيه ، ليلا ونهارا . فإن بدله لها الورثة ، وإلا كانت الاجرة عليها . ومذهب الحنابلة جواز بالخروج نهارا ، سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها . قال ابن قدامة : وللمعتدة الخروج في حوائجها نهارا ، سواء كانت مطلقة أو متوفي عنها زوجها ، قال جابر : طلقت خالتي ثلاثا فخرجت تجد ( 2 ) نخلها فلقيها رجل فنهاها فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : " أخرجي فجذي نخلك لعلك أن تتصدقي منه أو تفعلي خيرا " رواه النسائي وأبو داود ، وروى مجاهد ، قال : استشهد رجال يوم أحد فجاء نساؤهم رسول الله ، وقلن : يارسول الله نستوحش بالليل أفنبيت عند إحدانا ؟ فإذا أصبحنا بادرنا إلى بيوتنا ؟ فقال : " تحدثن عند إحداكن حتى إذا أردتن النوم فلتؤب كل واحدة إلى بيتها " . وليس لها المبيت في غير بيتها ، ولا الخروج ليلا إلا لضرورة ، لان الليل

( هامش ) ( 1 ) وعند الحنابلة لاسكنى لها إذا كانت حائلا ، وإن كانت حاملا ففي روايتين . وللشافعي قولان . وعند مالك أن لها السكنى . ( 2 ) تجذ : تقطع

مظنة الفساد ، بخلاف النهار ، فإن فيه قضاء الحوائج والمعاش وشراء ما يحتاج إليه . حداد المعتدة : يجب على المرأة أن تحد على زوجها المتوفى مدة العدة ، وهذا متفق عليه بين الفقهاء واختلفوا في المطلقة طلاقا بائنا . فقال الاحناف : يجب عليها الاحداد . وذهب غيرهم إلى أنه لا حداد عليها . وتقدم في المجلد الاول حقيقة الحداد ( 1 ) .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:00 am

نفقة المعتدة : اتفق الفقهاء على أن المطلقة طلاقا رجعيا تستحق النفقة والسكنى . واختلفوا في المبتوتة ؟ فقال أبو حنيفة : لها النفقة والسكنى مثل المطلقة الرجعية ، لانها مكلفة بقضاء مدة العدة في بيت الزوجية ، فهي محتبسة لحقه عليها فتجب لها النفقة ، وتعتبر هذه النفقة دينا صحيحا من وقت الطلاق ، ولا تتوقف على التراضي ولاقضاء القاضي ، ولا يسقط هذا الدين إلا بالاداء أو الابراء . وقال أحمد : لا نفقة لها ولاسكنى ، لحديث فاطمة بنت قيس : أن زوجها طلقها البتة ، فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم : " ليس لك عليه نفقة " . وقال الشافعي ومالك : لها السكنى بكل حال ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملا ، لان عائشة وابن المسيب أنكرا على فاطمة بنت قيس حديثها ، قال مالك : سمعت ابن شهاب يقول : المبتوتة لا تخرج من بيتها حتى تحل ، وليست لها نفقة ، إلا أن تكون حاملا فينفق عليها حتى تضع حملها ، ثم قال : وهذا الامر عندنا .

الحضانة معناها : الحضانة مأخوذة من الحيض ، وهو ما دون الابط إلى الكشح ، وحضنا الشئ جانباه ، وحضن الطائر بيضه إذا ضمه إلى نفسه تحت جناحه ، وكذلك المرأة إذا ضمت ولدها . وعرفها الفقهاء : بأنها عبارة عن القيام بحفظ الصغير ، أو الصغيرة ( 1 ) ، أو المعتوه الذي لا يميز ولا يستقل بأمره ، وتعهده بما يصلحه ، ووقايته مما يوذيه ويضره ، وتربيته جسميا ونفسيا وعقليا ، كي يقوى على النهوض بتبعات الحياة والاضطلاع بمسئولياتها . والحضانة بالنسبة للصغير أو للصغيرة واجبة ، لان الاهمال فيها يعرض الطفل للهلاك والضياع . الحضانة حق مشترك : الحضانة حق للصغير لاحتياجه إلى من يرعاه ، ويحفظه ، ويقوم على شئونه ، ويتولى تربيته . ولامه الحق في احتضانه كذلك ، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " أنت أحق به " . وإذا كانت الحضانة حقا للصغير فإن الام تجبر عليها إذا تعينت بأن يحتاج الطفل إليها ولم يوجد غيرها ، كي لا يضيع حقه في التربية والتأديب .

( هامش ) ( 1 ) ولابد من الصغر أو العته في إيجاب الحضانة أما البالغ الرشيد فلا حضانة عليه ، وله الخيار في الاقامة عند من شاء من أبويه ، فان كان ذكرا فله الانفراد بنفسه ، لاستغنائه عنهما ويستحب أن لا ينفرد عنهما ولا يقطع بره عنهما ، وإن كانت جارته لم يكن لها الانفراد ولابيها منعها منه لانه لا يؤمن أن يدخل عليها من يفسدها ويلحق العار بها وبأهلها ، فإن لم يكن لها أب فلوليها وأهلها منعها من ذلك

فإن لم تتعين الحضانة بأن كان للطفل جدة ورضيت بإمساكه وامتنعت الام فإن حقها في الحضانة يسقط بإسقاطها إياه ، لان الحضانة حق لها . وقد جاء في بعض الاحكام التي أصدرها القضاء الشرعي ما يؤيد هذا ، فقد أصدرت محكمة جرجا في 23 / 7 / 1933 ما يلي : " إن لكل من الحاضنة والمحضون حقا في الحضانة ، إلا أن حق المحضون أقوى من حق الحاضنة ، وإن إسقاط الحاضنة حقها لا يسقط حق الصغير " . وجاء في حكم محكمة العياط في 7 أكتوبر سنة 1928 : " إن تبرع غير الام بنفقة المحضون الرضيع لا يسقط حقها في حضانة هذا الرضيع ، بل يبقى في يدها ولا ينزع منها مادام رضيعا . وذلك حتى لا يضار الصغير بحرمانه من أمه التي هي أشفق الناس عليه وأكثرهم صبرا على خدمته ( 1 ) " .

الام أحق بالولد من أبيه : أسمى لون من ألوان التربية هو تربية الطفل في أحضان والديه ، إذ ينال من رعايتهما وحسن قيامهما عليه ما يبني جسمه وينمي عقله ، ويزكي نفسه ويعده لحياة . فإذا حدث ان افترق الوالدان وبينهما طفل ، فالام أحق به من الاب ، ما لم يقم بالام مانع يمنع تقديمها ( 2 ) ، أو بالولد وصف يقتضي تخييره ( 3 ) . وسبب تقديم الام أن لها ولاية الحضانة والرضاع ، لانها أعرف بالتربية وأقدر عليها ، ولها من الصبر في هذه الناحية ما ليس للرجل ، وعندها من الوقت ما ليس عنده ، لهذا قدمت الام رعاية لمصلحة الطفل . فعن عبد الله بن عمرو أن امرأة قالت : يارسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء ( 4 ) ، وحجري له حواء ( 5 ) وثديي له سقاء ، وزعم أبوه أنه ينزعه مني ، فقال : " أنت أحق به ما لم تنكحي " .

( هامش ) ( 1 ) أحكام الاحوال الشخصية للدكتور مخمد يوسف موسى . ( 2 ) بأن لا تتوفر فيها الشروط التي يجب توفرها في الحاضنة . ( 3 ) وهو الاستغناء عن خدمة النساء . ( 4 ) الوعاء : الاناء . ( 5 ) الحجر : الحضن ، وحواء : أي يحويه ويحيط به ، والسقاء : وعاء الشرب

اخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم وصححه . وعن يحيى بن سعيد قال : سمعت القاسم بن محمد يقول : كانت عند عمربن الخطاب امرأة من الانصار ، فولدت له عاصم بن عمر ، ثم إن عمر فارقها ، فجاء عسر قباء - فوجد ابنه عاصما يلعب بفناء المسجد . فأخذ بعضده فوضعه بين يديه على الدابة ، فأدركته جدة الغلام ، فنازعته إياه حتى أتيا أبا بكر الصديق . فقال عمر : ابني ، وقالت المرأة : ابني . فقال أبو بكر : خل بينها وبينه . فما راجعه عمر الكلام ( 1 ) . رواه مالك في الموطأ . قال ابن عبد البر : هذا الحديث مشهور من وجوه منقطعة ومتصلة ، تلقاه أهل العلم بالقبول . وفي بعض الروايات أنه قال له : " الام أعطف وألطف وأرحم وأحنى وأخير وأرأف ، وهي أحق بولدها ما لم تتزوج " . وهذا الذي قاله أبو بكر رضي الله عنه من كون الام أعطف وألطف هو العلة في أحقية الام بولدها الصغير .

ترتيب أصحاب الحقوق في الحضانة : وإذا كانت الحضانة للام ابتداء فقد لاحظ الفقهاء أن قرابة الام تقدم على قرابة الاب ، وأن الترتيب بين أصحاب الحق في الحضانة يكون على هذا النحو . الام : فإذا وجد مانع يمنع تقديمها ( 2 ) انتقلت الحضانة إلى أم الام ، وإن علت . فإن وجد مانع انتقلت إلى أم الاب ، ثم إلى الاخت الشقيقة . ثم الاخت لام ، ثم الاخت لاب ، ثم بنت الاخت الشقيقة فبنت الاخت لام . ثم الخالة الشقيقة ، فالخالة لام . فالخالة لاب . ثم بنت الاخت لاب . ثم بنت الاخ الشقيق ، فبنت الاخ لام ، فبنت الاخ لاب ، ثم العمة الشقيقة ، فالعمة

( هامش ) ( 1 ) وكان مذهب عمر مخالفا لمذهب أبي بكر ، ولكنه سلم للقضاء ممن له الحكم والامضاء ، ثم كان بعد في خلافته يقضي به ويفتي . ولم يخالف مذهب أبي بكر مادام الصبي لا يميز ، ولا مخالف لهما من الصحابة ، أفاده ابن القيم . ( 2 ) كأن فقدت شرطا من شروط الحضانة التي ستأتي بعد

لام فالعمة لاب ، ثم خالة الام ، فخالة الاب ، فعمة الام ، فعمة الاب ، بتقديم الشقيقة في كل منهن . فإذا لم توجد للصغير قريبات من هذه المحارم ، أو وجدت وليست أهلا للحضانة ، انتقلت الحضانة إلى العصبات من المحارم ، من الرجال على حسب الترتيب في الارث . فينتقل حق الحضانة إلى الاب ، ثم أبي أبيه ، وإن علا ، ثم إلى الاخ الشقيق ، ثم إلى الاخ الاب ، ثم ابن الاخ الشقيق ، ثم ابن الاخ الاب ، ثم الغم الشقيق ، فالعم لاب ، ثم عم أبيه الشقيق ، ثم عم أبيه لاب . فإذا لم يوجد من عصبته من الرجال المحارم أحد ، أو وجد وليس أهلا للحضانة ، انتقل حق الحضانة إلى محارمه من الرجال غير العصبة . فيكون للجد لام ، ثم للاخ لام ، ثم لابن الاخ لام ، ثم للعم لام ، ثم للخال الشقيق ، فالخال لاب ، فالخال لام . فإذا لم يكن للصغير قريب عين القاضي له حاضنة تقوم بتربيته . وإنما كان ترتيب الحضانة على هذا النحو ، لان حضانة الطفل أمر لابد

منه ، وأولى الناس به قرابته ، وبعض القرابة أولى من بعض . فيقدم الاولياء لكون ولاية النظر في مصالحه إليهم ابتداءا ، فإذا لم يكونوا موجودين ، أو كانوا ووجد ما يمنعهم من الحضانة ، انتقلت إلى الاقرب فالاقرب . فإن لم يكن ثمة قريب ، فإن الحاكم مسئول عن تعيين من يصلح للحضانة .

شروط الحضانة : يشترط في الحاضنة التي تتولى تربية الصغير وتقوم على شئونه ، الكفاءة والقدرة على الاضطلاع بهذه المهمة ، وإنما تتحقق القدرة والكفاءة بتوفر شروط معينة ، فإذا لم يتوفر شرط منها سقطت الحضانة ، وهذه الشروط هي : 1 - العقل : فلا حضانة لمعتوه ، ولا مجنون ، وكلاهما لايستطيع القيام بتدبير نفسه ، فلا يفوض له أمر تدبير غيره ، لان فاقد الشئ لايعطيه ( . ) 2 - البلوغ : لان الصغير ولو كان مميزا في حاجة إلى من يتولى أمره ويحضنه ، فلا يتولى هو أمر غيره . 3 - القدرة على التربية : فلا حضانة لكفيفة ، أو ضعيفة البصر ، ولا لمريضة مرضا معديا ، أو مرضا يعجزها عن القيام بشئونه ، ولا لمتقدمة في السن تقدما يحوجها إلى رعاية غيرها لها . ولا لمهملة لشئون بيتها كثيرة المغادرة له ، بحيث يخشى من هذا الاهمال ضياع الطفل وإلحاق الضرر به . أو لقاطنة مع مريض مرضا معديا ، أو مع من يبغض الطفل ، ولو كان قريبا له ، حيث لا تتوفر له الرعاية الكافية ، ولا الجو الصالح . 4 - الامانة والخلق : لان الفاسقة غير مأمونة على الصغير ولا يوثق بها في أداء واجب الحضانة ، وربما نشأ على طريقتها ومتخلقا بأخلاقها ، وقد ناقش ابن القيم هذا الشرط فقال : " مع أن الصواب أنه لا تشترط العدالة في الحاضن قطعا وإن شرطها أصحاب أحمد والشافعي رحمهما الله وغيرهم . واشتراطها في غاية البعد . ولو اشترط في الحاضن العدالة لضاع أطفال العالم ، ولعظمت المشقة على الامة ، واشتد العنت ولم يزل من حين قام الاسلام إلى أن تقوم الساعة أطفال الفساق بينهم ، لا يتعرض لهم أحد في الدنيا مع كونهم هم الاكثرين ، ومتى وقع في الاسلام انتزاع الطفل من أبويه أو أحدهما بفسقه ، وهذا في الحرج والعسر واستمرار العمل المتصل في سائر الامصار والاعصار على خلافة بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النكاح ، فإنه دائم الوقوع في الامصار والاعصار والقرى والبوادي مع أن أكثر الاولياء الذين يلون ذلك فساق ، ولم يزل الفسق في الناس . " ولم يمنع النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من الصحابة فاسقا في تربية ابنه وحضانته له ، ولامن تزويجه موليته . والعادة شاهدة بأن الرجل لو كان من الفساق فإنه يحتاط لابنته ولا يضيعها . ويحرص على الخير لها بجهده وإن قدر خلاف ذلك فهو قليل بالنسبة إلى المعتاد . والشارع يكتفي في ذلك على الباعث الطبيعي . ولو كان الفاسق مسلوب الحضانة وولاية النكاح لكان بيان هذا للامة من أهم الامور واعتناء الامة بنقله وتوارث العمل به مقدما على كثير مما نقلوه وتوارثوا العمل به . فكيف يجوز عليهم تضييعه واتصال العمل بخلافه ، ولو كان الفسق ينافي الحضانة ، لكان من زنى ، أو شرب الخمر ، أو أتى كبيرة فرق بينه وبين أولاده الصغار والتمس لهم غيره . والله أعلم . 5 - الاسلام : فلا تثبت الحضانة للحاضنة الكافرة للصغير المسلم ، لان الحضانة ولاية ، ولم يجعل الله ولاية للكافر ، على المؤمن " ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ( 1 ) " ، فهي كولاية الزواج والمال ، ولانه يخشى على دينه من الحاضنة لحرصها على تنشئته على دينها ، وتربيته على هذا الدين ، ويصعب عليه بعد ذلك أن يتحول عنه ، وهذا أعظم ضرر يلحق بالطفل ففي الحديث : " كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " وذهب الاحناف وابن القاسم من المالكية وأبو ثور إلى أن الحضانة تثبت للحاضنة مع كفرها وإسلام الولد لان الحضانة لا تتجاوز رضاع الطفل وخدمته ، وكلاهما يجوز من الكافرة . وروى أبو داود والنسائي : أن رافع بن سنان أسلم ، وأبت امرأته أن تسلم ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : ابنتي - وهي فطيم . أو شبهه ، وقال رافع : ابنتي . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم أهدها " فمالت إلى أبيها فأخذها ( 2 ) . . والاحناف وإن رأوا جواز حضانة الكافرة ، إلا أنهم اشترطوا : أن لا تكون مرتدة ، لان المرتدة عندهم تستحق الحبس حتى تتوب وتعود إلى الاسلام أو تموت في الحبس ، فلا تتاح لها الفرصة لحضانة الطفل ، فإن تابت وعادت عاد لها حق الحضانة ( 3 ) .

( هامش ) ( 1 ) سورة النساء آية 141 . ( 2 ) ضعف العلماء هذا الحديث وقال ابن المنذر : يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أنها تختار أباها بدعوته فكان ذلك خاصا في حقه . ( 3 ) وكذلك يعود حق الحضانة إذا سقط لسبب وزال هذا السبب الذي كان علة في سقوطه

6 - أن لا تكون متزوجة : فإذا تزوجت سقط حقها في الحضانة . لما رواه عبد الله بن عمرو " أن امرأة قالت : يا رسول الله أن ابني هذا كان بطني له وعاء ، وحجري له حواء ، وثديي له سقاء ، وزعم أبوه أنه ينزعه مني ، فقال : " أنت أحق به ما لم تنكحي " أخرجه أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم وصححه . وهذا الحكم بالنسبة للمتزوجة بأجنبي فإن تزوجت بقريب محرم من الصغير ، مثل عمه ، فإن حضانتها لا تسقط ، لان العم صاحب حق في الحضانة وله من صلته بالطفل وقرابته منه ما يحمله على الشفقة عليه ورعاية حقه فيتم بينهما التعاون على كفالته . بخلاف الاجنبي . فإنها إذا تزوجته فإنه لا يعطف عليه ولا يمكنها من العناية به . فلا يجد الجو الرحيم ولاالتنفس الطبيعي ولا الظروف التي تنمي ملكاته ومواهبه . ويرى الحسن وابن حزم أن الحضانة لا تسقط بالتزويج بحال . . 7 - الحرية : إذ أن المملوك مشغول بحق سيده فلا يتفرغ لحضانة الطفل . قال ابن القيم : وأما اشتراط الحرية فلا ينتهض عليه دليل يركن القلب إليه ، وقد اشترط أصحاب الائمة الثلاث . وقال مالك رحمه الله في حر له ولد من أمة : " إن الام أحق به إلا أن تباع فتنتقل فيكون الاب أحق به " وهذا هو الصحيح .

أجرة الحضانة : أجرة الحضانة مثل أجرة الرضاع ، لا تستحقها الام مادامت زوجة ، أو معتدة ، لان لها نفقة الزوجية ، أو نفقة العدة ، إذا كانت زوجة أو معتدة . قال الله تعالى : " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له ( 1 ) رزقهن وكسوتهن بالمعروف " . أما بعد انقضاء العدة فإنها تستحق الاجرة كما تستحق أجرة الرضاع ،

( هامش ) ( 1 ) سورة البقرة 223 - وفي هذا دلالة على أن الوالدة لا تستحق الاجرة مادامت زوجة أو معتدة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:01 am

لقول الله سبحانه : " فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ، فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن ، وأتمروا بينكم بمعروف . وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى " ( 1 ) . وغير الام تستحق أجرة الحضانة ، من وقت حضانتها ، مثل الظئر التي تستأجر لرضاع الصغير . وكما تجب أجرة الرضاع وأجرة الحضانة على الاب تجب عليه أجرة المسكن أو إعداده إذا لم يكن للام مسكن مملوك لها تحضن فيه الصغير . وكذلك تجب عليه أجرة خادم ، أو إحضاره ، إذا احتاجت إلى خادم وكان الاب موسرا . وهذا بخلاف نفقات الطفل الخاصة من طعام وكساء وفراش وعالج ونحو ذلك من حاجاته الاولية التي لا يستغني عنها ، وهذه الاجرة تجب من حين قيام الحاضنة بها وتكون دينا في ذمة الاب لا يسقط إلا بالاداء أو الابراء .

التبرع بالحضانة : إذا كان في أقرباء الطفل من هو أهل للحضانة وتبرع بحضانته وأبت أمه أن تحضنه إلا بأجرة . فإن كان الاب موسرا فإنه يجبر على دفع أجرة للام ، ولا يعطى الصغير للمتبرعة ، بل يبقى عند أمه ، لان حضانة الام أصلح له ، والاب قادر على إعطاء الاجرة . ويختلف الحكم في حالة ما إذا كان الاب معسرا فإنه يعطى للمتبرعة لعسره وعجزه عن أداء الاجرة مع وجود المتبرعة ممن هو أهل للحضانة من أقرباء الطفل . هذا إذا كانت النفقة واجبة على الاب . أما إذا كان للصغير مال ينفق منه عليه فإن الطفل يعطى للمتبرعة صيانة لماله من جهة ، ولوجوده من يحضنه من أقاربه من جهة أخرى . وإذا كان الاب معسرا والصغير لا مال له ، وأبت أمه أن تحضنه إلابأجرة ، ولا يوجد من محارمه متبرع بحضانته ، فإن الام تجبر على حضانته ، وتكون الاجرة دينا على الاب لا يسقط إلا بالاداء أو الابراء . انتهاء الحضانة : تنتهي الحضانة إذا استغنى الصغير أو الصغيرة عن خدمة النساء وبلغ سن التمييز والاستقلال ، وقدر الواحد منهما على أن يقوم وحده بحاجاته الاولية بأن يأكل وحده ، ويلبس وحده ، وينظف نفسه وحده . وليس لذلك مدة معينة تنتهي بانتهائها . بل العبرة بالتمييز والاستغناء . فإذا ميز الصبي واستغنى عن خدمة النساء وقام بحاجاته الاولية وحده فإن حضانتها تنتهي . والمفتى به في المذهب الحنفي وغيره : أن مدة الحضانة تنتهي إذا أتم الغلام سبع سنين ، وتنتهي كذلك إذا أتمت البنت تسع سنين . وإنما رأوا الزيادة بالنسبة للبنت الصغيرة لتتمكن من اعتياد عادات النساء من حاضنتها . وقد جاء تحديد سن الحضانة في القانون رقم 25 لسنة 1929 مادة 20 ما نصه : ( وللقاضي أن يأذن بحضانة النساء للصغير بعد سبع سنين إلى تسع . وللصغيرة بعد تسع سنين إلى إحدى عشرة سنة إذا تعين أن مصلحتها تقتضي ذلك ) فتقدير مصلحة الصغير أو الصغيرة موكول للقاضي . وأوضحت المذكرة التفسيرية لهذا القانون هذه المادة بما نصه : " جرى العمل إلى الان ، على أن حق الحضانة ينتهي عند بلوغ سن الصغير سبع سنين وبلوغ الصغيرة تسعا . وهي سن دلت التجاوب على أنها قد لا يستغني فيها الصغير والصغيرة عن الحضانة ، فيكونان في خطر من ضمهما إلى غير النساء ، خصوصا إذا كان والدهما متزوجا بغير أمهما . ولذلك كثرت شكوى النساء من انتزاع أولادهن منهن في ذلك الوقت ، ولما كان المعول عليه في مذهب الحنفية أن الصغير يسلم إلى أبيه عند الاستغناء عن خدمة النساء ، والصغيرة تسلم إليه عند بلوغ حد الشهوة . وقد اختلف الفقهاء في تقدير السن التي يكون عندها الاستغناء بالنسبة للصغير . فقدرها بعضهم بسبع سنين ، وبعضهم قدرها بتسع ، وقدر بعضهم بلوغ حد الشهوة بتسع سنين ، وبعضهم قدره بإحدى عشرة . رأت الوزارة أن المصلحة داعية إلى أن يكون للقاضي حرية النظر في تقدير مصلحة الصغير بعد سبع ، والصغيرة بعد تسع . فإن رأى مصحلتهما في بقائهما تحت حضانة النساء فقضى بذلك إلى تسع في الصغير وإحدى عشرة في الصغيرة . وإن رأى مصلحتهما في غير ذلك قضى بضمهما إلى غير النساء ( المادة 20 ) ( 1 ) في السودان : وقد قرر الاستاذ الدكتور محمد يوسف موسى أن العمل في المحاكم الشرعية بالسودان كان جاريا على أن الولد تنتهي حضانته ببلوغه سبع سنين ، والانثى ببلوغها تسع سنين ، إلى أن صدر في السودان منشور شرعي رقم 34 في 12 \ 12 \ 1932 وجاء في المادة الاولى منه : " وللقاضي أن يأذن بحضانة النساء للصغير بعد سبع سنين إلى البلوغ ، وللصغيرة بعد تسع سنين إلى الدخول . إذا تبين أن مصلحتهما تقتضي ذلك . وللاب وسائر الاولياء تعهد المحضون عند الحاضنة وتأديبه وتعليمه " . ثم نص المنشور نفسه بعد ذلك في المادة الثانية منه على ما يأتي : " لا أجرة للحضانة بعد سبع سنين للصغير ، وبعد تسع للصغيرة " .

( هامش ) ( 1 ) راجع مشروع قانون الاحوال الشخصية ، ففي الفقرة الاولى من المادة 175 تقرر الحكم الذي جاء بالمادة 20 التي نحن بصددها ، وفي الفقرة الثانية أن الحضانة تمتد من نفسها إذا كانت الحاضنة أما إلى 11 سنة للصغير و 13 للصغيرة ويجوز للقاضي مدها كذلك إذا كانت أم الام ، كما أن له أن يأذن ببقاء الصغيرين مع الام أو أمها إلى سن الخامسة عشرة ، ونحن نعتقد أن الخير في الوقوف عندما جاءت به المادة 20 من قانون 25 لسنة 29 وهو القانون المعمول به حتى اليوم . ( هامش ) أحكام الاحوال الشخصية ص 416 للدكتور محمد يوسف موسى . ( . ) / صفحة 348 / وفي المادة الثالثة : لو زوج الاب المحضونة ، قاصدا بتزويجها إسقاط الحضانة ، فلا تسقط بالدخول حتى تطيق . وإذا رجعنا إلى النشرة العامة رقم 18 \ 6 \ 1942 الصادرة في الخرطوم في تاريخ 5 \ 12 \ 1942 نجدها شرحت هذه المواد السابقة وخلاصتها ما يأتي : 1 - أن المنشور الشرعي رقم 34 زاد سن حضانة الغلام إلى البلوغ ، والبنت إلى الدخول ، وهذا على غير ما عرف من مذهب أبي حنيفة ، وهذه هي الحالة الخاصة التي خالف فيها المنشور مذهب أبي حنيفة . عملا بمذهب مالك . ويظهر أنها حالة استثنائية يلزم للسير فيها الاتي : 1 - لا يمد القاضي مدة الحضانة إلا إذا طلبت الحاضنة من المحكمة الاذن لها ببقاء المحضون بيدها ، لان المصلحة تقتضي ذلك مع بيان المصلحة ، أو تمانع في تسليم المحضون للعاصب لهذا السبب نفسه . فإذا لم يوافق العاصب على بقاء المحضون بيده الحاضنة تكلف الحاضنة تقديم أدلتها ، أو تتولى المحكمة تحقيق وجه المصلحة للغلام أو البنت ، فإذا لم تقدم أدلة ، أو قدمت ولم تكن كافية للاثبات ولم يتضح للمحكمة أن المصلحة تقتضي بقاء المحضون بيد الحاضنة ، فإن المحكمة تحلف العاصب اليمين بطلب الحاضنة فإن حلف على أن مصلحة المحضون لا تقتضي بقاءه بيد الحاضنة حكمت بتسليمه إليه ، وإن نكل رفضت دعواه . 2 - أما إذا لم تعارض الحاضنة في ضم المحضون للعاصب أو لم تحضر أصلا فإنه يجب على المحكمة تطبيق أحكام مذهب الامام أبي حنيفة ، ويسلم المحضون الذي جاوز سن الحضانة للعاصب متى كان أهلا لذلك ، ولا يطالب بإثبات أن مصلحة المحضون تقتضي بذلك . 3 - إذا كانت الحاضنة غائبة عند طلب تسليم الصغيرة فلها أن تعارض في الحكم وتطلب بقاءه في يدها ، وتتخذ المحكمة نفس الاجراءات التي اتبعت مع الحاضنة الحاضرة . 4 - إذا أفتت المحكمة ببقاء المحضون بين النساء لمصلحة تقتضي ذلك ، ثم تغير وجه المصلحة ، وعرض عليها النزاع مرة أخرى أجاز لها ، بعد أن تتحق من أنه لم يبق للمحضون مصلحة تقتضي بقاءه بيد الحاضن إن تقرر نزعه وتسليمه للعاصب ( 1 ) .

تخيير الصغير والصغيرة بعد انتهاء الحضانة : وإذا بلغ الصغير سبع سنين ، أو سن التمييز وانتهت حضانته ، فإن اتفق الاب والحاضنة على إقامته عند واحد منهما أمضي هذا الاتفاق . وإن اختلفا أو تنازعا ، خير ( 2 ) الصغير بينهما ، فمن اختاره منهما فهو أولى به ، لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يارسول الله : ان زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة ( 3 ) ، وقد نفعني . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذا أبوك وهذه أمك . فخذ بيد أيهما شئت " . فأخذ بيد أمه . فانطلقت به . رواه أبو داود . وقضى بذلك عمر وعلي وشريح ، وهو مذهب الشافعي والحنابلة ، فإن اختارهما ، أو لم يختر واحدا منهما ، قدم أحدهما بالقرعة . وقال أبو حنيفة : الاب أحق به . . . ولا يصح التخيير ، لانه لا قول له ولا يعرف حظه . وربما اختار من يلعب عنده ويترك تأديبه ويمكنه من شهواته ، فيؤدي إلى فساده ولانه دون البلوغ . فلم يخير كمن دون السابعة . وقال مالك : الام أحق به حتى يثغر . وهذا بالنسبة للصغير ، أما الصغيرة فأنها تخير مثل الصغير عند الشافعي . وقال أبو حنيفة : الام أحق بها حتى تزوج أو تبلغ . وقال مالك : الام أحق بها حتى تزوج ويدخل بها الزوج .

( هامش ) ( 1 ) الدكتور محمد يوسف موسى أحكام الاحوال الشخصية في الفقه ص 516 وما بعدها . ( 2 ) يشترط في تخيير الصغير : 1 - أن يكون المتنازعون فيه من أهل الحضانة . ب - ألا يكون الغلام معتوها . فان كان معتوها كانت الام أحق بكفالته ولو بعد البلوغ ، لانه في هذه الحالة كالطفل والام أشفق عليه وأقوم بمصالحه كما في حال الطفولة . ( 3 ) بئر بعيدة عن المدينة نحو ميل .

وعند الحنابلة : الاب أحق بها من غير تخيير إذا بلغت تسعا ، والام أحق بها إلى تسع سنين . والشرع ليس فيه نص عام في تقديم أحد الابوين مطقا ، ولا تخيير الولد بين الابوين مطلقا . . والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقا . بل لا يقدم ذو العدوان والتفريط على البار العادل المحسن . والمعتبر في ذلك القدرة على الحفظ والصيانة . فإن كان الاب مهملا لذلك ، أو عاجزا عنه ، أو غير مرض والام بخلافه فهي أحق بالحضانة ، كما أفاده ابن القيم . قال : " فمن قدمناه بتخيير ، أو قرعة ، أو بنفسه ، فإنما نقدمه إذا حصلت به مصلحة الولد " . ولو كانت الام أصون من الاب وأغير منه قدمت عليه ولا التفات إلى قرعة ولا اختيار للصبي في هذه الحالة ، فإنه ضعيف العقل يؤثر البطالة واللعب ، فإذا اختار من يساعده على ذلك لم يلتفت إلى اختياره ، وكان عند من هو أنفع له وأخير ، ولا تحتمل الشريعة غير هذا . والنبي صلى الله عليه وسلم قد قال : " مروهم بالصلاة لسبع ، واضربوهم على تركها لعشر ، وفرقوا بينهم في المضاجع " . والله تعالى يقول : " يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ( 1 ) " . وقال الحسن : " علموهم . وأدبوهم ، وفقهوهم " . فإذا كانت الام تتركه في المكتب وتعلمه القرآن ، والصبي يؤثر اللعب ومعاشرة أقرانه ، وأبوه يمكنه من ذلك . فإنها أحق به بلا تخيير ولا قرعة . وكذلك العكس . ومتى أخل أحد الابوين بأمر الله ورسوله في الصبي وعطله ، والآخر مراع له ، فهو أحق وأولى به . قال : وسمعت شيخنا ( 2 ) رحمه الله يقول :تنازع أبوان صبيا عند بعض الحكام ، فخيره بينهما ، فاختار أباه ، فقالت له أمه : اسأله لاي شئ يختار أباه ، فسأله . فقال : أمي تبعثني كل يوم للكتاب ، والفقيه يضربني ، وأبي يتركني للعب مع الصبيان ، فقضى به للام . قال : أنت أحق به . قال : قال شيخنا : وإذا ترك أحد الابوين تعليم الصبي وأمره الذي أوجبه الله تعالى عليه ، فهو عاص ولا ولاية له عليه ، بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته فلا ولاية له . بل إما أن يرفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب وإما أن يضم إليه من يقوم معه بالواجب . إذ المقصود طاعة الله ورسوله بحسب الامكان . انتهى . الطفل بين أبيه وأمه : قال الشافعية : فإن كان ابنا فاختار الام كان عندها بالليل ويأخذه الاب بالنهار في مكتب أو صنعة ، لان القصد حظ الولد ، وحظ الولد فيما ذكرناه ، وإن اختار الاب كان عنده بالليل والنهار ، ولا يمنعه من زيارة أمه ، لان المنع من ذلك إغراء بالعقوق وقطع الرحم ، فإن مرض كانت الام أحق بتمريضه ، لانه بالمرض صار كالصغير في الحاجة إلى من يقوم بأمره ، فكانت الام أحق به ، وإن كانت جارية فاختارت أحدهما كانت عنده بالليل والنهار ، ولا يمنع الآخر من زيارتها من غير إطالة وتبسط ، لان الفرقة بين الزوجين تمنع من تبسط أحدهما في دار الاخر ، وإن مرضت كانت الام أحق بتمريضها في بيتها ، وإن مرض أحد الابوين والولد عند الآخر لم يمنع من عيادته ، وحضوره عند موته لما ذكرناه ، وإن اختار أحدهما فسلم إليه ثم اختار الاخر حول إليه ، وإن عاد فاختار الاول أعيد إليه لان الاختيار إلى شهوته ، وقد يشتهي المقام عند أحدهما في وقت ، وعند الاخر في وقت ، فاتبع ما يشتهيه كما يتبع ما يشتهيه من مأكول ومشروب . الانتقال بالطفل : قال ابن القيم : فإن كان سفر أحدهما لحاجة ثم يعود والآخر مقيم فهو أحق ، لان السفر بالولد الطفل - ولا سيما إذا كان رضيعا إضرار به وتضييع له ، هكذا أطلقوه ولم يستثنوا سفر الحج من غيره . وإن كان أحدهما منتقلا عن بلد لاخر للاقامة والبلد وطريقه مخوفان أو أحدهما ، فالمقيم أحق . وإن كان هو وطريقه آمنين ، ففيه قولان : وهما روايتان عن أحمد رحمه الله . ( إحداهما ) أن الحضانة للاب ليتمكن من تربية الولد وتأديبه وتعليمه ، وهو قول مالك والشافعي رحمهما الله ، وقضى به شريح . ( والثانية ) أن الام أحق . وفيها قول ثالث : إن كان المنتقل هو الاب فالام أحق به وإن كان الام فإن انتقلت إلى البلد الذي كان فيه أصل النكاح فهي أحق به . وان انتقلت إلى غيره فالاب أحق . وهذا قول أبي حنيفة . وحكوا عن أبي حنيفة رحمه الله ، رواية أخرى : أن نقلها إن كان من بلد إلى قرية فالاب أحق ، وإن كان من بلد إلى بلد فهي أحق ، وهذه أقوال كلها كما ترى لا يقوم عليها دليل يسكن القلب إليه . فالصواب النظر والاحتياط للطفل في الاصلح له ، والانفع الاقامة أو النقلة . فأيهما كان أنفع له وأصون وأحفظ روعي . ولا تأثير لاقامة ولا نقلة . هذا كله ما لم يرد أحدهما بالنقلة مضارة الاخر ، وانتزاع الولد منه ، فإن أراد ذلك لم يجب إليه . والله الموفق
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:01 am

أحكام القضاء ( 1 ) : وللقضاء الشرعي أحكام يعسر إحصاؤها في القضايا الخاصة ومشاكلها ، وللكثير من هذه الاحكام دلالات وقواعد صدرت عنها ومبادئ قررتها ، ونكتفي هنا بأن نشير إلى هذه الاحكام . الحكم الاول : وقد صدر من محكمة كرموز الجزئية بتاريخ 10 إبريل 1932 وتأيد من محكمة الاسكندرية الابتدائية في 29 . مايو سنة 1932 وهو يقضي برفض دعوى أب طلب ضم ابنته الصغيرة إليه ، لاقامة أمها وهي زوجته في بلد بعيد عن البلد الذي كان محل إقامتهما ، وفيه عقد زواجها ، وهذا يسقط حقها شرعا في الحضانة . وقد استندت المحكمة في حكمها إلى أن الثابت فقها أن الام أحق بالحضانة قبل الفرقة وبعدها . وأن نشوز الزوجة لا يسقط حقها في الحضانة ، وعلى الاب إذا أراد ضم الصغير إليه أن يطلب دخول أمه في طاعته مادامت الزوجية قائمة ، فإن لم يفعل وطلب ضم الصغير وحده كان ظالما ولا يجاب إلى طلبه ، لان ذلك يفوت على الام حضانته وحق رويته . وهكذا قرر هذا الحكم هذه القاعدة : " إذا انتقلت أم الصغير بولدها ولو إلى مكان بعيد فليس للاب حق نزعه منها مادامت الزوجية قائمة . لان له عليها سلطان الزوجية وإدخالها في طاعته ، فيضمه بضمها إليه . وكذلك المعتدة لوجوب إسكانها بمسكن العدة " . الحكم الثاني : وقد صدر من محكمة ببا الجزئية في 25 مايو سنة 1931 وتأيد استئنافيا من محكمة بني سويف الكلية في 20 يوليو سنة 1931 وقد قرر هذه القاعدة : " يرفض طلب الاب ضم ابنه الصغير إليه ، لعدم تمكنه من الحضور من بلده إلى بلد أمه وحاضنته لرؤيته والعودة قبل الليل ، مادامت الام مقيمة في بلد هو وطنها ، ولم يكن بينه وبين بلد الاب التي ابتعد هو عنها تفاوت كبير يمنعه من الذهاب لرؤية ولده والعودة إلى بلده قبل الليل ، سواء أكان ابتعاده عن ذلك البلد بإرداته أم بغير إرادته " . لانه لا ذنب للحاضنة في هذا على كل حال . ويؤخذ من وقائع هذه الدعوى . أن المدعي كان قد تزوج المدعي عليها في بلدها بني مزار ، ثم رزقت منه حال قيام الزوجية ببنت وطلقت منه في البلد المذكور وانتهت عدتها بوضع الحمل ، ثم أقامت المدعي عليها دعوى بمدينة نبا وأخذت عليه حكما من محكمتها بحضانة الصغيرة بتاريخ 29 أكتوبر سنة 1930 حين كان المدعي مقيما ببني مزار ، وانتهى الامر باقامته بأسيوط بحكم / صفحة 354 / وظيفته حيث رفع هذه الدعوى طالبا ضم ابنته إليه وهي لا تزيد سنها عن سنتين وثمانية أشهر ( 1 ) . الحكم الثالث : وقد صدر من محكمة دمنهور في 25 اكتوبر سنة 1927 ولم يستأنف وهو يقرر في حيثياته أن المنصوص عليه شرعا أن غير الام من الحاضنات ليس لها نقل الصغير من بلد أبيه إلا بإذنه . ولكن بعض الفقهاء حمل المنع على المكانين المتفاوتين ، بحيث لو خرج الاب لرؤية ولده لا يمكنه الرجوع إلى منزله قبل الليل لا المتقاربين ، حيث لم يفرق بين الام وغيرها في ذلك ( 2 ) . وهكذا نرى أنه من الضروري الوقوف على أحكام القضاء التي تعتبر تطبيقا عمليا للنصوص الفقهية ، ففيها تعالج مشاكل الحياة العملية وينظر القاضي لهذه النصوص على ضوء الواقع في الحياة نفسها .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:02 am

الحدود تعريفها



الحدود جمع حد ، والحد في الاصل : الشئ الحاجز بين شيئين . ويقال : ما ميز الشئ عن غيره . ومنه : حدود الدار ، وحدود الارض .

وهو في اللغة بمعنى المنع . وسميت عقوبات المعاصي حدودا ، لانها في الغالب تمنع العاصي من العود إلى تلك المعصية التي حد لاجلها . ويطلق الحد على نفس المعصية ومنه : " تلك حدود الله فلا تقربوها " ( 1 ) . والحد في الشرع عقوبة مقررة لاجل حق الله ( 2 ) . فيخرج التعزير لعدم تقديره إذ أن تقديره مفوض لرأي الحاكم . ويخرج القصاص لانه حق الادمي .

جرائم الحدود : وقد قرر الكتاب والسنة عقوبات محددة لجرائم معينة تسمى " جرائم الحدود " وهذه الجرائم هي : " الزنا ، والقذف ، والسرقة ، والسكر ، والمحاربة ، والردة ، والبغي " . فعلى من ارتكب جريمة من هذه الجرائم عقوبة محددة قررها الشارع . فعقوبة جريمة الزنا ، الجلد للبكر . والرجم للثيب . يقول الله سبحانه : " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة

( 1 ) سورة البقرة : آية 187 . ( 2 ) معنى أن العقوبة مقررة لحق الله : أي أنها مقررة لصالح الجماعة وحماية النظام العام ، لان هذا هو الغاية من دين الله . وإذا كانت حقا لله فهي لا تقبل الاسقاط ، لا من الافراد ولا من الجماعة

منكم ، فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا " . ( 1 ) والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : " خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا : البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة ، والرجم " . وعقوبة جريمة القذف ثمانون جلدة . يقول الله سبحانه : " والذين يرمون المحصنات ، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ، فاجلدوهم ثمانين جلدة ، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ، وأولئك هم الفاسقون " ( 2 ) وعقوبة جريمة السرقة ، قطع اليد . يقول الله تعالى : " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ، جزاء بما كسبا نكالا من الله ، والله عزيز حكيم " . وعقوبة جريمة الفساد في الارض : القتل ، أو الصلب ، أو النفي ، أو تقطيع الايدي والارجل من خلاف ، يقول الله سبحانه : " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا ، أو يصلبوا ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، أو ينفوا من الارض . ذلك لهم خزي في الدنيا . ولهم في الاخرة عذاب عظيم " ( 3 ) . وعقوبة جريمة السكر ، ثمانون جلدة ، أو أربعون على ما سيأتي مفصلا في موضعه . وعقوبة الردة القتل ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من بدل دينه فاقتلوه " . وعقوبة جريمة البغي : القتل . لقول الله سبحانه : " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ، فإن بغت إحداهما على الاخرى ، فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله . فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل ، وأقسطوا إن الله يحب المقسطين " ( 1 ) . ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنه ستكون بعدي هنات وهنات . فمن أراد أن يفرق أمر المسلمين وهم جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان " .

عدالة هذه العقوبات : وهذه العقوبات - بجانب كونها محققة للمصالح العامة وحافظة للامن العام فهي عقوبات عادلة غاية العدل . إذ أن الزنا جريمة من أفحش الجرائم وأبشعها . وعدوان على الخلق والشرف والكرامة . ومقوض لنظام الاسر والبيوت . ومروج للكثير من الشرور والمفاسد التي تقضي على مقومات الافراد والجماعات ، وتذهب بكيان الامة ، ومع ذلك فقد احتاط الاسلام في اثبات هذه الجريمة ، فاشترط شروطا يكاد يكون من المستحيل توفرها . فعقوبة الزنا عقوبة قصد بها الزجر والردع والارهاب أكثر مما قصد بها التنفيذ والفعل . وقذف المحصنين والمحصنات من الجرائم التي تحل روابط الاسرة وتفرق بين الرجل وزوجه ، وتهدم أركان البيت ، والبيت هو الخلية الاولى في بنية المجتمع ، فبصلاحها يصلح ، وبفسادها يفسد . فتقرير جلد مقترف هذه الجريمة ثمانين جلدة بعد عجزه عن الاتيان بأربعة شهداء يؤيدونه فيما يقذف به ، غاية في الحكمة وفي رعاية المصلحة ، كيلا تخدش كرامة إنسان أو يجرح في سمعته . والسرقة ما هي إلا اعتداء على أموال الناس وعبث بها . والاموال أحب الاشياء إلى النفوس . فتقرير عقوبة القطع لمرتكب هذه الجريمة حتى يكف غيره عن اقتراف جريمة السرقة ، فيأمن كل فرد على ماله ، ويطمئن على أحب الاشياء لديه وأعزها على نفسه ، مما يعد من مفاخر هذه الشريعة .وقد ظهر أثر الاخذ بهذا التشريع في البلاد التي تطبقه واضحا في استتباب الامن وحماية الاموال وصيانتها من أيدي العابثين ، والخارجين على الشريعة والقانون . وقد اضطر الاتحاد السوفيتي أخيرا إلى تشديد عقوبة السرقة بعد أن تبين له أن عقوبة السجن لم تخفف من كثرة ارتكاب هذه الجريمة ، فقرر إعدام السارق رميا بالرصاص وهي أقسى عقوبة ممكنة ( 1 ) . والمحاربون الساعون في الارض بالفساد المضربون لنيران الفتن ، المزعجون للامن ، المثيرون للاضطرابات ، العاملون على قلب النظم القائمة ، لا أقل من أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، أو ينفوا من الارض . والخمر تفقد الشارف عقله ورشده ، وإذا فقد الانسان رشده وعقله ارتكب كل حماقة وفحش ، فإذا جلد كان جلده مانعا له من المعاودة من جانب ، ورادعا لغيره من اقتراف مثل جريرته من جانب آخر .

وجوب إقامة الحدود : إقامة الحدود فيها نفع للناس ، لانها تمنع الجرائم ، وتردع ؟ ؟ اة ، وتكف من تحدثه نفسه بانتهاك الحرمات ، وتحقق الامن لكل فرد ، على نفسه ، وعرضه وماله ، وسمعته ، وحريته ، وكرامته ، وقد روى النسائي وابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " حد يعمل به في الارض خير لاهل الارض من أن يمطروا أربعين صباحا ( 2 ) " . وكل عمل من شأنه أن يعطل إقامة . الحدود فهو تعطيل لاحكام الله ، ومحاربة له ، لان ذلك من شأنه إقرار المنكر وإشاعة الشر .

( هامش ) ( 1 ) جاء في حريدة الاهرام - 14 \ 8 \ 1963 : " إن الاتحاد السوفيتي أعدم ثلاثة أشخاص رميا بالرصاص لاتهامهم بالسرقة ، ولا يكاد يمر يوم دون أن ينشر من مثل هذا الكثير " . ( 2 ) في الحديث جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي وهو ضعيف منكر . روى أحمد ، وأبو داود ، والحاكم وصححه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فهو مضاد الله في أمره " . وقد يحدث أن يغفل المرء عن الجناية التي يرتكبها الجاني وينظر إلى العقوبة الواقعة عليه ، فيرق قلبه له ويعطف عليه ، فيقرر القرآن أن ذلك مما يتنافى مع الايمان ، لان الايمان يقتضي الطهر والتنزه عن الجرائم والسمو بالفرد والجماعة إلى الادب العالي والخلق المتين . يقول الله سبحانه : " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الاخر ، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " ( 1 ) . إن الرحمة بالمجتمع أهم بكثير من الرحمة بالفرد . فقسا ليزدجروا ، ومن يك حازما فليقس أحيانا على من يرحم الشفاعة في الحدود : يحرم أن يشفع أحد أو يعمل على أن يعطل حدا من حدود الله ، لان في ذلك تفويتا لمصلحة محققة ، وإغراء بارتكاب الجنايات ، ورضا بإفلات المجرم من تبعات جرمه . وهذا بعد أن يصل الامر إلى الحاكم ، لان الشفاعة حينئذ تصرف الحاكم عن وظيفته الاولى ، وتفتح الباب لتعطيل الحدود ( 2 ) . أما قبل الوصول إلى الحاكم ، فلا بأس من التستر على الجاني ، والشفاعة عنده . أخرج أبو داود ، والنسائي ، والحاكم وصححه من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " تعافوا الحدود فيما بينكم ، فما بلغني من حد فقد وجب " .

( 1 ) سورة النساء : آية 2 . ( 2 ) ادعى ابن عبد البر الاجماع على أنه يجب على السلطان إقامة الحد إذا بلغه

وأخرج أحمد ، وأهل السنن ، وصححه الحاكم من حديث صفوان بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما أراد أن يقطع الذي سرق رداءه فشفع فيه : " هلا كان قبل أن تأتيني به " ؟ ! وعن عائشة قالت : " كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها ، فأتى أهلها أسامة بن زيد فكلموه . فكلم النبي صلى الله عليه وسلم فيها ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " يا أسامة ، لا أراك تشفع في حد من حدود الله عزوجل " . ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا . فقال : " إنما هلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوا . والذي نفسي بيده ، لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها . " فقطع يد المخزومية ، رواه أحمد ، ومسلم ، والنسائي . سقوط الحدود بالشبهات : الحد عقوبة من العقوبات التي توقع ضررا في جسد الجاني وسمعته ، ولا يحل استباحة حرمة أحد ، أو إيلامه إلا بالحق ، ولا يثبت هذا الحق إلا بالدليل الذي لا يتطرق إليه الشك ، فإذا تطرق إليه الشك كان ذلك مانعا من اليقين الذي تنبني عليه الاحكام . ومن أجل هذا كانت التهم والشكوك لا عبرة لها ولا اعتداد بها ، لانها مظنة الخطأ . عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا " . رواه ابن ماجه . وعن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أدرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم ، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله ، فإن الامام لان يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة " . رواه الترمذي ، وذكر أنه قد روي موقوفا ، وأن الوقف أصح ، قال : وقد روي عن غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم أنهم قالوا مثل ذلك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:03 am

الشبهات وأقسامها ( 1 ) : تحدت الاحناف والشافعية عن الشبهات ، ولكل منهما رأي نجمله فيما يأتي : رأي الشافعية : يرى الشافعية أن الشبهة تنقسم أقساما ثلاثة :

1 - شبهة في المحل : أي محل الفعل - مثل : وطء الزوج الزوجة الحائض أو الصائمة ، أو إتيان الزوجة في دبرها ، فالشبهة هنا قائمة في محل الفعل المحرم . إذ أن المحل مملوك للزوج ، ومن حقه أن يباشر الزوجة ، وإذا لم يكن له أن يباشرها وهي حائض أو صائمة أو أن يأتيها في الدبر ، إلا أن ملك الزوج للمحل وحقه عليه يورث شبهة . وقيام هذه الشبهة يقتضي درء الحد ، سواء اعتقد الفاعل بحل الفعل أو بحرمته ، لان أساس الشبهة ليس الاعتقاد والظن ، وإنما أساسها محل الفعل وتسلط الفاعل شرعا عليه .

2 - شبهة في الفاعل : كمن يطأ امرأة زفت إليه على أنها زوجته ، ثم تبين له أنها ليست زوجته . وأساس الشبهة ظن الفاعل واعتقاده بحيث يأتي الفعل وهو يعتقد أنه لا يأتي محرما ، فقيام هذا الظن عند الفاعل يورث شبهة يترتب عليها درأ الحد - أما إذا أتى الفاعل الفعل وهو عالم بأنه محرم فلا شبهة .

3 - شبهة في الجبهة : ويقصد من هذا الاشتباه في حل الفعل وحرمته ، وأساس هذه الشبهة الاختلاف بين الفقهاء على الفعل ، فكل ما اختلفوا على حله أو جوازه كان الاختلاف فيه شبهة يدرأ بها الحد ، فمثلا يجيز أبو حنيفة الزواج بلا ولي ويجيزه مالك بلا شهود ، ولا يجيز جمهور الفقهاء هذا الزواج ، ونتيجة هذا الزواج أنه لا حد على الوطء في هذا الزواج المختلف في صحته ، لان الخلاف يقوم شبهة تدرأ الحد ، ولو كان الفاعل يعتقد بحرمة الفعل ، لان هذا الاعتقاد في ذاته ليس له أثر ما دام الفقهاء مختلفين على الحل والحرمة . رأي الاحناف : أما الاحناف فإنهم يرون أن الشبهة تنقسم قسمين :

1 - شبهة في الفعل : وهي شبهة في حق من اشتبه عليه الفعل دون من لم يشتبه عليه . وتثبت هذه الشبهة في حق من اشتبه عليه الحل والحرمة ، ولم يكن ثمت دليل سمعي يفيد الحل ، بل ظن غير الدليل دليلا ، كمن يطء زوجته المطلقة ثلاثا أو بائنا على مال في عدتها ، وتعليل ذلك ، أن النكاح إذا كان قد زال في حق الحل أصلا لوجود المعطل لحل المحلية ، وهو الطلاق ، فإن النكاح قد بقي في حق الفراش ، والحرمة على الازواج فقط ، ومثل هذا الوطء حرام ، فهو زنا يوجب الحد - إلا إذا ادعى الواطئ الاشتباه وظن الحل - لانه بنى ظنه على نوع دليل ، وهو بقاء النكاح في حق الفراش وحرمة الازواج ، فظن أنه بقي في حق الحل أيضا - وهذا وإن لم يصلح دليلا على الحقيقة ، لكنه لما ظنه دليلا اعتبر في حقه درءا لما يندرئ بالشبهات . ويشترط - لقيام الشبهة في الفعل - ألا يكون هناك دليل على التحريم أصلا ، وأن يعتقد الجاني الحل ، فإذا كان هناك دليل على التحريم ، أو لم يكن الاعتقاد بالحل ثابتا ، فلا شبهة أصلا . وإذا ثبت أن الجاني كان يعلم بحرمة الفعل وجب عليه الحد .

2 - الشبهة في المحل : ويسمونها الشبهة الحكمية ، أو شبهة الملك : وتقوم هذه الشبهة على الاشتباه في حكم الشرع بحل المحل ، فيشترط في هذه وتقوم هذه الشبهة على الاشتباه في حكم الشرع بحل المحل ، فيشترط في هذه الشبهة أن تكون ناشئة عن حكم من أحكام الشريعة - وهي تتحقق بقيام دليل شرعي ينفي الحرمة - ولا عبرة بظن الفاعل ، فيستوي أن يعتقد الفاعل الحل ، أو يعلم الحرمة ، لان الشبهة ثابتة بقيام الدليل الشرعي ، لا بالعلم وعدمه . من يقيم الحدود ؟ : اتفق الفقهاء على أن الحاكم أو من ينيبه عنه هو الذي يقيم الحدود . وأنه ليس للافراد أن يتولوا هذا العمل من تلقاء أنفسهم . روى الطحاوي عن مسلم بن يسار أنه قال : كان رجل من الصحابة يقول : " الزكاة ، والحدود ، والفئ ، والجمعة إلى السلطان " . قال الطحاوي : لا نعلم له مخالفا من الصحابة ( 1 ) .

( هامش ) ( 1 ) تعقبه ابن حزم ، فقال : إنه خالفه اثنا عشر صحابيا

وروى البيهقي عن خارجة بن زيد ، عن أبيه ، وأخرجه أيضا عن أبي الزناد عن أبيه عن الفقهاء الذين ينتهى إلى أقوالهم من أهل المدينة أنهم كانوا يقولون : " لا ينبغي لاحد أن يقيم شيئا من الحدود دون السلطان ، إلا أن للرجل أن يقيم حد الزنا على عبده أو أمته " . وذهب جماعة من السلف ، منهم الشافعي ، إلى أن السيد يقيم الحد على مملوكه ، واستدلوا بما روي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أن خادمة النبي صلى الله عليه وسلم أحدثت ، فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أقيم عليها الحد ، فأتيتها فوجدتها لم تجف من دمها فأتيته فأخبرته ، فقال : " إذا جفت من دمها فأقم عليها الحد ، أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم " . رواه أحمد وأبو داود ، ومسلم ، والبيهقي ، والحاكم . وقال أبو حنيفة يرفعه المولى للسلطان . ولا يقيمه هو بنفسه .

مشروعية التستر في الحدود : قد يكون ستر العصاة علاجا ناجعا للذين تورطوا في الجرائم واقترفوا المآثم ، وقد ينهضون بعد ارتكابها فيتوبون توبة نصوحا ، ويستأنفون حياة نظيفة . لهذا شرع الاسلام التستر على المتورطين في الاثام ، وعدم التعجيل بكشف أمرهم . عن سعيد بن المسيب قال : بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أسلم يقال له هزال ، وقد جاء يشكو رجلا بالزنا ، وذلك قبل أن ينزل قوله تعالى : " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة " ( 1 ) . " يا - هزال - لو سترته بردائك كان خيرا لك " .

قال يحيى بن سعيد : فحدثت بهذا الحديث في مجلس فيه يزيد بن نعيم بن هزال الاسلمي ، فقال يزيد : " هزال جدي ، هذا الحديث حق " . وروى ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة ، ومن كشف عورة أخيه كشف الله عورته حتى يفضحه في بيته " . وإذا كان الستر مندوبا ، ينبغي أن تكون الشهادة به خلاف الاولى التي مرجعها إلى كراهة التنزيه ، لانها في رتبة الندب في جانب الفعل ، وكراهة التنزيه في جانب الترك ، وهذا يجب أن يكون بالنسبة إلى من لم يعتد الزنا ولم يتهتك به . أما إذا وصل الحال إلى إشاعته والتهتك به ، فيجب كون الشهادة به أولى من تركها ، لان مطلوب الشارع إخلاء الارض من المعاصي والفواحش وذلك يتحقق بالتوبة من الفاعلين ، وبالزجر لهم ، فإذا ظهر حال الشره في الزنا وعدم المبالاة به وإشاعته ، فإخلاء الارض المطلوب حينئذ بالتوبة ، احتمال يقابله ظهور عدمها ، فمن اتصف بذلك فيجب تحقيق السبب الاخر للاخلاء ، وهو الحدود ، بخلاف من زنا مرة أو مرارا ، مستترا متخوفا متندما عليه فإنه محل استحباب ستر الشاهد ( 1 ) " .

ستر المسلم نفسه : بل على المسلم أن يستر نفسه ولا يفضحها بالحديث عما يصدر عنه ، من إثم أو إقرار أمام الحاكم لينفذ فيه العقوبة . روى الامام مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يا أيها الناس : قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله . . . من أصاب شيئا من هذه القاذورة فليستتر بستر الله ، فإنه من يبد لنا صفحته ، نقم عليه كتاب الله " .

الحدود كفارة للاثام : يرى أكثر العلماء أن الحدود إذا أقيمت كانت مكفرة لما اقترف من آثام ، وأنه لا يعذب في الاخر . لما رواه البخاري ومسلم عن عبادة بن الضامت قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال : " تبايعوني على أن تشركوا بالله شيئا ، ولا تزنوا ، ولا تسرقوا ، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق فمن وفى منكم فأجره على الله ، ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به فهو كفارة له ( 1 ) . ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله عليه ، فأمره إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه " . وإقامة الحد وإن كانت مكفرة للاثام ، فإنها مع ذلك زاجرة عن اقترافها . فهي جوابر وزواجر معا .

إقامة الحدود في دار الحرب : ذهب فريق من العلماء إلى أن الحدود تقام في أرض الحرب كما تقام في دار الاسلام دون تفرقة بينهما ، لان الامر بإقامتهما عام لم يخص دارا دون دار . وممن ذهب إلى هذا مالك والليث بن سعد . وقال أبو حنيفة وغيره : إذا غزا أمير أرض الحرب ، فإنه لا يقيم الحد على أحد من جنوده في عسكره ، إلا أن يكون أمام مصر أو الشام أو العراق أو ما أشبه ذلك ، فيقيم الحدود في عسكره . وحجة هؤلاء أن إقامة الحدود في دار الحرب قد تحمل المحدود على الالتحاق بالكفر . وهذا هو للراجح . وذلك أن هذا حد من حدود الله تعالى ، وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هو شر منه . وقد نص أحمد وإسحق بن راهويه ، والاوزاعي ، وغيرهم من علماء السلام على أن الحدود لا تقام في أرض العدو ، وعليه إجماع الصحابة وكان أبو محجن الثقفي رضي الله عنه لا يستطيع صبرا عن شرب الخمر ، فشربها في واقعة القادسية ،

( هامش ) ( 1 ) وهذا فيما عدا الشرك ( إن الله لا : فغفرن يشرك به ) .

فحبسه أمير الجيش سعد بن أبي وقاص ، وأمر بتقييده ، فلما التقى الجمعان قال أبو محجن : كفا حزنا أن تطرد الخيل بالقنا وأترك مشدودا علي وثاقيا ثم قال لامرأة سعد ، أطلقيني ، ولك علي إن سلمني الله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد ، فإن قتلت فقد استرحتم مني ، فحلته ، فوثب على فرس لسعد يقال لها " البلقاء " ثم أخذ رمحا وخرج للقتال ، فأتى بما بهر سعدا وجيش المسلمين حتى ظنوه ملكا من الملائكة جاء لنصرتهم ، فلما هزم العدو رجع ووضع رجليه في القيد ، فأخبرت سعدا امرأته بما كان من أمره ، فخلى سعد سبيله ، وأقسم ألا يقيم عليه الحد من أجل بلائه في القتال حتى قوي جيش المسلمين به ، فتاب أبو محجن بعد ذلك عن شرب الخمر . فتأخر الحد أو إسقاطه كان لمصلحة راجحة ، هي خير للمسلمين وله من إقامة الحد عليه . النهي عن إقامة الحدود في المساجد صيانة لها عن التلوث : روى أبو داود عن حكيم بن حزام رضى الله عنه أنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستقاد في المسجد ، وأن تنشد فيه الاشعار ، وأن تقام فيه الحدود . هل للقاضي أن يحكم بعلمه : يرى الظاهرية أنه فرض على القاضي أن يقضي بعلمه في الدماء والقصاص والاموال والفروج والحدود ، سواء علم ذلك قبل ولايته أو بعد ولايته ، وأقوى ما حكم بعلمه ، لانه يقين الحق . ثم بالاقرار ، ثم بالبينة ، لان الله تعالى يقول : " يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ( 1 ) " وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه . . . فصح أن القاضي عليه أن يقوم بالقسط ، وليس من القسط أن يترك الظالم على ظلمه لا يغيره . وصح أن فرضا على القاضي أن يغير كل منكر علمه بيده ، وأن يعطي كل ذي حق حقه ، وإلا فهو ظالم . وأما جمهور الفقهاء ، فإنهم يرون أنه ليس للقاضي أن يقضى بعلمه . قال أبو بكر رضي الله عنه : " لو رأيت رجلا على حد لم أحده حتى تقوم البينة عندي " . ولان القاضي كغيره من الافراد ، لا يجوز له أن يتكلم بما شهده ما لم تكن لديه البينة الكاملة . ولو رمى القاضي زانيا بما شهده منه وهو لا يملك على قول البينة الكاملة لكان قاذفا يلزمه حد القذف . وإذا كان قد حرم على القاضي النطق بما يعلم ، فأولى أن يحرم عليه العمل به . وأصل هذا الرأي قول الله سبحانه : " فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون "
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:04 am

الخمر التدرج في تحريمها : وقد كان الناس يشربون الخمر حتى هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة ، فكثر سؤال المسلمين عنها وعن لعب الميسر ، لما كانوا يرونه من شرورهما ومفاسدهما ، فأنزل الله عز وجل : " يسألونك عن الخمر والميسر ، قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ( 1 ) " . أي أن في تعاطيهما ذنبا كبيرا ، لما فيهما من الاضرار والمفاسد المادية والدينية . وأن فيهما كذلك منافع للناس . وهذه المنافع مادية . وهي الربح بالاتجار في الخمر ، وكسب المال دون عناء في الميسر . ومع ذلك فإن الاثم أرجح من المنافع فيهما ، وفي هذا ترجيح لجانب التحريم ، وليس تحريما قاطعا . ثم نزل بعد ذلك التحريم أثناء الصلاة تدرجا مع الناس الذين ألفوها وعدوها جزءا من حياتهم : قال الله سبحانه : " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون . . . " ( 2 ) وكان سبب نزول هذه الاية أن رجلا صلى وهو سكران فقرأ : " قل يا أيها الكافرون . أعبد ما تعبدون " إلى آخر السورة - بدون ذكر النفي - وكان ذلك تمهيدا لتحريمها نهائيا ، ثم نزل حكم الله بتحريمها نهائيا . قال الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان ، فاجتنبوه لعلكم تفلحون ، إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ، ويصدكمعن ذكر الله وعن الصلاة ، فهل أنتم منتهون ؟ " ( 1 ) . وظاهر من هذا أن الله سبحانه عطف على الخمر ، الميسر والانصاب والازلام . وحكم على هذه الاشياء كلها بأنها : 1 - رجس : أي خبيث مستقذر عند أولي الالباب . 2 - ومن عمل الشيطان وتزيينه ووسوسته . 3 - وإذا كان ذلك كذلك ، فإن من الواجب اجتنابها والبعد عنها ، ليكون الانسان معدا ومهيئا للفوز والفلاح . 4 - وإن إرادة الشيطان بتزيينه تناول الخمر ولعب الميسر في إيقاع العداوة والبغضاء بسبب هذا التعاطي ، وهذه مفسدة دنيوية . 5 - وإن إرادته كذلك في الصد عن ذكر الله ، والالهاء عن الصلاة ، وهذه مفسدة أخرى دينية . 6 - وأن ذلك كله يوجب الانتهاء عن تعاطي شئ من ذلك . وهذه الاية آخر ما نزل في حكم الخمر ، وهي قاضية بتحريمها تحريما قاطعا . وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال : أول ما نزل من تحريم الخمر : " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ، وإثمهما أكبر من نفعهما . " ( 2 ) . فقال بعض الناس : نشربها لمنافعها ، وقال آخرون : لا خير في شئ فيه إثم . ثم نزلت : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون " ( 3 ) . فقال بعض الناس نشربها ونجلس في بيوتنا ، وقال آخرون : لا خير في شئ يحول بيننا وبين الصلاة مع المسلمين . فنزلت : " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون - إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة ، فهل أنتم منتهون " ( 1 ) فنهاهم فانتهوا . وكان هذا التحريم بعد غزوة الاحزاب . وعن قتادة أن الله حرم الخمر في سورة المائدة بعد غزوة الاحزاب ، وكانت غزوة الاحزاب سنة أربع أو خمس هجرية . وذكر إبن اسحاق أن التحريم كان في غزوة بني النضير وكانت سنة أربع هجرية على الراجح . وقال الدمياطي في سيرته : كان تحريمها عام الحديبية سنة ست هجرية .

تشديد الاسلام في تحريم الخمر : وتحريم الخمر يتفق مع تعاليم الاسلام التي تستهدف إيجاد شخصية قوية في جسمها ونفسها وعقلها ، وما من شك في أن الخمر تضعف الشخصية وتذهب بمقوماتها ، ولا سيما العقل ، يقول أحد الشعراء : شربت الخمر حتى ضل عقلي كذاك الخمر تفعل بالعقول وإذا ذهب العقل تحول المرء إلى حيوان شرير ، وصدر عنه من الشر والفساد ما لا حد له ، فالقتل ، والعدوان ، والفحش ، وإفشاء الاسرار ، وخيانة الاوطان من آثاره . وهذا الشر يصل إلى نفس الانسان ، وإلى أصدقائه وجيرانه ، وإلى كل من يسوقه حظه التعس إلى الاقتراب منه . فعن علي كرم الله وجهه : أنه كان مع عمه حمزة وكان له شارفان " أي ناقتان مسنتان " أراد أن يجمع عليهما الاذخر ، وهو نبات طيب الرائحة ، مع صائغ يهودي ويبيعه للصواغين ،

( هامش ) ( 1 ) " فهل أنتم منتهون " . لما علم عمر رضي الله عنه أن هذا وعيد شديد زائد على معنى ( انتهوا ) ، قال : انتهينا . وأمر النبي صلى الله عليه وسلم مناديه أن ينادي في سكك المدينة : ألا إن الخمر ققد حرمت . فكسرت الدنان وأريقت الخمر حتى جرت في سكك المدينة .

ليستعين بثمنه على وليمة فاطمة رضي الله عنها - عند إرادة البناء بها - وكان عمه حمزه يشرب الخمر مع بعض الانصار ، ومعه قينة تغنيه ، فأنشدت شعرا حثته به على نحر الناقتين ، وأخذ أطايبهما ليأكل منها ، فثار حمزة وجب ( 1 ) أسنمتهما وأخذ من أكبادهما . فلما رأى علي ذلك تألم ولم يملك عينيه ، وشكا حمزة إلى النبي صلى الله عليه وسلم . فدخل النبي على حمزة ومعه علي وزيد بن حارثة فتغيظ عليه وطفق يلومه - وكان حمزة ثملا قد احمرت عيناه . فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له ولمن معه : وهل أنتم إلا عبيد لابي . فلما علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ثمل ، نكص على عقبيه القهقرى ، وخرج هو ومن معه . هذه هي آثار الخمر حينما تلعب برأس شاربها وتفقده وعيه ، ولهذا أطلق عليها الشرع أم الخبائث . فعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الخمر أم الخبائث . وعن عبد الله بن عمرو . قال : " الخمر أم الفواحش وأكبر الكبائر ، ومن شرب الخمر ترك الصلاة ، ووقع على أمه وخالته وعمته " . رواه الطبراني في الكبير من حديث عبد الله بن عمرو ، وكذا من حديث ابن عباس بلفظ " من شربها وقع على أمه " . وكما جعلها أم الخبائث أكد حرمتها ، ولعن متعاطيها وكل من له بها صلة ، واعتبره خارجا عن الايمان . فعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " لعن في الخمر عشرة : عاصرها ، ومعتصرها ، وشاربها ، وحاملها ، والمحمولة إليه ، وساقيها ، وبائعها ، وآكل ثمنها ، والمشتري لها ، والمشترى له " . رواه ابن ماجه والترمذي . وقال : حديث غريب . وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يزني

( هامش ) ( 1 ) جب : قطع .

الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ( 1 ) . رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي . وجعل جزاء من يتناولها في الدنيا أن يرحم منها في الاخرة لانه استعجل شيئا فجوزي بالحرمان منه . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من شرب الخمر في الدنيا ولم يتب ، لم يشربها في الاخرة ، وإن دخل الجنة " .

تحريم الخمر في المسيحية : وكما أن الخمر محرمة في الاسلام فهي محرمة في المسيحية كذلك . وقد استفتت جماعة منع المسكرات رؤساء الديانة المسيحية بالوجه القبلى بالجمهورية العربية المتحدة ( ) فأفتوا بما خلاصته : " أن الكتب الالهية جميعها قضت على الانسان أن يبتعد عن المسكرات " كذلك استدل رئيس كنيسة السوريين الاورثوذكس على تحريم المسكرات بنصوص الكتاب المقدس . ثم قال : " وخلاصة القول : إن المسكرات إجمالا محرمة في كل كتاب ، سواء كانت من العنب أم من سائر المواد كالشعير ، والتمر ، والعسل ، والتفاح ، وغيرها . ومن شواهد العهد الجديد في ذلك قول بولس في رسالته إلى أهل إفسس ( 5 : 8 ) : " ولا تسكروا بالخمر الذي فيه الخلاعة " . ونهيه عن مخالطة السكير ( إكوه : 11 ) وجزمه بأن السكيرين لا

( هامش ) ( 1 ) أي أن مرتكب ذلك لا يكون حال ارتكابه متصفا بالايمان الاذعاني لحمرة ذلك - وكونه من أسباب سخط الله وعقوبته لان هذا الايمان يستلزم اجتناب المعاصي . وقيل : إن الايمان يفارق مرتكب أمثال هذه لكبائر مدة ملابسته لها ، وقد يعود إليه بعدها . وقيل : النافي لكمال الايمان . والرأي الاول أصح ، كما حققه الاما الغزالي في الاحياء في كتاب " التوبة " ( 2 ) منهم نيافة مطران كرسي أسيوط ، ونيافة مطران كرسي البلينا ، ونيافة مطران قنا . بتاريخ 26 / 9 / 1922 م .

لا يرقون ملكوت السموات ( غلاه : 21 - إكو 6 : 9 : 10 ) .

أضرار الخمر : وقد لخصت مجلة التمدين الاسلامي " بقلم الدكتور عبد الوهاب خليل " ما في الخمر من اضرار نفسية وبدنية وخلقية وما يترتب عليها من آثار سيئة في الفرد والجماعة فقالت : وإذا سألنا جميع العلماء سواء علماء الدين ، أو الطب ، أو الاخلاق ، أو الاجتماع ، أو الاقتصاد ، وأخذنا رأيهم في تعاطي المسكرات لكان جواب الكل واحدا : وهو منع تعاطيها منعا باتا ، لانها مضرة ضررا فادحا . فعلماء الدين يقولون : أنها محرمة ، وما حرمت إلا لانها أم الخبائب . وعلماء الطب يقولون : إنها من أعظم الاخطار التي تهدد نوع البشر ، لا بما تورثه مباشرة من الاضرار السامة فحسب ، بل بعواقبها الوخيمة أيضا ، إذ أنها تمهد السبيل لخطر لا يقل ضررا عنها ، ألا وهو السل . . والخمر توهن البدن وتجعله أقل مقاومة وجلدا في كثير من الامراض مطلقا ، وهي تؤثر في جميع أجهزة البدن ، وخاصة في الكبد ، وهي شديدة الفتك بالمجموعة العصبية . لذلك لا يستغرب أن تكون من أهم الاسباب الموجبة لكثير من الامراض العصبية ومن أعظم دواعي الجنون والشقاوة والاجرام ، لا لمستعملها وحده ، بل وفي أعقابه من بعده . فهي إذن علة الشقاء والعوز والبؤس ، وهي جرثومة الافلاس والمسكنة والذل ، وما نزلت بقوم إلا أودت بهم : مادة ومعنى ، بدنها وروحا ، جسما وعقلا . وعلماء الاخلاق يقولون : لكي يكون الانسان محافظا على الرزانة والعفة والشرف والنخوة والمروءة ، يلزم عدم تناوله شيئا يضيع به هذه الصفات الحميذة . وعلماء الاجتماع يقولون : لكي يكون المجتمع الانساني على غاية من النظام والترتيب يلزم عدم تعكيره بأعمال تخل بهذا النظام ، وعندنا تصبح الفوضى سائدة - والفوضى تخلق التفرقة - والتفرقة تفيد الاعداء . وعلماء الاقتصاد يقولون : إن كل درهم نصرفه لمنفعتنا فهو قوة لنا وللوطن . وكل درهم نصرفه لمضرتنا ، فهو خسارة علينا وعلى وطننا ، فكيف بهذه الملايين من الليرات التي تذهب سدى على شرب المسكرات على اختلاف أنواعها . وتؤخرنا ماليا وتذهب بمروءتنا ونخوتنا ؟ ! . فعلى هذه الاساس نرى أن العقل يأمرنا بعدم تعاطي الخمر ، وإذا أرادت الحكومة أخذ رأى العلماء الخبيرين في هذا المضمار فقد كفيناها مؤنة التعب في هذه السبيل ، وأتيناها بالجواب بدون أن تتكبد مشقة أو تصرف فلسا واحدا ، إذ جميع العلماء متفقون على ضررها ، والحكومة من الشعب ، والشعب يريد من حكومته رفع الضرر والاذى ، وهي مسئولة عن رعيتها . وبمنع المسكرات يغدو أفراد الامة أقوياء البنية صحيحي الجسم ، أقوياء العزيمة ذوي عقل ناضج ، وهذه من أهم الوسائل المؤدية إلى رفع المستوى الصحي في البلاد ، وكذلك هي الدعامة الاولى لرفع المستوى الاجتماعي والاخلاقي والاقتصادي . إذ تخفف العناء عن كثير من الوزارات ، وخاصة وزارة العدل - فيصبح رواد القصور العدلية والسجون قليلين ، وبعدها تصبح السجود خالية تتحول إلى دور يستفاد منها بشتى الاصلاحات الاجتماعية . هذه هي الحضارة والمدنية ، وهذه هي النهضة . وهذا هو الرقي والوعي . وهذا هو المعيار والميزان لرقي الامم . هذه هي الاشتراكية والتعاونية بعينها وحقيقتها . أي نشترك ونتعاون على رفع الضرر والاذى . وباب العمل الجدي المنتج واسع : " وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " اه‍ . هذه الاضرار الانفة ثبتت ثبوتا لا مجال فيه لشك أو ارتياب ، مما حمل كثرا من الدول الواعية على محاربة تعاطي الخمر وغيرها من المسكرات . وكان في مقدمة من حاول منع تعاطيها من الدول : أمريكا . فقد نشر في كتاب تنقيحات للسيد أبو الاعلى المودودي ما يأتي : منعت حكومة أمريكا الخمر ، وطاردتها في بلادها ، واستعملت جميع وسائل المدنية الحاضرة كالمجلات ، والمحاضرات ، والصور ، والسينما لتهجين شربها ، وبيان مضارها ومفاسدها . ويقدرون ما أنفقت الدولة في الدعاية ضد الخمر بما يزد على 60 مليون دولار ، وأن ما نشرته من الكتب والنشرات يشتمل على 10 بلايين صفحة ، وما تحملته في سبيل قانون التحريم في مدة أربعة عشر عاما لا يقل عن 250 مليون جنيها ، وقد أعدم فيها 300 نفس ، وسجن 335 ، 532 نفس ، وبلغت الغرامات إلى 16 مليون جنيها ، وصادرت من الاملاك ما يبلغ 400 مليون وأربعة ملايين جنيها ، ولكن كل ذلك لم يزد الامة الامريكية إلا غراما بالخمر وعنادا في تعاطيها ، حتى اضطرت الحكومة سنة 1933 إلى سحب هذا القانون وإباحة الخمر في مملكتها إباحة مطلقة . إنتهى . إن أمريكا قد عجزت عجزا تاما عن تحريم الخمر بالرغم من الجهود الضخمة التي بذلتها ، ولكن الاسلام الذي ربى الامة على أساس من الدين ، وغرس في نفوس أفرادها غراس الايمان الحق ، وأحيا ضميرها بالتعاليم الصالحة والاسوة الحسنة لم يصنعا شيئا من ذلك ، ولم يتكلف مثل هذا الجهد ، ولكنها كلمة صدرت من الله استجابت لها النفوس استجابة مطلقة . روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ . إني لقائم أسقي أبا طلحة وأبا أيوب ورجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، في بيتنا ، إذ جاء رجل فقال : هل بلغكم الخبر ؟ . فقلنا : لا ، فقال : إن الخمر قد حرمت . فقال : يا أنس ، أرق هذه القلال . قال : فما سألوا عنها ، ولا راجعوها بعد خبر الرجل . وهكذا يصنع الايمان بأهله .

ما هي الخمر : الخمر هي تلك السوائل المعروفة المعدة بطريق تخمر بعض الحبوب أو الفواكه ، وتحول النشا أو السكر الذي تحتويه إلى غول ( 1 ) بواسطة بعض كائنات حية لها قدرة على إفراز مواد خاصة يعد وجودها ضروريا في عملية التخمر . وقد سميت خمرا لانها تخمر العقل وتستره : أي تغطيه وتفسد إدراكه . هذا هو تعريف الطب للخمر . وكل ما من شأنه أن يسكر يعتبر خمرا ، ولا عبرة بالمادة التي أخذت منه ، فما كان مسكرا من أي نوع من الانواع فهو خمر شرعا ، ويأخذ حكمه ، ويستوي في ذلك ما كان من العنب أو التمر أو العسل أو الحنطة أو الشعير أو ما كان من غير هذه الاشياء ، إذ أن ذلك كله خمر محرم ، لضرره الخاص والعام ، ولصده عن ذكر الله وعن الصلاة ، ولايقاعه العداوة والبغضاء بين الناس . والشارع لا يفرق بين المتماثلات ، فلا يفرق بين شراب مسكر ، وشراب آخر مسكر فيبيح القليل من صنف ويحرم القليل من صنف آخر ، بل يسوي بينهما ، وإذا كان قد حرم القليل من أحدهما فإنه كذلك قد حرم القليل من الآخر ، وقد جاءت النصوص صريحة صحيحة ، لا تحتمل التأويل ولا التشكيك : 1 - روى أحمد وأبو داود عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كل مسكر خمر ، وكل خمر حرام " . 2 - وروى البخاري ومسلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " أما بعد ، أيها الناس : إنه نزل تحريم الخمر ، وهي من خمسة أشياء : من العنب ، والتمر ، والعسل ، والحنطة ، والشعير ، والخمر ما خامر العقل " .

( هامش ) ( 1 ) الغول : الكحول .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:05 am

هذا الذي قاله أمير المؤمنين وهو القول الفصل ، لانه أعرف باللغة وأعلم بالشرع ، ولم ينقل أن أحدا من الصحابة خالفه فيما ذهب إليه . 3 - وروى مسلم عن جابر ، أن رجلا من اليمن سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له " المزر " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمسكر هو ؟ " قال : نعم ، فقال صلى الله عليه وسلم : " كل مسكر حرام . . . ان على الله عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخيال قالوا يا رسول الله : وما طينة الخيال ؟ قال : " عرق أهل النار " أو قال : " عصارة أهل النار " . 4 - وفي السنن عن النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن من العنب خمرا ، وإن من التمر خمرا ، وإن من العسل خمرا ، وإن من البر خمرا ، وإن من الشعير خمرا " 5 - وعن عائشة رضي الله عنها . قالت : " كل مسكر حرام ، وما أسكر الفرق ( 1 ) منه فمل ء الكف منه حرام " . 6 - وروى أحمد والبخاري ومسلم عن أبي موسى الاشعري . قال ، قلت يا رسول الله : أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن " البتع " وهو من العسل حين يشتد ( 2 ) " والمزر " وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد أوتي جوامع الكلم بخواتيمه ، قال : " كل مسكر حرام " . 7 - وعن علي كرم الله وجهه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاهم على الجعة " وهي نبيذ الشعير " " أي البيرة " . رواه أبو داود والنسائي . هذا هو رأي جمهور الفقهاء من الصحابة والتابعين . وفقهاء الامصار ، ومذهب أهل الفتول ، ومذهب محمد من أصحاب أبي حنيفة ، وعليه الفتوي . ولم يخالف في ذلك أحد سوى فقهاء العراق ، وإبراهيم النخعي ، وسفيان

( هامش ) ( 1 ) الفرق : مكيال يسع ستة عشر رطلا . ( 2 ) يشتد : يغلي ويتخمر .

الثوري ، وابن أبي ليلى ، وشريك ، وابن شبرمة ، وسائر فقهاء الكوفيين ، وأكثر علماء البصريين ، وأبي حنيفة ، فإنهم قالوا : بتحريم القليل والكثير من الخمر التي هي من عصير العنب . أما ما كان من الانبذة من غير العنب ، فإنه يحرم الكثير المسكر منه ، أما القليل الذي لا يسكر ، فإنه حلال . وهذا الرأي مخالف تمام المخالفة لما سبق من الادلة . ومن الامانة العلمية أن نذكر حجج هؤلاء الفقهاء ملخصين ما قاله ابن رشد في بداية المجتهد . قال : قال جمهور فقهاء الحجاز ( 1 ) وجمهور المحدثين : قليل الانبذة وكثيرها المسكرة حرام . وقال العراقيون ، وإبراهيم النخعي من التابعين ، وسفيان الثوري ، وابن أبي ليلى ، وشريك ، وابن شبرمة وأبو حنيفة ، وسائر فقهاء الكوفيين ، وأكثر علماء البصريين : إن المحرم من سائر الانبذة المسكرة هو السكر نفسه ، لا العين . وسبب اختلافهم تعارض الآثار والاقيسة في هذا الباب . فللحجازيين في تثبيت مذهبهم طريقتان : ( الطريقة الاولى ) الآثار الواردة في ذلك . ( الطريقة الثانية ) تسمية الانبذة بأجمعها خمرا . فمن أشهر الآثار التي تمسك بها أهل الحجاز ما رواه مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عائشة أنها قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع وعن نبيذ العسل ؟ فقال : " كل شراب أسكر فهو حرام " . أخرجه البخاري ، وقال يحيى بن معين هذا أصح حديث روي عن النبي عليه الصلاة والسلام في تحريم المسكر . ومنها أيضا ما خرجه مسلم عن ابن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : " كل مسكر خمر ، وكل خمر حرام " . فهذان حديثان صحيحان أما الاول فاتفق الكل عليه . وأما الثاني فانفرد بتصحيحه مسلم . وخرج الترمذي وأبو داود والنسائي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما أسكر كثيره فقليله حرام " . وهو نص في موضع الخلاف . وأما الاستدلال الثاني من أن الانبذة كلها تسمى خمرا فلهم في ذلك طريقتان : إحداهما من جهة إثبات الاسماء بطريق الاشتقاق ، والثاني من جهة السماع . فأما التي من جهة الاشتقاق ، فإنهم قالوا : إنه معلوم عند أهل اللغة أن الخمر إنما سميت خمرا لمخامرتها العقل ، فوجب لذلك أن ينطلق اسم الخمر لغة على كل ما خامر العقل . وهذه الطريقة من إثبات الاسماء فيها اختلاف بين الاصوليين وهي غير مرضية عند الخرسانيين . وأما الطريقة الثانية التي من جهة السماع فإنهم قالوا : إنه وإن لم يسلم لنا بأن الانبذة تسمى في اللغة خمرا فإنها تسمى خمرا شرعا . واحتجوا في ذلك بحديث ابن عمر المتقدم وبما روي أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الخمر من هاتين الشجرتين : النخلة والعنبة " . وما روي أيضا عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن من العنب خمرا ، وإن من العسل خمرا ، ومن الزبيب خمرا ، ومن الحنطة خمرا . . . وأنا أنها كم عن كل مسكر " . فهذه هي عمدة الحجازيين في تحريم الانبذة . وأما الكوفيون فإنهم تمسكوا لمذهبهم بظاهر قوله تعالى : " ومن ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا . " ( 1 ) وباثار رووها في هذا الباب ، وبالقياس المعنوي . أما احتجاجهم بالآية فإنهم قالوا : السكر هو المسكر ولو كان محرم العين ، لما سماه الله رزقا حسنا . وأما الآثار التي اعتمدوها في هذا الباب فمن أشهرها عندهم حديث أبي عون الثقفي ، عن عبد الله بن شداد ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . قال : " حرمت الخمر لعينها ، والسكر من غيرها " . قالوا : وهذا نص لا يحتمل التأويل ، وضعفه أهل الحجاز ، لان بعض رواته روى " والمسكر من غيرها " . ومنها حديث شريك عن سماك بن حرب بإسناده عن أبي بردة بن نيار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إني كنت نهيتكم عن الشراب في الاوعية ، فاشربوا فيما بدا لكم ولا تسكروا " ، خرجها الطحاوي . وروي عن ابن مسعود أنه قال : " شهدت تحريم النبيذ كما شهدتم ، ثم شهدت تحليله ، فحفظت ونسيتم " . وروي عن أبي موسى أنه قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ومعاذا إلى اليمن ، فقلنا يا رسول الله : إن بها شرابين يصنعان من البر والشعير : أحدهما يقال له : المزر . والآخر يقال له : البتع . فما نشرب ؟ . فقال عليه الصلاة والسلام : " اشربا ولا تسكرا " . خرجه الطحاوي أيضا . . . إلى غير ذلك من الآثار التي ذكروها في هذا الباب . وأما احتجاجهم من جهة النظر . فإنهم قالوا : قد نص القرآن على أن علة التحريم في الخمر إنما هي الصد عن ذكر الله ووقوع العداوة والبغضاء كما قال تعالى : " إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة . . . " وهذه العلة تود في القدر المسكر ، لافيما دون ذلك ، فوجب أن يكون ذلك القدر هو احرام ، إلا ما انعقد عليه الاجماع من تحريم قليل الخمر وكثيرها . قالوا : وهذا النوع من القياس يلحق بالنص . وهو القياس الذي ينبه الشرع على العلة فيه . وقال المتأخرون من أهل النظر : حجة الحجازيين من طريق السمع أقوى وحجة العراقيين من طريق القياس أظهر . وإذا كان هذا كما قالوا فيرجع الخلاف إلى اختلافهم في تغليب الاثر على القياس ، أو تغليب القياس على الاثر إذا تعارضا ، وهي مسألة مختلف فيها . لكن الحق أن الاثر إذا كان نصا ثابتا ، فالواجب أن يغلب على القياس . وأما إذا كان ظاهر اللفظ محتملا للتأويل ، فهنا يتردد النظر : هل يجمع بينهما بأن يتأول اللفظ ؟ أو يغلب ظاهر اللفظ على مقتضى القياس ؟ وذلك مختلف بحسب قوة لفظ من الالفاظ الظاهرة وقوة قياس من القياسات التي تقابلها . ولا يدرك الفرق بينهما إلا بالذوق العقلي ، كما يدرك الموزون من الكلام من غير الموزون . وربما كان الذوقان على التساوي . . . ولذلك كثر الاختلاف في هذا النوع ، حتى قال كثير من الناس : " كل مجتهد مصيب " . قال القاضي : والذي يظهر لي - والله أعلم - أن قوله عليه الصلاة والسلام " كل مسكر حرام " وإن كان يحتمل أن يراد به القدر المسكر لا الجنس المسكر ، فإن ظهوره في تعليق التحريم بالجنس أغلب على الظن من تعليقه بالقدر ، لمكان معارضة ذلك القياس له على ما تأوله الكوفيون ، فإنه لا يبعد أن يحرم الشارع قليل المسكر وكثيره سدا للذريعة وتغليظا ، مع أن الضرر إنما يوجد في الكثير . وقد ثبت من حال الشرع بالاجماع أنه اعتبر في الخمر الجنس دون القدر ، فوجب كل ما وجدت فيه علة الخمر أن يلحق بالخمر ، وأن يكون على من زعم وجود الفرق إقامة الدليل على ذلك . هذا ، وإن لم يسلموا لنا بصحة قوله عليه الصلاة والسلام : " ما أسكر كثيره فقليله حرام " فإنهم إن سلموا لم يجدوا عنه انفكاكا فإنه نص في موضع الخلاف . ولا يصح أن تعارض النصوص بالمقاييس . وأيضا فإن الشرع قد أخبر أن في الخمر مضرة ومنفعة فقال تعالى : " قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس " . وكان القياس إذا قصد الجمع بين انتفاء المضرة ووجود المنفعة أن يحرم كثيرها ويحلل قليلها . فلما غلب الشرع حكم المضرة على المنفعة في الخمر ، ومنع القليل منها والكثير . وجب أن يكون الامر كذلك في كل ما يوجد فيه علة تحريم الخمر إلا أن يثبت في ذلك فارق شرعي . واتفقوا على أن الانتباذ حلال ، ما لم تحدث فيه الشدة المطربة الخمرية ، لقوله عليه الصلاة والسلام : " فانتبذوا ، وكل مسكر حرام " . ولما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان ينتبذ وأنه كان يريقه في اليوم الثاني أو الثالث . واختلفوا من ذلك في مسألتين : إحداهما في الاواني التي ينتبذ فيها . والثانية في انتباذ شيئين مثل : البسر والرطب ، والتمر والزبيب . انتهى . أهم أنواع الخمور : توجد الخمور في الاسواق بأسماء مختلفة ، وقد تقسم إلى أقسام خاصة باعتبار ما تحويه من النسب المئوية من الكحول . فهناك مثلا : البراندي ، والوسكي ، والروم ، والليكير ، وغيرها ، وتبلغ نسبة الكحول فيها من 40 / إلى 60 / . وتبلغ النسبة في الجن ، والهولاندي ، والجنيفا ، من 33 / إلى 40 / . وتحتوي بعض الاصناف الاخرى ، مثل : البورت ، والشري ، والماديرا ، على 15 / - 25 / وتحتوي الخمور الخفيفة مثل : الكلارت ، والهوك ، والشمبانيا ، والبرجاندي على 10 / - 15 / . وأنواع البيرة الخفيفة تحتوي على 2 / - 9 / مثل : الايل ، والبورتر ، والاستوت ، والميونخ وغيرها . وهنالك أصناف أخرى تحتوي على نفس النسب الاخيرة . مثل البوظة ، والقصب المتخمر وغيرهما
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:05 am

شرب العصير والنبيذ قبل التخمير : يجوز شرب العصير والنبيذ قبل غليانه ( 1 ) . لحديث أبي هريرة عند أبي داود والنسائي وابن ماجه . قال : " علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم ، فتحينت فطره بنبيذ صنعته في دباء ، ثم أتيته به ، فإذا هو ينش ( 2 ) فقال : " إضرب بهذا الحائط ، فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر " . وأخرج أحمد عن ابن عمر في العصير قال : " اشربه ما لم يأخذه شيطانه " قيل : وفي كم يأخذه شيطانه ؟ قال : " في ثلاث " . وأخرج مسلم وغيره من حديثا بن عباس " أنه كان ينقع للنبي صلى الله عليه وسلم الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد ، إلى مساء الثالثة . ثم يأمر به فيسقى الخادم أو يهراق " . قال أبو داود : ومعنى يسقى الخادم يبادر به الفساد ومظنة ذلك ما زاد على ثلاثة أيام . وقد أخرج مسلم وغيره من حديث عائشة " أنها كانت تنتبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم غدوة ، فإذا كان العشي فتعشى ، شرب على عشائه ، وإن فضل شئ صبته أو أفرغته ثم تنتبذ له بالليل ، فإذا أصبح تغدى فشرب على غدائه . قالت تغسل السقاء غدوة وعشية " . وهو لا ينافي حديث ابن عباس المتقدم أنه كان يشرب اليوم والغد وبعد

( هامش ) ( 1 ) الغليان : الاختمار . ( 2 ) ينش : يغلي .

الغد إلى مساء الثالثة ، لان الثلاث مشتملة على زيادة غير منافية ، والكل في الصحيح ( 1 ) . هذا ومن المعروف من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يشرب الخمر قط ، لاقبل البعثة ولابعدها . وإنما كان شرابه من هذا النبيذ الذي لم يتخمر بعد ، كما هو مصرح به في هذه الاحاديث .

الخمر إذا تخللت : قال في بداية المجتهد : وأجمعوا " أي العلماء " على أن الخمر إذا تخللت من ذاتها أجاز أكلها " تناولها " . واختلفوا إذا قصد تخليلها على ثلاثة أقوال : 1 - التحريم . 2 - ومكراهية . 3 - والاباحة ( 2 ) . وسبب اختلافهم معارضة القياس للاثر ، واختلافهم في مفهوم الاثر . وذلك أن أبا داود ( 3 ) أخرج من حديث أنس بن مالك أن أبا طلحة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرا ؟ فقال : " أهرقها " . قال : أفلا أجعلها خلا ؟ قال : " لا " . ( 4 ) فمن فهم من المنع سد الذريعة حمل ذلك على الكراهية . ومن فهم النهي لغير علة قال بالتحريم . ( 2 ) القائلون به : عمر بن الخطاب ، والشافعي ، وأحمد ، وسفيان ، وابن المبارك وعطاء ابن أبي رباح ، وعمر بن عبد العزيز ، وأبو حنيفة . ( 3 ) وأخرجه أيضا مسلم والترمذي . ( 4 ) قال الخطابي : في هذا بيان واضح أن معالجة الخمر حتى تصير خلا غير جائز ولو كان إلى ذلك سبيل لكان مال اليتيم أولى الاموال به لما يجب من حفظه وتثميره ، وقد كان نهي رسول الله‌عن إضاعة المال وفي إراقته إضاعته فعلم بذلك إن معالجته لا تطهره ولاترده إلى المالية بحال . ويخرج على هذا ألا تحريم أيضا على مذهب من يرى أن النهي لا يعود بفساد المنهي عنه . والقياس المعارض لحمل الخل على التحريم ، أنه قد علم من ضرورة الشرع أن الاحكام المختلفة ، إنما هي للذوات المختلفة ، وأن ذات الخمر غير ذات الخل ، والخل بالاجماع حلال . فإذا انتقلت ذات الخمر إلى ذات الخل ، وجب أن يكون حلالا كيفما انتقل ( 1 ) .

المخدرات : هذا هو حكم الله في الخمر ، أما ما يزيل العقل من غير الاشربة ، مثل : البنج ، والحشيش وغيرهما من المخدرات ، فإنه حرام ، لانه مسكر . ففي حديث مسلم الذي تقدم ذكره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " كل مسكر خمر ، وكل خمر حرام " . وقد سئل مفتي الديار المصرية الشيخ عبد المجيد سليم ، رحمه الله ، عن حكم الشرع في المواد المخدرة ، واشتمل السؤال على المسائل الآتية : 1 - تعاطي المواد المخدرة . 2 - الاتجار بالمواد المخدرة ، واتخاذها وسيلة للربح التجاري . 3 - زراعة الخشخاش والحشيش بقصد البيع أو استخراج المادة المخدرة منهما ، للتعاطي أو للتجارة . 4 - الربح الناجم من هذا السبيل ، أهو ربح حلال أم حرام ؟ وقد أجاب فضيلته بما يأتي : ( 1 ) تعاطي المواد المخدرة : إنه لا يشك شاك ، ولا يرتاب مرتاب في أن تعاطي هذه المواد حرام ، لانها تؤدي إلى مضار جسيمة ، ومفاسد كثيرة ، فهي تفسد العقل ، وتفتك بالبدن إلى غير ذلك من المضار والمفاسد . فلا يمكن أن تأذن الشريعة بتعاطيها مع تحريمها لما هو أقل منها مفسدة وأخف ضررا . ولذلك قال بعض علماء الحنفية : " إن من قال بحل الحشيش زنديق مبتدع " . وهذا منه دلالة على ظهور حرمتها ووضوحها ، ولانه لما كان الكثير من هذه المواد يخامر العقل ويغطيه ، ويحدث من الطرب واللذة عند متناوليها ما يدعوهم إلى تعاطيها والمداومة عليها ، كانت داخلة فيما حرمه الله تعالى في كتابه العزيز ، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من الخمر والمسكر . قال شيخ الاسلام ابن تيمية في كتابه السياسة الشرعية ما خلاصته : " إن الحشيشة حرام ، يحد متناولها كما يحد شارب الخمر ، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج ، حتى يصير في الرجل . تخنث ودياثة ، وغير ذلك من الفساد ، وأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة ، وهي داخلة فيما حرمه الله ورسوله من الخمر والمسكر لفظا أو معنى قال أبو موسى الاشعري رضي الله عنه : يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن : " البتع " وهو العسل ينبذ حتى يشتدو " المزر " وهو من الذرة والشعير ينبذ حتى يشتد . قال : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطى جوامع الكلم بخواتمه فقال : " كل مسكر حرام " . رواه البخاري ومسلم . وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من الحنطة خمرا ، ومن الشعير خمرا ، ومن الزبيب خمرا ، ومن التمر خمرا ، ومن العسل خمرا . وأنا أنهى عن كل مسكر " . رواه أبو داوود وغيره . وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كل مسكر خمر . وكل مسكر حرام " . وفي رواية : " كل مسكر خمر . وكل خمر حرام " . رواهما مسلم . وعن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل مسكر حرام ، وما أسكر الفرق ( 1 ) منه فمل ء الكف منه حرام " . قال الترمذي حديث حسن . وروى ابن السني عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أنه قال : " ما أسكر كثيره فقليله حرام " وصححه الحفاظ . وعن جابر رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له المزر . قال : " أمسكر هو ؟ " قال : نعم . فقال : " كل مسكر حرام ، إن على الله عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال " . قالوا يا رسول الله : وما طينة الخبال ؟ قال : " عرق أهل النار " أو قال : " عصارة أهل النار " . رواه مسلم . وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال . " كل مخمر وكل مسكر حرام ( 2 ) " . رواه أبو داود . والاحاديث في هذا الباب كثيرة مستفيضة . جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أوتيه من جوامع الكلم كل ما غطى العقل وأسكر ولم يفرق بين نوع ونوع ، ولا تأثير لكونه مأكولا أو مشروبا . على أن الخمر قد يصطبغ بها : أي تجعل إداما ، وهذه الحشيشة قد تذاب بالماء وتشرب ، فالخمر يشرب ويؤكل ، والحشيشة تؤكل وتشرب ، وكل ذلك حرام ، وحدوثها بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم والائمة لا يمنع من دخولها في عموم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المسكر . فقد حدثت شربة مسكرة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وكلها داخلة في الكلم الجوامع أمن الكتاب والسنة " . انتهت خلاصة كلام ابن تيمية . وقد تكلم رحمه الله عنها أيضا غير مرة في فتاواه . فقال ما خلاصته : " هذه الحشيشة الملعونة هي وآكلوها ، ومستحلوها ، الموجبة لسخط

( هامش ) ( 1 ) تقدم معنى الفرق . والمعنى : ما أسكر كثيره فقليله حرام . ( ( 2 ) المخمر : ما يغطي العقل .

الله تعالى ، وسخط رسوله ، وسخط عباده المؤمنين . المعرضة صاحبها لعقوبة الله ، تشتمل على ضرر في دين المرء وعقله وخلقه وطبعه . وتفسد الامزجة حتى جعلت خلقا كثيرا مجانين ، وتورث من مهانة آكلها ودناءة نفسه وغير ذلك ما لا تورث الخمر . ففيها من المفاسد ما ليس في الخمر . فهي بالتحريم أولى . وقد أجمع المسلمون على أن السكر منها حرام . ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل مرتدا ، لا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين . وإن القليل منها حرام أيضا بالنصوص الدالة على تحريم الخمر وتحريم كل مسكر " اه‍ . وقد تبعه تلميذ الامام المحقق ابن القيم رحمه الله ، فقال في زاد المعاد ما خلاصته : " إن الخمر يدخل فيها كل مسكر : مائعا كان أو جامدا ، عصيرا أو مطبوخا . فيدخل فيها لقمة الفسق والفجور - ويعني بها الحشيشة - لان هذا كله خمر بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح الصريح الذي لا مطعن في سنده ولا إجمال في متنه ، إذ صح عنه قوله : " . . . كل مسكر خمر . . . " . وصح عن أصحابه رضي الله عنهم الذين هم أعلم الامة بخطابه ومراده ، بأن الخمر ما خامر العقل . على أنه لو لم يتناول لفظه صلى الله عليه وسلم كل مسكر ، لكان القياس الصحيح الصريح الذي استوى فيه الاصل والفرع من كل وجهة ، حاكما بالتسوية بين أنواع المسكر ، فالتفريق بين نوع ونوع ، تفريق بين متماثلين من جميع الوجوه " اه‍ . وقال صاحب سبل السلام شرح بلوغ المرام : " إنه يحرم ما أسكر من أي شئ ، وإن لم يكن مشروبا ، كالحشبشة " . ونقل عن الحافظ ابن حجر : " ان من قال : إن الحشيشة لا تسكر وإنما هي مخدر ، مكابر ، فإنها تحدث ما تحدثه الخمر من الطرب والنشوة " . ونقل عن ابن البيطار - من الاطباء - أن الحشيشة التي توجد في مصر مسكرة جدا ، إذا تناول الانسان منها قدر درهم أو درهمين . وقبائح خصالها كثيرة . وعد منها بعض العلماء مائة وعشرين مضرة دينية ودنيوية . وقبائح خصالها موجودة في الافيون . وفيه زيادة مضار " اه‍ . وما قاله شيخ الاسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهما من العلماء هو الحق الذي يسوق إليه الدليل وتطمئن به النفس . وإذ قد تبين أن النصوص من الكتاب والسنة تتناول الحشيش ، فهي تتناول أيضا الافيون ، الذي بين العلماء أنه أكثر ضررا . ويترتب عليه من المفاسد ما يزيد على مفاسد الحشيش كما سبق عن ابن البيطار . وتتناول أيضا سائر المخدرات التي حدثت ولم تكن معروفة من قبل ، إذ هي كالخمر من العنب مثلا في أنها تخامر العقل وتغطيه . وفيها ما في الخمر من مفاسد ومضار وتزيد عليها بمفاسد أخرى كما في الحشيش ، بل أفظع وأعظم ، كما هو مشاهد ومعلوم ضرورة . ولا يمكن أن تبيح الشريعة الاسلامية شيئا من هذه المخدرات ، ومن قال بحل شئ منها فهو من الذين يفترون على الله الكذب ، أو يقولون على الله ما لا يعلمون . وقد سبق أن قلنا : إن بعض علماء الحنفية قال : " إن من قال بحل الحشيشة زنديق مبتدع " . وإذا كان من يقول بحل الحشيشة زنديقا مبتدعا فالقائل بحل شئ من هذه المخدرات الحادثة التي هي أكثر ضررا وأكبر فسادا زنديق مبتدع أيضا ، بل أولى بأن يكون كذلك . وكيف تبيح الشريعة الاسلامية شيئا من هذه المخدرات التي يلمس ضررها البليغ بالامة أفرادا وجماعات ، ماديا ، وصحيا ، وأدبيا ، كما جاء في السؤال . مع أن مبنى الشريعة الاسلامية على جلب المصالح الخالصة أو الراجحة ، وعلى درء المفاسد والمضار كذلك . وكيف يحرم الله سبحانه وتعالى العليم الحكيم الخمر من العنب مثلا : كثيرها وقليلها ، لما فيها من المفسدة ، ولان قليلها داع إلى كثيرها وذريعة إليه . ويبيح من المخدرات ما فيه هذه المفسدة ، ويزيد عليها بما هو أعظم منها وأكثر ضررا للبدن والعقل والدين والخلق والمزاج ؟ هذا لا يقوله إلا رجل جاهل بالدين الاسلامي ، أو زنديق مبتدع كما سبق القول . فتعاطي هذه المخدرات على أي وجه من وجوه التعاطي من أكل أو شرب أو شم أو احتقان حرام ، والامر في ذلك ظاهر جلي . ( 2 ) الاتجار بالمواد المخدرة ، واتخاذها وسيلة للربح التجاري : إنه قد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة في تحريم الخمر ، منها ما روى البخاري ومسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله حرم بيع الخمر ، والميتة ، والخنزير ، والاصنام " . وورد عنه أيضا أحاديث كثيرة مؤداها أن ما حرم الله الانتفاع به يحرم بيعه وأكل ثمنه . وقد علم من الجواب عن السؤال الاول أن اسم الخمر يتناول هذه المخدرات شرعا ، فيكون النهي عن بيع الخمر متناولا لتحريم بيع هذه المخدرات . كما أن ما ورد من تحريم بيع كل ما حرمه الله ، يدل أيضا على تحريم بيع هذه المخدرات . وحينئذ يتبين جليا حرمة الاتجار في هذه المخدرات واتخاذها حرفة تدر الربح ، فضلا عما في ذلك من الاعانة على المعصية التي لاشبهة في حرمتها ، لدلالة القرآن على تحريمها بقوله تعالى : " وتعاونوا على البر والتقوى ، ولا تعاونوا على الاثم والعدوان " . ولاجل ذلك كان الحق ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من تحريم بيع عصير العنب لمن يتخذه خمرا ، وبطلان هذا البيع لانه إعانة على المعصية . ( 3 ) زراعة الخشخاش والحشيش بقصد البيع واستخراج المادة المخدرة منهما للتعاطي أو للتجارة : إن زراعة الحشيش والافيون لاستخراج المادة المخدرة منهما لتعاطيها أو الاتجار فيها حرام بلا شك ، لوجوه : ( أولا ) ما ورد في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره ، عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه ممن يتخذه خمرا فقد تقحم النار " . فإن هذا يدل على حرمة زراعة الحشيش والافيون للغرض المذكور ، بدلالة النص . ( ثانيا ) إن ذلك إعانة على المعصية . وهي تعاطي هذه المخدرات أو الاتجار فيها . وقد بينا فيما سبق أن الاعانة على المعصية معصية . ( ثالثا ) إن زراعتها لهذا الغرض رضا من الزارع بتعاطي الناس لها ، واتجارهم فيها ، والرضا بالمعصية معصية . وذلك لان إنكار المنكر بالقلب الذي هو عبارة عن كراهة القلب وبغضه للمنكر ، فرض على كل مسلم في كل حال ، بل ورد في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من لم ينكر المنكر بقلبه - بالمعنى الذي أسلفنا - ليس عنده من الايمان حبة خردل " . على أن زراعة الحشيش والافيون معصية من جهة أخرى ، بعد نهي ولي الامر عنها بالقوانين التي وضعت لذلك ، لوجوب طاعة ولي الامر فيما ليس بمعصية لله ولرسوله بإجماع المسلمين ، كما ذكر ذلك الامام النووي في شرح مسلم في باب طاعة الامراء . وكذا يقال هذا الوجه الاخير في حرمة تعاطي المخدرات والاتجار فيها . ( 4 ) الربح الناجم من هذا السبيل : قد علم مما سبق أن بيع هذه المخدرات حرام فيكون الثمن حراما : ( أولا ) لقوله تعالى : " ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " . أي لا يأخذ ولا يتناول بعضكم مال بعض بالباطل . وأخذ المال بالباطل على وجهين : 1 - أخذه على وجه الظلم ، والسرقة ، والخيانة ، والغصب ، وما جرى مجرى ذلك . 2 - أخذه من جهة محظورة كأخذه بالقمار ، أو بطريق العقود المحرمة ، كما في الربا ، وبيع ما حرم الله الانتفاع به ، كالخمر المتناولة للمخدرات المذكورة كما بينا آنفا . فإن هذا كله حرام وإن كان بطيبة نفس من مالكه . ( ثانيا ) للاحاديث الواردة في تحريم ثمن ما حرم الله الانتفاع به . كقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه " . رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس . وقد جاء في زاد المعاد ما نصه : قال جمهور الفقهاء : إنه إذا بيع العنب لمن يعصره خمرا حرم أكل ثمنه ، بخلاف ما إذا بيع لمن يأكله . وكذلك السلاح إذا بيع لمن يقاتل به مسلما حرم أكل ثمنه . وإذا بيع لمن يغزو به في سبيل الله فثمنه من الطيبات . وكذلك ثياب الحرير : إذا بيعت لمن يلبسها ممن يحرم عليه لبسها ، حرم أكل ثمنها ، بخلاف بيعها ممن يجل له لبسها " اه‍ وإذا كانت الاعيان التي يحل الانتفاع بها إذا بيعت لمن يستعملها في معصية الله - على رأي جمهور الفقهاء ، وهو الحق - يحرم ثمنها لدلالة ما ذكرنا من الادلة وغيرها عليه ، كان ثمن العين التي لا يحل الانتفاع بها - كالمخدرات - حراما من باب أولى . وإذا كان ثمن هذه المخدرات حراما ، كان خبيثا ، وكان إنفاقه في القربات - كالصدقات والحج - غير مقبول : أي لا يثاب المنفق عليه . فقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإن الله تعالى أمر بما أمر به المرسلين . فقال تعالى : " يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا " الآية . وقال تعالى : " يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ، واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون " ( 1 ) . ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ، يمد يده إلى السماء . . يا رب . . يا رب . . ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وملبسه حرام ، وغذي بالحرام ، فأنى يستجاب لذلك ؟ " . وقد جاء في الحديث الذي رواه الامام أحمد في المسند عن ابن مسعود رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " والذي نفسي بيده لا يكسب عبد مالا من حرام ، فينفق منه ، فيبارك له فيه : ولا يتصدق فيقبل منه ، ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده في النار ، إن الله لا يمحو السئ بالسئ ، ولكن يمحو السئ بالحسن ، إن الخبيث لا يمحو الخبيث " . وجاء في كتاب جامع العلوم والحكم ، لابن رجب ، أحاديث كثيرة وآثار عن الصحابة رضي الله عنهم في هذا الموضوع . منها ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من كسب ما لا حراما فتصدق به لم يكن له أجر ، وكان إصره - يعني إثمه وعقوبته - عليه " . ومنها ما في مراسيل القاسم بن مخيمرة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أصاب مالا من مأثم فوصل به رحمه ، أو تصدقه به ، أو أنفقه في سبيل الله ، جمع ذلك جميعا ثم قذف به في نار جهنم " .

وجاء في شرح " ملا علي القاري " للاربعين النووية عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أنه إذا خرج الحاج بالنفقه الخبيثة ، فوضع رجله في الغرز - أي الركاب - وقال لبيك ، ناداه ملك من السماء : لالبيك ولاسعديك ، وحجك مردود عليك " . فهذه الاحاديث التي يشد بعضها بعضا ، تدل على أنه لا يقبل الله صدقة ، ولا حجة ، ولا قربة أخرى من القرب من مال خبيث حرام . ومن أجل ذلك نص علماء الحنفية على أن الانفاق على الحج من المال الحرام حرام .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:06 am

وخلاصة ما قلناه : ( أولا ) تحريم تعاطي الحشيش والافيون والكوكايين ونحوهما من المخدر . ( ثانيا ) تحريم الاتجار فيها ، واتخاذها حرفة تدر الربح . ( ثالثا ) حرمة زراعة الافيون والحشيش ، لاستخلاص المادة المخدرة لتعاطيها أو الاتجار فيها . ( رابعا ) ان الربح الناتج من الاتجار في هذه المواد حرام خبيث ، وأن إنفاقه في القربات غير مقبول ، وحرام . قد أطلت القول إطالة قد تؤدي إلى شئ من الملل . ولكني آثرتها تبيانا للحق ، وكشفا للصواب ، ليزول ما قد عرض من شبهة عند الجاهلين ، وليعلم أن القول بحل هذه المخدرات من أباطيل المبطلين وأضاليل الضالين المضلين . وقد اعتمدت فيما قلت أو اخترت على كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعلى أقوال الفقهاء التي تنفق مع أصول الشريعة الغراء ومبادئها القويمة . انتهت والحمد لله رب العالمين وهو الهادي إلى سواء السبيل . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

حد شارب الخمر الفقهاء متفقون على وجوب حد شارب الخمر ، وعلى أن حده الجلد . ولكنهم مختلفون في مقداره : فذهب الاحناف ومالك : إلى أنه ثمانون جلدة . وذهب الشافعي : إلى أنه أربعون . وعن الامام أحمد روايتان : قال في المغني : وفيه روايتان . ( إحداهما ) : أنه ثمانون . وبهذا قال مالك ، والثوري ، وأبو حنيفة ، ومن تبعهم ، لاجماع الصحابة ، فإنه روي أن عمر استشار الناس في حد الخمر ؟ فقال عبد الرحمن ابن عوف : " اجعله - كأخف الحدود - ثمانين " . فضرب عمر ثمانين ، وكتب به إلى خالد وأبي عبيدة بالشام . وروي أن عليا رضي الله عنه قال في المشورة : " إذا سكر : هذى ( 1 ) ، وإذا هذى : افترى ( 2 ) ، فحدوده حد المفترى " . روى ذلك الجوزجاني ، والدارقطني وغيرهم . ( والرواية الثانية ) أن الحد أربعون ، وهو اختيار أبي بكر ( 3 ) ، ومذهب الشافعي ، لان عليا جلد الوليد بن عقبة أربعين . ثم قال : " جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين ، وأبو بكر أربعين ، وعمر ثمانين . وكل سنة وهذا أحب إلي " . رواه مسلم . وعن أنس قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب الخمر ، فضربه بالنعال نحوا من أربعين . ثم أتي به أبو بكر ، فصنع مثل ذلك . ثم أتي به عمر فاستشار الناس في الحدود . فقال ابن عوف :

( هامش ) ( 1 ) هذى : تكلم بالهذيان : أي تكلم بما لاحقيقة له من الكلام . ( 2 ) افترى : كذب واختلق . ( 3 ) أحد علماء الحنابلة .

" أقل بالحدود ثمانون ( 1 ) " . فضربه عمر ( 2 ) . وفعل الرسول صلى الله عليه وسلم حجة لا يجوز تركه بفعل غيره ، ولا ينعقد الاجماع على ما خالف فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعلي ، فتحمل الزيادة من عمر على أنها تعزير يجوز فعله إذا رآه الامام ( 3 ) . ويرجح هذا أن عمر كان يجلد الرجل القوي المنهمك في الشراب ثمانين ، ويجلد الرجل الضعيف الذي وقعت منه الزلة أربعين . وأما الامر بقتل الشارب إذا تكرر ذلك منه فهو منسوخ : فعن قبيص بن ذؤيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من شرب الخمر فاجلدوه ، فإن عاد فاجلدوه ، فإن عاد فاجلدوه ، فإن عاد فاقتلوه - في الثالثة أو الرابعة - " فأتي برجل قد شرب فجلده ، ثم أتي به ، فجلده ، ثم أتي به ، فجلده ، ورفع القتل ، وكانت رخصة .

بم يثبت الحد ؟ : ويثبت هذا الحد بأحد أمرين : 1 - الاقرار : أي اعتراف الشارب بأنه شرب الخمر . 2 - شهادة شاهدين عدلين . واختلف الفقهاء في ثبوته بالرائحة : فذهبت المالكية إلى أنه يجب الحد إذا شهد بالرائحة عند الحاكم شاهدان عدلان ، لانها تدل على الشرب ، كدلالة الصوت والخط . وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا يثبت الحد بالرائحة ، لوجود الشبهة والروائح تتشابه ، والحدود تدرا بالشبهات . ولاحتمال كونه مخلوطا أو مكرها على شربه ، ولان غير الخمر يشاركها في رائحتها .

( هامش ) ( 1 ) يشير إلى حد القذف ، فإنه أقل حد . ( 2 ) رواه البخاري ومسلم . ( 3 ) وهذا هو الاولى ، وأن الحد أربعون ، والزيادة تجوز إذا كان ثمة مصلحة .

والاصل براءة الشخص من العقوبة ، والشارع متشوف إلى درء الحدود . شروط إقامة الحد : يشترط في إقامة حد الخمر الشروط الآتية : 1 - العقل : لانه مناط التكليف ، فلا يحد المجنون بشرب الخمر ، ويلحق به المعتوه . 2 - البلوغ : فإذا شرب الصبي ، فإنه لايقام عليه الحد ، لانه غير مكلف . 3 - الاختيار : فإن شربها مكرها فلاحد عليه ، سواء أكان هذا الاكراه بالتهديد بالقتل ، أو بالضرب المبرح ، أو بإتلاف المال كله ، لان الاكراه رفع عنه الاثم . يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه " . وإذا كان الاثم مرفوعا فلاحد عليه ، لان الحد من أجل الاثم والمعصية . ويدخل في دائرة الاكراه الاضطرار فمن لم يجد ماء وعطش عطشا شديدا يخشى عليه منه التلف ، ووجد خمرا ، فله أن يشربها . وكذلك من أصابه الجوع الشديد الذي يخشى عليه منه الهلاك ، لان الخمر حينئذ ضرورة يتوقف عليها الحياة ، والضرورات تبيح المحظورات . يقول الله تعالى : " فمن اضطر غير باغ ولا عاد إثم عليه . إن الله غفور رحيم " . وفي المغني : " أن عبد الله بن حذافة أسره الروم ، فحبسه طاغيتهم في بيت فيه ماء ممزوج بخمر ، ولحم خنزير مشوي ، ليأكل الخنزير ، ويشرب الخمر ، وتركه ثلاثة أيام ، فلم يفعل ، ثم أخرجوه خشية موته ، فقال : والله لقد كان الله أحله لي ، فإني مضطر . ولكن لم أكن لاشمتكم بدين الاسلام " . 4 - العلم بأن ما يتناوله مسكر . فلو تناول خمرا مع جهله بأنها خمر ، فإنه يعذر بجهله ، ولا يقام عليه الحد . فلو لفت نظره أحد من الناس ، فتمادى في شربه ، فإنه لا يكون معذورا حينئذ ، لارتفاع الجهالة عنه ، وإصراره على ارتكاب المعصية بعد معرفته ، فيستوجب العقاب ويقام عليه الحد . وإذا تناول من الشراب ما هو مختلف في كونه خمرا بين الفقهاء ، فإنه لايقام عليه الحد : لان الاختلاف شبهة ، والحدود تدرأ بالشبهات . وكذلك لايقام الحد على من تناول النئ من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالربد ، الذي أجمع الفقهاء على تحريمه إذا كان جاهلا بالتحريم ، لكونه بدار الحرب أو قريب عهد بالاسلام ، لان جهله يعتبر عذرا من الاعذار المسقطة للحد ، بخلاف من كان مقيما بدار الاسلام ، وليس قريب عهد بالدخول في الاسلام ، فإنه يقام عليه الحد ، ولا يعذر بجهله ، لان هذا مما علم من الدين بالضرورة .

عدم اشتراط الحرية والاسلام في إقامة الحد : والحرية والاسلام ليسا شرطا في إقامة الحد ، فالعبد إذا شرب الخمر فإنه يعاقب ، لانه مخاطب بالتكاليف التي أمر الله بها ونهى عنها . إلا في بعض التكاليف التي يشق عليه القيام بها لانشغاله بأمره سيده ، مثل صلاة الجمعة والجماعة . والله سبحانه أمر باجتناب الخمر ، وهذا الامر موجه إلى الحر والعبد ، ولا يشق عليه اجتنابها ، ويلحقه من ضررها ما يلحق الحر . وليس ثمة من فرق بينهما إلا في العقوبة ، فإن عقوبة العبد على النصف من عقوبة الحر ، فيكون حده عشرين جلدة أو أربعين : " حسب الخلاف في تقدير العقوبة " . وكما لا تشترط الحرية في إقامة الحد ، فإنه لا يشترط الاسلام كذلك ، فالكتابيون من اليهود والنصارى الذين يتجنسون بجنسية الدولة المسلمة ويعيشون معهم مواطنون ( 1 ) ، مثل الاقباط في مصر ، وكذلك الكتابيون الذين يقيمون مع المسلمين بعقد أمان إقامة موقوتة ( 1 ) مثل الاجانب ، هؤلاء يقام عليهم الحد إذا شربوا الخمر في دار الاسلام ، لان لهم ما لنا وعليهم ما علينا . ولان الخمر محرمة في دينهم ، كما سبقت الاشارة إلى ذلك ، ولآثارها السيئة وضررها البالغ في الحياة العامة والخاصة . والاسلام يريد صيانة المجتمع الذي تظله راية الاسلام ، ويحتفظ به نظيفا قويا متماسكا ، لا يتطرق إليه الضعف من أي جانب ، لامن ناحية المسلمين ، ولا من ناحية غير المسلمين . وهذا مذهب جمهور الفقهاء ، وهو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه . ولكن الاحناف - رضي الله عنهم - رأوا أن الخمر ، وإن كانت غير مال عند المسلمين لتحريم الاسلام لها ، إلا أنها مال له قيمة عند أهل الكتاب ، وأن من أهرقها من المسلمين يضمن قيمتها لصاحبها ، وإن شربها مباح عندهم . وإننا أمرنا بتركهم وما يدينون . وعلى هذا فلا عقوبة على من يشربها من الكتابيين . وعلى فرض تحريمها في كتبهم ، فإننا نتركهم ، لانهم لا يدينون بهذا التحريم ، ومعاملتنا لهم تكون بمقتضى ما يعتقدون ، لا بمقتضي الحق من حيث هو .

التداوي بالخمر : كان الناس في الجاهلية قبل الاسلام يتناولون الخمر للعلاج ، فلما جاء الاسلام نهاهم عن التداوي بها وحرمه . فقد روى الامام أحمد ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، عن طارق ابن سويد الجعفي أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر ، فنهاه عنها ، فقال : " إنما أصنعها للدواء " ، فقال : " إنه ليس بدواء ، ولكنه داء " . وروى أبو داود ، عن أبي الدرداء ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله أنزل الداء والدواء ، فجعل لكم داء دواء ، فتداووا ، ولا تتداووا بحرام " .

( هامش ) ( 1 ) يسمى هؤلاء بالمستأمنين بالتعبير الفقهي .

وكانوا يتعاطون الخمر في بعض الاحيان قبل الاسلام إتقاء لبرودة الجو ، فنهاهم الاسلام عن ذلك أيضا . فقد روى أبو داود أن ديلم الحميري سأل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " يا رسول الله ، إنا بأرض باردة ، نعالج فيها عملا شديدا ، وإنا نتخذ شرابا من هذا القمح نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا ؟ قال رسول الله : هل يسكر ؟ قال : نعم . قال : فاجتنبوه . قال : إن الناس غير تاركيه . قال : " فإن لم يتركوه فقاتلوهم " . وبعض أهل العلم أجاز التداوي بالخمر بشرط عدم وجود دواء من الحلال يقوم مقام الحرام ، وأن لا يقصد المتداوي به اللذة ، والنشوة ، ولا يتجاوز مقدار ما يحدده الطبيب ، كما أجازوا تناول الخمر في حال الاضطرار . ومثل الفقهاء لذلك بمن غص بلقمة فكاد يختنق ولم يجد ما يسيغها به سوى الخمر . أو من أشرف على الهلاك من البرد ، ولم يجد ما يدفع به هذا الهلاك غير كوب أو جرعة من خمر . أو من أصابته أزمة قلبية وكاد يموت ، فعلم أو أخبره الطبيب بأنه لا يجد ما يدفع به الخطر سوى شرب مقدار معين بن الخمر . فهذا من باب الضرورات التي تبيح المحظورات .

حد الزنا 1 - دعا الاسلام إلى الزواج وحبب فيه ، لانه هو أسلم طريقة لتصريف الغريزة الجنسية ، وهو الوسيلة المثلى لاخراج سلالة يقوم على تربيتها الزوجان ويتعهدانها بالرعاية ، وغرس عواطف الحب والود ، والطيبة ، والرحمة ، والنزاهة والشرف ، والاباء ، وعزة النفس . ولكي تستطيع هذه السلالة أن تنهض بتبعاتها ، وتسهم بجهودها في ترقية الحياة وإعلائها . 2 - وكما وضع الطريقة المثلى لتصريف الغريزة منع من أي تصرف في غير الطريق المشروع ، وحظر إثارة الغريزة بأي وسيلة من الوسائل ، حتى لا تنحرف عن المنهج المرسوم . فنهى عن الاختلاط ، والرقص ، والصور المثيرة ، والغناء الفاحش ، النظر المريب ، وكل ما من شأنه أن يثير الغريزة أو يدعو إلى الفحش حتى لا تتسرب عوامل الضعف في البيت ، والانحلال في الاسرة . 3 - واعتبر الزنا جريمة فانونية تستحق أقصى العقوبة لانه وخيم العاقبة ، ومفض إلى الكثير من الشرور والجرائم . فالعلاقات الخليعة والاتصال الجنسي غير المشروع ، مما يهدد المجتمع بالفناء والانقراض ، فضلا عن كونه من الرذائل المحقرة . " ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا " . ( 1 ) 4 - لانه سبب مباشر في انتشار الامراض الخطيرة التي تفتك بالابدان ، وتنتقل بالوراثة من الآباء إلى الابناء ، وأبناء الابناء ، كالزهري ، والسيلان ، والقرحة . 5 - وهو أحد أسباب جريمة القتل ، إذ أن الغيرة طبيعية في الانسان ، وقلما

( هامش ) ( 1 ) أي لا تفعلوا ما يقرب إلى الزنا ، كالنظرة الفاحشة ، واللمس ، والقبلة ، فالآية تنهي عن مقدمات الزنا ، إذا كانت مقدماته محرمة فهو من باب أولى .

يرضى الرجل الكريم ، أو المرأة العفيفة بالانحراف الجنسي ، بل إن الرجل لا يجد وسيلة يغسل بها العار الذي يلحقه ويلحق أهله إلا الدم . 6 - والزنا يفسد نظام البيت ، ويهز كيان الاسرة ، ويقطع العلاقة الزوجية ، ويعرض الاولاد لسوء التربية مما يتسبب عنه : التشرد ، والانحراف والجريمة . 7 - وفي الزنا ضياع النسب ، وتمليك الاموال لغير أربابها عند التوارث . 8 - وفيه تغرير بالزوج : إذ أن الزنا قد ينتج عنه الحمل ، فيقوم الرجل بتربية غير ابنه . 9 - إن الزنا علاقة مؤقتة لاتبعة وراءها ، فهو عملية حيوانية بحتة ينأى عنها الانسان الشريف . وجملة القول أنه قد ثبت عمليا ثبوتا لا مجال للشك فيه عظم ضرر الزنا ، وأنه من أكبر الاسباب الموجبة للفساد وانحطاط الآداب ، ومورث لاقتل الادواء ، ومروج للعزوبة واتخاذ الخدينات ، ومن ثم كان أكبر باعث على الترف والسرف والعهر والفجور . لهذا كله وغيره جعل الاسلام عقوبة الزنا أقسى عقوبة . وإذا كانت هذه العقوبة تبدو قاسية ، فإن آثار الجريمة المترتبة عليها أشد ضررا على المجتمع . والاسلام يوازن بين الضرر الواقع على المذنب ، والضرر الواقع على المجتمع ، ويقضي بارتكاب أخف الضررين ، وهذه هي العدالة . ولا شك أن ضرر عقوبة الزاني لا توزن بالضرر الواقع على المجتمع من إفشاء الزنا ، ورواج المنكر ، وإشاعة الفحش والفجور . إن عقوبة الزنا إذا كان يضار ، بها المجرم نفه ، فإن في تنفيذها حفظ النفوس ، وصيانة الاعراض ، وحماية الاسر ، التي هي اللبنات الاولى في بناء المجتمع ، وبصلاحها يصلح وبفسادها بفسد . إن الامم بأخلاقها الفاضلة ، وبآدابها العالية ، ونظافتها من الرجس ، والتلوث ، وطهارتها من التدلي والتسفل . على أن الاسلام - من جانب آخر - كما أباح الزواج أباح التعدد حتى يكون في الحلال مندوحة عن الحرام ، ولكي لا يبقي عذر لمتقرف هذه الجريمة . وقد احتاط في تنفيذ هذه العقوبة بقدر ما أخاف الزناة وأرهبهم : 1 - فمن الاحتياط أنه درأ الحدود بالشبهات ، فلا يقام حد إلا بعد التيقن من وقوع الجريمة . 2 - وانه لابد في إثبات هذه الجريمة من أربعة شهود عدل من الرجال ، فلا تقبل فيها شهادة النساء ، ولا شهادة الفسقة . 3 - وأن يكون الشهود جميعا رأوا عملية الزنا نفسها كالميل في المكحلة ، والرشاء ( 1 ) في البئر ، وهذا مما يصعب ثبوته . 4 - ولو فرض أن ثلاثة منهم شهدوا بهذه الشهادة وشهد الرابع بخلاف شهادتهم ، أو رجع أحدهم عن شهادته أقيم عليهم حد القذف . فهذا الاحتياط الذي وضعه الاسلام في إثبات هذه الجريمة ، مما يدفع ثبوتها قطعا . فهذه العقوبة هي إلى الارهاب والتخويف أقرب منها إلى التحقيق والتنفيذ . وقد يقول قائل : إذا كان الحد مما يندر إقامته ، لتعذر ثبوت الادلة ، فلماذا إذن شرعه الاسلام ؟ والجواب كما قلنا : أن الاسلام إذا لاحظ قسوة الجريمة وضراوتها فإنه يعمل لها ألف حساب وحساب قبل أن تقترف . فهذا نوع من الزجر بالنسبة لهذه الجريمة التي تجد من الحوافز والبواعث ما يدفع إليها ، ولا سيما وأن الغريزة الجنسية من أعنف الغرائز ، إن لم تكن أعنفها على الاطلاق ، ومن المناسب أن يواجه عنف الغريزة عنف العقوبة ، فإن ذلك من عوامل الحد من ثورتها .

( هامش ) ( 1 ) الرشاء : الحبل .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:07 am

التدرج في تحريم الزنا : يرى كثير من الفقهاء أن تقرير عقوبة الزنا كانت متدرجة كما حدث في تحريم الخمر ، وكما حصل في تشريع الصيام . فكانت عقوبة الزنا في أول الامر الايذاء بالتوبيخ والتعنيف . يقول الله سبحانه : " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما . فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما " ( 1 ) . ثم تدرج الحكم من ذلك إلى الحبس في البيوت . يقول الله تعالى : " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم . فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أن يجعل الله لهن سبيلا ( 2 ) " . ثم استقر الامر ، وجعل الله السبيل ، فجعل عقوبة الزاني البكر مائة جلدة ورجم الثيب حتى يموت . وكان هذا التدرج ليرتقي بالمجتمع ، ويأخذ به في رفق وهوادة إلى العفاف والطهر ، وحتى لا يشق على الناس هذا الانتقال ، فلا يكون عليهم في الدين حرج ، واستدلوا لهذا بحديث عبادة بن الصامت : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا : البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " ( 3 ) . رواه مسلم ، وأبو داود ، والترمذي . ونرى أن الظاهر أن آيتي النساء المتقدمتين تتحدثان عن حكم السحاق واللواط ، وحكمهما يختلف عن حكم الزنا المقرر في سورة النور . فالآية الاولى في السحاق :" واللاتي ياتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ، فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا " . والثانية في اللواط : " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ، فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما " ( 1 ) . 1 - أي والنساء اللاتي يأتين الفاحشة وهي السحاق : الذي تفعله المرأة مع المرأة فاستشهدوا عليهن أربعة من رجالكم ، فإن شهدوا فاحبسوهن في البيوت بأن توضع المرأة وحدها بعيدة عمن كانت تساحقها ، حتى تموت أو يجعل الله لهن سبيلا إلى الخروج بالتوبة أو الزواج المغني عن المساحقة . 2 - والرجلان اللذان يأتيان الفاحشة - وهي اللواط - فآذوهما بعد ثبوت ذلك بالشهادة أيضا ، فإن تابا قبل إيذائهما بإقامة الحد عليهما ، فإن ندما وأصلحا كل أعمالهما وطهرا نفسيهما فأعرضوا عنهما بالكف عن إقامة الحد عليهما .

الزنا الموجب للحد : إن كل اتصال جنسي قائم على أساس غير شرعي ، يعتبر زنا تترتب عليه العقوبة المقررة من حيث إنه جريمة من الجرائم التي حددت عقوباتها . ويتحقق الزنا الموجب للحد بتغييب الحشفة ( 2 ) - أو قدرها من مقطوعها - في فرج محرم ( 3 ) ، مشتهى بالطبع ( 4 ) ، من غير شبهة نكاح ( 5 ) ، ولو لم يكن معه إنزال . فإذا كان الاستمتاع بالمرأة الاجنبية فيما دون الفرج ، فإن ذلك لا يوجب

( هامش ) ( 1 ) سورة النساء الآية 16 . ( 2 ) الحشفة : رأس الذكر . ( 3 ) بخلاف فرج الزوجة فإنه حلال . ( 4 ) فتخرج فروج الحيوانات . ( 5 ) فالجماع الذي يحدث بسبب النكاح الذي فيه شبهة لاحد فيه .

الحد المقرر لعقوبة الزنا ، وإن اقتضى التعزير . فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني عالجت امرأة من أقصى المدينة فأصبت منها ، دون أن أمسها ، فأنا هذا ، فأقم علي ما شئت . فقال عمر : سترك الله لو سترت على نفسك ، فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ، فانطلق الرجل ، فأتبعه النبي صلى الله عليه وسلم رجلا ، فدعاه ، فتلا عليه : " وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل . إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين " . فقال له رجل من القوم : يا رسول الله أله خاصة ، أم للناس عامة ؟ . . فقال : للناس عامة . رواه مسلم وأبو داود والترمذي .

أقسام الزناة : الزاني : إما أن يكون بكرا ، أو محصنا - ولكن منهما حكم يخصه . حد البكر : اتفق الفقهاء على أن البكر الحر إذا زنا فإنه يجلد مائة جلدة ، سواء في ذلك الرجال والنساء ، لقول الله سبحانه في سورة النور ( 1 ) : " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ، ولا تأخذكم بهما رأفة ( 2 ) في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ( 3 ) " .

( هامش ) ( 1 ) الآية : 2 ( 2 ) في هذا نهي عن تعطيل الحدود ، وقيل : هو نهي عن تخفيف الضرب بحيث لا يحصل وجع معتد به . ( 2 ) قيل : يجب حضور ثلاثة فأكثر ، وقيل أربعة بعد شهود الزنا . وقال أبو حنيفة : الامام والشهودإن ثبت الحد بالشهود .

الجمع بين الجلد والتغريب : والفقهاء ، وإن اتفقوا على وجوب الجلد ( 1 ) ، فإنهم قد اختلفوا في إضافة التغريب إليه : 1 - قال الشافعي وأحمد : يجمع إلى الجلد التغريب مدة عام ، لما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة وزيد بن خالد : أن رجلا من الاعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أنشدك الله ألا قضيت لي بكتاب الله ، وقال الخصم الآخر - وهو أفقه منه - : نعم ، فاقض بيننا بكتاب الله ، وائذن لي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل . قال إن ابني كان عسيفا ( 2 ) على هذا فزنى بامرأته ، وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة ووليدة . فسألت أهل العلم ، فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام ، وان على امرأة هذا الرجم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده لاقضين بينكما بكتاب الله - الوليدة والغنم رد عليك . وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام - واغد يا أنيس ( رجل من أسلم ) إلى امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها . قال : فعدا عليه فاعترفت ، فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت . وروى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيمن زنا ولم يحصن بنفي عام وإقامة الحد عليه . وأخرج مسلم عن عبادة بن الصامت ، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا : البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " ( 3 ) .

( هامش ) ( 1 ) الجلد مأخوذ من جلد الانسان ، وهو الضرب الذي يصل إلى جلده . ( 2 ) عسيفا : أجيرا . ( 3 ) قال الخطابي : " واختلف العلماء في تنزيل هذا الكلام ، ووجه ترتيبه على الآية ، وهل هو ناسخ للآية أو مبين لها ؟ ! وقد أخذ بالتغريب الخلفاء الراشدون - ولم ينكره أحد - فالصديق رضي الله عنه غرب إلى فدك - والفاروق عمر رضي الله عنه إلى الشام - وعثمان رضي الله عنه إلى مصر - وعلي رضي الله عنه إلى البصرة . و والشافعية يرون انه لا ترتيب بين الجلد والتغريب فيقدم ما شاء منهما ، واشترط في التغريب أن يكون إلى مسافة تقصر فيها الصلاة ، لان المقصود به الايحاش عن أهله ووطنه ، وما دون مسافة القصر في حكم الحضر ، فإن رأى الحاكم تغريبه إلى أكثر من ذلك ، فعل . وإذا غربت المرأة ، فإنها لاتغرب إلا بمحرم أو زوج فلو لم يخرج إلا بأجرة لزمت ، وتكون من مالها . 2 - وقال مالك والاوزاعي : يجب تغريب البكر الحر الزاني ، دون المرأة البكر الحرة الزانية ، فإنها لاتغرب ، لان المرأة عورة . 3 - وقال أبو حنيفة : لا يضم إلى الجلد التغريب إلا أن يرى الحاكم ذلك مصلحة ، فيغربهما على قدر ما يرى .

حد المحصن : وأما المحصن الثيب فقد اتفق الفقهاء على وجوب رجمه ( 1 ) إذا زنا حتى يموت ، رجلا كان أو امرأة . واستدلوا بما يأتي : 1 - عن أبي هريرة قال : أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهوفي المسجد ، فناداه فقال : يا رسول الله ، إني زنيت . فأعرض عنه .

( هامش ) فذهب بعضهم إلى النسخ ، وهذا قول من يرى نسخ الكتاب بالسنة . وقال آخرون : بل هو مبين للحكم الموعود بيانه في الآية ، فكأنه قال عقوبتهن إلى أن يجعل الله لهن سبيلا ، فوقع الامر بحبسهن إلى غاية . فلما انتهت مدة الحبس ، وحان وقت مجئ السبيل " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خذوا عني . . . خذوا عني " إلى آخره تفسيرا للسبيل وبيانه ، ولم يكن ذلك ابتداء حكم منه ، وإنما هربيان أمر كان ذكر السبيل منطويا عليه ، فابان المبهم منه ، وفصل المجمل من لفظه ، فكان نسخ الكتاب بالكتاب لا بالسنة . وهو أصوب القولين ، والله أعلم . ( 1 ) الرجم : أصله الرمي بالحجارة ، وهي الحجارة الضخام وكل رجم في القرآن معناه القتل .

ردد عليه أربع مرات . فلما شهد على نفسه أربع شهادات ، دعاه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : " أبك جنون " ؟ قال : لا . قال : " فهل أحصنت " ؟ قال : نعم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اذهبوا فارجموه " . قال ابن شهاب : فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله قال : كنت فيمن رجمه ، فرجمناه بالمصلى . فلما أزلقته الحجارة هرب ، فأدركناه بالحرة ، فرجمناه ، متفق عليه ، وهو دليل على أن الاحصان يثبت بالاقرار مرة ، وأن الجواب ينعم إقرار . 2 - وعن ابن عباس قال : خطب عمر فقال : " إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم ، فقرأناها ووعيناها ، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا ، وإني خشيت إن طال زمان أن يقول قائل : ما نجد الرجم في كتاب الله تعالى ، فيضلون بترك فريضة أنزلها الله تعالى فالرجم حق على من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصنا ، إذا قامت البينة أو كان حمل أو اعتراف ، وأيم الله لولا أن يقول الناس : زاد عمر في كتاب الله تعالى لكتبتها " . رواه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي مختصرا ومطولا . وفي نيل الاوطار : أما الرجم فهو مجمع عليه ، وحكي في البحر عن الخوارج أنه غير واجب ، وكذلك حكاه عنهم أيضا ابن العربي . وحكاه أيضا عن بعض المعتزلة كالنظام وأصحابه ولامستند لهم إلا أنه لم يذكر في القرآن ، وهذا باطل . فإنه قد ثبت بالسنة المتواترة المجمع عليها . وهو أيضا ثابت بنص القرآن . لحديث عمر عند الجماعة أنه قال : كان مما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الرجم ، فقرأناها ووعيناها ، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورجمناه بعده . ونسخ التلاوة لا يستلزم نسخ الحكم ، كما أخرج أبو داود من حديث ابن عباس . وقد أخرج أحمد والطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة بن سهل عن خالته العجماء : أن فيما أنزل الله من القرآن : " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة بما قضيا من اللذة " . وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي بن كعب بلفظ : كانت سورة الاحزاب توازي سورة البقرة وكان فيها آية " الشيخ والشيخة " إلخ الحديث . شروط الاحصان : يشترط في المحصن الشروط الآتية : 1 - التكليف : أي أن يكون الواطئ عاقلا بالغا . فلو كان مجنونا أو صغيرا فإنه لا يحد . ولكن يعزر . 2 - الحرية : فلو كان عبدا أو أمة فلارجم عليهما لقول الله سبحانه في حد الاماء : " فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب " والرجم لا يتجزأ . 3 - الوطء في نكاح صحيح : أي أن يكون الواطئ قد سبق له أن تزوج زواجا صحيحا ووطء فيه ولو لم ينزل . ولو كان في حيض أو إحرام يكفي ، فإن كان الوطء في نكاح فاسد فإنه لا يحصل به الاحصان ولا يلزم بقاء الزواج لبقاء صفة الاحصان ، فلو تزوج مرة زواجا صحيحا ، ودخل بزوجته ، ثم انتهت العلاقة الزوجية . ثم زنى وهو غير متزوج فإنه يرجم . وكذلك المرأة إذا تزوجت ، ثم طلقت فرنت بعد طلاقها ، فإنها تعتبر محصنة وترجم .

( هامش ) ( 1 ) الاحصان يأتي في القرآن بمعنى الحرية : " فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب " " سورة النساء " أي الحرائر ، ويأتي بمعنى العفة . " والذين يرمون المحصنات " " سورة النور " أي العفيفات . ويأتي بمعنى التزوج " والمحصنات من النساء " " سورة النساء " أي المتزوجات ويأتي بمعنى الوطء " محصنين غير مسافين " . والاصل فيه في اللغة : المنع ، ومنه : " لنحصنكم من بأسكم " وأخذ منه الحصن . وورد في الشرع بمعنى : " الاسلام ، بمعنى : البلوغ ، وبمعنى : العقل .

المسلم والكافرسواء : وكما يجب الحد على المسلم إذا ثبت منه الزنا فإنه يجب على الذمي والمرتد ، لان الزمي قد التزم الاحكام التي تجري على المسلمين ، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين زنيا وكانا محصنين . وأما المرتد فإن جريان أحكام الاسلام تشمله ، ولا يخرجه الارتداد عن تنفيذها عليه . عن ابن عمر : أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم برجل وامرأة منهم قدزنيا . فقال : " ما تجدون في كتابكم ؟ " فقال : تسخم وجوههما ويخزيان . " قال : كذبتم إن فيها الرجم ، فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين " . وجاء وابقارئ لهم فقرأ حتى إذا انتهى إلى موضع منها وضع يده عليه ، فقيل له : ارفع يدك ، فرفع يده فإذا هي تلوح . فقال - أو قالوا - يا محمد : " إن فيها الرجم ، ولكنا كنانتكاتمه بيننا " فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما . قال : فلقد رأيته يجنأ عليها يقيها الحجارة بنفسه " . رواه البخاري ومسلم وفي رواية أحمد : " بقارلهم أعور يقال له ابن صوريا " . وعن جابر بن عبد الله قال : رجم النبي صلى الله عليه رجلا من أسلم ورجلا من اليهود ( 1 ) رواه أحمد ومسلم . وعن البراء بن عازب قال : " مر على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمم مجلود فدعاهم . فقال : أهكذا تجدون حد الزنا في كتابكم ؟ قالوا : نعم . فدعا رجلا من علمائهم فقال : أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى ، أهكذا تجدون حد الزنى في كتابكم . ؟ قال : لا . ولولا أنك أنشدتني بهذا لم أخبرك بحد الرجم . ولكن كثر في أشرافنا ، وكنا إذا أخذنا الشريف تركناه ، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:08 am

الحد . فقلنا : تعالوا فلنجتمع على شئ نقيمه على الشريف والوضيع ، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " اللهم إني أول من أحيا أمرك إذا أماتوه " . فأمر به فرجم . فأنزل الله عزوجل : " يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأقواههم ولم تؤمن قلوبهم " إلى قوله : " إن أوتيتم هذا فخذوه " . يقولون : " ائتوا محمدا ، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا " . فأنزل الله تبارك وتعالى : " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " . " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون " . " ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون " . قال : " هي في الكفار كلها " . رواه أحمد ومسلم وأبو داود ( 1 ) . رأي الفقهاء : حكى صاحب البحر الاجماع على أنه يجلد الحربي . وأما الرجم فذهب الشافعي وأبو يوسف والقاسمية إلى أنه يرجم المحصن

( هامش ) ( 1 ) نص خاص بحكم الرجم في التوراة . جاء في سفر التثنية : " إذا وجد رجل مضطجعا مع امرأة زوجة بعل يقتل الاثنان . الرجل المضطجع مع المرأة ، والمرأة ، فينزع الشر من إسرائيل . وإذا كانت فتاة عذراء مخطوبة لرجل ، فوجدها رجل بالمدينة ، فاضطجع معها ، فأخرجوهما كليهما من المدينة وارجموهما بالحجارة ، حتى يموتا ، الفتاة من أجل أنها لم تصرخ في المدينة ، والرجل من أجل أنه أذل امرأة صاحبه ، فينزع الشر من المدينة " . هذا هو نص التوراة ، ولم يأت في الانجيل ما يعارضها وهي واجبة على النصارى بحكم أن ما في العهد القديم - وهو التوراة - حجة على النصارى إذا لم يكن في العهد الجديد - وهو الانجيل - ما يخالفها . من كتاب فلسفة العقوبة .

من الكفار إذا كان بالغا ، عاقلا ، حرا ، وكان أصاب نكاحا صحيحا في اعتقاده . وذهب أبو حنيفة ، ومحمد ، وزيد بن علي ، والناصر ، والامام يحيى : إلى أنه يجلد ولا يرجم ، لان الاسلام شرط في الاحصان عندهم . ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهوديين إنما كان بحكم التوراة التي يدين بها اليهود . وقال الامام يحيى : والذمي كالحربي في الخلاف . وقال مالك : لاحد عليه . وأما الحربي المستأمن فذهبت العترة والشافعي وأبو يوسف إلى أنه يحد وذهب مالك وأبو حنيفة ومحمد : إلى أنه لا يحد . وقد بالغ ابن عبد البر فنقل الاتفاق على أن شرط الاحصان الموجب للرجم هو الاسلام . وتعقب بأن الشافعي وأحمد لا يشترطان ذلك . ومن جملة من قال بأن الاسلام شرط : ربيعة - شيخ مالك - وبعض الشافعية ( 1 ) . الجمع بين الجلد والرجم : ذهب ابن حزم وإسحاق ببن راهواية ومن التابعين الحسن البصري : إلى أن المحصن يجلد مائة جلدة ، ثم يرجم حتى يموت . فيجمع له بين الجلد والرجم . واستدلوا بما رواه عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خذوا عني ، خذوا عني ، قد جعل الله لهن سبيلا : البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة ، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " . رواه مسلم ، وأبو داود ، والترمذي . وعن علي كرم الله وجهه : أنه جلد شراحة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة . فقال : أجلدها بكتاب الله ، وأرجمها بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي : لا يجتمع الجلد والرجم عليهما وإنما الواجب الرجم خاصة . وعن أحمد ، روايتان : إحداهما يجمع بينهما . وهو أظهر الروايتين واختارها الخرقي . والاخرى : لا يجمع بينهما ، لمذهب الجمهور - واختارها ابن حامد . واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ما عزا والغامدية واليهوديين - ولم يجلد واحدا منهما . وقال لانيس الاسلمي " فإن اعترفت فارجمها " ، ولم يأمر بالجلد ، وهذا آخر الامرين ، لان أبا هريرة قد رواه - وهو متأخر في الاسلام - فيكون ناسخا لما سبق من الحدين - الجلد والرجم - ثم رجم الشيخان أبو بكر وعمر في خلافتهما ولم يجمعا بين الجلد والرجم . ويرى الشيخ الدهلوي عدم التعارض ، وأنه لا ناسخ ولا منسوخ ، وإنما الامر يفوض إلى الحاكم قال : الظاهر عندي أنه يجوز للامام " الحاكم " أن يجمع بين الجلد والرجم ، ويستحب له أن يقتصر على الرجم ، لاقتصار النبي صلى الله عليه وسلم . والحكمة في ذلك ، أن الرجم عقوبة تأتي على النفس ، فأصل الزجر المطلوب حاصل به ، والجلد زيادة عقوبة مرخص في تركها ، فهذا هو وجه الاقتصار على الرجم عندي .

شروط الحد : يشترط في إقامة حد الزنا ما يلي : 1 - العقل . 2 - البلوغ . 3 - الاختيار . 3 - العلم بالتحريم . فلاحد على صغير ( 1 ) ولا على مجنون ، ولا مكره : لما روته عائشة رضي

( هامش ) ( 1 ) ويؤدب تأديبا زاجرا .

الله عنها ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " رفع القلم عن ثلاث ( 1 ) : عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم ( 2 ) وعن المجنون حتى يعقل " . رواه أحمد وأصحاب السنن والحاكم ، وقال : صحيح على شرط الشيخين وحسنه الترمذي . وأما العلم بالتحريم فلان الحد يتبع اقتراف الحرام ، وهو غير مقترف له ، وراجع النبي صلى الله عليه وسلم ماعزا ، فقال له : هل تدري ما الزنا ؟ وروي أن جارية سوداء رفعت إلى عمر رضي الله عنه وقيل : إنها زنت ، فخفقها بالدرة خفقات وقال : " أي لكاع زنيت ؟ فقالت : من غوش ( 3 ) بدرهمين . فقال عمر : ما ترون ؟ وعنده علي وعثمان ، وعبد الرحمن بن عوف . فقال علي رضي الله عنه : أرى أن ترجمها . وقال عبد الرحمن : أرى مثل ما رأى أخوك . فقال عثمان : أراها تستسهل ( 4 ) بالذي صنعت ، لا ترى به بأسا ، وإنما حد الله على من علم أمر الله عزوجل . فقال صدقت .

بم يثبت الحد : يثبت الحد بأحد أمرين : الاقرار ، أو الشهود . ثبوته بالاقرار : أما الاقرار فهو كما يقولون " سيد الادلة " ، وقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم باعتراف ما عز والغامدية ، ولم يختلف في ذلك أحد من الائمة ، وإن كانوا قد اختلفوا في عدد مرات الاقرار الذي يلزم به الحد . فقال مالك ، والشافعي ، وداود ، والطبري ، وأبو ثور : يكفي في

( هامش ) ( 1 ) رفع القلم : كناية عن عدم التكليف . ( 2 ) يحتلم يبلغ . ( 3 ) اسم الرجل الذي زنا بها ، والدرهمان : ما أخذ منه . ( 4 ) أي : أظنها ترى هذا الامر سهلا لا بأس به في نظرها . ( . )

لزوم الحد اعترافه به مرة واحدة . لما رواه أبو هريرة وزيد بن خالد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اغد يا أنيس على امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها " . فاعترفت ، فرجمها ، ولم يذكر عددا . وعند الاحناف : أنه لابد من أقارير أربعة مرة بعد مرة في مجالس متفرقة . ومذهب أحمد وإسحاق مثل الاحناف ، إلا أنهم لا يشترطون المجالس المتفرقة ، والمذهب الاول هو الارجح .

الرجوع عن الاقرار يسقط الحد : ذهبت الشافعية ، والحنفية ، وأحمد ( 1 ) إلى أن الرجوع عن الاقرار يسقط الحد لما رواه أبو هريرة عند أحمد والترمذي : " أن ما عزا لما وجد مس الحجارة يشتد فر حتى مر برجل معه لحي ( 2 ) جمل ، فضربه به ، وضربه الناس حتى مات . فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " هلا تركتموه ! ؟ " . قال الترمذي إنه حديث حسن . وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة . انتهى . وأخرج أبو داود والنسائي من حديث جابر نحوه ، وزاد " إنه لما وجد مس الحجارة صرخ : يا قومن ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي ، وأخبروني أن رسول الله غير قاتلي . فلم ننزع عنه حتى قتلناه ، فلما رجعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه قال : فهلا تركتموه وجئتموني به ! ! ؟ " . من أقر بزنا امرأة فجحدت : إذا أقر الرجل بزنا امرأة معينة ، فجحدت فإنه يقام عليه الحد وحده ،

( هامش ) ( 1 ) وقال مالك : إن رجع إلى شبهة قبل رجوعه ، وإن رجع إلى غير شبهة فقيل . يقبل ، وهي الرواية المشهورة عنه ، والثانية أنه لا يقبل جوعه . ( 2 ) اللحى : عظم الحنك .

ولاتحد هي . لما رواه أحمد وأبو داود عن سهل بن سعد : " أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنه قد زنا بامرأة سماها ، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المرأة فدعاها ، فسألها فأنكرت ، فحده وتركها " . وهذا الحد هو حد الزنا الذي أقر به ، لاحد قذف المرأة كما ذهب إليه مالك والشافعي . وقال الاوزاعي وأبو حنيفة : يحد للقذف فقط ، لان إنكارها شبهة ، واعترض على هذا الرأي بأن إنكارها لا يبطل إقراره . وذهبت الهادوية ، ومحمد ، ويروى عن الشافعي ، أنه يحد للزنا والقذف ، لما رواه أبو داود والنسائي عن ابن عباس : " أن رجلا من بكر بن ليث أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأقر أنه زنا بامرأة أربع مرات ، فجلده مائة - وكان بكرا - ثم سأله البينة على المرأة . فقالت : كذب يا رسول الله ، فجلده حد الفرية ثمانين ( 1 ) " .

ثبوته بالشهود : الاتهام بالزناسئ الاثر في سقوط الرجل والمرأة ، وضياع كرامتهما ، وإلحاق العار بهما وبأسرتيهما وذريتهما . ولهذا شدد الاسلام في إثبا ت هذه الجريمة حتى يسد السبيل على الذين يتهمون الابرياء - جزافا أو لادنى حزازة - بعار الدهر وفضيحة الابد ،

فاشترط في الشهادة على الزنا الشروط الآتية : ( أولا ) أن يكون الشهود أربعة - بخلاف الشهادة على سائر الحقوق - قال الله تعالى : " واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم . فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا " ( 2 ) ولقوله : " والذين يرمون المحصنات ، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " ( 3 ) فإن كانوا أقل من أربعة لم تقبل .

( هامش ) ( 1 ) قال النسائي هذا حديث منكر ، وقال ابن حبان بطل الاحتجاج به . ( 2 ) سورة النساء : الآية 15 . ( 3 ) سورة النور : الآية 4 .

وهل يحدون إذا شهدوا ؟ : قال الاحناف ، ومالك ، والراجح من مذهب الشافعي ، وأحمد : نعم . الان عمر حد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة . وهم : أبو بكرة ونافع وشبل ابن معبد . وقيل لا يحدون حد القذف ، لان قصدهم أداء الشهادة لاقذف المشهود عليه . وهو المرجوح عندالشافعية والحنفية ومذهب الظاهرية . ( ثانيا ) البلوغ : لقول الله تعالى : " واستشهدوا شهيدين من رجالكم ، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء " . ( 1 ) فإن لم يكن بالغا فلا تقبل شهادته ، لانه ليس من الرجال ، ولا ممن ترضى شهادته ، ولو كانت حاله تمكنه من أداء الشهادة على وجهها ، ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يبلغ ، وعن النائم حتى يستيقظ ، وعن المجنون حتى يفيق " . لصبي ليس أهلا لان يتولى حفظ ماله ، فلا يتولى الشهادة على غيره ، لان الشهادة من باب الولاية . ( ثالثا ) العقل : فلا تقبل شهادة مجنون ولامعتوه للحديث السابق ، وإذا كانت شهادة الصبي لاتقبل لنقصان عقله فأولى ألا تقبل شهادة المجنون والمعتوه . ( رابعا ) العدالة : لقول الله تعالى : " وأشهدوا ذوي عدل منكم " ( 2 ) وقوله : " يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ، أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " ( 3 ) .

( خامسا ) الاسلام : سواء كانت الشهادة على مسلم أو غير مسلم ، وهذا متفق عليه بين الائمة . ( سادسا ) المعاينة : أي أن تكون بمعاينة فرجه في فرجها كالميل في المكحلة والرشا في البئر لان الرسول صلى الله عليه وسلم قال لما عز : " لعلك قبلت ، أو غمزت ، أو نظرت " ؟ فقال : لا يا رسول الله . فسأله صلوات الله وسلامه عليه باللفظ الصريح لا يكني . قال : نعم . قال : " كما يغيب المرود في المكحلة والرشا في البئر " ؟ قال : نعم . وإنما أبيح النظر في هذه الحالة للحاجة إلى الشهادة ، كما أبيح للطبيب ، والقابلة ونحوهما . ( سابعا ) التصريح : وأن يكون التصريح بالايلاج لا بالكناية كما تقدم في الحديث السابق . ( ثامنا ) اتحاد المجلس : ويرى جمهور الفقهاء أن من شرط هذه الشهادة اتحاد المجلس بأن لا يختلف في الزمان ولا في المكان ، فإن جاءوا متفرقين لا تقبل شهادتهم . ويرى الشافعية ، والظاهرية ، والزيدية ، عدم اشتراط هذا الشرط . فإن شهدوا مجتمعين أو متفرقين في مجلس واحد أو في مجالس متفرقة ، فإن شهادتهم تقبل ، لان الله تعالى ذكر الشهود ولم يذكر المجالس ، ولان كل شهادة مقبولة تقبل إن اتفقت ، ولو تفرقت في مجالس ، كسائر الشهادات . ( تاسعا ) الذكورة : ويشترط في شهود الزنا أن يكونوا جميعا من الرجال ولاتقبل شهادة النساء في هذا الباب . ويرى ابن حزم أنه يجوز أن يقبل في الزنا شهادة امرأتين مسلمتين عدل مكان كل رجل ، فيكون الشهود ثلاثة رجال وامرأتين - أو رجلين وأربع نسوة - أو رجلا واحدا وست نسوة - أو ثمان نسوة لارجال معهم . ( عاشرا ) عدم التقادم : لقول عمر رضي الله عنه : أيما قوم شهدوا على حد ، لم يشهدوا عند حضرته فإنما شهدوا عن ضغن ، ولا شهادة لهم . فإذا شهد الشهود على حادث الزنا بعد أن تقادم فإن شهادتهم لا تقبل عند الاحناف ، ويحتجون لهذا بأن الشاهد إذا شهد الحادث مخير بين أداء الشهادة حسبة ، وبين التستر على الجاني ، فإذا سكت عن الحادث حتى قدم عليه العهد دل بذلك على اختيار جهة الستر ، فإذا شهد بعد ذلك فهو دليل على أن الضغينة هي التي حملته على الشهادة . ومثل هذا لاتقبل شهادته ، للتهمة والضغينة ، كما قال عمر ، ولم ينقل أن أحدا أنكر عليه هذا القول ، فيكون إجماعا . وهذا ما لم يكن هناك عذر يمنع الشاهد من تأخير الشهادة ، فإن كان هناك عذر ظاهر في تأخير الشهادة ، كبعد المسافة عن محل التقاضي ، وكمرض الشاهد أو نحو ذلك من الموانع ، فإن الشهادة تقبل حينئذ ولا تبطل بالتقادم . والاحناف الذين قالوا بهذا الشرط لم يقدروا له أمدا ، بل فوضوا الامر للقاضي يقدره تبعا لظروف كل حالة لتعذر التوقيت ، نظرا لاختلاف الاعذار . وبعض الاحناف قدر التقادم بشهر ، وبعضهم قدره بستة أشهر . أما جمهور الفقهاء من المالكية ، والشافعية ، والظاهرية ، والشيعة الزيدية فإن التقادم عندهم لايمنع من قبول الشهادة مهما كانت متأخرة . وللحنابلة رأيان : رأي مثل أبي حنيفة ، ورأي مثل الجمهور . هل للقاضي أن يحكم بعلمه ؟ : يرى الظاهرية أنه فرض على القاضي أن يقضي بعلمه في الدماء ، والقصاص والاموال ، والفروج ، والحدود ، سواء علم ذلك قبل ولايته أو بعد ولايته ، وأقوى ما حكم بعلمه ، لانه يقين الحق ، ثم بالاقرار ، ثم بالبينة ، لان الله تعالى يقول : " يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله " ( 1 ) . وقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " من رأى منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه " . فصح أن القاضي عليه أن يقوم بالقسط ، وليس من القسط أن يترك الظالم على ظلمه لا يغيره ، وصح أن فرضا على القاضي أن يغير كل منكر علمه بيده وأن يعطي كل ذي حق حقه ، وإلا فهو ظالم . وأما جمهور الفقهاء فإنهم يرون أنه ليس للقاضي أن يقضي بعلمه . قال أبو بكر رضي الله عنه : " لو رأيت رجلا على حد لم أحده حتى تقوم البينة عندي " ، ولان القاضي كغيره من الافراد لا يجوز له أن يتكلم بما شهده ما لم تكن لديه البينة الكاملة . ولو رمى القاضي زانيا بما شهده منه ، وهو لا يملك على ما يقول البينه الكاملة لكان قاذفا يلزمه حد القذف ، وإذا كان قد حرم على القاضي النطق بما يعلم ، فأولى أن يحرم عليه العمل به ، وأصل هذا الرأي قول الله سبحانه : " فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون " ( 1 )

هل يثبت الحد بالحبل ؟ : ذهب الجمهور إلى أن مجرد الحبل لا يثبت به الحد ، بل لابد من الاعتراف أو البينة . واستدلوا على هذا بالاحاديث الواردة في درء الحدود بالشبهات . وعن علي رضي الله عنه أنه قال لامرأة حبلى : " استكرهت ؟ " قالت : لا . قال : " فلعل رجلا أتاك في نومك " . قالوا : وروى الاثبات عن عمر أنه قبل قول امرأة ادعت أنها ثقيلة النوم وأن رجلا طرقها ولم تدر من هو بعد . وأما مالك وأصحابه فقالوا : إذا حملت المرأة ولم يعلم لها زوج ولم يعلم أنها أكرهت فإنها تحد : قالوا : فإن ادعت الاكراه فلابد من الاتيان بأمارة تدل على استكراهها ، مثل أن تكون بكرا فتأتي وهي تدمي ، أو تفضح نفسها بأثر الاستكراه . وكذلك إذا ادعت الزوجية ، فإن دعواها لاتقبل إلا أن تقيم على ذلك البينة واستدلوا لمذهبهم بقول عمر : " الرجم واجب على كل من زنا من الرجال والنساء إذا كان محصنا : إذا كانت بينة ، أو الحمل ، أو الاعتراف " . وقال علي . " يا أيها الناس إن الزنا زنيان : زنا سر وزنا علانية . فزنا السر أن يشهد الشهود ، فيكون الشهود أول من يرمي . وزنا العلانية أن يظهر الحبل ، والاعتراف " . قالوا : هذا قول الصحابة ، ولم يظهر لهم مخالف في عصرهم ، فيكون إجماعا . سقوط الحد بظهور ما يقطع بالبراءة : إذا ظهر بالمرأة أو بالرجل ما يقطع بأنه لم يقع من أحد منهما زنا ، كأن تكون المرأة عذراء لم تفض بكارتها أو رتقاء مسدودة الفرج ، أو يكون الرجل مجبوبا أو عنينا سقط الحد . وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا لقتل رجل كان يدخل على إحدى النساء ، فذهب فوجده يغتسل في ماء ، فأخذ بيده فأخرجه من الماء ليقتله ، فرآه مجبوبا ، فتركه ورجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك .

الولد يأتي لستة أشهر : إذا تزوجت المرأة وجاءت بولد لستة أشهر منذ تزوجت فلا حد عليها . قال مالك : بلغني أن عثمان بن عفان أتي بامرأة قد ولدت في ستة أشهر ، فأمر بها أن ترجم ، فقال له علي بن أبي طالب : ليس ذلك عليها . إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه : " وحمله وفصاله ثلاثون شهرا " وقال : " الوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ، لمن أراد أن يتم الرضاعة " . ( 1 ) فالحمل يكون ستة أشهر ، فلارجم عليها ، فبعث عثمان في أثرها ، فوجدها قد رجمت .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:08 am

وقت إقامة الحد : قال في بداية المجتهد ( 2 ) : وأما الوقت فإن الجمهور على أنه لايقام في الحر الشديد ولا في البرد ، ولا يقام على المريض . وقال قوم : يقام - وبه قال أحمد وإسحاق - واحتجا بحديثي عمر أنه أقام الحد على قدامة وهو مريض . قال : وسبب الخلاف معارضة الظواهر للمفهوم من الحد ، وهو أنه حيث لا يغلب على ظن المقيم له فوات نفس المحدود . فمن نظر إلى الامر بإقامة الحدود مطلقا من غير استثناء قال يحد المريض . ومن نظر إلى المفهوم من الحد قال لا يحد المريض حتى يبرأ ، وكذلك الامر في شدة الحر والبرد . قال الشوكاني : وقد حكي في البحر الاجماع على أنه يمهل البكر حتى تزول شدة الحر والبرد ، والمرض المرجو برؤه ، فإن كان ميؤوسا ، فقاال الهادي وأصحاب الشافعي : إنه يضرب بعثكول ( 3 ) إن احتمله . وقال الناصر والمؤيد بالله : لا يحد في مرضه وإن كان ميئوسا - والظاهر الاول ، لحديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف الآتي : وأما المرجوم إذا كان مريضا أو نحوه فذهبت العترة ، والشافعية والحنفية ومالك : إلى أنه لا يمهل لمرض ولا لغيره إذ القصد إتلافه . ( 3 ) العثكول : العذق من اعذاق النخل . وقال المروزي : يؤخر لشدة الحر أو البرد أو المرض ، سواء ثبت بإقراره أو بالبينة . وقال الاسفراييني : يؤخر للمرض فقط ، وفي الحر والبرد : يرجم في الحال أو حيث يثبت بالبينة لا الاقرار أو العكس . والحبلى لاترجم حتى تضع وترضع ولدها إن لم يوجد من يرضعه . وعن علي قال : " إن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت ، فأمرني أن أجلدها ، فأتيتها فإذا هي حديثة عهد بنفاس ، فخشيت ان أجلدها أن أقتلها ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : أحسنت . اتركها حتى تماثل " . رواه أحمد ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، وصححه .

الحفر للمرجوم : اختلفت الاحاديث الواردة في الحفر للمرجوم فبعضها مصرح فيه بالحفر له ، وبعضها لم يصرح به . قال الامام أحمد : أكثر الاحاديث على أنه لاحفر . ولاختلاف ما ورد من أحاديث ، اختلف الفقهاء . فقال مالك وأبوحنيفة : لا يحفر للمرجوم . وقال أبو ثور : يحفر له . وروي عن علي رضي الله عنه : أنه حين أمر برجم شراحة الهمدانية أخرجها ، فحفر لها ، فأدخلت فيها ، وأحدق الناس بها يرمونها . وأما الشافعي فخير في ذلك . وروي عنه أنه يحفر للمرأة خاصة . وقد ذهبت العترة إلى أنه يستحب الحفر إلى سرة الرجل وثدي المرأة ، ويستحب جمع ثيابها عليه وشدها بحيث لا تنكشف عورتها في تقلبها وتكرار اضطرابها إذا لم يحفر لها . واتفق العلماء على أنه لاترجم إلا قاعدة ، وأما الرجل فجمهورهم على أنه يرجم قائما . وقال مالك : قاعدا ، وقال غيره : يخير الامام بينهما حضور الامام والشهود والرجم : ( 1 ) قال في نيل الاوطار : " حكى صاحب البحر عن العترة ، والشافعي ، أنه لا يلزم الامام حضور الرجم ، وهو الحق ، لعدم دليل يدل على الوجوب ، ولما تقدم في حديث ماعزأنه صلى الله عليه وسلم أمر برجم ماعز ولم يخرج معهم . والزنا منه ثبت بإقراره كما سلف ، وكذلك لم يحضر في رجم الغامدية كما زعم البعض . قال في التلخيص : لم يقع في طرق الحديثين أنه حضر ، بل في بعض الطرق ما يدل على أنه لم يحضر . وقد جزم بذلك الشافعي ، فقال : وأما الغامدية ففي سنن داود وغيره ما يدل على ذلك . وإذا تقرر هذا تبين عدم الوجوب على الشهود ولا على الامام . وأم الاستحباب ، فقد حكى ابن دقيق العيد أن الفقهاء استحبوا أن يبدأ الامام بالرجم إذا ثبت الزنا بالاقرار ، وتبدأ الشهود به إذا ثبت بالبينة .

شهود طائفة من المؤمنين الحد : قال الله تعالى : " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " ( 2 ) . استدل العلماء بهذه الآية على أنه يستحب أن يشهد إقامة الحد طائفة من المؤمنين ، واختلفوا في عدد هذه الطائفة ، فقيل : أربعة ، وقيل : ثلاثة ، وقيل اثنان . وقيل : سبعة فأكثر .

الضرب في حد الجلد : ذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه يضرب سائر الاعضاء ما عدا الفرج

( هامش ) ( 1 ) ذهب أبو حنيفة إلى أن الشاهد يجب أن يكون أول من يرمي الزاني المحصن إذا ثبت الحد بالشهادة - وأن الامام يجبره على ذلك ، لما فيه من الزجر عن التساهل والترغيب في التثبيت - فإذا كان الثبوت بالاقرار وجب على الامام أو نائبه أن يبدأ بالرجم . ( 2 ) سورة النور الآية : 2

والوجه وما عدا الرأس كذلك عند أبي حنيفة . وقال مالك : يجرد الرجل في ضرب الحدود كلها ، وكذلك عند الشافعي وأبي حنيفة ، ما عدا القذف . ويضرب قاعدا لا قائما ( 1 ) . قال النووي : قال أصحابنا : وإذا ضربه بالسوط يكون سوطا معتدلا في الحجم ، بين القضيب والعصا . فإن ضربه بجريدة ، فلتكن خفيفة بين اليابسة والرطبة ، ويضربه ، ضربا بين ضربين ، فلا يرفع يده فوق رأسه ، ولا يكتفي بالوضع ، بل يرفع ذراعه رفعا معتدلا .

إمهال البكر : تمهل البكر حتى تزول شدة الحر والبرد ، وكذلك المرجو الشفاء . فإن كان ميئوسا من شفائه . فقال أصحاب الشافعي : إنه يضرب بعثكول إن احتمله . روى أبو داود وغيره عن رجل من الانصار : أنه اشتكى ( 2 ) رجل منهم حتى أضى ( 3 ) فعاد جلده على عظم . فدخلت عليه جارية لبعضهم ، فهش لها فوقع عليها ( 4 ) . فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك ، وقال : استفتوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإني قد وقعت على جارية دخلت علي . فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : ما رأينا بأحد من الناس من الضر مثل الذي هو به ، لو حملناه إليك لتفسخت عظامه ، ما هو إلا جلد على عظم . فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربوه به ضربة واحد .

( هامش ) ( 1 ) بداية المجتهد ج 2 ص 410 ( 2 ) اشتكى : مرض . ( 3 ) الضنى : شدة الاجهاد من المرض . ( 4 ) وقع عليها : زنا بها .

هل للمجلود دية إذا مات ؟ : إذا مات المجلود فلادية له . قال النووي في شرح مسلم : " أجمع العلماء على أن من وجب عليه الحد فجلده الامام أو جلاده الحد الشرعي فمات فلادية فيه ولا كفارة ، لاعلى الامام " الحاكم " ولا على جلاده ، ولا في بيت المال " . كان ما تقدم هو حكم جريمة الزنا ، وبقي أن نذكر بعض الجرائم وأحكامها فيما يلي :

( 1 ) عمل قوم لوط : إن جريمة اللواط من أكبر الجرائم ، وهي من الفواحش المفسدة للخلق وللفطرة وللدين والدنيا ، بل وللحياة نفسها ، وقد عاقب الله عليها بأقسى عقوبة . فخسف الارض بقوم لوط ، وأمطر عليهما حجارة من سجيل جزاء فعلتهم القذرة . وجعل ذلك قرآنا يتلى ليكون درسا . قال الله سبحانه : " ولوطا إذ قال لقومه : أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين . إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء ، بل أنتم قوم مسرفون . وما كان جواب قومه إلا أن قالوا : أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون . فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين . وأمطرنا عليهم مطرا ، فانظر كيف كان عاقبة المجرمين : " ( 1 ) وقال تعالى : " ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا ، وقال : هذا يوم عصيب . وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات ، قال : يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ، فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي ، أليس منكم رجل رشيد ؟ قالوا : لقد علمت ما لنا في بناتك من حق ، وإنك لتعلم ما نريد . قال : لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ؟ قالوا : يا لوط إنا رسل ربك ، لن يصلوا إليك ، فأسر بأهلك بقطع من الليل ، ولا يلتفت منكم أحد ، إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم ، إن موعدهم الصبح ، أليس الصبح بقريب ! ؟ فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها ، وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود . مسومة عند ربك ، وما هي من الظالمين ببعيد " . ( 1 ) وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتل فاعله ولعنه . روى أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط ، فاقتلوا الفاعل والمفعول به " . ولفظ النسائي : " لعن الله من عمل عمل قوم لوط . لعن الله من عمل عمل قوم لوط . لعن الله من عمل عمل قوم لوط " . قال الشوكاني : " وما أحق مرتكب هذه الجريمة ، ومقارفي هذه الرذيلة الذميمة بأن يعاقب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين ، ويعذب تعذيبا يكسر شهوة الفسقة المتمردين . فحقيق بمن أتى بفاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين ، أن يصلى من العقوبة بما يكون من الشدة والشناعة مشابها لعقوبتهم ، وقد خسف الله تعالى بهم ، واستأصل بذلك العذاب بكرهم وثيبهم " . وإنما شدد الاسلام في عقوبة هذه الجريمة لآثارها السيئة وأضرارها في الفرد والجماعة . وهذه الاضرار نذكرها ملخصة من كتاب : " الاسلام والطب " فيما يلي ( 1 ) :

الرغبة عن المرأة : من شأن اللواطة أن تصرف الرجل عن المرأة ، وقد يبلغ به الامر إلى حد العجز عن مباشرتها ، وبذلك تتعطل أهم وظيفة من وظائف الزواج ، وهي إيجاد النسل . ولو قدر لمثل هذا الرجل أن يتزوج ، فإن زوجته تكون ضحية من الضحايا ، فلا تظفر بالسكن ( 1 ) ، ولا بالمودة ، ولا بالرحمة التي هي دستور الحياة الزوجية ، فتقضي حياتها معذبة معلقة ، لاهي متزوجة ولا مطلقة . التأثير في الاعصاب : وإن هذه العادة تغزو النفس ، وتؤثر في الاعصاب تأثيرا خاصا ، أحد نتائجه الاصابة بالانعكاس النفسي في خلق الفرد ، فيشعر في صميم فؤاده بأنه ما خلق ليكون رجلا ، وينقلب الشعور إلى شذوذ ، به ينعكس شعور اللائط انعكاسا غريبا ، فيشعر بميل إلى بني جنسه ، وتتجه أفكاره الخبيثة إلى أعضائهم التناسلية . ومن هذا تستطيع أن تتبين العلة الحقيقية في إسراف بعض الشبان الساقطين في التزين وتقليدهم النساء في وضع المساحيق المختلفة على وجوههم ، ومحاولتهم الظهور بمظهر الجمال بتحمير أصداغهم ، وتزجيج حواجبهم ، وتثنيهم في مشيتهم ، إلى غيرذلك مما نشاهده جميعا في كل مكان . وتقع عليه أبصارنا في كثير من الاحيان . ولقد أثبتت كتب الطب كثيرا من الوقائع الغريبة التي تتعلق بهذا الشذوذ أضرب صفحا عن ذكرها . ولا يقتصر الامر على إصابة اللائط بالانعكاس النفسي ، بل هنالك ما تسببه هذه الفاحشة من إضعاف القوى النفسية الطبيعية في الشخص كذلك ، وما تحدثه من جعله عرضة للاصابة بأمراض عصبية شاذة وعلل نفسية شائنة ، تفقده لذة الحياة ، وتسلبه صفة الانسانية والرجولة ، فتحيي فيه لوثات وراثية

( هامش ) ( 1 ) السكن : السكينة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:09 am

خاصة ، وتظهر عليه آفات عصبية كامنة تبديها هذه الفاحشة ، وتدعو إلى تسلطها عليه . ومثل هذه الآفات العصبية النفسية : الامراض السادية ، والماسوشية ، والفيتشزم وغيرها . التأثير على المخ : واللواط بجانب ذلك يسبب اختلالا كبيرا في توازن عقل المرء ، وارتباكا عاما في تفكيره ، وركودا غريبا في تصوراته ، وبلاهة واضحة في عقله ، وضعفا شديدا في إرادته . وإن ذلك ليرجع إلى قلة الافرازات الداخلية التي تفرزها الغدة الدرقية ، والغدد فوق الكلى ، وغيرها مما يتأثر باللواط تأثرا مباشرا ، فيضطرب عملها وتختل وظائفها . وإنك لتجد هنالك علاقة وثيقة بين ( النيورستانيا ) واللواط ، وارتباطا غريبا بينهما ، فيصاب اللائط بالبله والعبط وشرود الفكر وضياع العقل والرشاد . السويداء : واللواط إما أن يكون سببا في ظهور مرض السويداء أو يغدو عاملا قويا على إظهاره وبعثه . ولقد وجد أن هذه الفاحشة وسيلة شديدة التأثير على هذا الداء من حيث مضاعفتها له وزيادة تعقيدها لاعراضه ويرجع ذلك للشذوذ الوظيفي لهذه الفاحشة المنكرة وسوء تأثيرها على أعصاب الجسم .

عدم كفاية اللواط : واللواط علة شاذة ، وطريقة غير كافية لاشباع العاطفة الجنسية وذلك لانها بعيدة الاصل عن الملامسة الطبيعية ، لا تقوم بإرضاء المجموع العصبي ، شديدة الوطأة على الجهاز العضلي ، سيئة التأتير على سائر أجزاء البدن . وإذا نظرنا إلى فسيولوجيا الجماع والوظيفة الطبيعية التي تؤديها الاعضاء التناسلية وقت المباشرة ، ثم قارنا ذلك بما يحدث في اللواط ، وجدنا الفرق بعيدا والبون بين الحالتين شاسعا ، ناهيك بعدم صلاحية الموضع وفقد ملاءمته للوضع الشاذ . ارتخاء عضلات المستقيم وتمزقه : وإنك إذا نظرت إلى اللواط من ناحية أخرى وجدته سببا في تمزق المستقيم وهتك أنسجته وارتخاء عضلاته وسقوط بعض أجزائه ، وفقد السيطرة على المواد البرازية وعدم استطاعة القبض عليها ، ولذلك تجد الفاسقين دائمي التلوث بهذه المواد المتعفنة بحيث تخرج منهم بغير إرادة أو شعور .

علاقة اللواط بالاخلاق : واللواط لوثة أخلاقية ومرض نفسي خطير ، فتجد جميع من يتصفون به سيئي الخلق فاسدي الطباع ، لا يكادون يميزون بين الفضائل والرذائل . ضعيفي الارادة ليس لهم وجدان يؤنبهم ولا ضمير يردعهم ، لا يتحرج أحدهم ، ولا يردعه رادع نفسي ، عن السطو على الاطفال والصغار واستعمال العنف والشدة لاشباع عاطفته الفاسدة والتجرؤ على ارتكاب الجرائم التي نسمع عنها كثيرا ونطالع أخبارها في الجرائد السيارة وفي غيرها ، ونجد تفاصيل حوادثها في المحاكم وفي كتب الطب . اللواط وعلاقته بالصحة العامة : واللواط فوق ما ذكرت يصيب مقترفيه بضيق الصدر ويرزؤهم بخفقان القلب . ويتركهم بحال من الضعف العام يعرضهم للاصابة بشتى الامراض ويجعلهم نهبة لمختلف العلل والاوصاب .

التأثير على أعضاء التناسل : ويضعف اللواط كذلك مراكز الانزال الرئيسية في الجسم ويعمل على القضاء على الحيوية المنوية فيه ، ويؤثر على تركيب مواد المني ثم ينتهي الامر بعد قليل من الزمن بعدم القدرة على إيجاد النسل ، والاصابة بالعقم مما يحكم على اللائطين بالانقراض والزوال . التيفود والدوسنطار يا : ونستطيع أن نقول : إن اللواط يسبب بجانب ذلك العدوى بالحمى التيفودية والدوسنطاريا وغيرهما من الامراض الخبيثة التي تنتقل بطريق التلوث بالمواد البرازية المزودة بمختلف الجراثيم ، المملوءة بشتى أسباب العلل والامراض .

أمراض الزنا : ولا يخفى أن الامراض التي تنتشر بالزنا يمكن أن تنتشر كذلك بطريق اللواط ، وتصيب أصحابه فتفتك بهم فتكا ذريعا ، فتبلي أجسامهم ، وتحصد أرواحهم . مما تقدم نتبين حكمة التشريع الاسلامي في تحريم اللواط ، وتظهر دقة أحكامه في التنكيل بمقترفيه ، والامر بالقضاء عليهم وتخليص العالم من شرورهم .

رأي الفقهاء في حكم اللواط : ومع إجماع العلماء على حرمة هذه الجريمة ، وعلى وجوب أخذ مقترفيها بالشدة ، إلا أنهم اختلفوا في تقدير العقوبة المقررة لها مذاهب ثلاثة : 1 - مذهب القائلين بالقتل مطلقا . 2 - ومذهب القائلين بأن حده حد الزاني : فيجلد البكرويرجم المحصن . 3 - ومذهب القائلين بالتعزير . ( المذهب الاول ) : يرى أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ، والناصر ، والقاسم بن إبراهيم ، والشافعي في قول : أن حده القتل ولو كان بكرا ، سواء كان فاعلا أو مفعولا به . واستدلوا بما يأتي : 1 - عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه " وسلم : " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به " . رواه الخمسة إلا النسائي . . قال في " النيل " : وأخرجه أيضا الحاكم والبيهقي . وقال الحافظ : رجاله موثوقون إلا أن فيه اختلافا . 2 - وعن علي أنه رجم من عمل هذا العمل . أخرجه البيهقي . قال الشافعي : وبهذا نأخذ برجم من يعمل هذا العمل محصنا كان أو غير محصن . 3 - وعن أبي بكر أنه جمع الناس في حق رجل ينكح كما ينكح النساء . فسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فكان من أشدهم يومئذ قولا علي بن أبي طالب عليه السلام ، قال : " هذا ذنب لم تعص به أمة من الامم ، إلا أمة واحدة ، صنع الله بها ما قد علمتم ، نرى أن نحرقه بالنار " . فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد يأمره أن يحرقه بالنار . أخرجه البيهقي وفي إسناده إرسال . وأفاد الشوكاني بأن هذه الاحاديث تنهض بمجموعها للاحتجاج بها . وهؤلاء اختلفوا في كيفية قتل مرتكب هذا العمل . فروي عن أبي بكر وعلي : أنه يقتل بالسيف ، ثم يحرق ، لعظم المعصية . وذهب عمر وعثمان إلى أنه يلقى عليه حائط . وذهب ابن عباس إلى أنه يلقى من أعلى بناء في البلد . وحكى البغوي عن الشعبي ، والزهري ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق ، أنه يرجم . وحكي ذلك الترمذي عن مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . وروي عن النخعي أنه لو كان يستقيم أن يرجم الزاني مرتين لرجم من يعمل عمل قوم لوط . وقال المنذري : حرق من يعمل هذا العمل أبو بكر وعلي ، وعبد الله بن الزبير ، وهشام بن عبد الملك . ( المذهب الثاني ) : وذهب سعيد بن المسيب ، وعطاء بن أبي رباح ،والحسن ، وقتادة ، والنخعي ، والثوري ، والاوزاعي ، وأبو طالب ، والامام يحيى ، والشافعي في قول إلى أن حده حد الزاني ، فيجلد البكر ويغرب ، ويرجم المحصن . واستدلوا بما يأتي : 1 - ان هذا الفعل نوع من أنواع الزنا ، لانه إيلاج فرج في فرج ، فيكون اللائط والملوط به داخلين تحت عموم الادلة الواردة في الزاني المحصن والبكر ، ويؤيد هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان " . 2 - انه على فرض عدم شمول الادلة الواردة في عقوبة الزنا لهما ، فهما لاحقان بالزاني بطريق القياس . ( المذهب الثالث ) : وذهب أبو حنيفة ، والمؤيد بالله ، والمرتضى ، والشافعي في قول إلى تعزير مرتكب هذه الفاحشة ، لان الفعل ليس بزنا فلا يأخذ حكمه . وقد رجح الشوكاني مذهب القائلين بالقتل ، وضعف المذهب الاخير لمخالفته للادلة ، وناقش المذهب الثاني فقال : " إن الادلة الواردة بقتل الفاعل والمفعول به مطلقا مخصصة لعموم أدلة الزنا الفارقة بين البكر والثيب على فرض شمولها المرتكب جريمة قوم لوط ، ومبطلة للقياس المذكور على فرض عدم الشمول ، لانه يصير فاسد الاعتبار ، كما تقرر في الاصول ( 2 الاستمناء : استمناء الرجل بيده مما يتنافى مع ما ينبغي أن يكون عليه الانسان من الادب وحسن الخلق ، وقد اختلف الفقهاء في حكمه : فمنهم من رأى أنه حرام مطلقا . ومنهم من رأى أنه حرام في بعض الحالات ، وواجب في بعضها الآخر .

( هامش ) ( 1 ) لانه لا قياس مع النص .

ومنهم من ذهب إلى القول بكراهته . أما الذين ذهبوا إلى تحريمه فهم المالكية والشافعية ، والزيدية . وحجتهم في التحريم أن الله سبحانه أمر بحفظ الفروج في كل الحالات ، إلا بالنسبة للزوجة ، وملك اليمين . فإذا تجاوز المرء هاتين الحالتين واستمنى ، كان من العادين المتجاوزين ما أحل الله لهم إلى ما حرمه عليهم . يقول الله سبحانه : " والذين هم لفروجهم حافظون . إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين . فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون " . ( 1 ) وأما الذين ذهبوا الى التحريم في بعض الحالات ، والوجوب في بعضها الآخر ، فهم الاحناف فقد قالوا : إنه يجب الاستمناء إذا خيف الوقوع في الزنا بدونه ، جريا على قاعدة : ارتكاب أخف الضررين . وقالوا : إنه يحرم إذا كان لاستجلاب الشهوة وإثارتها . وقالوا : إنه لا بأس به إذا غلبت الشهوة ، ولم يكن عنده زوجة أو أمة واستمنى بقصد تسكينها . وأما الحنابلة فقالوا : إنه حرام ، إلا إذا استمنى خوفا على نفسه من الزنا ، أو خوفا على صحته ، ولم تكن له زوجة أو أمة ، ولم يقدر على الزواج ، فإنه لاحرج عليه . وأما ابن حزم فيرى أن الاستمناء مكروه ولا إثم فيه ، لان مس الرجل ذكره بشماله مباح بإجماع الامة كلها . وإذا كان مباحا فليس هنالك زيادة على المباح إلا التعمد لنزول المني ، فليس ذلك حراما أصلا ، لقول الله تعالى : " وقد فصل الله لكم ما حرم عليكم " ( 2 ) . وليس هذا ما فصل لنا تحريمه ، فهو حلال لقوله تعالى : " خلق لكم ما في الارض جميعا " . قال : وإنما كره الاستمناء لانه ليس من مكارم الاخلاق ولا من الفضائل :وروي لنا أن الناس تكلموا في الاستمناء فكرهته طائفة وأباحته أخرى . وممن كرهه ابن عمر ، وعطاء . وممن أباحه ابن عباس ، والحسن ، وبعض كبار التابعين . وقال الحسن : كانوا يفعلونه في المغازي . وقال مجاهد : كان من مضى يأمرون شبابهم بالاستمناء يستعفون بذلك ، وحكم المرأة مثل حكم الرجل فيه .

( 3 )السحاق : السحاق محرم باتفاق العلماء ، لما رواه أحمد ، ومسلم ، وأبو داود والترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ، ولا المرأة إلى عورة المرأة ، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد " . والسحاق مباشرة دون إيلاج ، ففيه التعزير دون الحد كما لو باشر الرجل المرأة دون إيلاج في الفرج .

( 4 ) إتيان البهيمة : أجمع العلماء على تحريم إتيان البهيمة . واختلفوا في عقوبة من فعل ذلك : فروي عن جابر بن زيد أنه قال : من أتى بهيمة أقيم عليه الحد . وروي عن علي أنه قال : إن كان محصنا رجم . وروي عن الحسن : أنه بمنزلة الزاني : وذهب أبو حنيفة ، ومالك ، والشافعي في قول له ، والمؤيد بالله ، والناصر ، والامام يحيى إلى وجوب التعزير فقط ، إذ أنه ليس بزنا . وذهب الشافعي في قول آخر : إلى أنه يقتل ، لما رواه عمرو بن أبي عمرو ، عن عكرمة عن ابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

( هامش ) ( 1 ) السحاق إتيان المرأة المرأة .

" من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة " . رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وقال : لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن أبي عمرو . وروى الترمذي وأبو داود من حديث عاصم ، عن أبي رزين ، عن ابن عباس أنه قال : " من أتى بهيمة فلا حد عليه " وذكر أنه أصح . وروى ابن ماجه ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من وقع على ذات محرم فاقتلوه ، ومن وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة " . قال الشوكاني : " وفي الحديث دليل على أنه تقتل البهيمة - والعلة في ذلك ما رواه أبو داود والنسائي أنه قيل لابن عباس : ما شأن البهيمة ؟ قال : ما أراه قال ذلك ، إلا أنه يكره أن يؤكل لحمها ، وقد عمل بها ذلك العمل . وقد تقدم أن العلة أن يقال : هذه التي فعل بها كذا وكذا . وقد ذهب إلى تحريم لحم البهيمة المفعول بها . وإلى إنها تذبح علي عليه السلام والشافعي في قول له . وذهبت القاسمية ، والشافعية في قول ، وأبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه يكره أكلها تنزيها فقط . قال في البحر أنها تذبح البهيمة ولو كانت غير مأكولة ، لئلا تأتي بولد مشوه ، كما روى أن راعيا أتى بهيمة فأتت بمولود مشوه . انتهى . قال : وأما حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذبح الحيوان إلا لاكله ، فهو عام مخصص بحديث الباب " انتهى ( 1 )

( 5 ) الوطء بالاكراه : إذا أكرهت المرأة على الزنا فإنه لا حد عليها ، لان الله تعالى يقول : " فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه " . والرسول عليه الصلاة والسلام يقول : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه " . وقد استكرهت امرأة على عهد الرسول عليه الصلاة والسلام فدرأ عنها الحد . وجاءت امرأة إلى عمر فذكرت له أنها استسقت راعيا فأبى أن يسقيها إلا أن تمكنه من نفسها - ففعلت - فقال : " علي : ما ترى فيها ؟ " قال : إنها مضطرة ، فأعطاها شيئا وتركها . ويستوي في ذلك الاكراه بالالجاء - بمعنى أن يغلبها على نفسها - والاكراه بالتهديد ، ولم يخالف في ذلك أحد من أهل العلم ، وإنما اختلفوا في وجوب الصداق لها . فذهب مالك والشافعي ، إلى وجوبه . روى مالك في الموطأ عن ابن شهاب أن عبد الملك بن مروان قضي في امرأة أصيبت مستكرهة بصداقها على من فعل ذلك بها . وقال أبو حنيفة : لا صداق لها . قال في بداية المجتهد : " وسبب الخلاف : هل الصداق عوض عن البضع أو هو نحلة فمن قال : هو عوض عن البضع أوجبه في البضع في الحلية والمحرمية ومن قال إنه نحلة خص الله به الاوزاج لم يوجبه . ورأي أبي حنيفة أصح .

( 6 ) الخطأ في الوطء : إذا زفت إلى رجل امرأة غير زوجته ، وقيل له هذه زوجتك فوطئها يعتقدها زوجته فلا حد عليه باتفاق . وكذلك الحكم إذا لم يقل له هذه زوجتك ، أو وجد على فراشه امرأة ظنها امرأته فوطئها ، أو دعا زوجته فجاء غيرها ، فظنها المدعوة فوطئها ، لا حد عليه في كل ذلك .وهكذا الحكم في كل خطأ في وطء مباح ، أما الخطأ في الوطء المحرم ، فإنه يوجب الحد ، فمن دعا امرأة محرمة عليه فأجابته غيرها فوطئها يظنها المدعوة فعليه الحد ، فإن دعا محرمة عليه ، فأجابته زوجته فوطئها يظنها الاجنبية التي دعاها ، فلا حد عليه ، وإن أثم باعتبار ظنه .

بقاء البكارة : وعدم زوال البكارة يعتبر شبهة في حق المشهود عليها بالزنا ، عند أبي حنيفة ، والشافعي ، وأحمد ، والشيعة الزيدية . فإذا شهد أربعة على امرأة بالزنا وشهد ثقات من النساء بأنها عذراء فلاحد عليها للشبهة ولا حد على الشهود .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:10 am

7 ) الوطء في نكاح مختلف فيه : ولا يجب الحد في نكاح مختلف في صحته ، مثل زواج المتعة ، والشغار ، وزواج التحليل ، والزواج بلا ولي أو شهود ، وزواج الاخت في عدة أختها البائن ، وزواج الخامسة ، في عدة الرابعة البائن ، لان الاختلاف بين الفقهاء على صحة هذا الزواج يعتبر شبهة في الوطء ، والحدود تدرأ بالشبهات خلافا للظاهرية ، إذ أنهم يرون الحد في كل وطء قام على نكاح باطل أو فاسد .

( 8 ) الوطء في نكاح باطل : وكل زواج مجمع على بطلانه ، كنكاح خامسة زيادة على الاربع ، أو متزوجة ، أو معتدة الغير ، أو نكاح المطلقة ثلاثا قبل أن تتزوج زوجا آخر ، إذا وطئ فيه فهو زنا موجب للحد ، ولا عبرة بوجود العقد ولا أثر له .

حد القذف ( 1 ) تعريفه : أصل القذف الرمي بالحجارة وغيرها . ومنه قول الله تعالى لام موسى عليه السلام : " أن اقذ فيه في التابوت ، فاقذ فيه في اليم " ( 1 )

والقذف بالزنا مأخوذ من هذا المعنى ، والمقصود به هنا المعنى الشرعي ، وهو الرمي بالزنا

( 2 ) حرمته : يستهدف الاسلام حماية أعراض الناس ، والمحافظة على سمعتهم ، وصيانة كرامتهم ، وهو لهذا يقطع ألسنة السوء ويسد الباب على الذين يلتمسون للبرآء العيب ، فيمنع ضعاف النفوس من أن يجرحوا مشاعر الناس ويغلوا في أعراضهم ، ويحظر أشد الحظر إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا حتى تتطهر الحياة من سريان هذا الشر فيها . فهو يحرم القذف تحريما قاطعا ، ويجعله كبيرة من كبائر الاثم والفواحش ، ويوجب على القاذف ثمانين جلدة - رجلا كان أو امرأة - ويمنع من قبول شهادته ، ويحكم عليه بالفسق واللعن والطرد من رحمة الله ، واستحقاق العذاب الاليم في الدنيا والاخرة ، اللهم إلا إذا ثبت صحة قوله بالادلة التي لا يتطرق إليها الشك ، وهي شهادة أربع شهداء بأن المقذوف تورط في الفاحشة يقول الله سبحانه : " والذين يرمون ( 1 ) المحصنات ( 2 ) ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة . ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ، وأولئك هم الفاسقون . إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم " ( 3 ) . ويقول : " إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات ، لعنوا في الدنيا والاخرة ، ولهم عذاب عظيم . يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون . يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ، ويعلمون أن الله هو الحق المبين " ( 4 ) .

( هامش ) ( 1 ) يرمون : يقذفون ويسبون . ( 2 ) المحصنات : أي الانفس العفيفة ليدخل فيها الذكور والاناث خلافا لبعض فرق الخوارج الذين يرون أن حد القذف خاص برمي النساء دون الرجال وقوفا عند ظاهر الاية . ( 3 ) سورة النور . الاية 4 : 5 . ( 4 ) سورة النور . الايات : 23 ، 24 ، 25

ويقول : " إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والاخرة " . وروى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اجتنبوا السبع الموبقات ( 1 ) . قالوا وما هن يارسول الله ؟ . قال : الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ( 2 ) ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات " . وكان هذا التحريم الذي نزلت به الايات بسبب حادث الافك الذي وقع لام المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها قالت : لما نزل عذري ، قام النبي على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن ، فلما نزل عن المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم ، وهم حسان ومسطح ، وحمنة . رواه أبو داود . ما يشترط في القذف : للقذف شروط لابد من توافرها حتى يصبح جريمة تستحق عقوبة الجلد . وهذه الشروط منها ما يجب توافره في القاذف ، ومنها ما يجب توافره في المقذوف ، ومنها ما يجب توفره في الشئ المقذوف به .

شروط القاذف : والشروط التي يجب توفرها في القاذف هي : 1 - العقل . 2 - البلوغ . 3 - الاختيار . لان ذلك أصل التكليف ، ولا تكليف بدون هذه الاشياء . فإذا قذف المجنون أو الصبي أو المكره فلا حد على واحد منهم ، لقول رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم :

( هامش ) ( 1 ) الموبقات : المهلكات . ( 2 ) التولي يوم الزحف : الفرار من القتال .

" رفع القلم عن ثلاث : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يفيق " . ويقول : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه " . فإذا كان الصبي مراهقا بحيث يؤذي قذفه فإنه يعزر تعزيرا مناسبا .

شروط المقذوف : وشروط المقذوف هي : 1 - العقل : لان الحد إنما شرع للزجر عن الاذية بالضرر الواقع على المقذوف ، ولا مضرة على من فقد العقل فلا يحد قاذفه . 2 - البلوغ : وكذلك يشترط في المقذوف البلوغ ، فلا يحد قاذف الصغير والصغيرة ، فإذا رمى صبية يمكن وطئها قبل البلوغ بالزنا ، فقد قال جمهور العلماء : إن هذا ليس بقذف ، لانه ليس بزنا ، إذ لا حد عليها . ويعزر القاذف . وقال مالك : ان ذلك قذف يحد فاعله . وقال ابن العربي : " والمسألة محتملة الشك . لكن مالك غلب عرض المقذوف وغيره راعى حماية ظهر القاذف ، وحماية عرض المقذوف أولى ، لان القاذف كشف ستره بطرف لسانه ، فلزم الحد " . وقال ابن المنذر : " وقال أحمد في الجارية بنت تسع يجلد قاذفها ، وكذلك الصبي إذا بلغ ضرب قاذفه " . وقال إسحاق : إذا قذف غلام يطأ مثله فعليه الحد . والجارية إذا جاوزت تسعة مثل ذلك . وقال ابن المنذر : لا يحد من قذف من لم يبلغ ، لان ذلك كذب . ويعزر على الاذى . 3 - الاسلام : والاسلام شرط في المقذوف ، فلو كان المقذوف من غير المسلمين لم يقر الحد على قاذفه عند جمهور العلماء ، وإذا كان العكس فقذف النصراني أو اليهودي المسلم الحر فعليه ما على المسلم : ثمانون جلدة . 4 - الحرية : فلا يحد العبد بقذف الحر له ، سواء أكان العبد ملكا للقاذف أم لغيره : لان مرتبته تختلف عن مرتبة الحر ، وإن كان قذف الحر للعبد محرما لما رواه البخاري ومسلم . أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قذف مملوكه بالزنا أقيم عليه الحد يوم القيامة ، إلا أن يكون كما قال " . قال العلماء : وإنما كان ذلك في الاخرة لارتفاع الملك ، واستواء الشريف والوضيع ، والحر والعبد ، ولم يكن لاحد فضل إلا بالتقوى ، ولما كان ذلك تكافأ الناس في الحدود والحرمة واقتص من كل واحد لصاحبه ، إلا أن يعفو المظلوم عن الظالم . وإنما لم يتكافأوا في الدنيا لئلا تدخل الداخلة على المالكين في مكافأتهم لهم ( 1 ) فلا تصح لهم حرمة ولا فضل في منزلة ، وتبطل فائدة التسخير . ومن قذف من يحسبه عبدا فإذا هو حر فعليه الحد ، وهو اختيار ابن المنذر ، وقال الحسن البصري لا حد عليه . وأما ابن حزم فإنه رأى غير ما رآه جمهور الفقهاء ، فرأى أن قاذف العبد يقام عليه الحد . وأنه لا فرق بين الحر والعبد في هذه الناحية . قال : " وأما قولهم لا حرمة للعبد ولا للامة فكلام سخيف . والمؤمن له حرمة عظيمة " . ورب عبد جلف خير من خليفة قرشي عند الله تعالى . ورأي ابن حزم هذا رأي وجيه وحق ، لو لم يصطدم بالنص المتقدم . 5 - العفة : وهي العفة عن الفاحشة التي رمي بها سواء أكان عفيفا عن غيرها أم لا ، حتى أن من زنا في أول بلوغه ثم تاب وحسنت حالته وامتد عمره فقذفه قاذف ، فإنه لا حد عليه . وإن كان هذا القذف يستوجب التعزير لانه أشاع ما يجب ستره وإخفاؤه .

ما يجب توفره في المقذوف به : أما ما يجب توفره في المقذوف به ، فهو التصريح بالزنا أو التعريض

( هامش ) ( 1 ) أي لئلا تفسد العلاقة بين السادة والعبيد .

الظاهر ، ويستوي في ذلك القول والكتابة . ومثال التصريح أن يقول موجه الخطاب إلى غيره : " يا زاني " أو يقول عبارة تجري مجرى هذا التصريح ، كنفي نسبه عنه . ومثال التعريض كأن يقول في مقام التنازع : " لست بزان ولا أمي بزانية " . وقد اختلف العلماء في التعريض . . فقال مالك : إن التعريض الظاهر ملحق بالتصريح ، لان الكفاية قد تقوم - بعرف العادة والاستعمال - مقام النص الصريح . وإن كان اللفظ فيها مستعملا في غير موضعه ، وقد أخذ عمر رضي الله عنه بهذا الرأي . روى مالك عن عمرة بنت عبد الرحمن : " أن رجلين استبا في زمان عمر بن الخطاب فقال أحدهما للاخر : " والله ما أبي بزان ولا أمي بزانية " . فاستشار عمر في ذلك . فقال قائل : مدح أباه وأمه . وقال آخرون : قد كان لابيه وأمه مدح غير هذا . نرى أن تجلده الحد فجلده عمر الحد ثمانين " . وذهب ابن مسعود ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، والثوري ، وابن أبي ليلى ، وابن حزم ، والشيعة ، ورواية عن أحمد : إلى أنه لا حد في التعريض ، لان التعريض يتضمن الاحتمال ، والاحتمال شبهة . والحدود تدرأ بالشبهات . إلا أن أبا حنيفة والشافعي يريان تعزير من يفعل ذلك . قال صاحب الروضة الندية : كاشفا وجه الصواب في هذا : " التحقيق أن المراد من رمي المحصنات المذكور في كتاب الله عزوجل هو أن يأتي القاذف بلفظ يدل - لغة أو شرعا أو عرفا - على الرمي بالزنا ، ويظهر من قرائن الاحوال أن المتكلم لم يرد إلا ذلك ، ولم يأت بتأويل مقبول يصح حمل الكلام عليه ، فهذا يوجب حد القذف بلا شك ولا شبهة . وكذلك لو جاء بلفظ لا يحتمل الزنا أو يحتمله احتمالا مرجوحا ، وأقر أنه أراد الرمي بالزنا فإنه يجب عليه الحد . وأما إذا عرض بلفظ محتمل ولم تدل قرينة حال ولا مقال على أنه قصد الرمي بالزنا ، فلا شئ عليه ، لانه لا يسوغ إيلامه بمجرد الاحتمال " .

بم يثبت حد القذف : الحد يثبت بأحد أمرين : 1 - إقرار القاذف نفسه . 2 - أو بشهادة رجلين عدلين . عقوبة القاذف الدنيوية : يجب على القاذف - إذا لم يقم البينة على صحة ما قال - عقوبة مادية ، وهي ثمانون جلدة . وعقوبة أدبية ، وهي رد شهادته وعدم قبولها أبدا والحكم بفسقه لانه يصبح غير عدل عند الله وعند الناس . وهاتان العقوبتان هما المقررتان في قول الله سبحانه وتعالى : " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ، وأولئك هم الفاسقون ، إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ، فإن الله غفور رحيم " . وهذا متفق عليه بين العلماء إذا لم يتب القاذف . بقي هنا مسألتان اختلف فيهما العلماء : ( المسألة الاولى ) هل عقوبة العبد مثل عقوبة الحر أو لا ؟ ( المسألة الثانية ) إذا تاب القاذف ، هل يرد له اعتباره وتقبل شهادته أولا ؟ . أما المسألة الاولى فهي أنه إذا قذف العبد الحر المحصن وجب عليه الحد ، ولكن هل حده مثل حد الحر ، أو على النصف منه ؟ . لم يثبت حكم ذلك في السنة ، ولهذا اختلفت أنظار الفقهاء ، فذهب أكثر أهل العلم إلى أن العبد إذا ثبتت عليه جريمة القذف ، فعقوبته أربعون جلدة ، لانه حد يتنصف بالرق ، مثل حد الزنا . يقول الله سبحانه : " فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب " ( 1 ) قال مالك : " قال أبو الزناد سألت عبد الله بن عامر بن ربيعة عن ذلك . فقال : أدركت عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، والخلفاء ، وهلم جرا ، فما رأيت أحدا جلد عبدا في فرية أكثر من أربعين " . وروي عن ابن مسعود ، والزهري ، وعمر بن عبد العزيز وقبيصة بن ذؤيب ، والاوزاعي ، وابن حزم ، أنه يجلد ثمانين جلدة . لانه حد وجب ، حقا للادميين ، إذ أن الجناية وقعت على عرض المقذوف ، والجناية لا تختلف بالرق والحرية . قال ابن المنذر : والذي عليه الامصار القول الاول ، وبه أقول . وقال في المسوى : " وعليه أهل العلم " . وقد ناقش صاحب الروضة الندية الرأي الاول ، وقال مرجحا الرأي الثاني : الاية الكريمة عامة يدخل تحتها الحر والعبد ، والغضاضة بقذف العبد للحر أشد منها بقذف الحر للحر ، وليس في حد القذف ما يدل على تنصيفه للعبد ، لا من الكتاب ولا من السنة . ومعظم ما وقع التعويل عليه هو قوله تعالى في حد الزنا : " فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب " . ولا يخفى أن ذلك في حد آخر غير حد القذف . فإلحاق أحد الحدين بالاخر فيه إشكال ، لا سيما مع اختلاف العلة وكون أحدهم حقا لله محضا ، والاخر مشوبا بحق آدمي . أما المسألة الثانية : فقد اتفق الفقهاء على أن القاذف لا تقبل شهادته ما دام لم يتب ، لانه ارتكب ما يستوجب الفسق ، والفسق يذهب بالعدالة ، والعدالة شرط في قبول الشهادة ، وأنه لم يتب من فسقه هذا ، والجلد ، وإن كان مكفرا للاثم الذي ارتكبه ومخلصا له من عقاب الاخرة ، إلا أنه لا يزيل عنه وصف الفسق الموجب لرد الشهادة . ولكن إذا تاب وحسنت توبته ، فهل يرد له اعتباره وتقبل شهادته أم لا ؟ . اختلف الفقهاء في ذلك إلى رأيين : ( الرأي الاول ) يرى قبول شهادة المحدود في قذف إذا تاب توبة نصرحا وهذا هو رأي مالك ، والشافعي ، وأحمد ، والليث ، وعطاء ، وسفيان بن عيينة ، والشعبي ، والقاسم ، وسالم ، والزهري . وقال عمر لبعض من حدهم في قذف : إن تبت قبلت شهادتك ! أما ( الرأي الثاني ) فإنه يرى عدم قبولها ، وممن ذهب إلى هذا : الاحناف ، والاوزاعي ، والثوري ، والحسن ، وسعيد بن المسيب ، وشريح ، وابراهيم النخعي ، وسعيد بن جبير . وأصل هذا الخلاف هو الاختلاف في تفسير قول الله تعالى : " ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ، وأولئك هم الفاسقون . إلا الذين تابوا " . فهل الاستثناء في الاية راجع إلى الامرين معا : أي عدم قبول الشهادة ، والحكم بالفسق ، أو راجع إلى الامر الاخير ، وهو الحكم بالفسق ؟ . فمن قال ان الاستثناء راجع إلى الامرين معا ، قال بجواز قبول الشهادة بعد التوبة . ومن قال إنه راجع إلى الحكم بالفسق ، قال بعدم قبولها مهما كانت توبته .

كيفية التوبة : قال عمر رضي الله عنه : توبة القاذف لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي لا حد فيه . وقال الذين شهدوا على المغيرة : من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما يستقبل . ومن لم يفعل لم أجز شهادته . فأكذب الشبل بن معبد ، ونافع بن الحارث بن كلدة أنفسهما وتابا وأبى أبو بكرة أن يفعل ، فكان لا يقبل شهادته . وهذا مذهب الشعبي ، ومحكي عن أهل المدينة ، وقالت طائفة من العلماء : توبته أن يصلح ويحسن حاله ، وإن لم يرجع عن قوله بتكذيب ، وحسبه الندم على قذفه والاستغفار منه وترك العود إليه . وهذا مذهب مالك ، وابن جرير هل يحد بقذف أصله ؟ قال أبو ثور وابن المنذر : " إذا قذف القاذف ابنه فإنه يحد لظاهر القرآن الكريم فإنه لم يفرق بين قاذف ومقذوف . وقالت الحنفية والشافعية : لا يحد ، لانه يشترط في القاذف أن لا يكون أصلا كالاب والام ، لانه إذا لم يقتل الاصل به فعدم حده بقذفه أولى ، وإن قالوا بتعزيره ، لان القذف أذى . تكرار القذف لشخص واحد : إذا قذف القاذف شخصا واحدا أكثر من مرة ، فعليه حد واحد إذا لم يكن قد حد لواحد منها ، فإن كان قد حد لواحد منها ثم عاد إلى القذف ، حد مرة ثانية ، فإن عاد مرة ثالثة وهكذا يحد لكل قذف قذف الجماعة : إذا قذف القاذف جماعة ورماهم بالزنا ، فقد اختلفت أنظار الفقهاء في في حكمه إلى ثلاثة مذاهب : ( المذهب الاول ) مذهب القائلين بأنه يحد حدا واحدا . وهم أبو حنيفة ، ومالك ، وأحمد والثوري . ( والمذهب الثاني ) مذهب القائلين بأن عليه لكل واحد حدا ، وهم الشافعي والليث . ( والمذهب الثالث ) مذهب الذين فرقوا بين أن يجمعهم في كلمة واحدة ، مثل أن يقول لهم : يا زناة . أو يقول : لكل واحد : يا زاني ، ففي الصورة الاولى يحد حدا واحدا ، وفي الثانية حد لكل واحد منهم . قال ابن رشد : فعمدة من لم يوجب على قاذف الجماعة إلا حدا واحدا حديث أنس وغيره : أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سمحاء ، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فلاعن بينهما ولم يحد شريكا ، وذلك إجماع من أهل العلم فيمن قذف زوجته برجل . وعمدة من رأى أن الحد لكل واحد منهم أنه حق للآدميين ، وأنه لو عفا بعضهم ولم يعف الكل لم يسقط الحد . وأما من فرق بين من قذفهم في كلمة واحدة أو كلمات ، أو في مجلس واحد أو في مجالس ، فلانه رأى أنه وجب أن يتعدد الحد بتعدد القذف ، لانه إذا اجتمع تعدد المقذوف وتعدد القذف ، كان أوجب أن يتعدد الحد . هل الحد حق من حقوق الله أو من حقوق الآدميين ؟ : ذهب أبو حنيفة إلى أن الحد حق من حقوق الله ، ويترتب على كونه حقا من حقوق الله ، أنه إذا بلغ الحاكم ، وجب عليه إقامته ، وإن لم يطلب ذلك المقذوف ، ولا يسقط بعفوه ، ونفعت القاذف التوبة فيما بينه وبين الله تعالى ، ويتنصف فيه الحد بالرق مثل الزنا . وذهب الشافعي إلى أنه حق من حقوق الآدميين ، ويترتب عليه أن الامام لا يقيمه إلا بمطالبة المقذوف ، ويسقط بعفوه ، ويورث عنه ويسقط بعفو وارثه ، ولا تنفع القاذف التوبة حتى يحلله المقذوف . سقوط الحد : ويسقط حد القذف بمجئ القاذف بأربعة شهداء ، لان الشهداء ينفون عنه صفة القذف الموجبة للحد ، ويثبتون صدور الزنا بشهادتهم . فيقام حد الزنا على المقذوف ، لانه زان . وكذلك إذا أقر المقذوف بالزنا واعترف بما رماه به القاذف . وإذا قذفت المرأة زوجها فإنه يقام عليها الحد ، إذا توفرت شروطه بخلاف ما إذا قذفها هو ولم يقم عليها البينة ، فإنه لا يقام عليه الحد ، وإنما يتلاعنان ، وقد تقدم ذلك في باب اللعان

الردة تعريفها : الردة : هي الرجوع في الطريق الذي جاء منه ، وهي مثل الارتداد ، إلا أنها تختص بالكفر . والمقصود بها هنا : رجوع المسلم ، العاقل ، البالغ ، عن الاسلام إلى الكفر باختياره دون إكراه من أحد - سواء في ذلك الذكور والإناث - فلا عبرة بارتداد المجنون ولا الصبي ( 1 ) لانهما غير مكلفين . يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " رفع القلم عن ثلاث : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبي حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يعقل " . رواه أحمد وأصحاب السنن وحسنه الترمذي . وقال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين . والاكراه على التلفظ بكلمة الكفر لا يخرج المسلم عن دينه ما دام القلب مطمئنا بالايمان . وقد أكره عمار بن ياسر على التلفظ بكلمة الكفر فنطق بها ، وأنزل الله سبحانه في ذلك : " من كفر بالله من بعد إيمانه ، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ، ولكن من شرح بالكفر صدرا ، فعليهم غضب من الله ، ولهم عذاب عظيم " . ( 2 ) قال ابن عباس : أخذه المشركون ، وأخذوا أباه وأمه سمية ، وصهيبا وبلالا ، وخبابا ، وسالما ، فعذبوهم ، وربطت سمية بين بعيرين ، وجئ قبلها بحربة ، وقيل لها :

( هامش ) ( 1 ) وإن كان إسلام الصبي يصح وعبادته تقبل منه ( 2 ) سورة النحل . الآية : 106
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:11 am

إنك أسلمت من أجل الرجال ، فقتلت وقتل زوجها ، وهما أول قتيلين في الاسلام . وأما عمار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها - فشكا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال له : " كيف تجد قلبك ؟ " قال مطمئن بالايمان . فقال الرسول : " إن عادوا فعد " . هل انتقال الكافر من دين إلى دين كفري آخرى يعتبر ردة ؟ : قلنا : إن المسلم إذا خرج عن الاسلام كان مرتدا ، وجرى عليه حكم الله في المرتدين ، ولكن هل الردة قاصرة على المسلمين الخارجين عن الاسلام ، أو أنها تتناول غير المسلمين إذا تركوا دينهم إلى غيره من الاديان الكافرة ؟ . الظاهر أن الكافر إذا انتقل من دينه إلى دين آخر من أديان الكفر فإنه يقر على دينه الذي انتقل إليه ولا يتعرض له لانه انتقل من دين باطل إلى دين يماثله في البطلان ، والكفر كله ملة واحدة ، بخلاف ما إذا انتقل من الاسلام إلى غيره من الاديان ، فإنه انتقال من الهدى ودين الحق إلى الضلال والكفر . والله يقول ( 1 ) : " ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه " . ( 2 ) وفي بعض طرق الحديث : " من خالف دينه دين الاسلام فاضربوا عنقه " . أخرجه الطبراني عن ابن عباس مرفوعا . وللشافعي قولان : ( أحدهما ) لا يقبل منه بعد انتقاله إلا الاسلام أو القتل . وهذا يوافق إحدى الروايتين عن أحمد . والرواية الاخرى تقول . إنه إن انتقل إلى مثل دينه أو إلى أعلى منه أقر ، وإن انتقل إلى أنقص من دينه لم يقر . فإذا انتقل اليهودي إلى النصرانية أقر ، لان اليهودية مثل النصرانية

( هامش ) ( 1 ) هذا مذهب مالك وأبي حنيفة . ( 2 ) سورة آل عمران . الآية : 85

من حيث كونهما دينين سماويين في الاصل ، دخلهما التحريف ونسخهما الاسلام . وكذلك يقر المجوسي إذا انتقل إلى اليهودية أو النصرانية لانه انتقال إلى ما هو أعلى . وإذا جاز الانتقال إلى الدين المماثل ، فالانتقال إلى ما هو أعلى أحق وأولى . وإذا انتقل اليهودي أو النصراني إلى المجوسية لم يقر ، لانه انتقال إلى ما هو أنقص . لا يكفر مسلم بالوزر : الاسلام عقيدة وشريعة . والعقيدة تنتظم الايمان : 1 - بالالهيات . 2 - والنبوات . 3 - والبعث ، والجزاء .

والشريعة تنتظم : 1 - العبادات من : صلاة ، وصيام ، وزكاة ، وحج 2 - والآداب والاخلاق من : صدق ، ووفاء ، وأمانة . 3 - والمعاملات المدنية من : بيع ، وشراء . . . الخ . 4 - والروابط الاسرية من : زواج وطلاق . 5 - والعقوبات الجنائية : قصاص ، وحدود . 6 - والعلاقات الدولية من : معاهدات ، واتفاقات . وهكذا نجد أن الاسلام ، منهج عام ، ينتظم شئون الحياة جميعا . وهذا هو المفهوم العام للاسلام كما قرره الكتاب والسنة و كما فهمه المسلمون على العهد الاول ، وطبقوه في كل مجال من المجالات العامة والخاصة ، وكان كل فرد يدين بالولاء لهذا الدين يعتبر عضوا في الجماعة المسلمة ، ويصبح فردا من أفراد الامة الاسلامية تجري عليه أحكام الاسلام وتطبق عليه تعاليمه . إلا أن من الناس الذكي والغبي ، والضعيف والقوي ، والقادر والعاجز ، والعامل والعاطل ، والمجد والمقصر . فهم يختلفون اختلافا بينا في قواهم البدنية ومواهبهم النفسية والعقلية والروحية وتبعا لهذا الاختلاف فمنهم من يقترب من الاسلام ، ومنهم من يبتعد عنه حسب حال كل فرد وظروفه وبيئته . يقول الله سبحانه : " ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ، فمنهم ظالم لنفسه ، ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله " ( 1 ) ، إلا أن هذا الابتعاد عنه لا يخرج المقصر عن دائرته ما دام يدين بالولاء لهذا الدين ، فإذا صدر من المسلم لفظ يدل على الكفر لم يقصد إلى معناه ، أو فعل ظاهره مكفر لم يرد به فاعله تغيير إسلامه ، لم يحكم عليه بالكفر . ومهما تورط المسلم في المآثم واقترف من جرائم ، فهو مسلم لا يجوز اتهامه بالردة . روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من شهد أن لا إله إلا الله ، واستقبل قبلتنا ، وصلى صلاتنا ، وأكل ذبيحتنا ، فهو المسلم ، له ما للمسلم ، وعليه ما على المسلم " . وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين من أن يقذف بعضهم بعضا بالكفر ، لعظم خطر هذه الجناية ، فقال فيما رواه مسلم عن ابن عمر : " إذا كفر الرجل أخاه ، فقد باء بها أحدهما " .

متى يكون المسلم مرتدا : إن المسلم لا يعتبر خارجا عن الاسلام ، ولا يحكم عليه بالردة إلا إذا انشرح صدره بالكفر ، واطمأن قلبه به ، ودخل فيه بالفعل ، لقول الله تعالى : " ولكن من شرح بالكفر صدرا " . ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " إنما الاعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى " ، ولما كان ما في القلب غيبا من الغيوب التي لا يعلمها إلا الله ، كان لابد من صدور ما يدل على كفره دلالة قطعية لا تحتمل التأويل ، حتى نسب إلى الامام مالك أنه قال :

( هامش ) ( 1 ) سورة فاطر الآية : 32

" من صدر عنه ما يحتمل الكفر من تسعة وتسعين وجها ، ويحتمل الايمان من وجه ، حمل أمره على الايمان " .

ومن الامثلة الدالة على الكفر : 1 - إنكار ما علم من الدين بالضرورة . مثل إنكار وحدة الله وخلقه للعالم وإنكار وجود الملائكة ، وإنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأن القرآن وحي من الله ، وإنكار البعث والجزاء ، وإنكار فرضية الصلاة والزكاة ، والصيام والحج . 2 - استباحة محرم أجمع المسلمون على تحريمه ، كاستباحة الخمر ، والزنا ، والربا ، وأكل الخنزير ، واستحلال دماء المعصومين وأموالهم ( 1 ) . 3 - تحريم ما أجمع المسلمون على حله " كتحريم الطيبات " . 4 - سب النبي أو الاستهزاء فيه ، وكذا سب أي نبي من أنبياء الله . 5 - سب الدين ، والطعن في الكتاب والسنة ، وترك الحكم بهما ، وتفضيل القوانين الوضعية عليهما . 6 - ادعاء فردمن الافراد أن الوحي ينزل عليه . 7 - إلقاء المصحف في القاذورات ، وكذا كتب الحديث ، استهانة بها واستخفافا بما جاء فيها . 8 - الاستخفاف باسم من أسماء الله ، أو أمر من أوامره ، أو نهي من نواهيه ، أو وعد من وعوده ، إلا أن يكون حديث عهد بالاسلام ، ولا يعرف أحكامه ، ولا يعلم حدوده ، فإنه إن أنكر منها جهلا به لم يكفر . وفيه مسائل أجمع المسلمون عليها ، ولكن لا يعلمها إلا الخاصة ، فإن منكرها لا يكفر ، بل يكون معذورا بجهله بها ، لعدم استفاضة علمها في العامة ، كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها ، وأن القاتل عمدا لا يرث ، وأن للجدة السدس ، ونحو ذلك . ولا يدخل في هذا الوساوس التي تساور النفس فإنها مما لا يؤاخذ الله بها . فقد روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

( هامش ) ( 1 ) إلا إذا كان ذلك بتأويل - مثل تأويل الخوارج - فإنهم استحلوا دماء الصحابة وأموالهم - ومثل تأويل قدامة بن مظعون شرب الخمر ، ومع ذلك - فجمهور الفقهاء على أنهم غير كافرين

" إن الله عزوجل تجاوز لامتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو يتكلم به " وروى مسلم عن أبي هريرة قال : " جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه فقالوا : انا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به ، قال : وقد وجدتموه ؟ قالوا : نعم . قال : ذلك صريح الايمان ( 1 ) " . وروى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال : ( هذا خلق الله الخلق ، فمن خلق الله ؟ ) فمن وجد من ذلك شيئا ، فليقل : آمنت بالله " .

عقوبة المرتد : الارتداد جريمة من الجرائم التي تحبط ما كان من عمل صالح قبل الردة ، وتستوجب العذاب الشديد في الآخرة . يقول الله سبحانه : " ومن يرتدد منكم عن دينه ، فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " ( 2 ) . ومعنى الآية : أن من يرجع عن الاسلام إلى الكفر ويستمر عليه حتى يموت كافرا ، فقد بطل كل ما عمله من خير ، وحرم ثمرته في الدنيا ، فلا يكون له ما للمسلمين من حقوق ، وحرم من نعيم الآخرة ، وهو خالد في العذاب الاليم ، وقد قرر الاسلام عقوبة معجلة في الدنيا للمرتد ، فضلا عما توعده به من عذاب ينتظره في الآخرة ، وهذه العقوبة هي القتل ( 3 ) . روى البخاري ومسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من بدل دينه فاقتلوه " . وروي عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث :

( هامش ) ( 1 ) أي استعظام الكلام به خوفا من النطق به ، فضلا عن اعتقاده دليل على كمال الايمان . ( 2 ) سورة البقرة . الآية : 217 ( 3 ) لو قتله مسلم من المسلمين لا يعتبر مرتكبا جريمة القتل ، ولكن يعزر لافتياته على الحاكم كفر بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان ، وقتل نفس بغير نفس " . وعن جابر رضي الله عنه : " أن امرأة يقال لها أم مروان ارتدت فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يعرض عليها الاسلام : فإن تابت ، وإلا قتلت . فأبت أن تسلم ، فقتلت " . أخرجه الدارقطني والبيهقي ( 1 ) . وثبت أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قاتل المرتدين من العرب حتى رجعوا إلى الاسلام . ولم يختلف أحد من العلماء في وجوب قتل المرتد . وإنما اختلفوا في المرأة إذا ارتدت . فقال أبو حنيفة : إن المرأة إذا ارتدت لا تقتل ، ولكن تحبس ، وتخرج كل يوم فتستتاب ، ويعرض عليها الاسلام ، وهكذا حتى تعود إلى الاسلام ، أو تموت ، لان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء . وخالف ذلك جمهور الفقهاء فقالوا : إن عقوبة المرأة المرتدة كعقوبة الرجل المرتد ، سواء بسواء ، لان آثار الردة وأضرارها من المرأة كآثارها وأضرارها من الرجل ، ولحديث معاذ الذي حسنه الحافظ : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له لما أرسله إلى اليمن : " أيما رجل ارتد عن الاسلام فادعه ، فإن عاد ، وإلا فاضرب عنقه ، وأيما امرأة ارتدت عن الاسلام فادعها ، فإن عادت ، وإلا فاضرب عنقها " . وهذا نص في محل النزاع . وأخرج البيهقي ، والدارقطني ، أن أبا بكر استتاب امرأة يقال لها " أم قرفة " كفرت بعد إسلامها ، فلم تتب ، فقتلها . وأما حديث النهي عن قتل النساء فذلك إنما هو في حال الحرب ، لاجل ضعفهن وعدم مشاركتهن في القتال . ولهذا كان سبب النهي عن قتلهن أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة مقتولة ، فقال : " ما كانت هذه لتقاتل " . ثم نهى عن قتلهن . والمرأة تشارك الرجل في الحدود كلها دون استثناء . فكما يقام عليها حد الرجم إذا كانت محصنة ، فكذلك يقام عليها حد الردة ، ولافرق .

حكمة قتل المرتد : الاسلام منهج كامل للحياة فهو : دين ودولة ، وعبادة ، وقيادة ، ومصحف وسيف ، وروح ومادة ، ودنيا وآخرة ، وهو مبني على العقل والمنطق ، وقائم على الدليل والبرهان ، وليس في عقيدته ولا شريعته ما يصادم فطرة الانسان أو يقف حائلا دون الوصول إلى كماله المادي والادبي - ومن دخل فيه عرف حقيقته ، وذاق حلاوته ، فإذا خرج منه وارتد عنه بعد دخوله فيه وإدراكه له ، كان في الواقع خارجا على الحق والمنطق ، ومتنكرا للدليل والبرهان ، وحائدا عن العقل السليم ، والفطرة المستقيمة . والانسان حين يصل إلى هذا المستوى يكون قد ارتد إلى أقصى دركات الانحطاط ، ووصل إلى الغاية من الانحدار والهبوط ، ومثل هذا الانسان لا ينبغي المحافظة على حياته ، ولا الحرص على بقائه - لان حياته ليست لها غاية كريمة ولا مقصد نبيل . هذا من جانب ، ومن جانب آخر ، فإن الاسلام كمنهج عام للحياة ، ونظام شامل للسلوك الانساني ، لاغنى له من سياج يحميه ، ودرع يقيه ، فإن أي نظام لا قيام له إلا بالحماية والوقاية والحفاظ عليه من كل ما يهز أركانه ، ويزعزع بنيانه ، ولاشئ أقوى في حماية النظام ووقايته من منع الخارجين عليه ، لان الخروج عليه يهدد كيانه ويعرضه للسقوط والتداعي . إن الخروج على الاسلام والارتداد عنه إنما هو ثورة عليه والثورة عليه ليس لها من جزاء إلا الجزاء الذي اتفقت عليه القوانين الوضعية ، فيمن خرج على نظام الدولة وأوضاعها المقررة . إن أي انسان سواء كان في الدول الشيوعية ، أم الدول الرأسمالية - إذ اخرج على نظام الدولة فإنه يتهم بالخيانة العظمى لبلاده ، والخيانة العظمى جزاؤها الاعدام . فالاسلام في تقرير عقوبة الاعدام للمرتدين منطقي مع نفسه ومتلاق مع غيره من النظم . استتابة المرتد : كثيرا ما تكون الردة نتيجة الشكوك والشبهات التي تساور النفس وتزاحم الايمان ، ولابد أن تتهيأ فرصة للتخلص من هذه الشبهات والشكوك ، وأن تقدم الادلة والبراهين التي تعبد الايمان إلى القلب ، واليقين إلى النفس ، وتريح ما علق بالوجدان من ريب وشكوك . ومن ثم كان من الواجب أن يستتاب المرتد ولو تكررت ردته ، ويمهل فترة زمنية يراجع فيها نفسه ، وتفند فيها وساوسه وتناقش فيها أفكاره ، فإن عدل عن موقفه بعد كشف شبهاته ، ورجع إلى الاسلام وأقر بالشهادتين واعترف بما كان ينكره ، وبرئ من كل دين يخالف دين الاسلام ، قبلت توبته ، وإلا أقيم عليه الحد . وقد قدر بعض العلماء هذه الفترة بثلاثة أيام ، وترك بعضهم تقدير ذلك وإنما يكرر له التوجيه ويعاد معه النقاش حتى يغلب على الظن أنه لن يعود إلى الاسلام ، وحينئذ يقام عليه الحد ( 1 ) والذين رأوا تقدير ذلك بالايام الثلاثة اعتمدوا على ما روي : " أن رجلا قدم إلى عمر رضي الله عنه من الشام ، فقال " هل من مغربة ( 2 ) خبر " . قال : نعم . رجل كفر بعد إسلامه . فقال عمر : فما فعلتم به ؟ قال : قربناه فضربنا عنقه قال : هلا حبستموه في بيت ثلاثا ، وأطعمتموه كل يوم رغيفا ، واستتبتموه لعله يتوب و يراجع أمر الله : اللهم إني لم أحضر ، ولم آمر ، ولم أرض إذ بلغني : اللهم إني أبرأ إليك من دمه " . رواه الشافعي . والذين ذهبوا إلى القول الثاني استندوا إلى ما رواه أبو داود : أن معاذا قدم اليمن على أبي موسى الاشعري . وقد وجد عنده رجلا موثقا . فقال : ماهذا ؟ قال : رجل كان يهوديا فأسلم ، ثم رجع إلى دينه " دين اليهود " فتهود . فقال : لا أجلس حتى يقتل . ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم . وتكرر ذلك ثلاث مرات فأمر به فقتل ، وكان أبو موسى قد استتابه

( هامش ) ( 1 ) هذا رأي الجمهور . وقيل يجب قتله في الحال وهو مذهب الحسن وطاووس ، وأهل الظاهر ، لحديث معاذ ، ولانه مثل الحربي الذي بلغته ، الدعوة . وعن ابن عباس : إن كان أصله مسلما لم يستتب والا استتيب . ( 2 ) أي : عندكم خبر من بلاد بعيدة .

قبل قدوم معاذ عشرين ليلة ، أو قريبا منها . ومن طريق عبد الرازق : أنهم أرادوه على الاسلام شهرين . قال الشوكاني : واختلف القائلون بالاستتابة . هل يكتفي بالمرة ؟ أو لابد من ثلاث ، وهل الثلاث في مجلس واحد أو في ثلاثة أيام ، ونقل ابن بطال عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه يستتاب شهرا ، وعن النخعي يستتاب أبدا أحكام المرتد : إذا ارتد المسلم ورجع عن الاسلام تغيرت الحالة التي كان عليها . وتغيرت تبعا لذلك المعاملة التي كان يعامل بها كمسلم ، وثبتت بالنسبة له أحكام نجملها فيما يأتي : ( 1 ) العلاقة الزوجية : إذا ارتد الزوج أو الزوجة انقطعت علاقة كل منهما بالآخر لان ردة أي واحد منهما موجبة للفرقة بينهما ، وهذه الفرقة تعتبر فسخا ، فإذا تاب المرتد منهما وعاد إلى الاسلام ، كان لابد من عقد ومهر جديدين ، إذا أرادا استئناف الحياة الزوجية ( 1 ) . ولايجوز له أن يعقد عقد زواج على زوجة أخرى من أهل الدين الذي انتقل إليه ، لانه مستحق القتل

. ( 2 ) ميراثه : والمرتد لا يرث أحدا من أقاربه إذا مات ، لان المرتد لادين له ، وإذا كان لادين له فلا يرث قريبه المسلم ، فإن قتل هو أو مات ولم يرجع إلى الاسلام ، انتقل ما له هو إلى ورثته من المسلمين لانه في حكم الميت من وقت الردة . وقد أتي علي بن أبي طالب بشيخ كان نصرانيا فأسلم ، ثم ارتد عن الاسلام . فقال له علي :

( هامش ) ( 1 ) يرى الفقهاء الاحناف أن ردة الزوج تعتبر طلاقا بائنا ينقص من عدد الطلقات .

" لعلك إنما ارتددت لان تصيب ميراثا . ثم ترجع إلى الاسلام ؟ قال : لا . قال : فلعلك خطبت امرأة فأبوا أن يزوجوكها ، فأردت أن تتزوجها ثم تعود إلى الاسلام ؟ قال : لا . قال : فارجع إلى الاسلام . قال : لا . حتى ألقى المسيح . فأمر به فضربت عنقه فدفع ميراثه إلى ولده من المسلمين " . قال ابن حزم : وعن ابن مسعود بمثله . وقالت طائفة بهذا ، منهم : الليث بن سعد ، وإسحاق بن راهويه . وهذا مذهب أبي يوسف ، ومحمد ، وإحدى الروايات عن أحمد .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:12 am

( 3 ) فقد أهليته للولاية على غيره : وليس للمرتد ولاية على غيره ، فلا يجوز له أن يتولى عقد تزويج بناته ولا أبنائه الصغار ، وتعتبر عقوده بالنسبة لهم باطلة ، لسلب ولايته لهم بالردة . مال المرتد : الردة لا تقضي على أهلية المرتد للتملك ، ولا تسلبه حقه في ماله ، ولا تزيل يده عنه ، ويكون مثله في ماله مثل الكافر الاصلي ، وله أن يتصرف في ماله كما يشاء . وتصير تصرفاته نافذة لاستكمال أهليته ، وكونه مستحق القتل لا يسلبه حقه في التملك والتصرف ، لان الشارع لم يجعل للمرتد عقوبة سوى عقوبة القتل حدا ، ويكون في ذلك كمن حكم عليه بالقصاص أو بالرجم . فإن قتله قصاصا أو رجما لا يسلبه حقه في الملكية ، ولا يزيل يده عن ماله .

لحوقه بدار الحرب : وكذلك يبقى ماله مملوكا له إذ الحق بدار الحرب ، ويوضع تحت يد أمين ، لان لحوقه بدار الحرب لا يسلبه حقه في الملكية .

ردة الزنديق : قال أبو حاتم السجستاني وغيره : " الزنديق " فارسي معرب أصله : " زنده كرو " أي يقول بدوام الدهر ، ثم قال : قال ثعلب : ليس في كلام العرب زنديق ، وإنما يقال : زندقي لمن يكون شديد التحيل ، وإذا أرادوا ما تريد العامة قالوا : ملحد ودهري . أي يقول بدوام الدهر . وقال الجوهري : الزنديق من الثنوية . وقال الحافظ ابن حجر : التحقيق ما ذكره من صنف في الملل والنحل : ان أصل الزندقة أتباع ديصان ، ثم ماني ، ثم مزدك ( 1 ) . وقال النووي : الزنديق الذي لا ينتحل دينا . وقال في المسوى ملخصا : إن المخالف للدين الحق ان لم يعترف به ولم يذعن له ظاهرا ولاباطنا ، فهو الكافر . وإن اعترف بلسانه ، وقلبه على الكفر فهو المنافق . وإن اعترف به ظاهرا وباطنا لكنه يفسر بعض ما ثبت من الدين ضرورة بخلاف ما فسره الصحابة والتابعون ، وأجمعت عليه الامة فهو الزنديق ، كما إذا اعترف بأن القرآن حق ، وما فيه من ذكر الجنة والنار حق ، لكن المراد بالجنة الابتهاج الذي يحصل بسبب الملكات المحمودة ، والمراد بالنار ، هي الذامة التي تحصل بسبب الملكات المذمومة ، وليس في الخارج جنة ولا نار ، فهو الزنديق . وقوله صلى الله عليه وسلم :

( هامش ) ( 1 ) وملخص مذهبهم أن النور والظلمة قديمان ، وأنهما امتزجا فعدت العالم كله منهما ، فمن كان من أهل الشر فهو من الظلمة ومن كان من أهل الخير فهو من النور ، وأنه يجب أن يسعى في تخليص النور من الظلمة فيلزم إزهاق كل نفس . وكان بهرام جد كسرى تحيل على ماني حتى حضر عنده وأظهر له أنه قبل مقالته ثم قتله وقتل أصحابه وبقيت منهم بقايا اتبعوا مزدك المذكور ، وقام الاسلام والزنديق يطلق على من يعتقد ذلك و أظهر جماعة منهم الاسلام خشية القتل . فهذا أصل الزندقة . وأطلق جماعة من الشافعية الزندقة على من يظهر الاسلام ويخفي الكفر مطلقا .

" أولئك الذين نهاني الله عنهم ، هو في المنافقين دون الزنادقة " . ثم قال : وإن الشرع كما نصب القتل جزاء للارتداد ليكون مزجرة للمرتدين ، وذبا عن الملة التي ارتضاها ، فكذلك نصب القتل جزاء للزندقة ، ليكون مزجرة للزنا دقة ، وذبا عن تأويل فاسد في الدين لا يصح القول به . قال : ثم التأويل تأويلان : تأويل لا يخالف قاطعا من الكتاب والسنة واتفاق الامة . وتأويل يصادم ما ثبت بقاطع ، فذلك الزندقة . فكل من أنكر الشفاعة ، أو أنكر رؤية الله تعالى يوم القيامة ، أو أنكر عذاب القبر ، وسؤال المنكر والنكير ، أو أنكر الصراط والحساب ، سواء قال : لا أثق بهؤلاء الرواة . أو قال : أثق بهم ، لكن الحديث مؤول ، ثم ذكر تأويلا فاسدا لم يسمع من قبله ، فهو الزنديق . وكذلك من قال في الشيخين " أبي بكر وعمر " مثلا : ليسا من أهل الجنة ، مع تواتر الحديث في بشارتهما ، أو قال : " إن النبي صلى الله عليه وسلم خاتم النبوة ، ولكن معنى هذا الكلام أنه لا يجوز أن يسمى بعده أحد بالنبي . وأما معنى النبوة وهو كون إنسان مبعوثا من الله تعالى إلى الخلق مفترض الطاعة ، معصوما من الذنوب ، ومن البقاء على الخطأ فيما يرى ، فهو موجود في الائمة بعده ( 1 ) ، فذلك هو الزنديق ، وقد اتفق جمهور المتأخرين من الحنفية والشافعية على قتل من يجري هذا المجرى ، والله أعلم . اه‍ . هل يقتل الساحر : يتفق العلماء على أن للسحر أثرا ، وعلى كفر من يعتقد حله ، ويختلفون في أن له حقيقة ، أو أنه تخيل ، كما يختلفون في السحر : هل هو كفر أو ليس بكفر ؟ وتبع ذلك اختلافهم في الساحر . فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد : يقتل الساحر بتعلم السحر ، وبفعله ، لكفره ، دون استتابة .

( هامش ) ( 1 ) كما يعتقد بعض القديانية في غلام أحمد مدعي النبوة الكذاب .

وقال الشافعية والظاهرية : إن كان الفعل أو الكلام الذي يسحر به كفرا ، فالساحر مرتد ، ويجري عليه حكم الردة ، إلا أن يتوب . وإن كان ليس كفرا فلا يقتل ، لانه ليس كافرا ، وإنما هو عاص فقط . والظاهر أن السحر معصية من كبائر الاثم ، وأن الساحر لا يقتل بسحره ، إلا إذا اعتقد حله ، فيكون مرتدا ، لا بسحره ، ولكن باستحلال ما حرم الله . روى أبو هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اجتنبوا السبع الموبقات " ، فقيل : يارسول الله وما هن ؟ قال : " الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق ، وأكل ما اليتيم ، وأكل الربا ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات " . قال ابن حزم ، بعد أن ناقش أدلة القائلين بكفره ، ووجوب قتله : " وصح أن السحر ليس كفرا ، وإذا لم يكن كفرا ، فلا يحل قتل فاعله ، لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث : كفر بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان ، ونفس بنفس " . فالساحر ليس كافرا كما بينا ولا قاتلا ، ولا زانيا محصنا ، ولا جاء في قتله نص صحيح ، فيضاف إلى هذه الثلاث ، كما جاء في المحارب . ثم قال : فصح تحريم دمه بيقين لا شك فيه ، ورأى الشيعة أن الساحر مرتد وحكمه حكم المرتد . الكاهن والعراف ( 1 ) : يرى الامام أبو حنيفة أن الكاهن والعراف يستحقان القتل ؟ لقول عمر : " اقتلوا كل ساحر وكاهن " . وفي رواية عنه : " انهما إن تابا لم يقتلا " . ويرى متقدم والاحناف أن الكاهن أو العراف إن اعتقد أن الشياطين يفعلون له ما يشاء كفر . وإن اعتقد أنه تخيل لا حقيقة له ، لم يكفر .

( هامش ) ( 1 ) الكاهن : هو الذي يتخذ من الجن من يأتيه بالاخبار . والعراف : هو الذي يتحدث بالحدس والظن ، مدعيا أنه يعلم الغيب .

الحرابة تعريفها : الحرابة - وتسمى أيضا قطع الطريق - هي خروج طائفة مسلحة في دار الاسلام ، لاحداث الفوضى ، وسفك الدماء ، وسلب الاموال ، وهتك الاعراض ، وإهلاك الحرث والنسل ( 1 ) ، متحدية بذلك الدين والاخلاق والنظام والقانون . ولا فرق بين أن تكون هذه الطائفة من المسلمين ، أو الذميين ، أو المعاهدين أو الحربيين ، مادام ذلك في دار الاسلام ، وما دام عدوانها على كل محقون الدم ، قبل الحرابة من المسلمين والذميين . وكما تتحقق الحرابة بخروج جماعة من الجماعات ، فإنها تتحقق كذلك بخروج فرد من الافراد . فلو كان لفرد من الافراد فضل جبروت وبطش ، ومزيد قوة وقدرة يغلب بها الجماعة على النفس والمال ، والعرض ، فهو محارب وقاطع طريق . ويدخل في مفهوم الحرابة العصابات المختلفة ، كعصابة القتل ، وعصابة خطف الاطفال ، وعصابة اللصوص للسطو على البيوت ، والبنوك ، وعصابة خطف البنات والعذارى للفجور بهن ، وعصابة اغتيال الحكام ابتغاء الفتنة واضطراب الامن ، وعصابة إتلاف الزروع وقتل المواشي والدواب . وكلمة الحرابة مأخوذة من الحرب ، لان هذه الطائفة الخارجة على النظام تعتبر محاربة للجماعة من جانب ومحاربة للتعاليم الاسلامية التي جاءت لتحقق أمن الجماعة وسلامتها بالحفاظ على حقوقها ، من جانب آخر . فخروج هذه الجماعة على هذا النحو يعتبر محاربة ، ومن ذلك أخذت كلمة

( هامش ) ( 1 ) أي : قطع الشجر ، وإتلاف الزرع ، وقتل الدواب والانعام .

الحرابة ، وكما يسمى هذا الخروج على الجماعة وعلى دينها حرابة ، فإنه يسمى أيضا قطع طريق ، لان الناس ينقطعون بخروج هذه الجماعة عن الطريق ، فلا يمرون فيه ، خشية أن تسفك دماؤهم ، أو تسلب أموالهم ، أو تهتك أعراضهم أو يتعرضون لما لا قدرة لهم على مواجهته ، ويسميها بعض الفقهاء ب‍ " السرقة الكبرى ( 1 ) " .

الحرابة جريمة كبرى : والحرابة - أو قطع الطريق - تعتبر من كبريات الجرائم ، ومن ثم أطلق القرآن الكريم على المتورطين في ارتكابها أقصى عبارة فجعلهم محاربين لله ورسوله ، وساعين في الارض بالفساد وغلظ عقوبتهم تغليظا لم يجعله لجريمة أخرى . يقول الله سبحانه : " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض ، ذلك لهم خزي في الدنيا ، ولهم في الاخرة عذاب عظيم . " ( 2 ) ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلن أن من يرتكب هذه الجناية ليس له شرف الانتساب إلى الاسلام ، فيقول : " من حمل علينا السلاح فليس منا " ( 3 ) . رواه البخاري ، ومسلم من حديث ابن عمر . وإذا لم يكن له هذا الشرف وهو حي ، فليس له هذا الشرف بعد الوفاة ، فإن الناس يموتون على ما عاشوا عليه ، كما يبعثون على ما ماتوا عليه .

( هامش ) ( 1 ) سميت بهذه التسمية ، لان ضررها عام على المسلمين بانقطاع الطريق ، بخلاف السرقة العادية ، فإنها تسمى بالسرقة الصغرى ، لان ضررها يخص المسروق منه وحده . ( 2 ) سورة المائدة الاية : 33 .

( 3 ) من حمل علينا السلاح : أي حمله لقتال المسلمين بغير حق . كنى بحمله عن المقاتلة إذ القتل لازم لحمل السلاح . ليس منا : ليس على طريقتنا وهدينا ، فإن طريقته نصر المسلم والقتال دونه ، لا ترويعه وإخافته وقتاله .

وروى أبو هريرة رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من خرج على الطاعة ، وفارق الجماعة ومات ، فميتته جاهلية ( 1 ) " . أخرجه مسلم .

شروط الحرابة : ولا بد من توافر شروط معينة في المحاربين حتى يستحقوا العقوبة المقررة لهذه الجريمة : وجملة هذه الشروط هي : 1 - التكليف . 2 - وجود السلاح . 3 - البعد عن العمران . 4 - المجاهرة . ولم يتفق الفقهاء على هذه الشروط ، وإنما لهم فيها مناقشات نجملها فيما يلي :

( 1 ) شرط التكليف : يشترط في المحاربين : العقل ، والبلوغ ، لانهما شرطا التكليف الذي هو شرط في إقامة الحدود . فالصبي والمجنون لا يعتبر الواحد منهما محاربا ، مهما اشترك في أعمال المحاربة ، لعدم تكليف واحد منهما شرعا ، ولم يختلف في ذلك الفقهاء ، ولكن اختلفوا فيما إذا اشترك في الحرابة صبيان أو مجانين . فهل يسقط الحد عمن اشتركوا فيها بسقوطه عن هؤلاء الصبيان أو المجانين ؟ قالت الاحناف : نعم يسقط الحد ، لانه إذا سقط عن البعض ، فإن هذا

( هامش ) ( 1 ) خرج على الطاعة : أي طاعة الحاكم الذي وقع الاجتماع عليه في قطر من الاقطار . فارق الجماعة : التي اتفقت على طاعة إمام ، وانتظم به شملهم ، واجتمعت به كلمتهم ، وحاطهم من عدوهم . ميتة جاهلية : منسوبة إلى الجهل ، وهو تشبيه لميتة من فارق الجماعة لمن مات على الكفر بجامع أن الكل لم يكن تحت حكم إمام .

السقوط يسري إلى الكل باعتبار أنهم جميعا متضامنون في المسؤولية ، وإذا سقط حد الحرابة نظر في الاعمال التي ارتكبت على أنها جرائم عادية يعاقب عليها بالعقوبات المقررة لها . فإن كانت الجريمة قتلا رجع الامر إلى ولي الدم ، فله أن يعفو ، وله أن يقتص . وهكذا في بقية الجرائم . ومقتضى المذهب المالكي ، والمذهب الظاهري وغيرهما إنه إذا سقط حد الحرابة عن الصبيان والمجانين ، فإنه لا يسقط عن غيرهم ممن اشتركوا في الاثم والعدوان ، لان هذا الحد هو حق لله تعالى ، وهذا الحق لا ينظر فيه إلى الافراد . ولا تشترط الذكورة ولا الحرية ، لانه ليس للانوثة ولا للرق تأثير على جريمة الحرابة ، فقد يكون للمرأة ( 1 ) والعبد من القوة مثل ما لغيرهما ، من التدبير وحمل السلاح والمشاركة في التمرد والعصيان ، فيجري عليهما ما يجري على غيرهما من أحكام الحرابة ( 2 ) شرط حمل السلاح : ويشترط في المحاربين أن يكون معهم سلاح ، لان قوتهم التي يعتمدون عليها في الحرابة : إنما هي قوة السلاح ، فإن لم يكن معهم سلاح فليسوا بمحاربين ، لانهم لا يمنعون من يقصدهم ، وإذا تسلحوا بالعصي والحجارة ، فهل يعتبرون محاربين ؟ اختلف الفقهاء في ذلك . فقال الشافعي ، ومالك ، والحنابلة ، وأبو يوسف ، وأبو ثور ، وابن حزم : وإنهم يعتبرون محاربين لانه لا عبرة بنوع السلاح ، ولا بكثرته ، وإنما العبرة بقطع الطريق . وقال أبو حنيفة : ليسوا بمحاربين .

( 1 ) يرى أبو حنيفة اشتراط الذكورة في الحرابة ، وذلك لقرة قلوب النساء ، وضعف بنيتهن ، ولسن من أهل الحرب وهذه رواية ظاهر الرواية . وروى الطحاوي عنه : أن هذا ليس بشرط وأن النساء والرجال سواء في الحرابة ( 3 ) شرط الصحراء والبعد عن العمران : واشترط بعض الفقهاء أن يكون ذلك في الصحراء ، فإن فعلوا ذلك في البنيان لم يكونوا محاربين ، ولان الواجب يسمى حد قطاع الطريق ، وقطع الطريق إنما هو في الصحراء ، ولان في المصر يلحق الغوث غالبا فتذهب شوكة المعتدين ، ويكونون مختلسين ، والمختلس ليس بقاطع ، ولا حد عليه . وهو قول أبي حنيفة ، والثوري ، وإسحاق ، وأكثر فقهاء الشيعة . وقول الخرقي من الحنابلة ، وجزم به في الوجيز . وذهب فريق آخر إلى أن حكمهم في المصر والصحراء واحد ، لان الاية بعمومها تتناول كل محارب . ولانه في المصر أعظم ضررا ، فكان أولى . ويدخل في هذا العصابات التي تتفق على العمل الجنائي من السلب ، والنهب ، والقتل . وهذا مذهب الشافعي ، والحنابلة ، وأبي ثور . وبه قال الاوزاعي والليث والمالكية ، والظاهرية . والظاهر أن هذا الاختلاف يتبع اختلاف الامصار . فمن راعى شرط الصحراء نظر إلى الحال الغالبة ، أو أخذه من حال زمنه الذي لم يقع فيه مثل ذلك في مصره ، وعلى العكس من ذلك من لم يشترط هذا الشرط . ولذا يقول الشافعي : إن السلطان إذا ضعف ووجدت المغالبة في المصر كانت محاربة . وأما غير ذلك فهو اختلاس عنده .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:13 am

( 4 ) شرط المجاهرة : ومن شروط الحرابة المجاهرة بأن يأخذوا المال جهرا ، فإن أخذوه مختفين فهم سراق ، وإن اختطفوه وهربوا ، فهم منتهبون ، لا قطع عليهم ، وكذلك

إن خرج الواحد والاثنان على آخر قافلة ، فسلبوا منها شيئا ، لانه لا يرجعون إلى منعة وقوة ، وإن خرجوا على عدد يسير فقهروهم ، فهم قطاع طريق . وهذا مذهب الاحناف والشافعية والحنابلة . وخالف في ذلك المالكية والظاهرية . قال ابن العربي المالكي : والذي نختاره أن الحرابة عامة في المصر والقفر ، وإن كان بعضها أفحش من بعض ، ولكن اسم الحرابة يتناولها ، ومعنى الحرابة موجود فيها ، ولو خرج بعضا في المصر يقتل بالسيف ويؤخذ فيه بأشد من ذلك لا بأيسره . فإنه سلب غيلة ، وفعل الغيلة أقبح من فعل المجاهرة ، ولذلك دخل العفو في قتل المجاهرة فكان قصاصا ، ولم يدخل في قتل الغيلة ، فكان حرابة ، فتحرر أن قطع السبيل موجب للقتل . وقال : لقد كنت أيام تولية القضاء قد رفع إلي أمر قوم خرجوا محاربين في رفقة ، فأخذوا منهم امرأة - مغالبة على نفسها من زوجها ، ومن جملة المسلمين معه - فاختلوا بها ، ثم جد فيهم الطلب ، فأخذوا وجئ بهم ، فسألت من كان ابتلاني الله به من المفتين ، فقالوا : ليسوا محاربين ، لان الحرابة إنما تكون في الاموال لا في الفروج . فقلت لهم : " إنا لله وإنا إليه راجعون " ألم تعلموا أن الحرابة في الفروج أفحش منها في الاموال ، وإن الناس ليرضون أن تذهب أموالهم وتحرب بين أيديهم ، ولا يرضون أن يحرب المرء في زوجته وبنته ؟ ولو كان فوق ما قال الله عقوبة لكانت لمن يسلب الفروج ، وحسبكم من بلاء صحبة الجهال ، وخصوصا في الفتيا والقضاء . وقال القرطبي : والمغتال كالمحارب ، وهو أن يحتال في قتل إنسان على أخذ ماله ، وإن لم يشهر السلاح ، ولكن دخل عليه بيته أو صحبه في سفر ، فأطعمه سما فقتله ، فيقتل حدا لا قودا ، وقريب من هذا القول رأي ابن حزم حيث يقول : إن المحارب هو المكابر ، المخيف لاهل الطريق ، المفسد في سبل الارض ، سواء بسلاح أم بلا سلاح أصلا . سواء ليلا أم نهارا ، في مصر أم فلاة ، أم في قصر الخليفة ، أم في الجامع سواء ، وسواء فعل ذلك بجند أم بغير جند ، منقطعين في الصحراء أم أهل قرية ، سكانا في دورهم أم أهل حصن كذلك ، أم أهل مدينة عظيمة أم غير عظيمة ، كذلك واحد أم أكثر ، كل من حارب المارة وأخاف السبيل بقتل نفس أو أخذ مال ، أو لجراحة ، أو لانتهاك عرض ، فهو محارب عليه وعليهم ، كثروا أو قلوا " . ومن ثم يتبين أن مذهب ابن حزم وأسع المذاهب بالنسبة للحرابة ، ومثله في ذلك المالكية ، لان كل من أخاف السبيل على أي نحو من الانحاء ، وبأي صورة من الصور ، يعتبر محاربا مستحقا لعقوبة الحرابة . عقوبة الحرابة : أنزل الله سبحانه في جريمة الحرابة قوله : " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض ، ذلك لهم خزي في الدنيا ، ولهم في الاخرة عذاب عظيم - إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ، فاعلموا أن الله غفور رحيم " . ( 1 ) فهذه الاية نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع السبيل ويسعى في الارض بالفساد ، لقوله سبحانه : " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم " . وقد أجمع العلماء على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدي المسلمين ، فأسلموا فإن الاسلام يعصم دماءهم وأموالهم وإن كانوا قد ارتكبوا من المعاصي قبل الاسلام ما يستوجب العقوبة : " قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف " . ( 2 ) فدل ذلك على أن الاية نزلت في أهل الاسلام ، ومعنى يحاربون الله ورسوله ، أي يحاربون المسلمين بما يحدثونه من اضطراب ، وفوضى وخوف وقلق ، ويحاربون الاسلام بخروجهم عن تعاليمه وعصيانهم لها . فإضافة الحرب إلى الله ورسوله إيذان بأن حرب المسلمين كأنها حرب الله تعالى ولرسوله ، كقوله تعالى : يخادعون الله والذين آمنوا " . ( 3 ) فالمحاربة هنا مجازية . قال القرطبي : يحاربون الله ورسوله ، إستعارة ، ومجاز ، إذ الله سبحانه وتعالى لا يحارب ولا يغالب لما هو عليه من صفات الكمال ، ولما وجب له من التنزيه عن الاضداد والانداد . والمعنى يحاربون أولياء الله . فعبر بنفسه العزيزة عن أوليائه إكبارا لاذيتهم كما عبر بنفسه عن الفقراء والضعفاء في قوله تعالى : " من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا " ( 1 ) . حثا على الاستعطاف عليهم ، ومثله في صحيح السنة : " استطعمتك فلم تطعمني " اه‍ . سبب نزول هذه الاية : قال الجمهور في سبب نزول هذه الاية : " إن العرنيين ( 2 ) قدموا المدينة فأسلموا ، واستوخموها ( 3 ) ، وسقمت أجسامهم ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى إبل الصدقة ، فخرجوا ، وأمر لهم بلقاح ( 4 ) ليشربوا من ألبانها فانطلقوا ، فلما صحوا قتلوا الراعي وارتدوا عن الاسلام وساقوا الابل . فبعث النبي صلى الله عليه وسلم في آثارهم ، فما ارتفع النهار حتى جئ بهم فأمر بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وتسمل ( 5 ) أعينهم ، وتركهم في الحرة ( 6 ) يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا " . قال أبو قلابة : فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله ، فأنزل الله عزوجل : " إنما الذين يحاربون الله ورسوله " الاية .

العقوبات التي قررتها الاية الكريمة : والعقوبة التي قررتها هذه الاية للذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في

( هامش ) ( 1 ) سورة البقرة الاية : 245 . ( 2 ) جماعة من إحدى القبائل العربية المعروفة . ( 3 ) أصابهم المرض والوخم . لعدم موافقة هوائها لهم . ( 4 ) لقاح جمع لقحة وهي الناقة الحلوب . ( 5 ) تسمل : تفقا . وفعل بهم ذلك لانهم كانوا فعلوا ذلك بالراعي فكان قصاصا . وجزاء سيئة سيئة مثلها . ( 6 ) الحرة : أرض خارج المدينة ذات حجارة سوداء .

الارض فسادا هي إحدى عقوبات أربع : 1 - القتل . 2 - أو الصلب . 3 - أو تقطيع الايدي والارجل من خلاف . 4 - أو النفي من الارض . وهذه العقوبات جاءت في الاية معطوفة بحرف " أو " ، فقال بعض العلماء : " إن العطف بها يفيد التخيير ، ومعنى هذا ان للحاكم أن يتخير عقوبة من هذه العقوبات ، حسب ما يراه من المصلحة ، بصرف النظر عن الجريمة التي ارتكبها المحاربون " . وقال أكثر العلماء : إن " أو " لنا للتنويع لا للتخيير ومقتضاه أن تتنوع العقوبة حسب الجريمة ، وأن هذه العقوبات على ترتيب الجرائم لا على التخيير . حجة القائلين بأن " أو " للتخيير : قال الفريق الاول : إن هذا ما تقتضيه اللغة ، ويتمشى مع نظم الاية ، ولم يثبت من السنة ما يصرف ما دلت عليه من هذا المعنى . فكل من حارب الله ورسوله وسعى في الارض بالفساد ، فإن عقوبته إما القتل ، أو الصلب ، أو القطع ، أو النفي من الارض حسب ما يكون من المصلحة التي يراها الحاكم في تنفيذ إحدى هذه العقوبات ، سواء قتلوا أم لم يقتلوا ، وسواء أخذوا المال أم لم يأخذوا ، وسواء ارتكبوا جريمة واحدة أم أكثر . وليس في الاية ما يدل على أن للحاكم أن يجمع أكثر من عقوبة واحدة أو يترك المحاربين دون عقاب . قال القرطبي : " قال أبو ثور : الامام مخير على ظاهر الاية ، وكذلك قال مالك ، وهو مروي عن ابن عباس ، وهو قول سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز ، ومجاهد ، والضحاك ، والنخعي ، كلهم قال : الامام مخير في الحكم على المحاربين ، يحكم عليهم بأي الاحكام التي أوجبها الله تعالى من : القتل ، أو الصلب ، أو القطع ، أو النفي بظاهر الاية " . قال ابن عباس : ما كان في القرآن " أو " فصاحبه بالخيار . وهذا قول أشعر بظاهر الاية . قال ابن كثير : إن ظاهر - أو - للتخيير ، كما في نظائر ذلك من القرآن كقوله تعالى في جزاء الصيد : " فجزاء مثل ما قتل من النعم ، يحكم به ذوا عدل منكم ، هديا بالغ الكعبة ، أو كفارة طعام مساكين ، أو عدل ذلك صياما " . ( 1 ) وكقوله في كفارة الفدية : " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " . ( 2 ) وكقوله في كفارة اليمين : " فإطعام عشرة مساكين ، من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة " . ( 3 ) هذه كلها على التخيير ، فكذلك فلتكن هذه الاية . حجة القائلين بأن " أو " للتنويع : أما الفريق الثاني فقد استدل بما روي عن ابن عباس ، وهو من أعلم الناس باللغة وأفقههم في القرآن الكريم ، فقد روى الشافعي في مسنده عنه رضي الله عنه قال : " إذا قتلوا وأخذوا الاموال صلبوا . وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا . وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف . وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الارض . "

قال ابن كثير ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره - إن سنده - قال : حدثنا علي بن سهل ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن يزيد بن حبيب : أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الاية ، فكتب إليه يخبره أنها نزلت في أولئك النفر العرنيين ، وهم من بجيلة ( 1 ) ، قال أنس : فارتدوا عن الاسلام ، وقتلوا الراعي ، واستاقوا الابل ، وأخافوا السبيل ، وأصابوا الفرج الحرام . قال أنس : فسأل الرسول صلى الله عليه وسلم جبرائيل عليه السلام عن القضاء فيمن حارب فقال : " من سرق مالا وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته ورجله بإخافته ، ومن قتل اقتله ، ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه " . وقالوا : إن الذي يرجح أن الاية لتفصيل العقوبات ، لا للتخيير هو أن الله جعل لهذا الافساد درجات من العقاب لان إفسادهم متفاوت ، منه القتل ، ومنه السلب والنهب ، ومنه هتك العرض ، ومنه إهلاك الحرث والنسل . ومن قطاع الطرق من يجمع بين جريمتين أو أكثر من هذه ، فليس الحاكم مخيرا في عقاب من شاء منهم بما شاء ، بل عليه أن يعاقب كلا منهم بقدر جرمه ودرجة إفساده ، وهذا هو العدل : " وجزاء سيئة سيئة مثلها " . ( 2 ) وهذا مذهب الشافعي ، وأحمد في أصح الروايات عنه ، وقول أبي حنيفة على تفصيل في ذلك - وقد ناقش الكاساني في البدائع ( 3 ) رأي القائلين بأن " أو " للتخيير نقاشا علميا ، فقال : " إن التخيير الوارد في الاحكام المختلفة من حيث الصورة بحرف التخيير ، إنما يجري ظاهره إذا كان سبب الوجوب واحد ، كما في كفارة اليمين ، وكفارة جزاء الصيد . أما إذا كان مختلفا فيخرج مخرج بيان الحكم لكل في نفسه ، كما في قوله تعالى " قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا " . ( 1 ) إن ذلك ليس للتخيير بين المذكورين ، بل لبيان الحكم لكل في نفسه ، لاختلاف سبب الوجوب . وتأويله : إما أن تعذب من ظلم ، أو تتخذ الحسن فيمن آمن وعمل صالحا . ألا ترى إلى قوله تعالى : " قال أما من ظلم فسوف نعذبه ، ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا - وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى " . ( 2 ) وقطع الطريق متنوع في نفسه وإن كان متحدا من حيث الاصل ، فقد يكون بأخذ المال وحده ، وقد يكون بالقتل لا غير ، وقد يكون بالجمع بين الامرين ، وقد يكون بالتخويف لا غير ، فكان سبب الوجوب مختلفا فلا يحمل على التخيير ، بل على بيان الحكم لكل نوع ، أو يحتمل هذا ويحتمل ما ذكر فلا يكون حجة مع الاحتمال . وإذا لم يمكن صرف الاية الشريفة إلى ظاهر التخيير في مطلق المحارب . فإما أن يحمل على الترتيب ويضمر في كل حكم مذكور نوع من أنواع قطع الطريق ، كأنه سبحانه وتعالى قال : " إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا " إن قتلوا ، أو يصلبوا ، إن أخذوا المال وقتلوا ، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ، إن أخذوا المال لا غير ، أو ينفوا من الارض ، إن أخافوا ، هكذا ذكر جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما قطع أبو بردة الاسلمي بأصحابه الطريق على أناس جاؤوا يريدون الاسلام . فقد قال عليه السلام : " إن من قتل قتل ، ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف ، ومن قتل وأخذ المال صلب ، ومن جاء مسلما هدم الاسلام ما كان قبله من الشرك " .

بسط رأي القائلين بتنوع العقوبة إذا اختلفت الجريمة : قلنا إن جمهور الفقهاء يرى أن العقوبة تتنوع حسب نوع الجريمة ، وإن ذلك ينقسم إلى أقسام : 1 - أن تكون الحرابة مقصورة على إخافة المارة وقطع الطريق ، ولم يرتكب المحاربون شيئا وراء ذلك ، فهؤلاء ينفون من الارض ، والنفي من الارض معناه إخراج المحاربين من البلد الذي أفسدوا فيه إلى غيره من بلاد الاسلام . إلا إذا كانوا كفارا فيجوز إخراجهم إلى بلاد الكفر . وحكمة ذلك أن يذوق هؤلاء وبال أمرهم بالابتعاد والنفي ، وأن تطهر المنطقة التي عاثوا فيها فسادا من شرورهم ومفاسدهم ، وأن ينسى الناس ما كان منهم من أثر سئ وذكرى أليمة . وروي عن مالك أن النفي معناه الاخراج إلى بلد آخر ، ليسجنوا فيه حتى تظهر توبتهم ، واختاره ابن جرير . ويرى الاحناف أن النفي هو الجسن ويبقون في السجن حتى يظهر صلاحم لان السجن خروج من سعة الدنيا إلى ضيقتها ، فصار من سجن كأنه نفي من الارض إلا من موضع سجنه ، واحتجوا بقول بعض أهل السجون في ذلك : خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها فلسنا من الاموات فيها ولا الاحيا إذا جاءنا السجان يوما لحاجة عجبنا وقلنا : جاء هذا من الدنيا ! 2 - أن تكون الحرابة بأخذ المال من غير قتل ، وعقوبة ذلك قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى ، لان هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة ، وما يقطع منهما يحسم في الحال ، بكي العضو المقطوع بالنار أو بالزيت المغلي أو بأية طريقة أخرى ، حتى لا يستنزف دمه فيموت . وإنما كان القطع من خلاف حتى لا تفوت جنس المنفعة فتبقى له يد يسرى ورجل يمنى ينتفع بهما ، فإن عاد هذا المقطوع إلى قطع الطريق مرة أخرى قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى ، وقد اشترط جمهور الفقهاء أن يكون مبلغ المال المسروق نصابا ، وأن يكون من حرز ، لان السرقة جريمة لها عقوبة مقررة ، فإذا وقعت الجريمة تعبها جزاؤها ، سواء أكان مرتكبها فردا أم جماعة . فإن لم يبلغ المال نصابا ولم يكن من حرز فلا قطع ، فإن كانوا جماعة ، فهل يشترط أن تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا أو لا ؟ أجاب عن ذلك ابن قدامة فقال :

" وإذا أخذوا ما يبلغ نصابا ولا تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا قطعوا ، قياسا على قولنا في السرقة . وقياس قول الشافعي وأصحاب الرأي أنه لا يجب القطع حتى تبلغ حصة كل واحد منهم نصابا . ويشترط ألا تكون لهم شبهة . ولم يوافق مالك ولا الظاهرية على هذا الرأي ، فلم يشترطوا في المال المسروق بلوغ النصاب ولا كونه محرزا ، لان الحرابة نفسها جريمة تستوجب العقوبة بقطع النظر عن النصاب والحرز . فجريمة الحرابة غير جريمة السرقة ، وعقوبة كل منهما مختلفة ، لان الله تعالى قدر للسرقة نصابا ، ولم يقدر في الحرابة شيئا ، بل ذكر جزاء المحارب فاقتضى ذلك توفية الجزاء لهم على المحاربة . وإذا كان في الجناة من هو ذو رحم محرم ممن سرقت أموالهم فإنه لاقطع عليه ، ويقطع الباقون الذين شاركوه من الجناة عند الحنابلة وأحد قولي الشافعي . وقال الاحناف : لا يقطع واحد منهم لوجود الشبهة بالنسبة للقريب ، والجناة متضامنون فإذا سقط الحد عن القريب سقط عن الجميع . ورجح ابن قدامة رأي الشافعية والحنابلة فقال : " إنها شبهة اختص بها واحد ، فلا يسقط الحد عن الباقين " ومعنى هذا أن شبهة الاسقاط لا تتجاوز ذا الرحم ، فلا يقاوم عليه الحد وحده ، لان الشبهة لا تتجاوزه . اه‍ . 3 - أن تكون الحرابة بالقتل دون أخذ للمال ، وهذا يستوجب القتل متى قدر الحاكم عليهم ، ويقتل جميع المحاربين وإن كان القاتل واحدا ، كما يقتل الردء - وهو الطليعة - لانهم شركاء في المحاربة والافساد في الارض . ولاعبرة بعفو ولي الدم أو رضاه بالدية ، لان عفو ولي الدم أو رضاه بالدية في القصاص لافي الحرابة . 4 - أن تكون الحرابة بالقتل وأخذ المال . وفي هذا القتل والصلب . أي أن عقوبتهم أن يصلبوا أحياء ليموتوا ، فيربط الشخص على خشبة أو عمود أو نحوهما منتصب القامة . ممدود اليدين ، ثم يطعن حتى يموت . ومن الفقهاء من قال : إنه يقتل أولا ثم يصلب للعبرة والعظة . ومنهم من قال : إنه لا يبقى على الخشبة أكثر من ثلاثة أيام . وكل ما تقدم فإنه اجتهاد من الائمة . وهوفي نطاق تفسير الآية الكريمة ، وكل إمام له وجهة نظر صحيحة ، فمن رأى تخيير الحاكم في اختيار إحدى العقوبات المقررة فوجهته ما دل عليه العطف بحرف - أو - وأن الامر متروك للحاكم يختار منها ما تدرأ به المفسدة وتتحقق به المصلحة . وأن من رأى أن لكل جريمة عقوبة محددة في الآية ، فوجهه تحقيق العدالة مع رعاية ما تندرئ به المفاسد وتقوم به‌المصالح ، فالكل مجمع على تحقيق غاية الشريعة من درء المفاسد وتحقيق المصالح . وهذا الاجتهاد يسهل على أولياء الامور فهم النصوص وييسر طريق الاجتهاد ، ويعين طالب العلم على الوصول إلى الحقيقة . ولا شك أن أعمالا كثيرة تحدث من المحاربين المفسدين غير هذه الاعمال التي أشار إليها الفقهاء . ويمكن استنباط أحكام لها مناسبة في ضوء ما استنبطه الفقهاء من الآية الكريمة من أحكام جزئية . رد اعتراض ودفع إشكال : قال في المنار : روى عبد بن حميد ، وابن جرير عن مجاهد أن الفساد هنا : الزنا ، والسرقة ، وقتل النساء ، وإهلاك الحرث والنسل ، وكل هذه الاعمال من الفساد في الارض . واستشكل بعض الفقهاء قول مجاهد : ب‍ " أن هذه الذنوب والمفاسد لها عقوبات في الشرع غير ما في الآية ، فللزنا والسرقة والقتل ، حدود ، وإهلاك الحرث والنسل يقدر بقدره ويضمنه الفاعل ويعزره الحاكم بما يؤديه إليه اجتهاده " . وفات هؤلاء المعترضين أن العقاب المنصوص في الآية خاص بالمحاربين من المفسدين الذين يكاثرون أولي الامر ، ولا يذعنون لحكم الشرع ، وتلك الحدود إنما هي للسارقين ، والزناة أفرادا ، الخاضعين لحكم الشرع فعلا . وقد ذكر حكمهم في الكتاب العزيز بصيغة اسم الفاعل المفرد كقوله ، سبحانه " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " ( 1 ) ، وقال : والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " ( 1 ) وهم يستخفون بأفعالهم ، ولا يجهرون بالفساد حتى ينتشر بسوء القدوة بهم ولا يؤلفون له العصائب ليمنعوا أنفسهم من الشرع بالقوة فلهذا لا يصدق عليهم أنهم محاربو الله ورسوله ومفسدون ، والحكم هنا منوط بالوصفين معا . وإذا أطلق الفقهاء لفظ المحاربين فإنما يعنون به المحاربين المفسدين ، لان الوصفين متلازمان " انتهى واجب الحاكم والامة حيال الحرابة : والحاكم والامة معا مسئولون عن حماية النظام وإقرار الامن وصيانة حقوق الافراد في المحافظة على دمائهم وأموالهم وأعراضهم ، فإذا شذت طائفة ، فأخلوا السبيل ، وقطعوا الطريق ، وعرضوا حياة الناس للفوضى والاضطراب . وجب على الحاكم قتال هؤلاء ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع العرنيين ، وكما فعل خلفاؤه من بعده ، ووجب على المسلمين كذلك أن يتعاونوا مع الحاكم على استئصال شأفتهم وقطع دابرهم ، حتى ينعم

الناس بالامن والطمأنينة ، ويحسوا بلذة السلام والاستقرار وينصرف كل إلى عمله مجاهدا في سبيل الخير لنفسه ، ولاسرته ، ولامته ، فإن انهزم هؤلاء في ميدان القتال ، وتفرقوا هنا وهناك ، وانكسرت شوكتهم ، لم يتبع مدبرهم ، ولم يجهز على جريحهم إلا إذا كانوا قد ارتكبوا جناية القتل ، وأخذوا المال ، فإنهم يطاردون حتى يظفروا بهم ويقام عليهم حد الحرابة .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:14 am

توبة المحاربين قبل القدرة عليهم : إذا تاب المحاربون المفسدون في الارض قبل القدرة عليهم ، وتمكن الحاكم من القبض عليهم ، فإن الله يغفر لهم ما سلف ، ويرفع عنهم العقوبة الخاصة بالحرابة لقول الله سبحانه : " ذلك لهم خزي في الدنيا ، ولهم في الآخرة عذاب عظيم ، إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم " . وإنما كان ذلك كذلك ، لان التوبة قبل القدرة عليهم والتمكن منهم دليل على يقظة الضمير والعزم على استئناف حياة نظيفة بعيدة عن الافساد والمحاربة لله ولرسوله ، ولهذا شملهم عفو الله و أسقط عنهم كل حق من حقوقه إن كانوا قد ارتكبوا ما يستوجب العقوبة ، أما حقوق العباد فإنها لا تسقط عنهم ، وتكون العقوبة حينئذ ليست من قبيل الحرابة ، وإنما تكون من باب القصاص . والامر في ذلك يرجع إلى المجني عليهم لا إلى الحاكم ، فإن كانوا قد قتلوا سقط عنهم تحتم القتل ، ولولي الدم العفو أو القصاص ، وإن كانوا قد قتلوا وأخذوا المال ، سقط الصلب وتحتم القتل وبقي القصاص وضمان المال . وإن كانوا قد أخذوا المال سقط القطع وأخذت الاموال منهم إن كانت بأيديهم ، وضمنوا قيمة ما استهلكوا ، لان ذلك غصب . فلا يجوز ملكه لهم ، ويصرف إلى أربابه أو يجعله الحاكم عنده حتى يعلم صاحبه لان توبتهم لا تصح إلا إذا أعادوا الاموال المسلوبة إلى أربابها . فإذا أرى أولو الامر إسقاط حق مالي عن المفسدين من أجل المصلحة العامة ، وجب أن يضمنوه من بيت المال . ولقد لخص ابن رشد في بداية المجتهد أقوال العلماء في هذه المسألة فقال : " وأما ما تسقطه عنه التوبة فاختلفوا في ذلك على أربعة أقوال : 1 - أحدها أن التوبة إنما تسقط حد الحرابة فقط ، ويؤخذ ، بما سوى ذلك من حقوق الله وحقوق الآدميين " وهو قول مالك . 2 - والقول الثاني أنها تسقط عنه حد الحرابة وجميع حقوق الله من الزنا ، والشراب ، والقطع في السرقة ، ولا تسقط حقوق الناس من الاموال ، والدماء إلا أن يعفو أولياء المقتول ( 1 ) . 3 - والقول الثالث : أن التوبة ترفع جميع حقوق الله ، ويؤخذ في الدماء وفي الاموال بما وجد بعينه . 4 - والقول الرابع : أن التوبة تسقط جميع حقوق الآدميين من مال ، ودم ، إلا ما كان من الاموال قائما بعينه .

شروط التوبة : للتوبة ظاهر وباطن ، ونظر الفقه إلى الظاهر دون الباطن الذي لا يعلمه ( هامش ) ( 1 ) هذا هو أعدل الاقوال الذي اخترناه ونبهنا عليه من قبل .

إلا الله ، فإذا تاب المحارب قبل القدرة عليه ، قبلت توبته وترتبت عليها آثارها ، واشترط بعض العلماء - في التائب - أن يستأمن الحاكم فيؤمنه ، وقيل : لا يشترط ذلك ، ويجب على الامام أن يقبل كل تائب . وقيل : يكتفي بإلقاء السلاح والبعد عن مواطن الجريمة وتأمين الناس بدون حاجة إلى الرجوع إلى الامام . ذكر ابن جرير . قال : حدثني علي ، حدثنا الوليد بن مسلم . قال : " قال الليث وكذلك حدثني موسي المدني - وهو الامير عندنا - أن عليا الاسدي حارب ، وأخاف السبيل وأصاب الدم والمال ، فطلبه الائمة والعامة ، فامتنع ولم يقدروا عليه حتى جاء تائبا . وذلك أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية : " قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ، إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم " . ( 1 ) فوقف عليه فقال يا عبد الله : أعد قراءتها . فأعادها عليه فغمد سيفه ، ثم جاء تائبا حتى قدم المدينة من السحر . فاغتسل ، ثم أتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الصبح ، ثم قعد إلى أبي هريرة في أغمار أصحابه فلما أسفروا عرفه الناس ، فقاموا إليه ، فقال : لا سبيل لكم علي ، جئت تائبا من قبل أن تقدروا علي . فقال أبو هريرة : صدق ، وأخذ بيده حتى أتى مروان بن الحكم - وهو أمير على المدينة في زمن معاوية - فقال : هذا علي جاء تائبا ولا سبيل لكم عليه ولا قتل ، فترك من ذلك كله . قال وخرج علي تائبا مجاهدا في سبيل الله في البحر ، فلقوا الروم فقرنوا سفينة إلى سفينة من سفنهم فاقتحم علي الروم في سفينتهم فهربوا منه إلى شقها الآخر فمالت به وبهم ، فغرقوا جميعا .

سقوط الحدود بالتوبة قبل رفع الجناة إلى الحاكم : تقدم أن حد الحرابة يسقط عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم لقول الله سبحانه " إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم " . ( 1 ) وليس هذا الحكم مقصورا على حد الحرابة ، بل هو حكم عام ينتظم جميع الحدود ، فمن ارتكب جريمة تستوجب الحد ثم تاب منها قبل أن يرفع إلى الامام سقط عنه الحد ، لانه إذا سقط الحد عن هؤلاء فأولى أن يسقط عن غيرهم ، وهم أخف جرما منهم ، وقد رجح ذلك ابن تيمية فقال : " ومن تاب من الزنا ، والسرقة ، وشرب الخمر قبل أن يرفع إلى الامام ، فالصحيح أن الحد يسقط عنه . كما يسقط عن المحاربين إجماعا إذا تابوا قبل القدرة عليهم " . وقال القرطبي " فأما الشراب ، والزناة ، والسراق ، إذا تابوا وأصلحوا . وعرف ذلك منهم ، ثم رفعوا إلى الامام ، فلا ينبغي أن يحدوا . وإن رفعوا إليه فقالوا : تبنا لم يتركوا وهم في هذه الحال كالمحاربين إذا غلبوا " . وفصل الخلاف في ذلك ابن قدامة فقال : وإن تاب من عليه حد من غير المحاربين وأصلح ففيه روايتان : ( إحداهما ) يسقط عنه لقول الله تعالى : " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ، فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما " ( 2 ) . وذكر حد السارق ثم قال : " فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله غفور رحيم " ( 3 ) . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " التائب من الذنب كمن لاذنب له " ومن لا ذنب له لاحد عليه ، وقال في ماعز لما أخبر بهربه " هلاتركتموه يتوب فيتوب الله عليه " ؟ ! ولانه خالص حق الله تعالى فيسقط بالتوبة كحد المحارب . ( ثانيتهما ) لا يسقط ، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي لقوله سبحانه : " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة " . وهذا عام في التائبين وغيرهم . وقال تعالى : " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " ولان النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية وقطع الذي أقر بالسرقة وقد جاءوا تائبين يطلبون التطهير بإقامة الحد وقد سمى الرسول صلى الله عليه وسلم فعلهم توبة ، فقال في حق المرأة : " لقد تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لو سعتهم " . وجاء عمرو بن سمرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني سرقت جملا لبني فلان فطهرني ، فأقام الرسول الحد عليه . ولان الحد كفارة فلم يسقط بالتوبة ككفارة اليمين و القتل ، ولانه مقدور عليه فلم يسقط عنه الحد بالتوبة كالمحارب بعد القدرة عليه فإن قلنا بسقوط الحد بالتوبة فهل يسقط بمجرد التوبة أو بها مع إصلاح العمل ؟ فيه وجهان : ( أحدهما ) يسقط بمجردها وهو ظاهر قول أصحابنا لانها توبة مسقطة للحد فأشبهت توبة المحارب قبل القدرة عليه . ( وثانيهما ) يعتبر إصلاح العمل لقوله سبحانه : " فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما " وقال : " فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله غفور رحيم " . فعلى هذا القول يعتبر مضي مدة يعلم بها صدق توبته وصلاح نيته . وليست مقدرة بمدة معلومة . وقال بعض أصحاب الشافعي : مدة ذلك سنة وهذا توقيت بغير توقيت فلا يجوز . دفاع الانسان عن نفسه وعن غيره : إذا اعتدى على الانسان معتد يريد قتله ، أو أخذ ماله أو هتك عرض حريمه ، فمن حقه أن يقاتل هذا المعتدي دفاعا عن نفسه وماله وعرضه و يدفع بالاسهل فالاسهل ، فيبدأ بالكلام أو الصياح أو الاستعانة بالناس إن أمكن دفع الظالم بذلك فإن لم يندفع إلا بالضرب فليضربه فإن لم يندفع إلا بقتله فليقتله ولا قصاص على القاتل ولا كفارة عليه ، ولادية للمقتول لانه ظالم معتد ، والظالم المعتدي حلال الدم لا يجب ضمانه . فإن قتل المعتدى عليه وهوفي حالة دفاعه عن نفسه وماله وعرضه فهو شهيد . 1 - يقول الله تعالى : " ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل " . ( 1 ) 2 - وعن أبي هريرة قال : " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي ؟ قال : فلا تعطه مالك . قال : أرأيت إن قاتلني ؟ قال : فقاتله . قال : أرأيت إن قتلني ؟ قال : فأنت شهيد . قال : فإن قتلته ؟ قال : هو في النار " . 3 - وروى البخاري : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قتل دون ماله فهو شهيد . ومن قتل دون عرضه فهو شهيد " . 4 - وروي : أن امرأة خرجت تحتطب ، فتبعها رجل يراودها عن نفسها ، فرمته بفهر ( 2 ) فقتلته ، فرفع ذلك لعمر رضي الله عنه فقال : " قتيل الله ، والله لا يؤدى هذا أبدا " . وكما يجب أن يدافع الانسان عن نفسه وماله وعرضه يجب عليه كذلك الدفاع عن غيره إذا تعرض للقتل أو أخذ المال ، أو هتك العرض ، ولكن بشرط أن يأمن على نفسه من الهلاك . لان الدفاع عن الغير من باب تغيير المنكر والمحافظة على الحقوق ، يقول لرسول صلى الله عليه وسلم : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الايمان " . وهذا من باب تغيير المنكر .

( هامش ) ( 1 ) سورة الشورى الآية : 41 ( 2 ) الفهر : الحجر .

حد السرقة إن الاسلام قد احترم المال ، من حيث انه عصب الحياة ، واحترم ملكية الافراد له ( 1 ) ، وجعل حقهم فيه حقا مقدسا ، لا يحل لاحد أن يعتدي عليه بأي وجه من الوجوه ، ولهذا حرم الاسلام : السرقة ، والغصب ، والاختلاس ، والخيانة ، والربا ، والغش ، والتلاعب بالكيل والوزن ، والرشوة ، واعتبر كل مال أخذ بغير سبب مشروع أكلا للمال بالباطل . وشدد في السرقة ، فقضى بقطع يد السارق التي من شأنها أن تباشر السرقة ، وفي ذلك حكمة بينة ، إذ أن اليد الخائنة بمثابة عضو مريض يجب بتره ليسلم الجسم ، والتضحية بالبعض من أجل الكل مما اتفقت عليه الشرائع والعقول . كما أن في قطع يد السارق عبرة لمن تحدثه نفسه بالسطو على أموال الناس ، فلا يجرؤ أن يمد يده إليها ، وبهذا الاموال وتصان . يقول الله تعالى : " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا ، نكالا من الله ، والله عزيز حكيم " .

( 2 ) حكمة التشديد في العقوبة : والحكمة في تشديد العقوبة في السرقة دون غيرها من جرائم الاعتداء على الاموال هي ما جاء في شرح مسلم للنووي : قال القاضي عياض رضي الله عنه : " صان الله الاموال بإيجاب القطع على السارق ، ولم يجعل ذلك في غير السرقة ، كالاختلاس ، والانتهاب ، والغصب ، لان ذلك قليل بالنسبة إلى السرقة ، ولانه يمكن استرجاع هذا النوع بالاستدعاء إلى ولاة الامور ، وتسهل إقامة البينة عليه ، بخلاف السرقة ، فإنها تندر إقامة البينة عليها ( 3 ) فعظم أمرها ، واشتدت عقوبتها ، ليكون أبلغ في الزجر عنها " .

( هامش ) ( 1 ) احترام الاسلام للملكية لان ذلك فطرة أولا ، وحافز على النشاط ثانيا ، وعدالة ثالثا . ( 2 ) سورة المائدة الآية : 38 ( 3 ) سيأتي بعد مزيد لابن القيم .

أنواع السرقة : والسرقة أنواع : 1 - نوع منها يوجب التعزير . 2 - ونوع منها يوجب الحد . والسرقة التي توجب التعزير ، هي السرقة التي لم تتوفر فيها شروط إقامة الحد . وقد قضى الرسول صلى الله عليه وسلم ، بمضاعفة الغرم على من سرق ما لاقطع فيه : قضى بذلك في سارق الثمار المعلقة ، وسارق الشاة من المرتع . ففي الصورة الاولى ، أسقط القطع عن سارق الثمر والكثر ( 1 ) ، وحكم أن من أصاب شيئا منه بفمه وهو محتاج إليه فلاشئ عليه ، ومن خرج منه بشئ فعليه غرامة مثليه ، والعقوبة ، ومن سرق منه شيئا في جرينه ( 2 ) فعليه القطع إذا بلغت قيمة المسروق النصاب الذي يقطع فيه . وفي الصورة الثانية ، قضى في الشاة التي تؤخذ من مرتعها بثمنها مضاعفا وضرب نكال ( 3 ) وقضى فيما يؤخذ من عطنه بالقطع ، إذا بلغ النصاب الذي يقطع فيه سارقه . رواه أحمد ، والنسائي ، والحاكم ، وصححه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:15 am

والسرقة التي عقوبتها الحد نوعان : ( الاول ) سرقة صغرى : وهي التي يجب فيها قطع اليد . ( الثاني ) سرقة كبرى : وهي أخذ المال على سبيل المغالبة . ويسمى الحرابة . وقد سبق الكلام عليها قبل هذا الباب . وكلامنا الآن منحصر في السرقة الصغرى .

تعريف السرقة : السرقة : هي أخذ الشئ في خفية . يقال : استرق السمع ، أي سمع مستخفيا . ويقال : هو يسارق النظر إليه ، إذا اهتبل غفلته لينظر إليه .

( هامش ) ( 1 ) الكثر : هو جمار النخل . ( 2 ) جرينه : ما يسمى عند العامة بالجرن . ( 3 ) نكال : أي ضربا يكون فيه عبرة لغيره .

وفي القرآن الكريم يقول الله سبحانه : " إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين " . ( 1 ) فسمى الاستماع في خفاء استراقا . وفي القاموس : السرقة ، والاستراق ، المجئ مستترا لاخذ مال الغير من حرز . وقال ابن عرفة : " السارق عند العرب ، هو من جاء مستترا إلى حرز فأخذ منه ما ليس له " . ويفهم مما ذكره صاحب القاموس وابن عرفه ، أن السرقة تنتظم أمورا ثلاثة : 1 - أخذ مال الغير . 2 - أن يكون هذا الاخذ على جهة الاختفاء والاستتار . 3 - أن يكون المال محرزا . فلو لم يكن المال مملوكا للغير ، أو كان الاخذ مجاهرة ، أو كان المال غير محرز ، فإن السرقة الموجبة لحد القطع لاتتحقق . المختلس والمنتهب والخائن غير السارق : ولهذا لا يعتبر الخائن ، ولا المنتهب ، ولا المختلس ، سارقا ، ولا يجب على واحد منهم القطع ، وإن وجب التعزير ، فعن جابر رضي الله عنه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ليس على خائن ( 2 ) ، ولا منتهب ( 3 ) ، ولا مختلس ( 4 ) قطع " . رواه أصحاب السنن ، والحاكم ، والبيهقي ، وصححه الترمذي ، وابن حبان . وعن محمد بن شهاب الزهري قال : " إن مروان بن الحكم أتي بإنسان قد اختلس متاعا فأراد قطع يده ، فأرسل إلى زيد بن ثابت يسأله عن ذلك

( هامش ) ( 1 ) سورة الحجر الآية : 18 ( 2 ) الخائن : هومن يأخذ المال ويظهر النصح للمالك . ( 3 ) المنتهب : هو الذي يأخذ المال غصبا مع المجاهرة والاعتماد على القوة . ( 4 ) والمختلس : هو من يخطف المال جهرا ويهرب . فقال زيد : ليس في الخلسة قطع " . رواه مالك في الموطأ . قال ابن القيم : وأما قطع يد السارق في ثلاثة دراهم وترك قطع المختلس والمنتهب ، والغاصب ، فمن تمام حكمة الشارع أيضا ، فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه ، فإنه ينقب الدور ، ويهتك الحرز ، ويكسر القفل ، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك ، فلو لم يشرع قطعه لسرق الناس بعضهم بعضا ، وعظم الضرر ، واشتدت المحنة بالسراق ، بخلاف المنتهب والمختلس فإن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس فيمكنهم أن يأخذوا على يديه ويخلصوا حق المظلوم أو يشهدوا له عند الحاكم ، وأما المختلس فإنه إنما يأخذ المال على حين غفلة من مالكه وغيره فلا يخلو من نوع تفريط يمكن به المختلس من اختلاسه ، وإلا فمع كمال التحفظ والتيقظ لا يمكنه الاختلاس فليس كالسارق ، بل هو بالخائن أشبه . وأيضا فالمختلس إنما يأخذ المال من غير حرز مثله غالبا ، فإنه الذي يغافلك ويختلس متاعك في حال تخليك وغفلتك عن حفظه ، وهذا يمكن الاحتراز منه غالبا ، فهو كالمنتهب ، وأما الغاصب فالامر منه ظاهر ، وهو أولى بعدم القطع من المنتهب ، ولكن يسوغ كف عدوان هؤلاء بالضرب والنكال والسجن الطويل والعقوبة بأخذ المال . جحد العارية : ومما هو متردد بين أن يكون سرقة أو لا يكون جحد العارية ، ومن ثم فقد اختلف الفقهاء في حكم ذلك ، فقال الجمهور : لا يقطع من جحدها ، لان القرآن والسنة أوجبا القطع على السارق ، والجاحد للعارية ليس بسارق . وذهب أحمد وإسحاق ، وزفر ، والخوارج ، وأهل الظاهر ، إلى أنه يقطع ، لما رواه أحمد ، ومسلم ، والنسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت : كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده ، فأمر النبي صلى الله‌عليه وسلم بقطع يدها . فأتى أهلها أسامة بن زيد رضي الله عنه فكلموه . فكلم النبي صلى الله عليه وسلم فيها ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " يا أسامة ، لاأراك تشفع في حد من حدود الله عزوجل " . ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا ، فقال : " إنما هلك من كان قبلكم بأنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه ، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه ، والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها " . فقطع يد المخزومية . وقد ناصر ابن القيم هذا الرأي ، واعتبر الجاحد للعارية سارقا بمقتضى الشرع . قال في " زاد المعاد " : فإدخاله صلى الله عليه وسلم جاحد العارية في اسم السارق كإدخاله سائر أنواع المنكرات في الخمر ، وذلك تعريف للامة بمراد الله من كلامه . وفي الروضة الندية : ان الجاحد للعارية إذا لم يكن سارقا لغة فهو سارق شرعا ، والشرع مقدم على اللغة . قال ابن القيم في أعلام الموقعين : والحكمة والمصلحة ظاهرة جدا ، فإن العارية من مصالح بني آدم التي لا بد لهم منها ولاغنى لهم عنها ، وهي واجبة عند حاجة المستعير وضرورته إليها إما بأجرة أو مجانا ، ولا يمكن الغير كل وقت أن يشهد على العارية ، ولا يمكن الاحتراز بمنع العارية شرعا وعادة وعرفا ، ولافرق في المعنى بين من توصل إلى أخذ متاع غيره بالسرقة وبين من توصل إليه بالعارية وجحدها ، وهذا بخلاف جاحد الوديعة ، فإن صاحب المتاع فرط حيث ائتمنه .

النباش : ومما يجري هذا المجرى من الخلاف : الخلاف في حكم النباش الذي يسرق أكفان الموتى ، فذهب الجمهور إلى أن عقوبته قطع يده ، لانه سارق حقيقة ، والقبر حرز . وذهب أبو حنيفة ، ومحمد ، والاوزاعي ، والثوري ، إلى أن عقوبته التعزير ، لانه نباش ، وليس سارقا ، فلا يأخذ حكم السارق ، ولانه أخذ مالا غير مملوك لاحد ، لان الميت لا يملك ، ولانه أخذ من غير حرز .

الصفات التي يجب اعتبارها في السرقة تبين من التعريف السابق أنه لابد من اعتبار صفات معينة في السارق . والشئ المسروق ، والموضع المسروق منه ، حتى تتحقق السرقة التي يجب فيها الحد . وفيما يلي بيان كل : الصفات التي يجب اعتبارها في السارق : أما الصفات التي يجب اعتبارها في السارق حتى يسمى سارقا ، ويستوجب حد السرقة ، فنذكرها فيما يلي : 1 - التكليف : بأن يكون السارق بالغا عاقلا ، فلاحد على مجنون ولا صغير ، إذا سرق ، لانهما غير مكلفين ، ولكن يؤدب الصغير إذا سرق . ولا يشترط فيه الاسلام ، فإذا سرق الذمي أو المرتد ، فإنه يقطع ( 1 ) كما أن المسلم يقطع إذا سرق من الذمي . 2 - الاختيار : بأن يكون السارق مختارا في سرقته ، فلو أكره على السرقة فلا يعد سارقا ، لان الاكراه يسلبه الاختيار ، وسلب الاختيار يسقط التكليف . 3 - ألا يكون للسارق في الشئ المسروق شبهة ، فإن كانت له فيه شبهة فإنه لا يقطع ، ولهذا لا يقطع الاب ولا الام بسرقة مال ابنهما لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : " أنت ومالك لابيك " . وكذلك لا يقطع الابن بسرقة مالهما ، أو مال أحدهما ، لان الابن يتبسط في مال أبيه وأمه عادة ، والجد لا يقطع لانه أب سواء أكان من قبل الاب أو الام ، ولا يقطع أحد من عمود النسب الاعلى والاسفل - أعني الآباء والاجداد - والابناء وأبناء الابناء . وأما ذوو الارحام ، فقد قال أبو حنيفة والثوري ، لاقطع على أحد من ذوي الرحم المحرم ، مثل العمة والخالة ، والاخت ، والعم ، والخال ، والاخ ،

( هامش ) ( 1 ) أما المعاهد والمستأمن : فإنهما لا يقطعان لو سرقا في أصح قولي الشافعية وعند أبي حنيفة وقال مالك وأحمد يقطعان .

لان القطع يفضي إلى قطيعة الرحم التي أمر الله بها أن توصل ، ولان لهم الحق في دخول المنزل ، وهو إذن من صاحبه يختل الحرز به ( 1 ) . وقال مالك والشافعي ، وأحمد وإسحق ، رضي الله عنهم ، يقطع من سرق من هؤلاء ، لانتفاء الشبهة في المال . ولا قطع على أحد الزوجين إذا سرق أحدهما الاخر ، لشبهة الاختلاط وشبهة المال ، فالاختلاط بينهما يمنع أن يكون الحذر كاملا ، ويوجب الشبهة في المال . وإذا لم يكن الحرز كاملا ، وكانت الشبهة في المال يسقط القطع ، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما في أحد قوليه وإحدى الروايتين عن أحمد رضي الله عنه . وقال مالك والثوري رضي الله عنهما ، ورواية عن أحمد رضي الله عنه وأحد قولي الشافعي رضي الله عنه : إذا كان كل واحد منهما ينفرد ببيت فيه متاعه ، فانه يقطع من سرق من مال صاحبه لوجود الحرز من جهة ولاستقلال كل واحد منهما من جهة أخرى . ولا يقطع الخادم الذي يخدم سيده بنفسه ( 2 ) ، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما . قال : جاء رجل إلى عمر رضي الله عنه بغلام له . فقال له : اقطع يده فإنه سرق مرآة لامرأتي . فقال عمر رضي الله عنه : " لا قطع عليه ، وهو خادمكم أخذ متاعكم " . وهذا مذهب عمر ، وابن مسعود . ولا مخالف لهما من الصحابة . ولا يقطع من سرق من بيت المال إذا كان مسلما ، لما روي ، أن عاملا لعمر رضي الله عنه كتب إليه يسأله عمن سرق من بيت المال فقال : " لا تقطعه فما من أحد إلا وله فيه حق " . وروى الشعبي : أن رجلا سرق من بيت المال ، فبلغ عليا فقال كرم الله وجهه : إن له فيه سهما ، ولم يقطعه . فقول عمر وقول علي فيهما بيان

( هامش ) ( 1 ) فيكون مثله مثل الضعيف الذي أذن له بالدخول فإنه لا يقطع إذا سرق . ( 2 ) اشترط هذا الشرط مالك ، وأما الشافعي فمرة اشترطه . ومرة لم يشترطه .

سبب عدم القطع على من سرق من بيت المال ، لان ذلك يورث شبهة تمنع إقامة الحد . قال ابن قدامة : كما لو سرق من مال له شركة فيه . ومن سرق من الغنيمة من له فيها حق ( 1 ) ، أو لولده أو لسيده ، وهذا مذهب جمهور العلماء ( 2 ) وروى ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن عبدا من رقيق الخمس ( 3 ) سرق من الخمس فرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يقطعه . وقال : " مال الله سرق بعضه بعضا " . ولا يقطع من سرق من المدين الماطل في السداد ، أو الجاحد للدين ، لان ذلك استرداد لدينه ، إلا إذا كان المدين مقرا بالدين وقادرا على السداد ، فإن الدائن يقطع إذا سرق من المدين لانه لا شبهة له في سرقته ، ولا قطع في سرقة العارية من يد المستعير لان يد المستعير يد أمانه ، وليست يد مالك . ومن غصب مالا وسرقه وأحرزه فسرقه منه سارق ، فقال الشافعي وأحمد : لا يقطع ، لانه حرز لم يرضه مالكه ، وقال مالك : يقطع ، لانه سرق مالا شبهة له فيه من حرز مثله . وإذا وقعت أزمة بالناس ، وسرق أحد الافراد طعاما فإن كان الطعام موجودا قطع ، لانه غير محتاج إلى سرقته ، وإن كان معدوما لم يقطع ، لان له الحق في أخذه لحاجته إليه ، وقد قال عمر رضي الله عنه : " لا قطع في عام المجاعة " ، وروى مالك في الموطأ " أن رقيقا لحاطب سرقوا ناقة لرجل من مزينة فانتحروها . فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب ، فأمر عمر كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم ، ثم قال عمر : أراك تجيعهم . ثم قال : والله لاغر منك غرما يشق عليك . ثم قال للمزني : كم ثمن ناقتك ؟ فقال المزني : كنت والله أمنعها من أربعمائة درهم . فقال عمر : أعطه ثمانمائة درهم .

( هامش ) ( 1 ) فإذا لم يكن له فيها حق فإنه يقطع باتفاق العلماء . ( 2 ) وذهب مالك إلى القطع عملا بظاهر الاية . وهو عام غير مخصص . ( 3 ) رقيق الخمس : أي الرقيق المأخوذ من الغنائم . سرق من الخمس أي خمس الغنائم .

ويروي ابن وهب أن عمر بن الخطاب ، بعد أن أمر كثير بن الصلت بقطع أيدي الذين سرقوا ، أرسل وراءه من يأتيه بهم ، فجاء بهم ، فقال لعبد الرحمن بن حاطب : " أما لولا أني أظنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى لو وجدوا ما حرم الله لاكلوه لقطعتهم ، ولكن والله إذ تركتهم لاغر منك غرامة توجعك " .

الصفات التي يجب اعتبارها في المال المسروق : وأما الصفات التي يجب اعتبارها في المال المسروق فهي : ( أولا ) أن يكون مما يتمول ويملك ويحل بيعه وأخذ العوض عنه ، فلا قطع على من سرق الخمر والخنزير حتى لو كان المالك لهما ذميا لان الله حرم ملكيتهما والانتفاع بهما بالنسبة للمسلم والذمي على السواء ( 1 ) . وكذلك لا قطع على سارق أدوات اللهو مثل : العود ، والكمنج ، والمزمار ، لانها آلات لا يجوز استعمالها عند كثير من أهل العلم ، فهي ليست مما يتمول ويتملك ويحل بيعه ، وأما الذين يبيحون استعمالها فيهم يتفقون مع من يحرمها في عدم قطع يد سارقها لوجود شبهة ، والشبهات مسقطة للحدود . واختلف العلماء في سرقة الحر الصغير غير المميز . فقال أبو حنيفة والشافعي : لا قطع على من سرقه لانه ليس بمال ويعزر وإن كان عليه حلي أو ثياب فلا يقطع أيضا ، لان ما عليه من الحلي تبع له وليست مقصودة بالاخذ ( 2 ) . وقال مالك : في سرقته القطع ، لانه من أعظم المال ولم يقطع السارق في المال لعينه ، وإنما قطع لتعلق النفوس به ، وتعلقها بالحر أكثر من تعلقها بالعبد . وسارق العبد الصغير غير المميز يقطع ، لانه مال متقوم ، وأما المميز فإنه لا يحد سارقه ، لانه وإن كان مالا يباع ويشترى فإن له سلطانا على نفسه فلا يعد محرزا .

( هامش ) ( 1 ) يرى أبو حنيفة أنه يباح للذمي الخمر والخنزير وأن على متلفهما ضمان القيمة ، ولكنه يتفق مع الفقهاء في عدم قطع من سرقهما لعدم كمال المالية الذي هو شرط الحد . ( 2 ) قال أبو يوسف : يقطع إذا كان الحلي قدر النصاب لانه إذا سرق الحلي وحده أو الثياب وحدها فإنه يقطع فيهما فكذا لو سرقها مع غيرها
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:15 am

وأما ما يجوز تملكه ولا يجوز بيعه ، كالكلب المأذون في بيعه ، ولحوم الضحايا ، فقال أشهب ، من المالكية : يقطع سارق الكلب المأذون باتخاذه ( 1 ) ، ولا يقطع في كلب غير مأذون باتخاذه . وقال أصبغ من المالكية في لحوم الضحايا : إن سرق الاضحية قبل الذبح قطع ، وإن سرقها بعد الذبح فلا قطع . وأما سرقة الماء ، والثلج ، والكلا ، والملح ، والتراب ، فقد قال صاحب المغني . " وإن سرق ماء فلا قطع فيه . قاله أبو بكر وأبو إسحاق لانه مما لا يتمول عادة ولا أعلم في هذا خلافا . وإن سرق كلا أو ملحا ، فقال أبو بكر : لا قطع فيه لانه مما ورد الشرع باشتراك الناس فيه ، فأشبه الماء . وقال أبو إسحاق بن شاملا : فيه القطع ، لانه يتمول عادة فأشبه التين والشعير . وأما الثلج فقال القاضي : هو كالماء لانه ماء جامد فأشبه الجليد ، والاشبه أنه كالملح لانه يتحول عادة فهو كالملح المنعقد من الماء . وأما التراب فإن كان مما تقل الرغبات فيه كالذي يعد للتطيين والبناء فلا قطع فيه ، لانه لا يتمول ، وإن كان مما له قيمة كثيرة كالطين الارمني الذي يعد للدواء أو المعد للغسيل به ، أو الصبغ كالمغرة احتمل وجهين : 1 - أحدهما لا قطع فيه لانه من جنس مالا يتمول فأشبه الماء . 2 - فيه القطع ، لانه يتمول عادة ، ويحمل إلى البلدان للتجارة فأشبه العود الهندي ( 2 ) . وأما سرقة المباح الاصل كالاسماك والطيور ( 3 ) . فإنه لا قطع على من سرقها ما لم تحرز فإذا أحرزت فقد اختلف فيها الفقهاء . فمذهب المالكية ، والشافعية يرى قطع سارقها لانه سرق مالا متقوما من حرز .

( هامش ) ( 1 ) الكلب المأذون باتخاذه هو كلب الحراسة والزراعة وكلب الصيد . ( 2 ) ج‍ 10 ص 247 " المغني " . ( 3 ) الاسماك بكل أنواعها ولو كانت مملحة ، والطير بكل أنواعه ، ويدخل فيه الدجاج والحمام والبط . وذهب الاحناف والحنابلة إلى عدم القطع لما روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الصيد لمن أخذه " . فهذا الحديث يورث شبهة يندرئ بها الحد . وقال عبد الله بن يسار : أتي عمر بن عبد العزيز برجل سرق دجاجة ، فأراد أن يقطعه ، فقال له سالم بن عبد الرحمن : " قال عثمان رضي الله عنه : لا قطع في الطير " وفي رواية أن عمر بن عبد العزيز استفتى السائب بن يزيد فقال : ما رأيت أحدا قطع في الطير ، وما عليه في ذلك قطع ، فتركه عمر . وقال بعض الفقهاء : الطير المعتبر مباحا هو الذي يكون صيدا سوى الدجاج والبط فيجب في سرقتها القطع لانه بمعنى الاهلي . وقال أبو حنيفة : لا يقطع في سرقة الطعام الرطب كاللبن واللحم والفواكه الرطبة ولا في سرقة الحشيش والحطب ، ولا فيما يسرع إليه الفساد ، وإن بلغت قيمة المسروق منه نصاب السرقة ، لان هذه الاشياء غير مرغوب فيها ، ولا يشح مالكها عادة فلا حاجة إلى الزجر بالنسبة لها ، والحرز فيها ناقص ، ولقوله صلى الله عليه وسلم " لا قطع في تمر ولا كثر " ولان فيه شبهة المالكية ، لوجود الشركة العامة ، لقول الرسول : " الناس شركاء في ثلاثة : الماء ، والكلا ، والنار " ومما اختلف الفقهاء فيه سرقة المصحف ، فقال أبو حنيفة لا يقطع من سرقة . لانه ليس بمال ، ولان لكل واحد فيه حقا . وقال مالك ، والشافعي ، وأبو ثور ، وأبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة وابن المنذر : يقطع سارق المصحف إذا بلغت قيمته النصاب الذي تقطع فيه اليد . ( ثانيا ) والشرط الثاني الذي يجب توافره في المال المسروق أن يبلغ الشئ المسروق نصابا ، لانه لا بد من شئ يجعل ضابطا لاقامة الحد ، ولا بد وأن يكون له قيمة يلحق الناس ضرر بفقدها ، فإن من عادتهم التسامح في الشئ الحقير من الاموال ، ولهذا لم يكن السلف يقطعون في الشئ التافه . وقد اختلف الفقهاء في مقدار هذا النصاب ، فذهب جمهور العلماء إلى أن القطع لا يكون إلا في سرقة ربع دينار من الذهب ، أو ثلاثة دراهم من الفضة ، أو ما تساوي قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم . وفي التقدير بهذا حكمة ظاهرة ، فإن فيها كفاية المقتصد في يوم ، له ولمن يمونه غالبا ، وقوت الرجل وأهله مدة يوم ، له خطره عند غالب الناس لما روي عن عائشة رضي الله عنها : أن الرسول صلى الله عليه وسلم " كان يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا " وفي رواية مرفوعا " لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا " . رواه أحمد ومسلم وابن ماجه . وفي رواية أخرى للنسائي مرفوعا : " لا تقطع اليد فيما دون ثمن المجن ( 1 ) " . قيل لعائشة : ما ثمن المجن ؟ قالت : ربع دينار . ويؤيده حديث ابن عمر في الصحيحين " أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم " وفي رواية : " قيمته ثلاثة دراهم " . ومذهب الاحناف أن النصاب الموجب للقطع عشرة دراهم ولا قطع في أقل منها . واستدلوا بما رواه البيهقي والطحاوي والنسائي عن ابن عباس وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في تقدير ثمن المجن بعشرة دراهم . وذهب الحسن البصري وداود الظاهري ، إلى أنه يثبت القطع بالقليل والكثير عملا بإطلاق الاية ، ولما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لعن الله السارق ، يسرق البيضة فتقطع يده ، ويسرق الجمل فتقطع يده " وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأن الاعمش راوي هذا الحديث فسر البيضة ببيضة الحديد التي تلبس للحرب ، وهي كالمجن ، وقد يكون ثمنها أكثر من ثمنه ( 2 ) . والجمل كانوا يرون أن منه ما يساوي دراهم . وربع الدينار كان يصرف بثلاثة دراهم وفي الروضة الندية قال الشافعي :

( هامش ) ( 1 ) المجن : الترس يتقى به في الحرب . ( 2 ) وقيل : هو إخبار بالواقع : أي أنه يسرق هذا فيكون سببا لقطع يده بتدرجه منه إلى ما هو أكبر منه .

" وربع الدينار موافق لرواية ثلاثة دراهم " وذلك أن الصرف على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم اثنى عشر درهما بدينار . وهو موافق لما في تقدير الديات من الذهب بألف دينار . ومن الفضة باثنى عشر ألف درهم . وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن النصاب الموجب للقطع هو عشرة دراهم أو دينار ، أو قيمة أحدهما من العروض . ولا قطع فيما هو أقل من ذلك ، لان ثمن المجن كان يقوم على عهد الرسول بعشرة دراهم ، كما رواه عمرو بن شعيب عن ابنه عن جده . وروي عن ابن عباس وغيره هذا التقدير . قالوا : وتقدير ثمن المجن تبعا لهذا التقدير أحوط . والحدود تدفع بالشبهات . والاخذ به كأنه شبهة في العمل بما دونها . والحق أن اعتبار ثمن المجن عشرة دراهم معارض بما هو أصح منه كما تقدم في الروايات الاخرى الصحيحة . وقال مالك وأحمد في أظهر الروايات عنه : نصاب السرقة ربع دينار ، أو ثلاثة دراهم ، أو ما قيمته ثلاثة دراهم من العروض . والتقويم بالدراهم خاصة . والاثمان أصول لا يقوم بعضها ببعض . وقد اعترض على القطع اليد في ربع دينار مع أن ديتها خمسمائة دينار ، فقال أحد الشعراء : يد بخمس مئين عسجد وديت - ما بالها قطعت في ربع دينار ؟ تناقض مالنا إلا السكوت له - ونستجير بمولانا من العار وهذا المعترض قد خانه التوفيق فإنه الاسلام قد قطعها في هذا القدر حفظا للمال ، وجعل ديتها خمسمائة حفظا لها . فقد كانت ثمينة حين كانت أمينة فلما خانت هانت ولهذا قيل : يد بخمس مئين عسجد وديت - لكنها قطعت في ربع دينار حماية الدم أغلاها ، وأرخصها - خيانة المال فانظر حكمة الباري

متى يقدر المسروق : وتعتبر قيمة المسروق وتقديره يوم السرقة عند مالك . والشافعية ، والحنابلة . وقال أبو حنيفة : يقدر المسروق يوم الحكم عليه بالقطع . سرقة الجماعة : إذا سرقت الجماعة قدرا من المال بحيث لو قسم بينهم لكان نصيب كل واحد منهم ما يجب فيه القطع فإنهم يقطعون جميعا باتفاق الفقهاء . أما إذا كان هذا القدر من المال يبلغ نصابا ، ولكنه لو قسم بين السارقين لا يبلغ نصيب كل واحد منهم ما يجب فيه القطع فإنهم اختلفوا في ذلك . فقال جمهور الفقهاء : يجب أن يقطعوا جميعا . وقال أبو حنيفة : لا قطع حتى يكون ما يأخذه كل واحد منهم نصابا . قال ابن رشد : فمن قطع الجميع رأي العقوبة إنما تتعلق بقدر مال المسروق أي أن هذا القدر من المال المسروق هو الذي يوجب القطع لحفظ المال ، ومن رأى أن القطع إنما علق بهذا القدر لا بما دونه لمكان حرمة اليد قال : لا تقطع أيد كثيرة فيما أوجب الشارع فيه القطع . ما يعتبر في الموضع المسروق منه : وأما الموضع المسروق منه فإنه يعتبر فيه الحرز . والحرز هو الموضع المعد لحفظ الشئ ، مثل الدار والد كان والاصطبل والمراح ، والجرين ، ونحو ذلك . ولم يرد فيه ضابط من جهة الشرع ولا من جهة اللغة وإنما يرجع فيه إلى العرف ، واعتبر الشرع للحرز لانه دليل على عناية صاحب المال به وصيانته له والمحافظة عليه من التعرض للضياع ، ودليل ذلك ما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سأله رجل عن الحريسة ( 1 ) التي توجد في مراتعها ، قال : فيها ثمنها مرتين وضرب نكال ، وما أخذ من عطنه ( 2 ) ففيه القطع إذا

( هامش ) ( 1 ) الحريسة : هي التي ترعى في الحقل وعليها حرس . ( 2 ) العطن : الحظيرة .

بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن ( 1 ) قال : يارسول الله فالثوب وما أخذ منها في أكمامها قال : " من أخذ بفيه ولم يتخذ خبنة ( 2 ) فليس عليه شئ ، ومن احتمل فعليه ثمنه مرتين وضرب نكال ، وما أخذ من أجرانه ففيه القطع إذا بلغ ما يؤخذ من ذلك ثمن المجن " . رواه أحمد والنسائي والحاكم وصححه وحسنه الترمذي . وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا قطع في تمر معلق ولا في حريسة الجبل ، فإذا أواه المراح أو الجرين ( 3 ) . فالقطع فيما بلغ ثمن المجن " . ففي هذين الحديثين اعتبار الحرز . قال ابن القيم : فإنه صلى الله عليه وسلم أسقط القطع عن سارق الثمار من الشجرة وأوجبه على سارقه من الجرين . وعند أبي حنيفة رحمه الله أن هذا لنقصان ماليته لاسراع الفساد إليه ، وجعل هذا أصلا في كل ما نقصت ماليته بإسراع الفساد إليه إليه وقول الجمهور أصح ، فإنه صلى الله عليه وسلم جعل له ثلاثة أحوال : حالة لا شئ فيها ، وهي ما إذا أكل منه بفيه وحالة يغرم مثليه ويضرب من غير قطع ، وهي ما إذا أخرجه من شجره وأخذه ، وحالة يقطع فيها ، وهو ما إذا سرقه من بيدره ، سواء كان انتهى جفافه أم لم ينته ، فالعبرة بالمكان والحرز لا بيبسه ورطوبته ، ويدل عليه أنه صلى الله عليه وسلم أسقط القطع عن سارق الشاة من مرعاها ، وأوجبه على سارقها من عطنها فإنه حرز . انتهى . وإلى اعتبار الحرز ذهب جمهور الفقهاء . وخالف في ذلك جماعة من الفقهاء ولم يشترطوا الحرز في القطع منهم : أحمد وإسحاق وزفر ، والظاهرية ، لان آية " والسارق والسارقة " عامة وأحاديث عمرو بن شعيب لا يصلح لتخصيصها للاختلاف الواقع فيها .

( هامش ) ( 1 ) أوجب القطع على من سرق الشاة من عطنها ، وهو حرزها ، وأسقطه عمن سرقها من مرعاها . وفي هذا دليل على اعتبار الحرز . ( 2 ) أي لم يأخذ شيئا من المسروق في طرف ثوبه . ( 3 ) الجرين : موضع تحفيظ الثمار

ورد ذلك ابن عبد البر فقال : أحاديث عمرو بن شعيب العمل بها واجب إذا رواها الثقات .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:16 am

اختلاف الحرز باختلاف الاموال : والحرز مختلف باختلاف الاموال ، ومرجع ذلك إلى العرف فقد يكون الشئ حرزا في وقت دون وقت . فالدار حرز لما فيها من أثاث ، والجرين حرز للثمار ، والاصطبل حرز للدواب ، والمراح للغنم ، وهكذا . الانسان حرز لنفسه : والانسان حرز لثيابه ولفراشه الذي هو نائم عليه سواء كان في المسجد أم في خارجه . فمن جلس في الطريق ومعه متاعه فإنه يكون محرزا به ، سواء أكان مستيقظا أم نائما . فمن سرق من إنسان نقوده أو متاعه قطع بمجرد الاخذ لزوال يد المالك عنه . واشترط الفقهاء في النائم أن يكون المسروق تحت جنبه أو تحت رأسه واستدلوا بما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجاه والنسائي والحاكم عن صفوان ابن أمية قال : كنت نائما في المسجد على خميصة لي فسرقت ، فأخذنا السارق فرفعناه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر بقطعه ، فقلت : يارسول الله أفي خميصة ، ثمن ثلاثين درهما . أنا أهبها له ؟ . قال : " فهلا كان قبل أن تأتيني " . " أي فهلا عفوت عنه ووهبت له قبل أن تأتيني " . وفي هذا الحديث دليل على أن المطالبة بالمسروق شرط في القطع ( 1 ) ، فلو وهبه المسروق منه إياه ، أو باعه قبل رفعه إلى الحاكم سقط عن السارق . كما صرح بذلك النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : " هلا كان قبل أن تأتيني به ! ؟ " .

الطرار : واختلفوا في الطرار ( 1 ) . فقالت طائفة : يقطع مطلقا سواء أوضع يده داخل الكم وأخرج المال أو شق الكم فسقط المال فأخذه . وهو قول مالك ، والاوزاعي وأبي ثور ، ويعقوب ، والحسن ، وابن المنذر . وقال أبو حنيفة ، ومحمد بن الحسن ، وإسحق : إن كانت الدراهم مصرورة في ظاهر كمه فطرها فسرقها لم يقطع ، وإن كانت مصرورة إلى داخل الكم فأدخل يده فسرقها قطع . المسجد حرز : والمسجد حرز لما يعتاد وضعه فيه من البسط والحصر والقناديل والنجف . وقد قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم سارقا سرق ترسا كان في صفة النساء في المسجد ثمنه ثلاثة دراهم . أخرجه أحمد ، وأبو داود ، والنسائي . وكذلك إذا سرق باب المسجد أو ما يزين به مما له قيمة ، لانه مال محرز لا شبهة فيه . وخالف الشافعية في قناديل المسجد وحصرها ، فمن سرقها لا يقطع ، لان ذلك جعل لمنفعة المسلمين ، وللسارق فيها حق . اللهم إلا إذا كان السارق ذميا فإنه يقطع ، لانه لا حق له فيها . السرقة من الدار : اتفق الفقهاء على أن الدار لا تكون حرزا إلا إذا كان بابها مغلقا . كما اتفقوا على أن من سرق من دار غير مشتركة في السكنى لا يقطع حتى يخرج من الدار . واختلفوا في مسائل من ذلك ذكرها صاحب كتاب الافصاح عن معاني الصحاح فقال :

( 1 ) الطرار هو الذي يشق كم الرجل ويأخذ ما فيه . مأخوذ من الطر وهو الشقي ( وهو ما بسمى بالنشال )

واختلفوا فيما إذا اشترك اثنان في نقب دار فدخل أحدهما فأخذ المتاع وناوله الاخر وهو خارج الحرز وهكذا إذا رمى به إليه فأخذه . فقال مالك والشافعي وأحمد : القطع على الداخل دون الخارج . وقال أبو حنيفة : لا يقطع منهما أحد . واختلفوا فيما إذا اشترك جماعة في نقب ودخلوا الحرز وأخرج بعضهم نصابا ولم يخرج الباقون شيئا ولم يكن منهم معاونة في إخراجه . فقال أبو حنيفة وأحمد : يجب القطع على جماعتهم . وقال مالك والشافعي : لا يقطع إلا الذين أخرجوا المتاع واختلفوا فيما إذا قرب الداخل المتاع إلى النقب وتركه فأدخل الخارج يده فأخرجه من الحرز . فقال أبو حنيفة : لا قطع عليهما . وقال مالك : يقطع الذي أخرجه قولا واحدا وفي الداخل الذي قربه خلاف بين أصحابه على قولين . وقال الشافعي : القطع على الذي أخرجه خاصة . وقال أحمد : عليهما القطع جميعا . وذكر الشيخ أبو إسحاق في المهذب قال : " وإن نقب رجلان حرزا فأخذ أحدهما المال ووضعه على بعض النقب وأخذه الاخر ففيه قولان : أحدهما أنه يجب عليهما القطع لانا لو لم نوجب عليهما القطع صار هذا طريقا إلى إسقاط القطع ، والثاني : أنه لا يقطع واحد منهما كقول أبي حنيفة وهو الصحيح ، لان كل واحد منهما لم يخرج المال من الحرز . وإن نقب أحدهما الحرز ودخل الاخر وأخرج المال ففيه طريقان ، من أصحابنا من قال : فيه قولان كالمسألة قبلها ومنهم من قال : لا يجب القطع قولا واحدا لان أحدهما نقب ولم يخرج المال والاخر أخرج من غير حرز " .

بم يثبت الحد ؟ وهل يتوقف على طلب المسروق منه ؟ : لا يقام الحد إلا إذا طالب المسروق منه بإقامته ( 1 ) لان مخاصمته المجني عليه

( هامش ) ( 1 ) هذا مذهب أبي حنيفة وأحمد في أظهر روايتيه وأصحاب الشافعي وقال مالك : لا يفتقر إلى المطالبة .

ومطالبته بالمسروق شرط ويثبت الحد بشهادة عدلين أو بالاقرار ويكفي فيه مرة واحدة عند مالك والشافعية والاحناف لان النبي صلى الله عليه وسلم قطع يد سارق المجن وسارق رداء صفوان ، ولم ينقل أنه أمره بتكرار الاقرار . وما وقع من التكرار في بعض الحالات فهو من باب التثبت . ويرى أحمد وإسحاق وابن أبي ليلى أنه لا بد من تكراره مرتين . دعوى السارق الملكية : وإذا ادعى السارق أن ما أخذه من الحرز ملكه بعد قيام البينة عليه بأنه سرق من الحرز نصابا فقال مالك : يجب عليه القطع بكل حال ولا يقبل دعواه وقال أبو حنيفة والشافعي لا يقطع وسماه الشافعي : " السارق الظريف "

تلقين السارق ما يسقط الحد : ويندب للقاضي أن يلقن السارق ما يسقط الحد ، لما رواه أبو أمية المخزومي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بلص اعترف ، ولم يوجد معه متاع . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما إخالك سرقت ( 1 ) ؟ قال : بلى ، مرتين أو ثلاثا . رواه أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، ورجاله ثقات . وقال عطاء : كان من قضى ( 2 ) يؤتى إليهم بالسارق ، فيقول : أسرقت ؟ قل : لا . وسمى ( 3 ) أبا بكر وعمر رضي الله عنهما وعن أبي الدرداء . أنه أتي بجارية سرقت فقال لها : أسرقت ؟ قولي : لا . فقالت : لا . فخلى سبيلها . وعن عمر أنه أتي برجل سرق فسأله " أسرقت ؟ قل : لا . فقال : لا " فتركه . عقوبة السرقة : إذا ثبتت جريمة السرقة وجب إقامة الحد على السارق فتقطع يده اليمنى

( هامش ) ( 1 ) إخالك : أي أظنك . ( 2 ) من قضى : أي من تولى القضاء . ( 3 ) أي ذكر أن أبا بكر وعمر كانا يفعلان ذلك حينما توليا القضاء .

من مفصل الكف وهو الكوع ( 1 ) لقوله تعالى : " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " ولا يجوز العفو عنها من أحد لا من المجني عليه ولا من الحاكم ، كما لا يجوز أن تستبدل بها عقوبة أخرى أخف منها أو تأخير تنفيذها أو تعطيلها ، خلافا للشيعة الذين يرون أن القطع يسقط عن السارق بعفو المجني عليه في السرقة وكذلك يرون أن للامام مع وجوب إقامة الحد أن يسقط العقوبة عن بعض الناس لمصلحة ، وله تأخيرها عن بعضهم لمصلحة ، وهذا مخالف لجماعة أهل السنة الذين يروون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : " تجافوا العقوبة بينكم ، فإذا انتهي بها إلى الامام فلا عفا الله عنه إن عفا " . فإذا سرق ثانيا تقطع رجله ، ثم إن الفقهاء اختلفوا فيما إذا سرق ثالثا بعد قطع يده ورجله . فقال أبو حنيفة : يعزر ويحبس . وقال الشافعي وغيره : تقطع يده اليسرى ، ثم إذا عاد إلى السرقة تقطع رجله اليمنى ثم إذا سرق يعزر ويحبس . حسم يد السارق إذا قطعت : وتحسم يد السارق بعد القطع ، فتكوى بالنار ، أو تتخذ أي طريقة من الطرق حتى ينقطع الدم فلا يتعرض المقطوع للتلف والهلاك . فعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بسارق قد سرق شملة فقالوا : يارسول الله ، إن هذا قد سرق : فقال رسول الله صلى الله عليه

( هامش ) ( 1 ) كان القطع معمولا به في الجاهلية فأقره الاسلام مع زيادة شروط أخرى : ويقال إن أول من قطع الايدي في الجاهلية قريش ، قطعوا رجلا يقال له دويك مولى لبني مليح بن عمرو بن خزاعة كان قد سرق كنز الكعبة ويقال : سرقه قوم فوضعوه عنده قال القرطبي : وقد قطع السارق في الجاهلية وأول من حكم بقطعه في الجاهلية الوليد بن المغيرة فأمر الله بقطعه في الاسلام ، وكان أول سارق قطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاسلام من الرجال الخيار ابن عدي بن نوفل بن عبد مناف ومن النساء مرة بنت سمعان بن عبد الاسد من بني مخزوم وقطع أبو بكر اليمني الذي سرق العقد وهو رجل من أهل اليمن أقطع اليد والرجل وقد كان سرق عقدا لاسماء بنت عميس زوج أبي بكر الصديق رضي الله عنه فقطع يده اليسرى . وقطع عمر يد ابن سمرة أخي عبد الرحمن بن سمرة .

وسلم : " ما أخاله سرق ( 1 ) " ، فقال السارق : بلى يارسول الله . فقال : " اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموه ( 2 ) ، ثم ائتوني به " ، فقطع فأتي به . فقال : تب إلى الله . قال : قد تبت إلى الله . فقال : " تاب الله عليك " . رواه الدار قطني ، والحاكم ، والبيهقي ، وصححه ابن القطان . تعليق يد السارق في عنقه : ومن التنكيل بالسارق والزجر لغيره ، أمر الشارع بتعليق يد السارق المقطوعة في عنقه . روى أبو داود والنسائي والترمذي : وقال " حسن ( 3 ) غريب ، عن عبد الله بن محيريز قال : سألت فضالة عن تعليق يد السارق في عنقه : أمن السنة هو ؟ فقال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسارق فقطعت يده ، ثم أمر بها فعلقت في عنقه .

اجتماع الضمان والحد : إذا كان المسروق قائما رد إلى صاحبه ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " على اليد ما أخذت حتى تؤديه " وهذا مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق . فإذا تلف المسروق في يد السارق ضمن بدله ، وقطع ولا يمنع أحدهما الاخر ، لان الضمان الحق الادمي ، والقطع يجب لله تعالى ، فلا يمنع أحدهما الاخر كالدية والكفارة . وقال أبو حنيفة : إذا تلف المسروق فلا يغرم السارق لانه لا يجتمع الغرم مع القطع بحال لان الله ذكر القطع ولم يذكر الغرم . وقال مالك وأصحابه : إن تلف ، فإن كان موسرا غرم ، وإن كان معسرا لم يكن عليه شئ .

( 1 ) في هذا إيحاء للسارق بعدم الاقرار وبالرجوع عنه . ( 2 ) في هذا دليل على أن نفقة الحسم ومؤنته ليست على السارق وإنما هي في بيت المال . ( 3 ) في إسناده الحجاج بن أرطأة قال النسائي : هو ضعيف لا يحتج بحديثه . الجنايات الجنايات جمع جناية ، مأخوذة من جني يجني بمعنى أخذ ، يقال ، جنى الثمر إذا أخذه من الشجر . ويقال أيضا جنى على قومه جناية ، أي أذنب ذنبا يؤاخذ به . والمراد بالجناية في عرف الشرع : كل فعل محرم .

والفعل المحرم : كل فعل حظره الشارع ومنع منه ، لما فيه من ضرر واقع على الدين ، أو النفس ، أو العقل ، أو العرض ، أو المال . وقد اصطلح الفقهاء على تقسيم هذه الجرائم إلى قسمين . ( القسم الاول ) ويسمى بجرائم الحدود . ( والقسم الثاني ) ويسمى بجرائم القصاص . وهي الجنايات التي تقع على النفس أو على ما دونها من جرح أو قطع عضو ، وهذه هي أصول المصالح الضرورية التي يجب المحافظة عليها صيانة للناس وحفاظا على حياتهم الاجتماعية . وقد تقدم الكلام على جرائم الحدود وعقوباتها وبقي أن نتكلم على جرائم القصاص . ونبدأ بتمهيد في وجهة الاسلام في المحافظة على الاسلام متبعين ذلك بالكلام عن القصاص بين الجاهلية والاسلام ، ثم الكلام عن القصاص في النفس والقصاص فيما دونها . وأما الجنايات في القانون فهي أخطر الجرائم ، وقد حددتها المادة 10 من قانون العقوبات بأنها الجرائم المعاقب عليها بالاعدام ، أو الاشغال الشاقة المؤبدة ، أو الاشغال الشاقة المؤقتة ، أو السجن . المحافظة على النفس كرامة الانسان : ان الله سبحانه كرم الانسان : خلقه بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له ملائكته ، وسخر له ما في السموات وما في الارض جميعا منه ، وجعله خليفة عنه ، وزوده بالقوى والمواهب ليسود الارض ، وليصل إلى أقصى ما قدر له من كمال مادي واترقاء روحي . ولا يمكن أن يحقق الانسان أهدافه ، ويبلغ غاياته إلا إذا توفرت له جميع عناصر النمو ، وأخذ حقوقه كاملة .

وفي طليعة هذه الحقوق التي ضمنها الاسلام : حق الحياة ، وحق التملك ، وحق صيانة العرض ، وحق الحرية ، وحق المساواة ، وحق التعلم . قال الله تعالى : وهذه الحقوق ، واجبة للانسان من حيث هو إنسان بقطع النظر عن لونه ، أو دينه ، أو جنسه ، أو وطنه ، أو مركزه الاجتماعي . " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات ، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " ( 1 ) . وقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فقال : " أيها الناس ، ان دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا ، في شهركم هذا ، في بلدكم هذا . ألا هل بلغت ، اللهم فاشهد ، كل المسلم على المسلم حرام : دمه وماله ، وعرضه " .

حق الحياة : وأول هذه الحقوق وأولاها بالعناية حق الحياة ، وهو حق مقدس لا يحل انتهاك حرمته ولا استباحة حماه . يقول الله سبحانه : " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق " ( 2 )

( هامش ) ( 1 ) سورة الاسراء : آية 70 . ( 2 ) سورة الاسراء : الاية 33 .

والحق الذي تزهق به النفوس . هو ما فسره الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله عن ابن مسعود رضي الله عنه : " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لاإله إلا الله ، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث ، الثيب ( 1 ) الزاني ، والنفس بالنفس ( 2 ) ، والتارك لدينه المفارق للجماعة ( 3 ) " . رواه البخاري ومسلم . ويقول الله سبحانه وتعالى : " ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم ، إن قتلهم كان خطأ كبيرا " . ( 4 ) ويقول سبحانه : " وإذا الموءودة سئلت ، بأي ذنب قتلت " ( 5 ) . والله سبحانه جعل عذاب من سن القتل عذابا لم يجعله لاحد من خلقه . يقول الرسول صلى الله عليه وسلم عليه وسلم : " ليس من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم كفل من دمها ، لانه كان أول من سن القتل " ( 6 ) . رواه البخاري ومسلم . ومن حرص الاسلام على حماية النفوس أنه هدد من يستحلها بأشد عقوبة . فيقول الله تعالى : " ومن يقتل مؤمنا متعمدا ، فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ، ولعنه وأعد له عذابا عظيما " ( 7 ) . فبهذه الآية تقرر أن عقوبة القاتل في الآخرة العذاب الاليم ، والخلود المقيم

( هامش ) ( 1 ) الثيب الزاني : المتزوج . ( 2 ) النفس بالنفس : أي فقتل النفس التي قتلت نفسا عمدا بغير حق بقتل النفس . ( 3 ) التارك لدينه المفارق للجماعة : أي المرتد عن دين الاسلام . ( 4 ) سورة الاسراء ، الآية : 31 . ( 5 ) سورة التكوير : الآيتان 8 ، 9 . ( 6 ) هو قابيل الذي قتل هابيل . والكفل : النصيب . قال النووي : هذا الحديث من قواعد الاسلام ، وهو أن كل من ابتدع شيئا من الشر كان عليه وزر كل من اقتدى به في ذلك العمل ، مثل عمله يوم القيامة . ( 7 ) سورة النساء : الآية 93 .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:18 am

في جهنم ، والغضب واللعنة والعذاب العظيم . ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما : " لا توبة لقاتل مؤمن عمدا " . لانها آخر ما نزل ، ولم ينسخها شئ ، وإن كان الجمهور على خلافه . ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق " . رواه ابن ماجه بسند حسن عن البراء . وروى الترمذي بسند حسن عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لو أن أهل السماء وأهل الارض اشتركوا في دم مؤمن ، لاكبهم الله في النار " . وروى البيهقي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أعان على دم امرئ مسلم بشطر كلمة ، كتب بين عينيه يوم القيامة : آيس من رحمة الله " . ذلك أن القتل هدم لبناء أراده الله ، وسلب لحياة المجني عليه ، واعتداء على عصبته الذين يعتزون بوجوده ، وينتفعون به ، ويحرمون بفقده العون ، ويستوي في التحريم قتل المسلم و الذمي وقاتل نفسه . ففي قتل الذمي جاءت الاحاديث مصرحة بوجوب النار لمن قتله . روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قتل معاهدا ( 1 ) ، لم يرح رائحة الجنة ، وإن ريحها بوجد من مسيرة أربعين عاما " ( 2 ) . وأما قاتل نفسه فالله سبحانه و تعالى يحذر من ذلك فيقول :

( هامش ) ( 1 ) المعاهد : من له عهد مع المسلمين - إما بأمان من مسلم - أو هدنة من حاكم - أو عقد جزية . ( 2 ) وعدم وجدان رائحتها يستلزم عدم دخولها . قال الحافظ في الفتح : إن المراد بهذا النفي - وإن كان عاما - التخصيص بزمان ما ، لتعاضد الادلة الفعلية والنقلية : أي من مات مسلما ، وكان من أهل الكبائر فهو محكوم بإسلامه غير مخلد في النار ، ومآله الجنة ولو عذب قبل ذلك . انتهى .

" ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " ( 1 ) . ويقول : " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما " ( 2 ) . وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " من تردى ( 3 ) من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدا مخلدا فيها أبدا ، ومن تحسى سما فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ ( 4 ) بها في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا " . وروى البخاري عن أبي هريرة أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الذي يخنق نفسه يخنقها في النار ، والذي يطعن نفسه يطعن نفسه في النار . والذي يقتحم ( 5 ) يقتحم في النار " . وعن جندب بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كان فيمن قبلكم رجل به جرح ، فجزع ، فأخذ سكينا فحز بها يده فما رقأ الدم حتى مات ( 6 ) قال الله تعالى : " بادرني عبدي بنفسه : حرمت عليه الجنة " . رواه البخاري . وثبت في الحديث " من قتل نفسه بشئ عذب به يوم القيامة " . ومن أبلغ ما يتصور في التشنيع على القتلة بالاضافة إلى ما سبق أن الاسلام اعتبر القاتل لفرد من الافراد كالقاتل للافراد جميعا ، وهذا أبلغ ما يتصور من التشنيع على ارتكاب هذه الجريمة النكراء . يقول سبحانه : " أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس

( 1 ) سورة البقرة : الآية 195 . ( 2 ) سورة النساء : الآية 29 . ( 3 ) التردي : السقوط . أي أسقط نفسه متعمدا مثلا . ( 4 ) يتوجأ : يضرب بها نفسه . ( 5 ) يقتحم : يرمي نفسه . ( 6 ) أي ما انقطع حتى مات .

جميعا . ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا " ( 1 ) . ولعظم أمر الدماء وشدة خطورتها ، كانت هي أول ما يقضى فيها بين الناس يوم القيامة ( 2 ) كما رواه مسلم . وقد شرع الله سبحانه القصاص واعدام القاتل انتقاما منه ، وزجرا لغيره ، وتطهيرا للمجتمع من الجرائم التي يضطرب فيها النظام العام ، ويختل معها الامن . فقال : " ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب ، لعلكم تتقون " ( 3 ) . وهذه العقوبة مقررة في جميع الشرائع الالهية المتقدمة . ففي الشريعة الموسوية جاء بالفصل الحادي والعشرين من سفر الخروج : " أن من ضرب إنسانا فمات فليقتل قتلا ، وإذا بغى رجل على آخر فقتله اغتيالا فمن قدام مذبحي تأخذه ليقتل ، ومن ضرب أباه وأمه يقتل قتلا ، وإن حصلت أذية فأعط نفسا بنفس ، وعينا بعين ، وسنا بسن ، ويدا بيد ، ورجلا برجل ، وجرحا بجرح ، ورضا برض " وفي الشريعة المسيحية يرى البعض أن قتل القاتل لم يكن من مبادئها مستدلين على ذلك بما ورد بالاصحاح الخامس من إنجيل متى من قول عيسى عليه السلام : " لا تقاوموا الشر ، بل من لطمك على خدك الايمن فحول له خدك الآخر أيضا . ومن رأى أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضا ، ومن سخرك ميلا واحدا فاذهب معه اثنين . ويرى البعض الآخر أن الشريعة المسيحية عرفت عقوبة الاعدام مستدلا على ذلك بما قاله عيسى عليه السلام : " ما جئت لانقض الناموس ، وإنما جئت لاتمم " . وقد تأيد هذا النظر بما ورد في القرآن الكريم :

( هامش ) ( 1 ) سورة المائدة : الآية 32 . ( 2 ) وهذا فيما بين العباد ، وأما حديث : أول ما يحاسب به العبد الصلاة فهو فيما بين العبد وبين الله . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 179 .

" ومصدقا لما بين يدي من التوراة " . وإلى هذا تشير الآية الكريمة : " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ، والعين بالعين ، والانف بالانف ، والاذن بالاذن ، والسن بالسن ، والجروح قصاص " ( 1 ) ولم تفرق الشريعة بين نفس ونفس ، فالقصاص حق ، سواء أكان المقتول كبيرا أم صغيرا ، رجلا أم امرأة . فلكل حق الحياة ، ولا يحل التعرض لحياته بما يفسدها بأي وجه من الوجوه ، وحتى في قتل الخطأ ، لم يعف الله تعالى القاتل من المسئولية ، وأوجب فيه : العتق ، والدية ، فقال سبحانه : " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ، إلا خطأ ، ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ، ودية مسلمة إلى أهله ، إلا أن يصدقوا " ( 2 ) . وهذه العقوبة المالية إنما أوجبها الاسلام في القتل الخطأ احتراما للنفس حتى لا يتسرب إلى ذهن أحد هوانها ، وليحتاط الناس فيما يتصل بالنفوس والدماء ، ولتسد ذرائع الفساد ، حتى لا يقتل أحد أحدا ويزعم أن القتل كان خطأ . ومن شدة عناية الاسلام بحماية الانفس أنه حرم إسقاط الجنين بعد أن تدب الحياة فيه ، إلا إذا كان هناك سبب حقيقي يوجب إسقاطه ، كالخوف على أمه من الموت ، ونحو ذلك ، وأوجب في إسقاطه بغير حق غرة .

القصاص بين الجاهلية والاسلام قام نظام القصاص في العرب على أساس أن القبيلة كلها تعتبر مسئولة عن الجناية التي يقترفها فرد من أفرادها ، إلا إذا خلعته وأعلنت ذلك في المجتمعات العامة . ولهذا كان ولي الدم يطالب بالقصاص من الجاني وغيره من قبيلته ، ويتوسع في هذه المطالبة توسعا ربما أوقد نار الحرب بين قبيلتي الجاني والمجني عليه .

وقد تزداد المطالبة بالتوسع إذا كان المجني عليه شريفا أو سيدا في قومه . على أن بعض القبائل كثيرا ما كان يهمل هذه المطالبة ، ويبسط حمايته على القاتل ولا يعير أولياء المقتول أي اهتمام ، فكانت تنشب الحروب التي تودي بأنفس الكثير من الابرياء . فلما جاء الاسلام وضع حدا لهذا النظام الجائر ، وأعلن أن الجاني وحده هو المسئول عن جنايته ، وهو الذي يؤخذ بجريرته فقال : " يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ( 1 ) الحر بالحر ، والعبد بالعبد ، والانثى بالانثى ، فمن عفي له من أخيه شئ ، فاتباع بالمعروف ( 2 ) وأداء إليه بإحسان . ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم ، ولكم في القصاص حياة يأولي الالباب لعلكم تتقون " . ( 3 ) إذا اختاروا القصاص دون العفو : قال البيضاوي في تفسير هذه الآية : " كان في الجاهلية بين حيين من أحياء العرب دماء ، وكان لاحدهما طول على الآخر ، فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد ، والذكر بالانثى ، فلما جاء الاسلام تحاكموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزلت ، وأمرهم أن يتبارأوا " انتهى . والآية تشير إلى ما يأتي : 1 - أن الله سبحانه أبطل النظام الجاهلي ، وفرض المماثلة والمساواة في القتلى . فإذا اختاروا القصاص دون العفو ، فأرادوا إنفاذه ، فإن الحر يقتل إذا قتل حرا ، والعبد يقتل إذا قتل عبدا مثله ، والمرأة تقتل إذا قتلت امرأة .

( هامش ) ( 1 ) التقلى : جمع قتيل . ( 2 ) فاتباع بالمعروف : مأخوذ من اقتصاص الاثر : أي تتبعه ، لان المجني عليه يتبع الجناية ، فيأخذ مثلها . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 178 .

قال القرطبي : " وهذه الآية جاءت مبينة حكم النوع إذا قتل نوعه فبيتت حكم الحر إذا قتل حرا ، والعبد إذا قتل عبدا ، والانثى إذا قتلت أنثى ، ولم تتعرض لاحد النوعين إذا قتل الآخر . فالآية محكمة ، وفيها إجمال يبينه قوله تعالى : " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس " إلى آخر الآية . وبينه النبي صلى الله عليه وسلم لما قتل اليهودي بالمرأة . قاله مجاهد . 2 - فإذا عفا ولي الدم عن الجاني فله أن يطالبه بالدية على أن تكون المطالبة بالمعروف ، لا يخالطها عنف ولا غلظة ، وعلى القاتل أداء الدية إلى العافي بلا مماطلة ولابخس . 3 - وهذا الحكم الذي شرعه الله من جواز القصاص والعفو عنه إلى الدية تيسير من الله ورحمة حيث وسع الامر في ذلك ، فلم يحتم واحدا منهما . 4 - فمن اعتدى على الجاني فقتله بعد العفو عنه ، فله عذاب أليم ، إما بقتله في الدنيا أو عذابه بالنار في الآخرة . روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما . قال : " كان في بني اسرائيل القصاص ، ولم تكن فيهم الدية ، فقال الله لهذه الامة : " كتب عليكم القصاص في القتلى . . . " الآية " فمن عفي له من أخيه شئ " قال : " فالعفو " أن يقبل في العمد الدية ، و " الاتباع بالمعروف " أن يتبع الطالب بمعروف ، ويؤدي إليه المطلوب بإحسان . " ذلك تخفيف من ربكم ورحمة " فيما كتب على من كان قبلكم . 5 - وقد شرع الله القصاص لان فيه الحياة العظيمة ، والبقاء للناس ، فإن القاتل إذا علم أنه سيقتل ارتدع ، فأحيا نفسه من جهة ، وأحياء من كان يريد قتله من جهة أخرى . 6 - وقد أبقى الاسلام جعل الولاية في طلب القصاص لولي المقتول على على ما كان عليه عند العرب . يقول الله تعالى : " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ، فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا " . والمقصود بالولي هو من له القيام بالدم ، وهو الوارث للمقتول ( 1 ) ، فهو الذي له حق المطالبة دون السلطة الحاكمة ، فلو لم يطالب هو بالقصاص فإنه لا يقتص من الجاني . والسلطان : التسلط على القاتل ، وإنما كان ذلك كذلك مخافة أن يصدر العفو من غير رضا منه ، وهوالذي اكتوى بنار الجريمة فتثور نفسه ويعمد إلى الاخذ بالثأر ، ويتكرر القتل والاجرام . 7 - قال صاحب المنار معلقا على هذه الآية : فالآية الحكيمة قررت أن الحياة هي المطلوبة بالذات ، وأن القصاص وسيلة من وسائلها ، لان من علم أنه إذا قتل نفسا يقتل بها يرتدع عن القتل ، فيحفظ الحياة على من أراد قتله وعلى نفسه ، والاكتفاء بالدية لا يردع كل أحد عن سفك دم خصمه إن استطاع . " فإن من الناس من يبذل المال الكثير لاجل الايقاع بعدوه . " وفي الآية من براعة العبارة وبلاغة القول ما يذهب باستبشاع إزهاق الروح في العقوبة . ويوطن النفس على قبول حكم المساواة ، إذ لم يسم العقوبة قتلا أو إعداما ، بل سماها مساواة بين الناس تنطوي على حياة سعيدة لهم " القصاص في النفس ليس كل اعتداء على النفس بموجب للقصاص ، فقد يكون الاعتداء عمدا ، وقد يكون شبه عمد ، وقد يكون خطأ ، وقد يكون غيرذلك . ومن ثم وجب أن نبين أنواع القتل ، ونبين النوع الذي يجب القصاص بمقتضاه .

( هامش ) ( 1 ) هذا رأي الجمهور ، وقال مالك : هم العصبة .

أنواع القتل القتل أنواع ثلاثة : 1 - عمد . 2 - شبه عمد . 3 - خطأ . القتل العمد : فالقتل العمد هو : أن يقصد المكلف قتل إنسان معصوم الدم ( 1 ) بما يغلب على الظن أنه يقتل به . ويفهم من هذا التعريف أن جريمة القتل العمد لاتتحقق إلا إذا توفرت فيها الاركان الآتية : 1 - أن يكون القاتل عاقلا ، بالغا ، قاصدا القتل . أما اعتبار العقل والبلوغ ، فلحديث علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " رفع القلم عن ثلاث : عن المجنون حتى يفيق ، وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم " . رواه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي . وأما اعتبار العمد ، فلما رواه أبو هريرة رضي الله عنه . قال : " قتل رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدفعه إلى ولي المقتول ، فقال القاتل : يا رسول الله ، والله ما أردت قتله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للولي : " أما إنه إن كان صادقا ثم قتلته دخلت النار " فخلاه الرجل ، وكان مكتوفا بنسعة ( 2 ) فخرج يجر نسعته . قال : فكان يسمى ( ذا النسعة ) " . رواه أبو داود ، والنسائي وابن ماجه ، والترمذي وصححه . وروى أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " العمد قود ، إلا أن يعفو ولي المقتول " . وروى ابن ماجه أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( هامش ) ( 1 ) أي لا يستحق القتل شرعا . ( 2 ) النسعة : سير من الجلد .

" من قتل عامدا فهو قود ، ومن حال بينه وبينه فعليه لعنة الله والملائكة والنا س أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفا ولاعدلا " . 2 - أن يكون المقتول آدميا ، ومعصوم الدم : أي أن دمه غير مباح 3 - أن تكون الاداة التي استعملت في القتل مما يقتل بها غالبا . فإذا لم تتوفر هذه الاركان . فإن القتل لا يعتبر قتلا عمدا .

أداة القتل : ولا يشترط في الاداة التي يقتل بها سوى أنها مما تقتل غالبا ، سواء أكانت محددة أم متلفة لتماثلهما في إزهاق الروح . وقد روى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رض ( 1 ) رأس يهودي بين حجرين ، وكان فعل ذلك بجارية من الجواري . وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة ، والشعبي ، والنخعي ، الذين يقولون بأنه لا قصاص في القتل بالمثقل . ومن هذا القبيل القتل بالاحراق بالنار ، والاغراق بالماء ، والالقاء من شاهق ، وإلقاء حائط عليه ، وخنق الانفاس ، رحبس الانسان ، ومنع الطعام والشراب عنه حتى يموت جوعا ، وتقديمه لحيوان مفترس . ومنه ما إذا شهد الشهود على إنسان معصوم الدم بما يوجب قتله ، ثم بعد قتله يرجعون عن الشهادة ، ويقولون : تعمدنا قتله ، فهذه كلها من الادوات التي غالبا ما تقتل . ومن قدم طعاما مسموما لغيره ، وهو يعلم أنه مسموم ، دون آكله ، فمات به ، اقتص منه . روى البخاري ومسلم : " أن يهودية سمت النبي صلى الله عليه وسلم في شاة ، فأكل منها لقمة ، ثم لفظها ، وأكل معه بشر بن البراء ، فعفا عنها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبها " . أي أنه عفا عنها قبل أن تحدث الوفاة لواحه ممن أكل " فلما مات بشر بن البراء قتلها به " . لما رواه أبو داود : " أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتلها "

( هامش ) ( 1 ) رض : كسر .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
بكر الصباغ
شخصيه هامهـ جدا
شخصيه هامهـ جدا


عدد الرسائل: 5401
0
تاريخ التسجيل: 20/12/2007

مُساهمةموضوع: رد: فقة السنة   الخميس أبريل 10, 2008 8:19 am

القتل شبه العمد : والقتل شبه العمد : هو أن يقصد المكلف قتل إنسان معصوم الدم بما لا يقتل عادة ، كأن يضربه بعصا خفيفة أو حجر صغير ، أو لكزه بيده ، أو سوط ونحو ذلك . فإن كان الضرب بعصا خفيفة أو حجر صغير " ضربة أو ضربتين " فمات من ذلك الضرب ، فهو قتل شبه عمد ( 1 ) . فإن كان الضرب في مقتل أو كان المضروب صغيرا أو كان مريضا يموت من مثل هذا الضرب غالبا ، أو كان قويا ، غير أن الضارب والى الضرب حتى مات فإنه يكون عمدا . وسمي يشبه العمد ، لان القتل متردد بين العمد والخطأ ، إذ أن الضرب مقصود ، والقتل غير مقصود . ولهذا أطلق عليه شبه العمد ، فهو ليس عمدا محضا ، ولاخطأ محضا . ولما لم يكن عمدا محضا سقط القود ، لان الاصل صيانة الدماء فلا تستباح ، إلا بأمر بين . ولما لم يكن خطأ محضا ، لان الضرب مقصود بالفعل دون القتل وجبت فيه دية مغلظة . روى الدارقطني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " العمد قود اليد ، والخطأ عقل لا قود فيه ، ومن قتل في عمية بحجر أو عصا أو سوط ، فهو دية مغلظة في أسنان الابل " . وأخرج أحمد وأبو داود عن عمرو بين شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " عقل شبه العمد مغلظ ، كعقل العمد ، ولا يقتل صاحبه ، وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس ، فتكون الدماء في غير ضغينة ولاحمل سلاح " .

( هامش ) ( 1 ) هذا مذهب أبي حنيفة والشافعي ، وجماهير الفقهاء ، وخالف في ذلك : مالك والليث ، والهادوية : فذهبوا إلى أن القتل إذا كان بآلة لا يقصد بمثلها القتل غالبا ، كالعصا والسوط واللطمة ونحو ذلك ، فإنه يعتبر عمدا وفيه القصئاص ، إذ الاصل عندهم عدم اعتبار الآلة في إزهاق الروح . فكل ما أزهق الروح أوجب القصاص . وأخرج أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب يوم فتح مكة فقال : " ألا وإن قتيل خطأ العمد بالسوط والعصا والحجر " .

القتل الخطأ : والقتل الخطأ هو : أن يفعل المكلف ما يباح له فعله ، كأن يرمي صيدا ، أو يقصد غرضا ، فيصيب إنسانا معصوم الدم فيقتله ، وكأن يحفر بئرا ، فيتردى فيها إنسان ، أو ينصب شبكة - حيث لا يجوز - فيعلق بها رجل فيقتل ، ويلحق بالخطأ القتل العمد الصادر من غير مكلف ، كالصبي والمجنون .

الآثار المترتبة على القتل قلنا إن القتل : عمد ، وشبه عمد ، وخطأ . ولكل نوع من هذ الانواع الثلاثة آثار تترتب عليه . وفيما يلي نذكر أثر كل نوع .

موجب القتل الخطأ : إن القتل الخطأ يوجب أمرين : ( أحدهما ) الدية المخففة على العاقلة ، مؤجلة في ثلاث سنين . وسيأتي ذلك حين الكلام على الدية . ( ثانيهما ) الكفارة ، وهي عتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب المخلة بالعمل والكسب ، فان لم يجد صام شهرين متتابعين ( 1 ) . وأصل ذلك قول الله تعالى : " وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ، إلا خطأ . ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ، إلا أن يصدقوا . فإن كان من قوم عدولكم وهو مؤمن ، فتحرير

( 1 ) يرى الشافعية أن كفارة القتل يجوز فيها الاطعام إن عجز المكفر عن الصيام لكبر سن أو مرض أو لحقه مشقة شديدة ، فيطعم ستين مسكينا ، يعطي كل واحد مدا من طعام . وخالفهم الفقهاء في ذلك لعدم ورود ما يدل عليه . رقبة مؤمنة ، وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ، توبة من الله ، وكان الله عليما حكيما " . ( 1 ) وإذا قتل جماعة رجلا خطأ . فقال جمهور العلماء : على كل واحد منهم الكفارة . وقال جماعة : عليهم كلهم كفارة واحدة .

الحكمة في الكفارة : قال القرطبي : " واختلفوا في معناها فقيل : أوجبت تمحيصا وطهورا لذنب القاتل . وذنبه ترك الاحتياط والتحفظ حتى هلك على يديه امرؤ محقون الدم . وقيل : أوجبت بدلا من تعطيل حق الله تعالى في نفس القتيل ، فإنه كان له في نفسه حق ، وهو التنعم بالحياة ، والتصرف فيما أحل له تصرف الاحياء ، وكان لله سبحانه فيه حق ، وهو أنه كان عبدا من عباده يجب له من اسم العبودية - صغيرا كان أو كبيرا ، حرا كان أو عبدا ، مسلما كان أو ذميا - ما يتميز به عن البهائم والدواب . ويرتجى - مع ذلك - أن يكون من نسله من يعبد الله ويطيعه ، فلم يخل قاتله من أن يكون فوت منه الاسم الذي ذكرنا والمعنى الذي وصفنا ، فلذلك ضمن الكفارة . وأى واحد من هذين المعنيين كان ففيه بيان أن النص وإن وقع على القاتل خطأ ، فالقاتل عمدا مثله ، بل أولى بوجوب الكفارة عليه منه " . اه‍ ووسيأتي بيان هذا .

موجب القتل شبه العمد : والقتل شبه العمد يوجب أمرين : 1 - الاثم ، لانه قتل نفس حرم الله قتلها إلا بالحق . 2 - الدية المغلظة على العاقلة - على ما سيأتي .

أما القتل العمد ، فإنه يوجب أمورا أربعة : 1 - الاثم . 2 - الحرمان من الميراث والوصية . 3 - الكفارة . 4 - القود أو العفو . ( 1 ) فلا يرث القاتل من ميراث المقتول شيئا ، لامن ماله ولا من ديته إذا كان من ورثته سواء أكان القتل عمدا أم كان خطأ . وقاعدة الفقهاء في ذلك : " من استعجل الشئ قبل أو انه عوقب بحرمانه " . ( 2 ) وروى البيهقي عن خلاس أن رجلا رمى بحجر فأصاب أمه فماتت من ذلك فأراد نصيبه من ميراثها ، فقال له إخوته : لاحق لك ، فارتفعوا إلى علي كرم الله وجهه فقال له علي رضي الله عنه : " حقك من ميراثها الحجر ، فأغرمه الدية . ولم يعطه من ميراثها شيئا " . وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس للقاتل من الميراث شئ " . والحديث معلول وقد اختلف في رفعه ووقفه ، وله شواهد تقويه . وروى أبو داود والنسائي وابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس للقاتل شئ ، وإن لم يكن له وارث ، فوارثه أقرب الناس إليه ، ولا يرث القاتل شيئا " ( 1 ) . وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم . وكذلك الاحناف والشافعية ، وذهبت الهادوية والامام مالك إلى أن القتل إن كان خطأ ورث من المال دون الدية ،

( 1 ) " أي أن بعض الورثة إذا قتل المورث حرم من ميراثه ، وورثه من لم يرتكب هذه الجريمة ، فإن لم يكن له وارث إلا القاتل حرم من الميراث وقسمت تركته على أقرب الناس منه بعد القاتل . مثل : الرجل يقتله ابنه وليس له وارث غير ابنه ، وللقاتل ابن ، فإن ميراث المقتول يدفع إلى ابن القاتل ويحرمه القاتل " . ( من معالم السنن للخطابي )

وقال الزهري وسعيد بن جبير وغيرهما : لا يحرم القاتل من الميراث . وكذلك تبطل الوصية إذا قتل له الموصى له الموصي . قال في البدائع : القتل بغير حق جناية عظيمة تستدعي الزجر بأبلغ الوجوه ، وحرمان الوصية يصلح زاجرا كحرمان الميراث فيثبت . وسواء أكان القتل عمدا أم خطأ لان القتل الخطأ قتل وأنه جاز المؤاخذة عليه عقلا ، وسواء أوصى له بعد الجناية أو قبلها .

( 3 ) الكفارة في حالة ما إذا عفا ولي الدم أو رضي بالدية : أما إذا اقتص من القاتل فلا تجب عليه كفارة . روى الامام أحمد عن وائلة بن الاصقع . قال : " أتى النبي صلى الله عليه وسلم نفر من بني سليم . فقالوا : " إن صاحبا لنا قد أوجب . قال : فليعتق رقبة يفد الله بكل عضو منها عضوا منه من النار " . ورواه أيضا بسند آخر عنه قال : " أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صاحب لنا أوجب قال : أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار " . وهذا رواه أبو داود والنسائي . ولفظ أبي داود قد أوجب " يعني النار " بالقتل . قال الشوكاني في نيل الاوطار : " في حديث وائلة دليل على ثبوت الكفارة في قتل العمد . وهذا إذا عفا عن القاتل ، أو رضي الوارث بالدية . وأما إذا اقتص منه فلا كفارة عليه ، بل القتل كفارته ، لحديث عبادة المذكور في الباب ولما أخرجه أبو نعيم في " المعرفة " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " القتل كفارة " . وهو من حديث خزيمة بن ثابت . وفي إسناده ابن لهيعة . قال الحافظ : لكنه من حديث ابن وهب عنه ، فيكون حسنا . ورواه الطبراني في الكبير عن الحسن بن علي موقوفا عليه

( 4 ) القود ( 1 ) أو العفو : القود أو العفو إما على الدية ، أو الصلح على غير الدية ، ولو بالزيادة عليها . كما أن لولي الجناية العفو مجانا . وهو أفضل . " وأن تعفوا أقرب للتقوى ، ولا تنسوا الفضل بينكم " ( 2 ) . وإذا عفا ولي الدم عن القاتل ، فإنه لا يبقى حق للحاكم بعد في تعزيره . وقال مالك والليث : يعزر بالسجن عاماو مائة جلدة ( 3 ) . وأصل وجوب القود أو العفو قول الله سبحانه : " يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى ، الحر بالحر ، والعبد بالعبد ، والانثى بالانثى ، فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ، ذلك تخفيف من ربكم ورحمة ، فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم " . ( 4 ) وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من قتل له قتيل فهو يخير النظرين : إما أن يفتدي ، وإما أن يقتل ( 5 ) " فالامر في العفو أو القصاص إلى أولياء الدم . وهم الورثة ، فإن شاءوا طلبوا القود ، وإن شاءوا عفوا ، حتى لو عفا أحد الورثة سقط القصاص ، لانه لا يتجزأ . روى محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتي برجل قد قتل عمدا ، فأمر بقتله ، فعفا عنه بعض الاولياء ، فأمر

(.

" ألا لا يقتل مؤمن بكافر " . أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم . وصححه . وروى البخاري عن علي كرم الله وجهه أيضا أن أبا جحيفة قال له : " هل عندكم شئ من الوحي ما ليس في القرآن . قال : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن ، وما في هذه الصحيفة . قلت : وما في هذه الصحيفة ؟ قال : المؤمنون تتكافأ دماؤهم ( 1 ) ، وفكاك الاسير ، وألا يقتل مسلم بكافر . وهذا مجمع عليه بالنسبة للكافر الحربي : فإن المسلم إذا قتله ، فإنه لا يقتل به إجماعا . وأما بالنسبة للذمي والمعاهد ، فقد اختلفت فيهما أنظار الفقهاء . فذهب الجمهور منهم إلى أن المسلم لا يقتل بهما لصحة الاحاديث في ذلك ، ولم يأت ما يخالفها . وقالت الاحناف وابن أبي ليلى : لا يقتل المسلم إذا قتل الكافر الحربي ، كما قال الجمهور . وخالفوهم في الذمي ، والمعاهد . فقالوا : " إن المسلم إذا قتل الذمي أو المعاهد بغير حق ، فإنه يقتل بهما ، لان الله تعالى يقول : " وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس " . وأخرج البيهقي من حديث عبد الرحمن البيلماني ( 2 ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قتل مسلما بمعاهد . وقال : " أنا أكرم من وفى بذمته " . وقالوا أيضا : ان المسلمين أجمعوا على أن يد المسلم تقطع إذا سرق من مال الذمي . فإذا كانت حرمة ماله كحرمة مال المسلم ، فحرمة دمه كحرمة دمه . رفع إلى أبي يوسف القاضي : مسلم قتل ذميا كافرا ، فحكم عليه بالقود ، فأتاه رجل برقعة فألفاها إليه . فإذا فيها :

( هامش ) ( 1 ) تتكافأ : تتساوى في الدية والقصاص . ( 2 ) ابن البيلماني ضعيف لا تقوم به الحجة ، وحديثه هذا مرسل . قال أبو عبد القاسم بن سلام : هذا الحديث ليس بمسند ، ولا يجعل مثله إماما تسفك به الدماء .

يا قاتل المسلم بالكافر - جرت ، وما العادل كالجائر يا من ببغداد وأطرافها - من علماء الناس أو شاعر استرجعوا وابكوا على دينكم - واصطبروا ، فالاجر للصابر جار على الدين أبو يوسف - بقتله المؤمن بالكافر فدخل أبو يوسف على الرشيد وأخبره الخبر ، وأقرأه الرقعة . فقال الرشيد : " تدارك هذا الامر لئلا تكون فتنة " . فخرج أبو يوسف ، وطالب أصحاب الدم ببينة على صحة الذمة وثبوتها ، فلم يأتوا بها ، فأسقط القود . وقال مالك والليث : " لا يقتل المسلم بالذمي ، إلا أن يقتله غيلة . وقتل الغيلة أن يضجعه فيذبحه ، وبخاصة على ماله " . هذا بالنسبة للكافر ، وأما العبد ، فإن الحر لا يقتل به إذا قتله ، بخلاف ما إذا قتل العبد الحر ، فإنه يقتل به . لما رواه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : " أن رجلا قتل عبده صبرا ( 1 ) متعمدا ، فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة جلدة ، ونفاه سنة ، ومحاسهمه من المسلمين ، ولم يقد به ، وأمره أن يعتق رقبة " . ولان الله تعالى يقول : " الحر بالحر " . وهذا التعبير يفيد الحصر ، فيكون معناه : أنه لا يقتل الحر بغير الحر . وإذا كان لا يقتل به فإنه يلزمه قيمته ، بالغة ما بلغت ، وإن جاوزت دية الحر . هذا إذا قتل عبد غيره . أما إذا كان السيد هو الذي قتل عبده فعقوبته ما ذكر في الحديث . وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء ، منهم مالك والشافعي ، وأحمد ، والهادوية . وقال أبو حنيفة : " يقتل الحر إذا قتل العبد ، إلا إذا كان سيده " . وذلك أن الآية الكريمة تقول :

( هامش ) ( 1 ) صبرا : أي حبسا .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://noor.firstgoo.com
 

فقة السنة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 4 من اصل 6انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6  الصفحة التالية

 مواضيع مماثلة

-
» فروض - السنة الثامنة أساسي: العربية
»  مواضيع السنة السادسةإبتدائي رياضيات : تونس
» طريقة حفظ السنة :للشيخ سليمان العلوان
» إمتحانات مناظرة السنة السادسة إبتدائي
» مواضيع في الرياضيات السنة الرابعة متوسط

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى ابناء ميت مسعود :: القسم الإسلامى :: المنتدى الإسلامى العام :: قسم الفقه وأصوله-